قصص قصيرة (قناعة، هلال وصليب، سِـرْب، صفقة)

قناعة

     كل يوم تستيقظ قبل شروق الشمس وتلف شطيرة الجبنة مع المرتديلا كما يحبها وحيدها المدلل (عامر)، وتضعها على الطاولة الصغيرة ليأخذها معه إلى المدرسة، ثم تعود لتكمل نومها، وعندما تستيقظ تكتشف أن الشطيرة لا تزال على حالها فوق الطاولة، فتحزن لأنه سيُكمل يومه بلا إفطار. وفي صباح اليوم التالي تعيد الكرة من جديد بلا ملل.

-هو لم يقتنع حتى الآن بأن يغير من عاداته!

-وهي لم تقتنع حتى الآن أنه استُشهد منذ سنتين!!

***

هلال وصليب

     لم يكن من الممكن تمييز جسد جورج من جسد أحمد؛ كتل اللحم منصهرة ومتداخلة؛ لم يترك الانفجار أي علامة تدل عليهما. ارتبك أهل الفقيدين؛ أي كتلة ستذهب للمسجد؟ وأي كتلة ستذهب للكنيسة؟ استقر الرأي أخيرا على استشارة الشيخ (محمود) إمام جامع الإيمان والأب (يوحنا) كاهن كنيسة جورجيوس، فجاءا واجتمعا في البلدية.

     طال اجتماع الرجلين فقرر الأهالي جمع الكتل المنصهرة ووضعها في تابوت واحد، وأقاموا عليه صلاةً في المسجد وقداساً في الكنيسة، ودفنوه في الحديقة المجاورة لمكان الانفجار.

     وفي طريق العودة شاهد الأهالي الشيخَ محمود والأبَ يوحنا قادمَين، وعلموا أنهما لم يتفقا بعد، وأنهما قررا تمديد الاجتماع أسبوعا آخر!

***

سِـرْب

وصل خبر طائرات النظام التي ستأتي لتقصف (داريا) فهرع الناس إلى الملاجئ، وركضت أنا إلى السطح!

أخرجتُ الحمام من البرج وأطلقته في السماء، حلّق عالياً في سرب واحد، دار في السماء كرقصة صوفية هادئة، انساب بحركة دائرية وديعة ذات اليمين وذات الشمال، ثم احتضنته السماء وغيَّبَته في حضنها الأزرق.

ظهر في آخر الأفق سربٌ آخر، كُتلٌ حديدية غريبة، اقتربت بسرعة بلا إيقاع، حركتُها مستقيمة حادة، شقّت صدر السماء، فبدأت تنزف.

                                                          ***

صفقـة

كل يوم يأتي السجّان صباحًا ويجر أبو عزيز من شعره خارج الزنزانة، إلى غرفة التعذيب، فيملأ صراخه فتحات الآذان وزوايا السجن المهملة.. وعند المساء يرميه كالجثة في زنزانته.

 اليوم خطرت لأبي عزيز فكرة جديدة، فقال يخاطب السجان

_ما رأيك أن أعقد معك صفقة

ضحك السجان ساخرًا

_أنت تعقد معي صفقة!

_جرّب، صدقني لن تندم!

_لا بأس!

_ما الذي تريده مني؟

_لم أفهم؟

_أنت تعذّبني كل يوم، لابد أن لك هدفًا!!

فكر السجان قليلا ثم قال:

_أريدك أن تتألم.. أرتاح عندما تتألم

_هل يمكن أن تتوقف عن تعذيبي إذا حققت هدفك؟

_لا أعرف.. احتمال!

_لا بأس، هذه بداية جيدة.. ما مقدار الألم الذي تريده؟

_الحدّ الذي يريحني!

_حسنا.. ما رأيك لو عرضت عليك يدي؛ تقطعها وترتاح، لابد أن تعذيبي متعب! أنت تستيقظ باكرًا، وتستعمل قوتك كلها في ضربي! لابد أن هذا مؤلم جدًا!

_نعم صحيح، مؤلم جداً.

_جيد، إذن اتفقنا!!

_لا أعرف!! ربما أرتاح عندما أقطعها، سأجرب!

قطع السجان يد أبو عزيز ورماها في زاوية الغرفة..

_هل ارتحت الآن؟

_ليس كثيرًا!

_هممممم.. سأعرض عليك عرضًا سخيًا، ما رأيك أن تقطع قدمي أيضًا، قد ترتاح عندما تفعل ذلك

_لا بأس

قطع السجان قدم أبو عزيز وألقاها فوق اليد المبتورة، فاستند أبو عزيز إلى الحائط وسأل:

_هل ارتحت الآن؟

_أشعر أنني أفضل الآن! لكن لا يزال هناك شيء ناقص

_قل لي ما هو.. أريدك أن ترتاح.. ما رأيك أن تقطع أذني؟

_لا لا أريد أذنك.. همممم.. أظن أنني عرفت ما أريده

_جيد، أخبرني ما الذي تريده!

_أريدك أن تسجد وتُقبّل حذائي

_هذا طلب صعب!

_لن أرتاح وأتوقف عن تعذيبك إلا إذا فعلت ذلك

_لا.. لا أستطيع، هذا فوق طاقتي

سمع السجان جواب أبو عزيز فأمسك السوط وعاد إلى تعذيبه، وعاد صوت أبو عزيز يملأ فتحات الآذان وزوايا السجن المهملة.

لؤي علي خليل

دكتوراه في اللغة العربية وآدابها-جامعة دمشق، له مجموعة من المؤلفات العلمية مثل: (الدهر في الشعر الأندلسي، أبوظبي، 2010)، (العجائبي والسرد العربي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2014)، وله مؤلفات أدبية عديدة منها: (حمزة والهدهد، رواية للفتيان، جائزة خليفة التربوية، أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة، 2013)، (هسيس الملائكة، رواية، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2014)، (دم العصافير، مجموعة قصصية، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2017)، وله أبحاث ودراسات كثيرة نشرت في مجلات أدبية ونقدية محكّمة، حاز جوائز عديدة، منها (جائزة سعاد الصباح للدراسات النقدية، 1994، الكويت)، (جائزة البتاني للقصة القصيرة، 1996، سورية)، (جائزة خليفة التربوية للإبداع “رواية للفتيان”، 2012، الإمارات).