عرض كتاب (أدب السجون) لشعبان يوسف

اسم الكتاب: أدب السجون
تحرير: شعبان يوسف
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب
مكان النشر: القاهرة
تاريخ النشر: عام 2014
عدد الصفحات: 264 صفحة
قياس الصفحة: 24/17 سم
الرقم الدولي (ISBN): 978-977-448-915-0

المحتويات:
الجلسة الافتتاحية: د. سمير ندا
كلمة منسق الندوة: أ. شعبان يوسف
الفصل الأول: مداخل
الفصل الثاني: نماذج أدبية
مناقشات
شهادات حيّة

هذا الكتاب تحريرٌ لندوة أقامها مركز البحوث العربية الأفريقية عن أدب السجون، ومناسبة الندوة، والكتاب معًا، بحسب محرر الكتاب: “مرور خمسين عامًا على أوسع وأفظع تجربة اعتقال مصرية. فقد صدر في 31 كانون الأول/ ديسمبر 1958 قرارٌ باعتقال 168 شخصًا، تبعه قرار آخر في آذار/ مارس 1959 بإلقاء القبض على 436 شخصًا، ومن بينهم عدد لا يستهان به من الصحافيين والشعراء والروائيين والمسرحيين ورسّامي الكاريكاتور، وممثلين وأكاديميين ومهنيين”. وعن هذه المناسبة يقول شعبان يوسف محرِّر الكتاب: “لم يكن الغرض من إقامة ندوة حول أدب السجون تصفية حسابات مع الماضي، أو إدانة جديدة لإدارة سياسية بعينها، بقدر ما كان يحدو بنا الغرض لإجلاء بعض الغوامض التي أحيطت بالتجربة، وبقراءة الأدبيات التي أنتجتها التجربة من شعر وقصص وروايات ومسرح ورسائل وأناشيد”.
في الافتتاحية، يقول كاتبها الدكتور سمير أمين: “الأدبيات وخاصة الشعر، تمثل أوضح صور عن المجتمع، ودائمًا أقول للشخص الذي يحبّ أن يعرف عن مجتمع ما، كفى قراءة كثيرة من الكلام السياسي والاجتماعي، واقرأ الروايات الجيدة، والشعر الجيد؛ لإنهما يعطيان صورةً أعمق عن المجتمع من جميع التحاليل العلمية مثل علم الاجتماع والعلوم السياسية. فالرواية والشعر أفضل وسيلتين للتصوّر وفهم مجتمع ما”.
حقيقةً، إن الأدب، عمومًا، لا يعطي صورةً أعمق عن المجتمع وحسب، وليس الوسيلة الأفضل للتصور والفهم فقط، بل إن أهمية الأدب تذهب أبعد من ذلك، وتتجاوز، عمقًا، صورة المجتمع وسبل تصوره وفهمه. فالأدب، من جهةٍ عيّنة من الحقيقة، حقيقة المجتمع وحقيقة طبيعته وقواه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحتى السياسية، وعيّنة من حقيقة مستوى ذاك المجتمع وشروطه وأوضاعه الواقعية القائمة من جهة أخرى، وعلاوةً على ذلك، يختص الأدب بنقل ما يعجز أي نوع كتابي آخر عن نقله، فالكتابات التي تشمل التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والسياسة وغيرها، تعجز عن نقل الأحاسيس، ونقل التفاصيل الإنسانية الصغيرة، والتي يعبر مجموعها عن حياوات كاملة وتامة للبشر في هذا المجتمع أو ذاك. فلو تناولنا، على سبيل المثال، موضوع أو مفهوم الاستبداد، لقرأنا عند حنّة آرنت، الخطوط الناظمة للاستبداد، وتوصيفات عديدة لمستوياته، والكوارث الناتجة عنه، لقرأنا قوانينه ومآلاته، فلسفته ووكوارثه. ولو قرأنا عن ذات الموضوع، عند عبد الرحمن الكواكبي، أو إيتان دو لا بويسي، ومرافعته الشهيرة القوية، ضد الطغيان، لعلمنا مسببات الاستبداد ونتائجه، مرتكزاته وسياقاته، وأدركنا تناقضاته ونقائضه. لكن حين نقرأ عن الاستبداد أدبًا، عند جورج أورويل على سبيل المثال، فإننا سنخاف كما يخاف وينستون سميث بطل رواية 1984، ذاك الإنسان العادي، المُراقَب طوال الوقت، بوساطة الشاشات التي لا تبرح مكانًا من أمكنة حياته، ولشعرنا بتوجّس يطابق توجّسه حين محاولة اقترابه من أي شخص جديد، ولنقمنا، كما نقم سميث، على الأخ الكبير. ولوعينا وأدركنا، حين نقرأ رواية مزرعة الحيوان، جوهر الألاعيب الأيديولوجية وطرائق سن القوانين والشعارات، وحياكة المؤامرات التي لا تقوم للمستبد قائمة من دونها. وكلما قرأنا عن سكيولوجيا المستبد، وتشوهاته النفسية، وعقد النقص في ذاته، فإننا سندنو من معرفة ذاك المستبد، الحالة، الأيقونة، أو الظاهرة. وسنشعر بإمكان سبر أغواره؛ لكن لن يصحَّ سبر الغور الفعليّ ذاك، وتيقُنِنا من معرفة مكامن الخلل النفسي عنده، وتحليلنا الصائب لتشوهاته وعقد نقصه، كما يصح حين نقرأ رواية خريف البطريرك لـ غابرييل غارسيا ماركيز. وإذا ما اقتربنا أكثر باتجاه أدب السجون، فسنجد أن الأدب النزّاع دائمًا إلى الحرية قد تجلت إنسانيته كاملة حين ولج عالم السجون، عالم المعتقلات، عالم الاعتقال والتعذيب والتحقيق، وحين دخل عالم المعتقل ما بعد خروجه من أسره. فحين نقرأ لـ عبد الرحمن منيف رواية “الآن.. هنا”، أو “شرق المتوسط مرةً آخرى”، أو رواية “الأشجار واغتيال مرزوق”، أو حين نقرأ رواية “القوقعة” لـ مصطفى خليفة، فإن ما سيرافق قراءتنا تلك ويسيطر علينا، هو مزيج من التردد والارتباك وثقل الانتظار والخوف والألم، أي تحالف مشاعر مفرطة من الحزن والفَقد والرعب والإنكسار والشوق والتوق، سستتطابق، أو تكاد، مع ما عاشته شخصيات تلك الروايات. ففي الأدب وحده، سواء أكان رواية أو قصة أو شعرًا أو نثرًا أو مسرحًا، سنعيش حقيقة في الحقبة التاريخية التي انتقاها لنا الكاتب، وسنشارك المجتمع الواقعي أو المفترض تفاصيله الإنسانية كلها وبأدق تفاصيلها، وسنستطيع قياس -وهذه من أهم خصائص الأدب- ما حمله الفرد أو الجماعة أو الجمهور، من مشاعر وطموحات ورغبات وآمال وآلام. ومَن غير الأدب يبدع في تجسيد ذلك كله!
في الفصل الأول من الكتاب، وفي مداخلتها المعنونة بـ”أدب السجون في العالم العربي”، قدّمت رضوى عاشور، القاصة والروائية والناقدة الأدبية والأستاذة في الجامعة المصرية، عرضًا مقتضبًا لكتابات السجن العربية، اقتصر هذا العرض على المرويات، من مذكرات وسير ذاتية وروايات خمس أنتجها معتقلون سابقون عن تجربة الاعتقال والسجن السياسي في أربعة بلدان عربية، هي مصر والمغرب وفلسطين ولبنان. ومن الروايات المتناوَلة، رواية “تلك الرائحة” للكاتب صنع الله ابراهيم. ورواية “تلك العتمة الباهرة” للكاتب الطاهر بن جلون. لتضع بعد عرضها، بعض الملاحظات:
⦁ تُفصح كتابات السجن عن ملمحٍ أساس من ملامح واقع عربي محاصَر بين الغزاة والطغاة، ولعل دراسةً فاحصةً لمعتقل (أبو غريب) في العراق وما عاناه المعتقلون فيه في ظل نظام صدام حسين وفي ظل الاحتلال الأميركي يتيح لنا تجسيدًا مذهلًا لهذا الواقع.
⦁ تواجه كتابات السجن الذاكرة الرسمية، وتؤرخ للعلاقة بين السلطة ومعارضيها [….] وتكوّن هذه الأدبيات فرصةً مؤجلة للدفاع عن النفس، الدفاع الذي لم يكن ممكنًا لحظة الاعتقال […..] وهو دفاع مركّب مزدوج، يتجسد أولًا في أساليب المقاومة داخل المعتقل ومواجهة السجناء لمحاولة سحق إنسانيتهم بتأكيد هذه الإنسانية وجدارتها. أما المستوى الثاني، فهو الانتصار المعنوي المتمثل في الكتابة نفسها التي تصفي الحسابات مع آلة القمع والاستبداد.
وفي الفصل الأول، أيضًا، يتناول عمار علي حسن تجربة السجن في الأدب العربي المعاصر، بعنوان: النص والجدار، فيقول: “يعود اهتمام الرواية العربية بقضية السجن السياسي إلى عدة عوامل، أولها: أن الأدب ينزع بطبيعته إلى الحرية. ويرتبط العامل الثاني بطبيعة الحياة السياسية في العالم العربي، حيث أصبحت البقعة الجغرافية التي تمتد من الخليج شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، من أكثر مناطق العالم خرقًا لحقوق الإنسان، وصارت أنظمتها الحاكمة هي الأشد استبدادًا وتعسفًا في معاملة المواطن العربي، إذ بات القمع أساس التعامل بين السلطة والجماهير، كما أن أساليبه تطرأ عليها تطورات مستمرة، تسعى في اتجاه إغلاق الطريق أمام أي محاولة لإحداث ثغرة في جدار الاستبداد. أما العامل الثالث فيتعلق بخلفية العديد من الأدباء الذين أنتجوا الروايات، حيث نجد أن “السياسة” موجودة في صميم حياتهم بصور ودرجات متفاوتة، ولذا فإنهم مروا بتجربة السجن أو كانوا قريبي الصلة بمن مروا بها، أو مورست ضدهم أشكال مختلفة من القمع والقهر.” ويضيف: “سلطت الرواية العربية الضوء على الأزمة الحادة التي تواجه الحرية السياسية في العالم العربي [….] فصورت حصار ومطاردة وتعذيب هؤلاء الأشخاص، عبر تناولها حياة السجن كنقيض للحرية، منطلقةً من عدّه مكانًا روائيًا؛ لتعالج أحد مظاهر غياب الديمقراطية، وترصد نوعًا من أنواع علاقة السلطة السياسية بالإنسان العربي. ومن أهم الروايات التي تناولت السجن وصنوف التعذيب: “الكرنك” لـ نجيب محفوظ، و”العسكري الأسود” لـ يوسف إدريس، و”شرف” لـ صنع الله إبراهيم، و”السرداب رقم 2″ لـ يوسف الصايغ، و”الأسوار” لـ محمد جبريل، و”الزنزانة” لـ فتحي فضل، و”العطش” و”وراء الشمس” لـ حسن محسب. في حين تقدم رواية جمال الغيطاني “الزيني بركات” رؤيةً واضحةً لإرهاب السلطة، وألوان القهر والتعذيب، وتبرهن هذه المعالجة على أن ما يحدث في السجون العربية أمر متشابه لا يختلف في الجوهر، وكأن سلطات السجون في تلك البقعة العربية قد اتفقت على أسلوب واحد في التنكيل بالسجناء السياسيين. وهي المسألة التي تمثل جوهر أعمال الأديب عبد الرحمن منيف بل إحدى المحاور الرئيسة لأعماله الروائية، وهي ما دفعته إلى القول: إن الفارق بين مكان وآخر في المنطقة العربية، فارق نسبي، وليس نوعيًا [….] فالسجن السياسي، مثلًا، في أي بقعة عربية لا يختلف عن بقعة أخرى.
كما يتناول حسين حمودة موضوعة “المدينة سجنًا، العالم سجنًا: قراءة عابرة في ثلاث روايات مصرية”، فيقول: يمكن أن يرتحل زمن السجن ومكانه إلى ازمنة وأمكنة أخرى، بما يشي بواقع بعينه يرزح عليه القمع، وهذا المعنى قائم في عدد كبير من الروايات العربية، نتوقف عند ثلاث منها يتجسد فيها السجن خارج أسواره، بطرائق متنوعة: من المدينة المسماة المتعينة وقد غدت سجنًا كبيرًا، إلى المدينة المعاصرة غير المحددة وقد تدثرت بمعالم السجن، إلى العالم الواسع وقد أصبح سجنًا هائلًا. في رواية صنع الله إبراهيم (تلك الرائحة) يبدو عالم المدينة استمرارًا لتجربة الراوي المتكلم الخارج من السجن. إذ تتحول مدينة القاهرة إلى زنزانة كبرى [….] فقد صادر زمن السجن زمن ما بعد السجن [….]. ففي السجن ضاع شيء ما وانكسر وغدا مفقودًا في حاضره القائم [….]. نتج عنه مراقبة العالم من دون الانخراط فيه.
