نصّ المنفى

كثيرةٌ هي التحوّلات النفسيّة والاجتماعيّة التي عانى منها السّوريّونَ عمومًا على امتدادِ السنواتِ العشرِ العجافِ من عمرِ الثورةِ السوريّة، وعلى وجهِ الخصوص، لدى الفئةِ المبدعة منهم على المستوى الأدبيّ، والتي وجدتْ نفسها فجأةً خارجَ عوالمها المألوفةِ، بفعلٍ دفعها نحوَ خياراتِ الحياة في المنافي مقابلَ مصائرَ تَعِدُ بالقلقِ والخوفِ وانسدادِ الآفاق، إنْ لم تكنْ بالموت إمّا جسدًا بفعلِ آرائهم السياسيّة وانحيازهم لقيمِ الحقّ ودفاعهمْ عنها، أو نفسيًّا بفعل هول الفاجعةِ السوريّة، وعدم قدرتهم على التأقلمِ مع كمّ الشرّ الذي باتتْ بلادهم ترتعُ فيه.

فإذا كانَ الشعرُ يومًا ديوانًا للعربِ يكشفُ عن نمط حياة وعادات وقيم، فإنّه اليوم، وبالنسبة للشاعر السوريّ المنفيّ، قد استحال إلى ديوان ألمٍ لا تنضب صفحاته، يسجّل فيه الشاعر السوري لقطاتٍ من معايشته للدم واللحم، وبعضًا من ذاكرته القريبةٍ والبعيدة للبلاد التي غادرها. 

في هذا السياق، تحاولُ هذه المقالة تلمّس تلك التغييرات التي قد تكونُ طالتْ النصّ الشعريّ السوريّ في المنافي، وتتابع التغّير الذي حصل على مستوى لغةِ النصّ الشعريّ السوريّ وتقنياتهِ عبر تناول جملةٍ من النماذج والنصوص التي كُتبت عقب الحدث السوري، وترصد كيف تسلّل هذا الحدث الدمويّ الى لغةِ ثلّةٍ من الشعراء، وأيّ زوايا تناولَها، فقد طرأت شعريّةٌ جديدةٌ على نصوصِ بعضهم، متوخّين بذلك مقاربة تلك التغيّرات، والندبات التي تركتها البلادُ في نفوسهمْ، وكيف انعكس ذلك على إصداراتِ بعضهم في السنواتِ العشرِ الماضية، التي وجدَ فيها الكثيرُ منهم أنفسهمْ بين عالمَين، جديدٌ هو المنفى وقديمٌ هو الوطن.

إذا تبعنا إحدى وجهات التنظيرِ الشعريّة الهامّة، والتي ربّما تشيرُ إليها إحدى مقولات ت.س إليوت والتي يحاولُ فيها توصيفَ طبيعةِ الشعر من زاويةٍ ما عبر القول: “الشعرُ ليسَ تحريرًا للعاطفة وإنّما وسيلة تخلّصٍ من العاطفة، وهو ليس تعبيرًا عن الشخصيّة وإنّما وسيلة فرارٍ من الشخصيّة”[1]

نجد هذا الفرار من الشخصية لدى الشاعر السوري أخذ أكثر من منحى لا سيما بتنوع زوايا التناول الشعري وأدواته، كيف لا؟ وهو الذي عانى بشكل عيانيّ تجربة الفرار من الموت بفعل منسوب العنف الذي رآه بأمّ العين، وما زالت أصداؤه ترنّ في قلبه وأذنه معًا، حينذاك سيغدو معها الشاعر السوري أمام نفسه وذاكرته المتشظية.

نوري الجرّاح، نصّ بلون الدم

في مجموعته الصادرة في كتاب مجلة دبي الثقافية عام 2013 يشهر نوري الجراح أسلحته الشعرية في مواجهة الموت السوري، وذلك على وجه الخصوص في نصّه الأول في المجموعة المُعَنْونة “الأيام السّبعة للوقت”، يحضر الحدث السوري بلغة بارعة وثاوية وحصيفة في النص، وبأسلوب بعيد تمامًا عن المباشرة ومشحون بالحزن بدءًا من العبارة المتسائلة الأولى في النص والتي تتواتر على امتداده:

“دمُ منْ هذا الذي يجري في قصيدتكَ أيُّها الشاعر؟”[2]

وفي ثنايا تلك العبارة المتواترة يسمح لنا الجرّاح باكتناه كلّ ذاك الدم المُراق، ولعلّ تلك الكلمة والتي يحصي صبحي حديدي الذي صدّر المجموعة تكرارها سبعًا وستّين مرةً، تشي بالكثير، ولم يسلم منها كلّ ما يتحرّك في البلاد يقول:

وفي البستانْ حيثُ سقطَ كوكبٌ

وتشقَّقتْ تحتَ خطىً داميةٍ أرضُ المسرَّات

قالَ فلاحٌ لصبيٍّ كُسرتْ رأسُهُ على صخرةِ

إنّي أسمعُ رجفةَ الشتاءِ في ركبتيَّ

والآنْ

جسدهُ مستريحٌ في طلقةِ الجنديّْ”[3]

إذًا هو الموت الذي يحيق بالجميع، والدم الذي يلهث وراء كل شيء، والذي لا يسلم منه أحد أو شيء، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الأسلوب الذي يعالج به الجراح فكرةً كهذه، فعلى ما يذكر (درايدن): “إن السعادة الأولى لخيال الشاعر هي بدقّة الابتكار، أما السعادة الثانية فهي الخاطرة، وأما السعادة الثالثة فهي الأسلوب الكلامي أو فنّ إلباس الفكرة المبتكرة بكلمات ملائمة ودالّة، وترى سرعة الخيال في الابتكار وخصوبته في الخاطرة، وترى الدقة في التعبير”.

هنا ترى نوري الجرّاح مبتكرًا ودقيقًا في توصيف ذلك كلّه وشَحْنه بلغة الشّعر العالية يقول:

“دمٌ على أمسِ القاتلِ ويومهِ وغدهْ

دمٌ على سريرِ المُضاجعِ زوجته غصبًا عن فؤادها الكسيرْ

دمٌ في موعدِ الحبّ، دمٌ في اضطرابِ الخطوةِ المضطربةْ

دمٌ في صحونِ الطعامْ

دمٌ في بلاغةِ الصوتْ

دمٌ في التفاتةِ الغريبِ، في هواءِ النهارْ”[4]

وبطابع مشهدٍ سينمائيٍّ بارع الحبكة يواصل الجرّاح بنصّه، ويسوسه بحنكة وبعيون راصدة، وأقول عيون لأن الشاعر يملك أكثر من عين وأكثر من أذن، بل ويتلمّس المكان المسفوح في حين يتوزّع قلبه في كل ذلك، ويتهاوى عالمه الحميم:

“عنقُ الحاصدِ جُرْحُ المحراثْ.. من خاصرةِ الفراتِ

إلى مغارةِ الدّمِ في كتفِ قاسيونْ

المركباتُ تفحُّ وتعبرُ

الجنازيرُ الضخمةُ تتركُ بصماتها على إسفلتِ القرىْ

المركباتُ العمياءُ ترسلُ الحممَ إلى صورِ العائلةْ

جدرانُ الطينِ تتهاوىْ وسنابلُ الصيفِ تتقصَّفْ”.[5]

ولن ينسى الشاعر تحت وطأة الموت الإشارة إلى صانعيه وموزّعيه في جهات البلاد مَن يصفهم باللصوص الذين أجهزوا على كلّ ما يشي بالحياة، ولعل لفظةً واحدةً من ألفاظ المقطع القادم تشي بتلك القصديّة الموزّعة للموت، والتي أخذت كل شيء عنوةً وقهرًا وهي مفردة (انتهبوا)، يقول الجراح:

اللصوصُ سرقوا وجنةَ أختي ويدَي أخيْ

اللصوصُ قتلوا أبقاري وقادوا حميري إلى بركةِ الدمّْ

اللصوصُ انتهبوا قمرَ الصيفْ

وفؤادَ المسافرْ

اللصوصُ ربطوا الأخواتِ الصغيراتِ بأمراسِ الحقلْ

وكسروا على حجرِ البئرِ جمجمةَ المراهقْ”.[6]

دمشق الحميمة/ دمشق القصيّة عند وفائي ليلا

في مجموعته الأخيرة “رصاصة فارغة- قبر مزدحم” الصادرة عن دار المتوسط يشرع الشاعر السوري وفائي ليلا في إطلاق العنان لذاكرته وصبّها باقتناصات بارعة في قلب قارئه، وكأنه مصاب بشدّة الذاكرة وثقلها في المنفى لتغدو التفاصيل الصغيرة في دمشق مؤرّقة لدرجة الهذيان، لكن وفائي يمسك بتلابيب نصّه وإن انداح نحو مفردات متداولة ليعيد نصّه إلى لغته الخاصّة، وببراعة من يتقن الاختباء وراء لعبته الشعرية يظهر الشاعر عاريًا أمام حقيقة البلاد البعيدة وذاكرته التي عاشت تآكلها قطعة إثر قطعة وحلمًا إثر آخر.

ومنذ بداية المجموعة في النص الذي يحمل عنوان “ابن حرام” تبدأ اعترافات وفائي وكأنها اعترافات العاشق الذي خسر الرهان يقول:

“إنها الشامُ إذًا

إنّها كلُّ ما ليسَ لنا

بجسورها الهاربةِ من أصابِعنا

أسواقها التي استأجرها الغشُّ

 قاطنينَ غرباءَ يلكنونَ بلهجةٍ تنهشُ قلوبنا بالتهديدْ

إنها كل ما ليس لنا”[7]

ويستعيد وفائي التفاصيل كأنّه الآن في دمشق حيث لم يتغير شيء إلا نحو الأسوأ، وكأنه يجري جردة حساب وعتاب مع المدينة بكلّ تفاصيلها، فمن نزق وفضول سائقي التاكسي إلى صالات السينما المتهالكة، مرورًا ببطات حديقة السبكي وزئير الزيل وصولًا إلى النعوات الموشّاة بالصليب في ساحة باب توما، ثم يترك الشاعر هذا الاندياح الغريزي لذاكرته الحميمة ليعود إلى أسلوب مغاير يذكّر بما كتبه (بروست) ذات مرة، وكيف تأتّى له في لحظة انهيار بدنيّ كامل أن يرى بفعل عملية تذكّر غريزي الصورة الحية لجدّته، وأنه في هذه اللحظة بالذات رغب في دفنها بأكثر من سنة غدا مدركًا أنها متوفاة، يقول وفائي:

“إنها دمشقُ التي يتسلّونَ بها كجدّةٍ آتيةِ من ريفٍ قصيٍّ يجذبونَ (شُرْشَها) الطويلَ

غطاءَ رأسها المزيّنِ بليراتِ ذهبٍ قديمٍ

وشمَها الذي يرتجفُ من التأثّرِ والإهانة

عروقَ يديها المجهَدَتينْ

ألوانَها الفاقعةِ التي تثيرُ الضحكْ

حلقةَ الذهبِ في أنفهاْ الشامخِ

وتَهدُّلَ الحلَقِ في أذنها التي لا تسمعُ كثيرًا”.[8]

يبدو أنّ المدينة التي صمّت آذانها عن أبنائها وزرعتهم خارج رحمها أصبحت دريئة يصوّب الشعر سهامه المكسورة عليها على هيئة غلّ مشوب بالحنين الجارف لكلّ تفاصيلها وإهاناتها المتلاحقة، ولا يبقى للشاعر إلا أن يردّ تلك الإهانات بمزيد من الحنين، ويعمل على تجريف رحم بلاده كيلا تلد مزيدًا من المسوخ والقَتَلة يقول:

“يا للمدينةِ التي ليستْ لنا وتهيننا رغمَ كلِّ شيءْ

يا للأمِّ التي تركتنا لقطاءَ تعسينْ

يا لذلِّنا الذي ننتقمُ لهُ الآنْ

يا للعارِ الذي نكشطُ جلدهُ الآنَ دفعةً واحدةً.. دونَ ألمْ

إنها ذاكرتنا التي نجرفُ رحمها بقسوةٍ

كيلا تعيدَ إنجابَ هذا الجنينِ الخديجِ

ابنُ الحرامِ

والزِّنىْ

ذاكْ”.[9]

ألّا تغدو البلاد لنا بعد كلّ ذاك الدم وكلّ ذاك النفي وهذا القهر، فهذا ممّا لا يمرّ مرور الكرام لدى الشاعر، حينها يلجأ إلى واحدة من الآليات الدفاعية وفق التحليل النفسي المسمّاة (النكوص)، والنكوص هنا ليس سلوكيَّا بل يطال الذاكرة على وجه التحديد ليحمل الشاعر على الحنين إلى البلاد على هيئة حنين إلى حذاء مثقوب كأسلوبٍ لمواجهة كلّ تلك القسوة، يقول وفائي في لقطة شعرية بارعة:

“ثمّةَ ثقبٌ في حذائي

حاولتُ أن أخفيهِ من المشهدْ أملًًا أنَّ أحدًا لمْ ينتبهْ لهُ

أو تظهرهُ الكاميرا.. كانَ عاري لسنواتً طويلة

والآنْ أحنُّ لملامستهِ مُعزّيًًا وحدتهْ، لمسهِ كجرحٍ مؤلمْ”.

طائر أبيض يلون السواد: فرج بيرقدار

“حرّيتي أن أوسِّعَ زنزانتي

بابٌ هو البابُ

لا بابَ للبابِ

لكنّني أستطيعُ الخروجَ إلى داخلي.[10]

ربما تكون كلمات شاعر العربية محمود درويش هذه شديدة الإيحاء في حالة الشاعر السوري فرج بيرقدار الذي زجّته سلطة الظلام أربعة عشر عامًا في السجن، فكان لتلك التجربة المريرة الأثر الواضح في نصوصه التي كتبها في تلك الفترة، والتي لامست تمامًا ما حدث بعدها في سورية بعد العام 2011، فكان نشرها مع غيرها من النصوص اللاحقة متسقًا زمنيًا ونفسيًا مع توجّه أهل البلاد نحو حريتهم المنشودة.

فكان أن صدرت للشاعر مجموعته الشعرية “أنقاض” في طبعتها الأولى عن دار الجديد في بيروت عام 2011، المجموعة التي كتب معظم نصوصها في تسعينيّات القرن العشرين خلال فترة اعتقاله، المجموعة نفسها التي لم يسمح تشبيح قارئيها في اتحاد الكتّاب العرب في سورية بنشرها في العام 2003 تحت مبرّرات واهية ومكرورة، تشبه الأسباب التي اعتقل الشاعر لأجلها من قبيل الإساءة إلى الفكر القومي والانتماء الوطني.

والمدقّق في نصوص فرج بيرقدار سيكتشف اللعبة الفنّية الحاذقة لديه، والتي تجلّت بانفكاكه عن الجنوح إلى المباشرة في نقل ما جرى ويجري داخل السجن، ورغم يقينه الضمني أن الشاعر لا حيلة له في هذا الخراب فإنّه ضمنيًا لا يني يحاول تلوين العالم بريشة الحرية، يقول في قصيدته (في البداية، في النهاية):

“من حنانِ العتمةِ الأولى

إلى فداحةِ العتمةِ الأخيرة

أنفاقٌ

وأقبيةٌ

وزنازينَ لا تنتهي

إذنْ

هل يستطيعُ طائرٌ أبيضَ

أن يلوِّنَ بجناحيهِ المهيضينْ

كلَّ هذا السّوادْ”[11]

هناك في تلك الزنازين التي عايشها فرج وغيره حيث يصبح للزمن معانٍ مختلفةً لا تشبه أبدًا تلك المعاني التي يعيشها الإنسان خارجه، والمفردات تتغير، وتأويلات الأشياء تتغير، وحين يجرّب الشاعر أن يعطي لقصائده عناوين ما، تتفتّق ذاكرته عن رقم الزنزانة المنفردة ففي نصه المعنون (أنقاض) “لذاكرة المنفردة 13” يقول:

“تكفيكمْ أنقاضًا

ما تبقَّى من الأنقاضِ

ينبغي أنْ تبقى

فخذوا تأويلاتكم واذهبوا

هذهِ الليلةَ

رأسُ السنةِ الألفْ

لاعتقاليْ”[12]

وحسابات الحقل لم تنطبق أبدًا على حسابات البيدر لدى الشاعر، فالحلم الجميل بالبلاد اصطدم بقساوة المشهد الحقيقي والمعاش تحت نير الاستبداد حتى إنّ الجحيم كوعيد إلهي للبشر الخطائين أمسى مكانًا متواضعًا أمام زنازين المستبدّين يقول فرج:

“لدى الله

جهنَّمُ يتباهى بها

ما أفقرهْ

فليسَ لديهِ ما يشبهُ سجنَ تدمرْ

ولا سجنَ المزّهْ

ولا عدرا

ولا حتّى صيدنايا”[13]

هكذا عاش ابن حمص الشاعر والمعتقل والمهجّر قسرًا خارج مدينته الحميمة التي تنكّرت له مَفارقها ومرّ جنودها على جسده، لكن وعدًا معلنًا يثوي في قلبه في الرجوع إليها وعلى أيّ نحو تشاء، وفرج يقول تشاء إذ إنّها من يملك القرار لا هو، لأنه وببساطة يحلم كل يوم بالعودة إليها حتى لو كانت العودة على هيئة لجوء غيّر معناه، فهي كما كل البلاد بريئة مبتلاة بالقتلة والمستبدّين، يقول فرج في نص جميل بعنوان ” تشريقة” صلاة من أجل حمص:

“سآتي إليها ولو لاجئًا

إذْ تغيَّرَ معنى اللجوء

وغادرَ قاموسهُ اللغويَّ القديمَ

فكيفُ أهندسُ قاموسَ حمصْ

وليسَ لمثلي إمامٌ

ولا صلواتٍ تبدِّدُ شكًّا

وليس لهُ غيرَ ربٍ

يرتّلُ آياتهِ في سريرتهِ

ريثما ينجلي فجرُها عن معالمها

وحمصُ كما أمُّها سوريا

فوقَ كلِّ الظنونْ.[14]

خاتمة

وبعد، فإن السوري الذي يحمل إرثًا ثقيلًا من الحضارة، ويُحسب له أنّ أقدم أبجديات الأرض ولدت على أرضه، بات موزعًا في شتات الأرض التي لم يجد فيها فضاءه الرحب والحرّ كي يواصل صيرورة إبداعه وتميّزه التاريخي، وكل ذلك كان بفعل القيد الذي أرهق كاهل السوري منذ عقود.

السوري الذي لا ييئَس أبى إلا أن يكون حرًّا في نصّه وفي موقفه المنتصر لقيم الحياة، ومَن منّا ينسى ذاك الزمن الذي كانت فيه قصيدة نزار قباني (خبز وحشيش وقمر) تحت قبة البرلمان السوري، ومن ينسى القصائد الجميلة لسفير سورية النبيل عمر أبو ريشة أو مواقف بدوي الجبل الناقدة شعريًا لسلطة الاستبداد، ومن ينسى نصوص الماغوط المشبَعة بروح الحرية والنقد اللاذع للحكّام الذين يضعون مظلة على رؤوس الناس كلما أمطرت السماء حرية.

ومع اختلاف الزمن حدثًا وتغيّرات ووسائل وأدوات تعبير كان المنفى خيارًا قاسيًا على الشعراء السوريين على وجه التحديد، فكان نصّهم مواكبًا بطرائق مختلفة للمقتلة السورية بعد الثورة، لكن الأكيد أنّ سوريا بتفاصيلها الدقيقة كانت محرّكًا عامًّا للشعرية السورية في السنوات العشر الماضية، دون أن ننسى تفاعل كلّ هؤلاء مع مقولات الحداثة على مستوى نصوصهم الشعرية وانفتاحهم على ثقافات بلدان المنافي.

إنّ فضاءً مفتوحًا من الحرية اللاحقة للخلاص من نظام الاستبداد بمعناه العام سيحجز للسوريين_ وخاصة للمبدعين منهم_ مساحةً مرموقةً على خارطة الإبداع العربي والعالمي، ومعها سيكتشف العالم أيّ مخزونٍ ذاك الذي يحمله السوري، وأي معاناة كابدها على وجه الخصوص في العشر العجاف التي عاش أحداثها وتفاصيلها داخل زنازين البلاد وخارجها في زنزانة المنفى.

مع هكذا فضاء سيتحرّر الحرف السوري، وينطلق ناشرًا إبداعه في أرجاء المعمورة، إذ إنّ كلّ ذلك المخزون المؤلم والدموي سيتفجّر إبداعاتٍ أدبيةً لطالما كان السوريون من روّادها وعلى جميع المستويات، ولعلّ تلك اللحظة التي ستكون لحظة نشوة انتظرها السوريون كثيرًا ستكون في الوقت نفسه هدمًا لحقبة سوداء، وخلاصًا من ذاك الرقيب الداخلي المقلق والخارجي الرخيص الممثَّل بلجان القراءة الأيديولوجية البعثية الرثّة في وزارة الثقافة واتحاد الكتاب، وبعد تلك النشوة سيأتي ذاك التأمّل الجمالي في كلّ ما حدث على هيئة إبداع سوري حرّ في وطن حرّ وحياة جديدة، وإنّ غدًا لناظره قريب.

الهوامش والمراجع

  • هربرت ريد، طبيعة الشعر، ترجمة عيسى علي العاكوب، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1997.
  • نوري الجراح، يوم قابيل، كتاب مجلة دبي الثقافية، الإصدار 87، دبي 2013.
  • وفائي ليلا، رصاصة فارغة_ قبر مزدحم، منشورات المتوسط، إيطاليا، ط1، 2015.
  • محمود درويش، الأعمال الكاملة، دار الريس، بيروت، ط1، 2005.
  • فرج بيرقدار، أنقاض، دار الجديد، بيروت، ط1، 2011.
  • جريدة المستقبل، نوافذ، 17 آذار، مارس 2013.

[1]  هربرت ريد ـ طبيعة الشعر، ترجمة عيسى علي العاكوب، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1997 ص 18

[2]  نوري الجراح، يوم قابيل، كتاب مجلة دبي الثقافية، الإصدار 87، دبي 2013، ص 29

[3]  المرجع نفسه ص 40، 41

[4]  المرجع نفسه ص 66

[5]  المرجع نفسه ص 30

[6]  المرجع نفسه ص 49

[7]  وفائي ليلا، رصاصة فارغة- قبر مزدحم، منشورات المتوسط، إيطاليا، ط1، 2015 ص23

[8]  المرجع نفسه ص 25

[9]  المرجع نفسه ص 31

[10]  محمود درويش، الأعمال الكاملة، دار الريس، بيروت، ط1

[11]  فرج بيرقدار، أنقاض، دار الجديد، بيروت، ط1، 2011 ص28

[12]  المرجع نفسه ص33

[13]  المرجع نفسه ص64

[14]  جريدة المستقبل، نوافذ، 17 آذار، مارس 2013

أسامة هنيدي

كاتب وباحث سوري، مواليد السويداء 1977، تخرّج في كلية الآداب والعلوم الإنسانية/ قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية في جامعة دمشق 2003، مدرِّس مادة الفلسفة منذ 2003 في محافظات ريف دمشق والقنيطرة والسويداء. كتب مقالات رأي في بعض المواقع الإلكترونية، وله ديوان شعر مطبوع بعنوان “سحر التاء” عن دار البلد – السويداء 2019.