ما لم تلتقطه الصور

لستُ أدري من أين وكيف تبدأ الأشياء؟ عادةً تكون البدايات أكثر الأماكن جمالًا وحماسًا في الحكايات، لكنّ ذلك قد يصبح عصيًّا في الحكايات التي تشبه حكاياتنا، الحكايات المتخمة بالقهر والألم، وتغطّي مشاهدها مساحاتٍ كبيرةً من بقع الدم.

الأمر الأصعب هو أنّنا لم نعد نمتلك القدرة على قصّ الحكايات، فالحديث أصبح أكثر من أن يستوعبه لسان أو يتحمّله عقل، عدا عن أنّ أكثر من يفشل في سرد الحكايات هم أبطالها.

كأنّ ذلك قد حدث البارحة، لا يمكن أن أتخيّل اليوم أنّ عقدًا كاملًا قد مرّ، ربما لأنّ الزمن أصبح مفهومًا معقّدًا ومتشابكًا في حالتنا حتّى أصبحت الأحداث المتلاحقة أسرع من مرور الزمن في حدّ ذاته، فأصبح إدراك الزمن أمرًا غير هيّن.

ربما من الأنسب أن نبدأ بمكاشفة أنفسنا بأنّنا هرمنا، ليس بالمعنى الزّمني فحسب، وإنّما بالمعنى النفسي أيضًا، فقد ترك الزمن بصمات واضحة على أشكالنا وأرواحنا، لكنّنا تأخّرنا حتّى في إدراك أنّنا اليوم نختلف كثيرًا عما كنّاه قبل سنوات عشر.

وما هي التجارب إذًا إن لم تشكّل صياغتنا من جديد وتجعل منا (نحن) بحلّتنا الجديدة، لكنّ تلك الجدّة التي اكتسبناها لا تفتأ تذكّرنا بما كان عليه قديمُنا، وربما تجعله أكثر حضورًا في الذاكرة، ما يثبت أنّنا لا يمكن أن ننسلخ عنه.

من أين أبدأ إذن؟ ربما لدى كلّ واحدٍ أو واحدةٍ منّا كثيرٌ من المحطات التي يمكن أن تشكّل بدايةً لحكايته في الصورة الكبيرة، فمن كتابة شعارات المظاهرات أو تنظيمها أو إرسال الأخبار إلى وسائل الإعلام، إلى سقوط الحلم عند سماع أول رصاصة، وحتى حكايات الحصار والنزوح المستمرة، أو استشهاد الأيقونات الحقيقية في الثورة أو غياب أسماء أولئك الذين لم يحالفهم الحظ ليصبحوا أيقونات لأنّ الصورة لم تلتقط وجوههم وأَغْفَلَتها. يوجد في جعبتنا ألم أكبر من أن يُحكى.

كنت قد بدأت بالتفكير مليًا في الخروج من سوريا نهائيًا حين سمعت دقّات قلب طفلتي للمرة الأولى، حدث قبل ذلك أن خرجت في رحلات نزوحٍ داخليّة كثيرةٍ، كما ذهبت إلى خارج سوريا وعدت بمحض إرادتي على الرغم من الملاحقات الأمنية والاستدعاءات المستمرّة، انتقلت من حمص إلى سلميّة إلى دمشق أكثر من مرة خلال السنوات الأولى للثورة، لكنني كنت أعوّل على الوقت وعلى أننا سوف ننتصر لا محالة، لأننا أصحاب حقّ. لكنّ الزمن لم يكن بالكرم نفسه، ولا أخبار الموت المتلاحقة تركت لنا مساحة الاختيار، عدا عن أنّ دقّات القلب تلك كان لها الكلمة الفصل فيما اتّخذته من قرارات فيما بعد.

عزمنا إذًا على محاولة الرحيل، تَرافق ذلك مع احتدام الصراع وإغلاق العالم أبوابه في وجوهنا، لكنني أصبحت أكثر إصرارًا على أن أمنح ذلك القلب الحياة الحقيقية التي يستحقّها، وأن أُخرجه من تلك المقتلة التي تسجّل أرقامًا قياسية بجثث الأشخاص والأحلام كل يوم.

أتذكر هذه الأشياء اليوم بعد أن منعت نفسي طويلًا من أن أستذكر شوارع مدينتي حتى لا أقع في فخّ الحنين، لطالما أشحت بوجهي كلّما لاحت صورة المدينة التي كبرت فيها أو تلك التي حملت صباي في أثناء الدراسة وما بعدها، لماذا سأثقل على نفسي بكلّ ذلك الحنين إذا كانت النتيجة هي إدراك وجودنا في القاع بعد أن أثقلت الهزائم قلوبنا وقضى الأمل نحبه فينا؟

لا ذاكرة تربطني الآن بالبلاد سوى الصور التي يتناقلها أصحاب الحنين، أستذكر الصور الآن وأعترف لنفسي أنّها كانت خائنة في كثير من الأحيان، لا ذاكرة لها مثلما اعتقدنا، تضعنا في مواجهة الشوارع بلقطة واحدة محدودة الكادر من دون أن يكون لها وفاء لما قد يوجد خلف كواليسها، أو تعتم على لون الدماء الذي جرى في هذا الشارع ولا تلتقط صورة الأم التي تجهش بالبكاء خلف النافذة حزنًا على حياة فقيدها.

الصور عاجزة مثلنا أيضًا، فلا تنقل ما تخبّئه القلوب، ولا تشرح ما يثير الألم والخيبة في آن معًا، ولا تجعلنا نشعر بالصقيع الذي يعانيه مَن بقي هناك لأنّه ما زال معلّقًا بحبال الوطن الهشّة.

أتأمل تلك الصور اليوم وأنا أتذكر الصورة الأولى التي التقطتها لابنتي فور ولادتها في المستشفى، كانت تبدو غضّة وورديّة اللون، لا أدري كيف شاءت الأقدار أن أتابع بعد عدّة أيام وفي وقت باركتنا فيه الكهرباء خبر وفاة طفل في مخيّمات السوريين بسبب الصقيع، لم تكن حالته الوحيدة طبعًا ولن تكون الأخيرة، لكنّها كانت مفجعة بالنسبة إلى أمّ حديثة ترى الحياة ولّادة، وتتحصّن بأمل الولادة الجديدة.

رافقني بعد ذلك شعور بالذنب لن ينتهي بسهولة، حدث ذلك في وقتٍ بدأنا فيه نتعامل مع مدّخراتنا من وقود المدافئ بتقنين مكثّف كي لا تشعر صغيرتنا بالبرد فيما بعد، وبدأنا نعدّ خطّة الرحيل، ونحاول تذليل العقبات التي تقفز في كل مرحلة.

بدأ الشعور بالخوف يطغى على الشعور بالذنب، على الرغم من أنني اختبرت التحقيقات والاستدعاءات ورهبة الوقوف على الحواجز وتطاير الرصاص فوق المظاهرات، وشممت رائحة الدم في الاعتصامات، لكن هذه التجربة كانت أكثر صعوبة ووهرًا، لا لأنّها تتعلّق بحماية طفلتنا فحسب، وإنّما لأنها تخفي في كواليسها عجزًا وشعورًا متفاقمًا بالذنب، ذلك أنّنا في هروبنا هذا نحاول إنكار أنّنا تركنا خلفنا أطفالًا كثيرين عجز ذووهم عن إيصالهم إلى برّ الأمان. 

هل تقاوم العين المخرز؟ كنت أؤمن أنّها قد تفعل، لكنّني في تلك اللحظة كنت أعجز عن المقاومة وأستمرّ في الهروب لأتخلّص من أسر الخوف، ربما هو خوف الطبيعة الأم الذي ورثته النساء كي تؤمّن استمرار الحياة بالولادة من جديد.

بدأ المخرز بالاقتراب أكثر، فما كان مني إلا أن تعجّلت بالهروب، وقد خبّأت في حقيبتي شعورًا بالذنب تجاه كل من لم يستطع ذلك، كانت الحياة قد أصبحت بمثابة دَين يكبّلني، ولأنني لم أنجح في حماية حياة الآخرين اخترت أن أحمي الحياة الوحيدة التي منحني العالم المقدرة على حمايتها.

أذكر الآن تمامًا حالة البكاء التي تملّكتني وأنا أصل مطار البلاد الثانية بعد رحلة دامت طويلًا، كانت الأشياء تبدو من الغرابة بحيث لم أتمكّن من إخفاء الدهشة التي تملّكتني، كنت كمن يكتشف الحياة للمرة الأولى، أبهرتني الأضواء بعد عتمة مادّية ومعنوية دامت طويلًا في البلاد التي أتيت منها، لقد كانت تلك هي ولادتنا الثانية.

لم أتمكن من استيعاب الأحداث والأشخاص من حولي على الفور، حتى إنّني كنت أعجز عن استخدام الجمل والمفردات بشكل جيد أو التفاعل مع الأحاديث مثل أيّ إنسان طبيعي، كنت أشبه بمن خرج من الكهف بعد نوم بدا طويلًا، يا إلهي: “كم لبثنا”؟

سبع سنوات مرّت منذ بدء الثورة السورية قبل أن أتخذ قرار الانفصال النهائي عن البلاد التي كنت على استعداد أن أمنحها روحي مثلما منحتها قلبي، ربما يقول أحد ما في أيّ مكان من العالم: إنّ ذلك لم يكن سوى استسلام سريع وإنّ ولادات الشعوب الثانية عبر الحراكات والثورات تتّخذ زمنًا طويلًا قد يمتدّ عقودًا، ربما يتّهمنا البعض بالخيانة والتخلّي، كلّ ذلك وارد وقد يكون حقيقيًا في جزء منه، لكنّ ذلك لا يعبّر إلا عن جزء صغير من الصورة ويجعلنا نطلق الأحكام وفق مشاهداتنا المحدودة من زاوية ضئيلة فقط، ومن دون أن ندرك الأبعاد الأخرى للقرارات التي قد يتّخذها الآخرون أو قد يُرغمون على اتخاذها.

ذلك الجزء المخفي من الصورة التي لطالما كان سبب الخلاف الجذري بين الأشخاص، بعضهم مع بعض آخر، وهو ذاته الذي سبّب الشرخ والقطيعة بين فئات السوريين وشرائحهم، وهو الجزء الأهم الذي تجاهلته كاميرا الإعلام، ولم تعبأ به مؤتمرات مجلس الأمن، ولم تحتمله نشرات الأخبار اليومية، ذلك الجزء الإنساني البسيط غير المرئي وغير الملموس الذي يجعل من الإنسان إنسانًا، إنه الخوف والرغبة في عيش حياة آمنة ومستقرة.

قد أختلف اليوم أيضًا مع كثيرين بخصوص حكاية العودة إلى الوطن، وربما ما يزال صوتي مختلفًا بالنسبة إلى رأي كثيرين ممّن يودون أن ينشأ أبناؤهم في بلادهم الأم، ويتعلّموا لغتها، ويستذكروا أصولهم كي لا تصبح طيّ النسيان، غير أنّ ذلك أيضًا لم يعد من أولوياتي اليوم، إذ إنّ الوطن الذي حلمنا به يختلف عن ذلك الوطن القابع في غرف الذاكرة الخلفية، لأنّه لم يكن إلا منفًى حقيقيًّا لا يمكن أن أتمنّى العودة إليه أو أن أحلم بأن تنشأ ابنتي فيه، خوفًا من أن تشلّ روحها الهزائم التي عشّشت في أرواحنا.

إنّ أكثر ما يمكن أن أحلم به اليوم في منفاي الأخير هو سرير دافئ لابنتي، مثلما أحلم به للأطفال جميعًا، ومدرسة تستطيع أن تحصّل فيها تعليمًا محترمًا من دون شعارات وأيديولوجيات، ومكانٌ يمكن أن يكون لصوتها فيه الحرية الكاملة من دون أن تعاني من كمّ الأفواه أو أن يسوقها بسببه المحقّقون إلى أقبية التحقيق. 

لقد أصبح صراع النساء السوريات اليوم صراع وجود أكثر ممّا هو صراع قضايا، وكأنّ الطبيعة تخبرهنّ أن وجود الإنسان السوري ومسؤوليّة حمايته هي مسؤوليتهنّ، الحكاية ربما ليست جديدةً، فكثيرًا ما عمّرت النساء الأرض، وكثيرًا ما كنّ السبب في إعادة البناء فوق تلال من الخراب، لطالما حملنَ همّ الإعمار فوق أكتافهنّ مثلما كان لهنّ فضل الولادات الجديدة التي تستطيع إعمار الأرض مجدّدًا، إنها دورة متكرّرة إذًا.

أعادتني تلك الفكرة إلى البحث في قضيةٍ ما زالت عصيّة على الفهم، وهي قضية التاريخ الذي يعيد نفسه، فلو كان للزمن شكل إذن فلا بدّ أن يكون شكل الدائرة بحيث يعاد ويتكرّر كل شيء فيها مرارًا، ربما يكون ذلك هو السبب والعلّة لأنّنا لا نتعلّم من أخطائنا، لكنّ الزمن في الغالب لا شكل له سوى ذلك الذي اخترعناه كي نقوم بإحصائه وإدراكه.

ولأنّني لم أتمكّن حتى اللحظة من حلّ أحجية الزمن والتاريخ، أنكفئ على نفسي مجدّدًا وأطرد من رأسي صراع المصطلحات وتزاحم الأسئلة الوجودية، وأعود إلى حضن ابنتي مجدّدًا في كلّ ليلة حتى أستطيع أن أمنح نفسي طاقةً جديدة تكفيني لأستمرّ معها في ذلك الطريق، وأغفو في انتظار أن أُولد مجدّدًا في صباح اليوم التالي.

وفاء علّوش

وفاء علوش روائية سورية. ولدت في حمص ونشأت بها. درست القانون في جامعة دمشق ثم تابعت تعليمها في المعهد الوطني للإدارة العامة. هاجرت إلى مصر بعد الحرب الأهلية السورية وسكنت القاهرة في 2017. روايتها الأولى هي «كومة قشّ» التي فازت بجائزة كتارا للرواية العربية سنة 2019.