وفي رواية ضياء الشرقاوي “مأساة العصر الجميل” تناولٌ للمدينة التي تتحول إلى سجن يستأصل الأواصر المتصلة بالطبيعة الحية، ويمرق الروابط بين الفرد والآخرين. كما ترفع رواية عبد الحكيم قاسم “قدر الغرف المقبضة” الإحساس بوطأة السجون، ومعاناة حصار جدرانها، إلى درجة القهر الكوني الذي لا رادَّ ولا مهرب منه.
وتتناول ثناء أنس الوجود “عطر الزنازين، قراءة نقدية في نماذج مُختارة من كتابات المثقفات المصريات الروائية خلف السجن”. والكاتبات المختارات هنا هنّ: نوال السعداوي وعملها الروائي “مذكراتي في سجن النساء”. ولطيفة الزيات وعملها الروائي “أوراق شخصية”. ورضوى عاشور وروايتها “أطياف”. بحيث تناولت ثناء أنس الوجود زمن تدوين التجربة عند الكاتبات الثلاث، ومداخل التجربة، وطريقة تسجيلها فنيًا.
ويتناول شعبان يوسف موضوع الشعر في أدب السجون، بعنوان “المقاومة عندما تكون شعرًا”، فيقول: ماذا يفعل الشاعر والكاتب والفنان في ظلمة السجن؟ كيف يواجه كافة أدوات العقاب؟ ففي مواجهة هذه الأصناف كلها تتكون أصناف من المقاومة وأبرزها الكتابة، بدايةً من الكتابة على الجدران. وغالبًا ما يكون الشعر والغناء أداتين رئيستين لهذه المقاومة، أي “بلاغة المغمومين” كما أطلق عليها الناقد جابر عصفور. ومن الأمثلة عن هذه المقاومة، يورد شعبان يوسف أول تجربة سجن تعرض لها شاعر عربي، هو الشاعر عدي بن زيد المتوفى في سنة 590م، أي قبل الهجرة بنحو خمسة وثلاثين عامًا، وهو زوج ابنة الملك النعمان، الذي اعتقله وقتله قتلةً وحشيةً. كما يورد لنا ديوان “رحلة الحجلات” للشاعر محمود المستكاوي. وديوان “حكايات في الطريق” للشاعر محمود شندي. وديوان “المومياء المتوحشة” للشاعر محمد عفيفي مطر. ويقول شعبان: يحاول المسجون دومًا بقصائده أن يتواصل مع الخارج ويقيم حوارًا مع كائنات متخيَّلة، وكائنات غائبة مثل الأم والأب والأخ والحبيبة.
في الفصل الثاني من هذا الكتاب والمعنون بـ” نماذج أدبية” يدرس أحمد بهاء الدين شعبان تجربة السجن في أدب الكاتب غالب هلسا: “هو مثقف عربي ماركسي، مارس السياسة المباشرة، تحرّكه رغبة ملحّة في التغيير؛ غرق في أوجاع ومكابدات الشعب المصري، وشبّانه وطلبته، في سعيهم لمواجهة هزيمة 1967، واندمج في الحياة الثقافية والسياسية لجيل الستينيات، وشارك في نهضة الكتابة الأدبية المصرية، وكانت علاقته بالمثقفين المصريين من الأسباب التي دفعت السلطة الساداتية إلى اتخاذ قرارها بإبعاده مع الكاتب الفلسطيني عبد القادر ياسين أواخر عام 1976. ليُجبَر غالب بعدها على مغادرة بيروت التي لجأ إليها بعد مصر، وذلك عقب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ليبدأ تغريبته الجديدة التي حطت به، نهاية المطاف، في دمشق.”
عن تجربة سجن غالب هلسا، ما بين الحياة والإبداع الأدبي، يقول أحمد بهاء الدين شعبان: تجربة السجن والاعتقال والتعذيب والتحقيق والمراقبة، وآثارها السيكولوجية والمادية، حاضرة بقوة في متن نص هلسا، أينما كان المكان وحيثما كان الزمان. ويستعرض هذه التجربة في روايات أربع من أعمال هلسا، وهي: الضحك، والخماسين، والسؤال، والبكاء على الأطلال.
وتتناول أمل الجمل في هذا الفصل أيضًا، موضوع “مقاومة السجن” في مؤلفات شريف حتاتة الأدبية، ويتناول عمر شهريار مقتل شهدي عطية بين ورايتي “حكاية تو” و”أوان القطاف” ونوقشت خلال ذلك الفترة الناصرية، وخصوصًا الكتابات التي ركّزت على علاقة النظام الناصري بقوى اليسار على اختلاف توجهاتها، ليركز عمر شهريار على النصوص الأدبية التي تعاطفت مع اغتيال شهدي عطية في سجن أبو زعبل في يونيو 1960.
وفي موضوع “رسائل السجن كآلية للمقاومة” تقرأ مي أبو زيد رسائل عبد العظيم أنيس وفريدة النقّاش، ليتناول الكتاب، أخيرًا، شهادات حية عن الاعتقال وأدب السجون، قدمها كل من: أمينة رشيد، جمال الغيطاني، سيد ندا، صنع الله إبراهيم، وفخري لبيب.
تتجلى خصوصية الواقع السياسي العربي، وخصوصية الأنظمة العربية المعبَّر عنها راهنًا، في ظواهر القمع والاستبداد والإجرام والتنكيل والقهر، خارج السجون العربية وداخلها، وهذا ما يضفي خصوصية عربية على أدب السجون. إذ يمسي أدب السجون عربيًا، أدبًا للواقع برمته، فالواقع العربي ليس إلا سجنًا كبيرًا، واسعًا، قد يكون أقل وطأة من السجون الصغيرة، لكنه يبقى سجنًا تتوافر فيه طرائق التعذيب ووسائل القهر والحرمان والمنع كلها. وإن الأهمية الكبرى المثلى التي يقوم بها أدب السجون عندنا، هي تعرية الأنظمة العربية الراهنة، تعرية لاستبدادها ولإجرامها، والتعرية الأهم تلك التي تطال تعرية حقيقتها وطبيعتها، ومن يمثل تلك الحقيقة والطبيعة أكثر من طبيعة وحقيقة معتقلاتها وسجونها. وهذا ما دأب عليه أدب السجون، شعرًا ونثرًا وروايةً وقصصًا ومسرحًا، فاضحًا ما يُرتكب خلف القضبان من مجازر بحق الإنسانية، وجرائم قتل وتعذيب تفوق التصور والتخيل.
إن مقارنة بسيطة بين ما قدمه أدب السجون، عربيًا، من نقل حقيقي لتفاصيل ووقائع حياة البشر، بهمومها وآلامها في المعتقلات والسجون، وما يمارَس فيها من تعذيب وحشي وقتل همجي، وتشفٍّ مروّع، وبين ما تتبجح به الأنظمة العربية من ديمقراطية وحقوق إنسان وحرية ومساواة وعدالة ومقاومة وتنمية، وما تصدِّع به رؤوسنا من شعارات واهية، هو ما يمثل حقيقتين: الحقيقة الجوهرية البنيوية للأنظمة العربية. وحقيقة أهمية أدب السجون وغايته، وليغدو أدب السجون، بين هاتين الحقيقتين، فعلًا مقاومًا للطغيان، نضالًا فاضحًا له، راصدًا انتهاكاته وجرائمه، ومعززًا في آنٍ، قيم الحرية والاختلاف؛ موكدًا على أولوية الديمقراطية وحقوق الإنسان.

  • فادي كحلوس

    مدير تنفيذي لمؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، من مواليد 1979، خريج كلية الإعلام بجامعة دمشق، ناشط سياسي واعلامي، من مؤسسي (تجمع أحرار دمشق وريفها للتغيير السلمي – لجان التنسيق المحلية – تجمع أحرار ثورة الكرامة) 2011، له عديد من المقالات والقراءات النقدية منشورة في عدد من الصحف المطبوعة والإلكترونية.

مشاركة: