عن المكان والكلاب والكلام

هي حكاية “لغة”، ولغة لا تعني المزيد من الكلام، والمثال قد يحضر سريعًا من دون الحاجة إلى البراهين، لقد أخذنا عبرها (أندريه مالرو) إلى “الكائن والعدم” و”القيء” و”الذباب”، والأيدي القذرة”، ومع كل من عناوينه يذهب الرجل إلى “الحكي” عن “اللامبرّر” وعن “اللامعقول”، عن رماد المعنى، والهزائم والخيبة، ويوم جاء سارتر اختزل كل ما سبق بمصطلح “العبث”، ومعه بات كل شيء واضحًا، مختصِرًا الكثير والكثير ممن سبقوه، بدءًا بشكسبير، أعظم العابثين حكمة: “نريد أو لا نريد، ذلك هو السؤال.” وصولاً إلى ديستويفسكي: “إذا لم يكن الله موجودًا فكلّ شيء مباح”.

ومن يستطيع أن يؤكد وجود الله من عدمه؟

ومع كلّ هؤلاء يمتدّ الكلام، أي تمتدّ اللغة، من السقوط إلى الرأفة بالسّاقطين، ولا نعني هنا السّاقطين بالمعنى الأخلاقي، لا، ما نعنيه هو السقوط في الخسارة والدمار.. الدمار بِشقّيه، الدمار الذاتي، وتدمير الآخر، في مناخات الهباء والانكسار واللاشيء، لتمتدّ المعاني وتشمل “الغربة”، أشدّ وقائع الانكسار قسوة، والتي يعقبها: الاستسلام أو الانفجار الكبير، وقد يأتي على هيئة انتحار.

الغربة؟!!

أهل الرأي والرؤيا، يتساءلون عن قيمة اللغة، ومن ثمّ عن قيمها، دون التفاتة إلى المكان.. فلا يصحّحون السؤال ليأخذ شكله الأكثر جدوى: قيمة اللغة في الغربة؟

كما لو أنّ اللغة لا تشتقّ من المكان، كما لو أنّ المكان ليس هو اللغة، لغة الأيدي، ولغة العيون، ولغة السراويل، ولغة الفساتين، ولغة الحدائق أو المزابل لا فرق.

(هنا في الغرب) الممتلئ بالكلاب المدرّبة القابلة للتدجين وتلقّي الأوامر، والإسراف في حبّ المضيف، الشقيق، والمالك والمالكة اللّذَين قد يتحوّلان إلى أب وأم للكلاب، على العكس من (هناك أي في سوريا) حيث الكلاب الشاردة الممتلئة بالشراسة، الكلاب اللا مِطواعة، الرافضة لهذا النوع من التبنّي والاغتسال بمستحضرات الصابون.. الرافضة للوجبات المخصّصة للكلاب، الكلاب التي كرّمها الله بالرفض، وساقها الإنسان إلى الانتحار.

هل تتساوى اللغة ههنا، مع اللغة هناك؟

بين هنا وهناك لغتان، لا تشبه إحداهما الأخرى.. فـ “الكلب الجعاري السوري”، لم يكن “كلب مهمة”، هو الكلب الصريح، والمفارقة أنّه لا تهجين للكلاب في بلاد تعبث بالبشر، بشر كوميديا البازار، كوميديا اللغة التي ابتكرها الإنسان لتتبنّى مفردات من مثل: (الأب القائد) (الزعيم الخالد) (المفدّى) (المُلهَم).

وتمتد أكثر وصولًا لأسماء الله الحسنى وقد بلغت (99) اسمًا وزادت عليها أسماء وصفات، ووحدها الكلاب الضّالّة، تحرّرت من وقائع هذه الأسماء دون أدنى التفاتة للعقوبات والعواقب، ولا لمسار المعادلات والعلاقات، فباتت حرّةً و(للحرية أثمانها): الصقيع، الزواريب المعتمة، الرشق بالحجارة كما رشقات الرصاص، ومطاردة شرطة البلديات للكلاب التي يسمونها “ضالّة”، وكل ما فعلته تلك الكلاب من ضلال أنّها لم تتهجّن كما الحال مع كلاب الاغتسال بالصابون، وقد أخذتها الهندسات الجينية إلى ما يشبه الكلاب: كلاب بجينات ماعز، أو كلاب بجينات خنازير، أو كلاب بجينات أحصنة. وها هي الهندسات الجينية تشتغل على الأبديّ، دونما احترام لحقيقة الكائن المؤقّت الذي ما إن يموت حتى ينتهي من النباح ومن الكلام.

هي الغربة، الغربة في المكان التي تعني “الغربة في اللغة”، وكيف لي أن أترجم نباح الكلب الجعاري السوري في حضرة الكلب “لابرادور”، أو “جيرمان شيبرد”، أو “كلاب الهاسكي”؟ أو ذلك الكلب اللعبة الذي ينام في سرير الزوجة، وقد ترضعه كما لو أنّه انزلق من رحمها في شتاء ليلة ساخنة؟

“هناك” أي في بلدي، لا يمنحون الكلاب أيًا من التقدير الضروريّ للرّفقة الممتدّة من أزل الإنسان إلى أزل الكلاب، غير أنّ الكلاب ما زالت معاندةً، ضالّةً، شرسةً، ممتلئةً بما يكفي من كرامة الحفاظ على النوع.. وهنا، في الغرب، يهجّنون الكلاب، ويخصّصون لها ما يكفي من أدوات التدريب على “الطاعة”، حتى ليبدو أنّه ثمة لغة لا بدّ أن تتحول إلى لغة مكتوبة، لها مفرداتها، قواميسها، أشعارها، هي لغة الكلاب، بما لا يبقي للكلب لغةً ولا جنسًا ولا نوعًا، ولا حتى سلالةً مع التحولات الهائلة في تبديل السلالات. ولكلّ كلبٍ اسمه، اسم مسجّل في دوائر البلديات، وعيادات الأطباء البيطريين، وسجلّ طبّي كما سجلّ سيكولوجي يحكي عن التبدّلات الطارئة على أمزجة الكلاب.

يحدث ذلك في الغرب بعد “ثورات”، ليس أهمها الثورة الفرنسية يوم أطلق فيكتور هوجو أحداث روايته “البؤساء”، بؤساء يحطّمون واجهة فرن لاقتناص رغيف خبز لأطفال جياع.

هل يستحقّ رغيف الخبز كلّ تلك الدماء، ليصل هذا الغرب في ثورات لاحقة إلى تهجين الكلاب؟

ربما استحقّ ذلك، ومع ثورته تحرّر الإنسان، لا من سطوة السوق ورأس المال، ولا من “العبث” و”أزيز الذباب”، بل تحرّر من سطوة ذلك الكائن الذي يحمل (99) اسمًا مضافًا إليها:

(الأب القائد) (الزعيم الخالد) (المفدّى) (المُلهَم).

ومؤخرًا، هتفوا له: أنت الله.

وإلا ما معنى تلك الهتافات التي امتلأت بها حناجر أنصار الطغاة؟

في علم الحيوان، يترك الرّاعي غنمة يسمّيها “من حصّة الذئب”، أمّا الذئب فيترك من الوليمة حصّة ابن آوى، وبدوره يترك ابن آوى حصّةً للضباع، وحتى الضبع (الكائن المذموم) يترك للطيور الجارحة حصّتها، فلا يترك لأيّ من السابقين أطفالًا جياعًا.

ضواري سوريا يلتهمون الراعي والغنمة وصولاً للأطفال الجياع وأمّهات الأطفال الجياع، ويطاردون الكلب (الجعاري) أنظف السلالات الكلبية وأشدّها كرامة ورفضًا للتدجين، ثم لا يلبثون أن يقتنوا لبيوتهم تلك الكلاب الطيّعة، الهجينة، اللذيذة، التي تشاركهم أسرّتهم، ويلتقطون لها ما يكفي من الأسماء المستمدّة من اللغات الأخرى، لغات مثل الفرنسيّة، الإنكليزيّة، ومؤخرًا وبدافع التمايز أسماء إسبانيّة، مثل “ألاميدا” للكلبات، و”ألفونسو” للذكور من الكلاب، ويحثّون كلابهم  على لعب كرة القدم، وركوب الخيل، ومصارعة الثيران، وثمّة من شبّه كلبه بـ”الرب” امتنانًا لكلبه الذي يتقن التقاط كرة البايسبول بفمه بعد أن يرميها له مروّضه في الهواء.

الربّ.

هكذا يصفه على صفحته في إنستغرام، وهو اللقب الذي لم يحظ به ليونيل ميسي، أسطورة كرة القدم، الموصوف بـ”القنبلة”، فيوم أطلق عشّاق ميسي على لاعبهم لقب “ديوس”، التي تعني “الرّب” باللغة الإسبانية، أضرم بابا الفاتيكان النيران بالكلام، وأدان أولئك المعجبين بعد أن وعدهم بـ”الحريق الأبديّ”.

“الغرب” ليس الأم تيريزا، ولغته ليست لغتها كذلك، ولكننا في الشرق، بل في سوريا على وجه أكثر دقّة، لسنا بجمهورية علي بابا، لنحكي لغة علي بابا، ناهيك أننا لسنا في بلاد الكهرباء التي تشعّ، والمياه التي تتدفق، ولم ينقلنا “تأبّط شرًا” من العصر الحجري لنتكلم  لغة الرسم على جدار المغارة، إلى الزمن النوويّ، لنحكي بلغة مارلين مونرو، فبأيّ لغة سنحكي، وقد منحنا سادتنا “صك البيع” بدءًا من “بايعناك إلى الأبد” و”بالروح بالدم” فخسرنا لغة الزّقاق، ولم نربح لغة الدولة، وقد تحوّلنا ما بين ليلة وليلة إلى جيران للمزبلة؟

بأيّ لغةٍ نحن أبناء ذاك الشرق المعقّد نحكي؟ بلغة القرآن أم على إيقاعات الليدي غاغا؟

بلغة الخيزرانة، أم بلغة الأدمغة نحكي؟

بلغة تلك البنية الثيوقراطية لأنظمة السواطير والأيديولوجيات الكئيبة، أم بلغة الحياة نحكي؟

لا بدّ من لغة “العبث”، فـ”وحده العبث ميزان حياتنا”، وبهذا ثمة ما يختلف فينا عن كلابنا الشاردة، تلك التي لا تتطابق لغتها مع لغات الكلاب المنزلية للغرب “الإمبريالي”، كما لا تشبه لغتنا المتحدّرة ربما من تراجيديّات المكان الذي لم يصغْ نفسه، وقد تلاشى في مطابخ عمالقة الكوكب حتى وقعنا في (لغة الحيرة) وقد جمعت لغة آيات الله إلى لغة جون ترافولتا.

وحدها الكلاب الشاردة لها ما يكفي من الامتثال للغتها، لغتها هي لا سواها، لغة النباح على ليالي القمر، وعلى أولياء الخزينة التي تفيض بلصوص المال والزمن.

أما نحن، نحن الذين نقبع في اللامكان، فلم يتبقّ لنا سوى لغة واحدة، لغة النّراجيل في شارع “زون آلي” البرليني، لغة “الخرخرة”.. خر.. خر..

لغة الخراء التي ليس لها لغة.

سيبقى الأمر كذلك، ما دامت الأقدام الهمجيّة تطاردنا، تمامًا كما تطارد الكلاب الشاردة.

في حال كهذا، بين هذا القضاء وذاك القدر، لو كنتَ (محي الدين بن عربي) لو كنت (الخوارزمي) لا مكان لك في اللغة، ولا في أيّ لغة.

نبيل الملحم

صحافي وروائي سوري من مواليد السويداء عام 1953، درس الحقوق في جامعة دمشق والصحافة في جامعة القاهرة، ويقيم حاليًا في برلين/ ألمانيا. أعدَّ وقدّم بعض البرامج التلفزيونية منها “ظلال شخصية” و”الملف”. له مجموعة من الكتب المطبوعة منها: “بوليساريو” و”الطريق إلى الغرب العربي”. أما أبرز رواياته المطبوعة فهي “آخر أيام الرقص” و”بانسيون مريم” و”سرير بقلاوة الحزين” و”موت رحيم”. كما كتب مسلسلين تلفزيونيين هما “ليل السرار” و”أرواح منسية”، إضافة إلى مسرحية “أنا وهو والكلب”.

مشاركة: