هوية الأطفال السوريين في لبنان بين الوطن والمنفى

مقدمة

ازدادت أعداد اللاجئين السوريين في لبنان مع اشتداد الحرب في سوريا في نهاية العام 2012 وتهجير أهلها قسريًّا، كونها البلد الأقرب للحدود السورية، ويقدّر عددهم حسب إحصاءات مفوضية اللاجئين ما يزيد عن 1.2 مليون لاجئ، ويشكّل الأطفال منهم النسبة الأكبر مقارنة مع الفئات العمرية الأخرى، وتعاني فئة الأطفال بالإضافة إلى العيش في المنفى من الكثير من الحرمان، وفقدان فرص التعليم، وفقدان عوامل تشكّل الهوية للطفل السوري اللاجئ.

وتعتبر مسألة الهوية للأطفال اللاجئين قضيةً ذات أهميةٍ، خاصة مع النسبة الكبيرة للأطفال في بلدان اللجوء وما تتعرّض له من فقدانٍ للهوية الأساسية، هويّة البلد والحضارة والانتماء للمجتمع الذي تعود جذورهم إليه، وخاصّة الأطفال الذين وصلوا إلى بلدان اللجوء بعمر صغير أو ولدوا فيها.

الهوية بمفهومها العام

تُعرّف الهويّة بمفهومها العام “كل تكتّلٍ بشريٍّ مميّز بهويّته وثقافته ووجوده، ويحمل عناصرها المعرفية كلّ من التاريخ والثقافة والطابع الحياتي والواقع الاجتماعي المُعاش والعادات والتقاليد التي تميّز مجتمعًا عن الآخر”.

يواجه الأطفال السّوريّون اللاجئون في بلاد المنفى تحدّيات كبيرة، ومنها فقدان الجيل الجديد من الأطفال السوريين لعناصر تكوّن وتشكيل الهوية لديهم، بسبب غياب المعرفة بتاريخهم وجغرافيّتهم وحضارتهم وتراثهم الاجتماعي والثقافي الذي يعدّ البنية الأساسية في تشكيل هوية الأطفال في منفاهم، وانخراطهم في مدارس الدّول المضيفة من دون تلقّي أيّ معلومات تساهم في بناء هويّتهم السورية بخصوصيّتها الاجتماعية والثقافية بكافة مناطقها التي هُجِّروا منها.

الكثير من المدارس في لبنان لا تدرّس تاريخ سوريا وتراثها الثقافي في مناهجها التعليمية، وبالتالي يكون جيل من الأطفال في المدارس في لبنان أمام معرفة مختلفة عن تاريخهم ومجتمعهم.

يقول المؤرّخ البريطاني آرثر مارويك في كتابه (الطبيعة الجديدة للتاريخ): “إنه من خلال الإحساس بالتاريخ فقط تؤسّس المجتمعات هويّتها، وتوجّه نفسها، وتفهم علاقتها بالماضي وبالمجتمعات الأخرى”

ويساعد على تشكيل الهوية عندما يكون هناك تطابق بين الكتلة الديموغرافية والرّقعة الجغرافية التي ينتمي إليها البشر. الآن الحرب وهجرة أبناء الوطن أفقدتهم جزءًا وعاملًا مهمًّا من عناصر تشكّل الهوية، ولنا في الحالة السورية المثال الأهم.

الواقع الاجتماعي والتعليمي للأطفال السوريين في لبنان وعوامل تشكيل هويّتهم

تعيش غالبيّة الأُسَر اللاجئة في لبنان أوضاعًا اقتصاديّة صعبة لأنّ اللاجئين هم أكثر الفئات التي تعاني من هشاشة الوضع الاقتصادي، وارتفاع نسبة البطالة، وفقدان فرص العمل، وتردّي الوضع الاقتصادي في البلاد مع عجز المنظمات الدولية في سدّ الفجوة الكبيرة بين مستوى الخدمات، والوضع الاقتصادي للأسرة اللاجئة، وكان لذلك أثر كبير على تعليم الأطفال والتحاقهم بالمدارس، فازداد التسرّب المدرسي، وعمالة الأطفال بين الأطفال اللاجئين بعد جائحة كورونا والوضع الاقتصادي في لبنان.

الهوية السورية في مناهج التعليم

يُعتبر التعليم البُنية الأساسية في تشكيل شخصية الأطفال، وتُعدّ المناهج التعليمية حاملًا هامًّا للهوية، فهي التي تزوّد الأطفال بالمعارف والثقافة الاجتماعية والتاريخية والوطنية فكلّ مجتمع يرسم بصماته على المناهج الدراسية التي تُعتبر أساسًا في بناء هوية الطفل.

ولعلّ أهمّ التحدّيات التي تفقد الأطفال السوريين في لبنان عوامل الحفاظ على هويتهم هي عدم وجود مناهج تغرس في الأطفال انتماءهم الثقافي والاجتماعي والجغرافي لبلدهم، فالمدارس الرسمية في لبنان تعتمد المنهج الرّسمي اللبناني في تعليم الأطفال السوريين الذي لا يعكس هويّتهم الثقافية والاجتماعية، والكلام ذاته ينطبق على المدارس الخاصة، وحتى المدارس التي تعتمد التعليم غير الرسمي مثل المدارس التي تعود إلى منظمات إنسانية تعمل مع اللاجئين في لبنان.

المجتمع المدني، محاولات خجولة ومبادرات متقطعة

تعتمد بعض الجمعيات والمنظمات الإنسانية التي تعمل في التعليم غير الرسمي والشأن الثقافي على بعض الأنشطة التي تتحدّث عن سورية المتنوعة وعن الحضارة السورية بشكل عام، غير أنّ تلك المحاولات لا تعدو كونها تجاربًا فرديّة غير كافية لبناء شخصية الطفل السوري وتزويده بالمعرفة اللازمة عن حضارته وثقافة مجتمعه وخصوصيّته.

التحدّيات التي تواجه الأسرة السورية اللاجئة في تشكيل هوية الطفل

إنّ انتقال أُسَر الأطفال من بيئة اجتماعية وثقافية وجغرافيّة متماسكة إلى بيئة جديدة يشكل تحَدّيًا في تشكل هوية تنتمي إلى البيئة الأم، خاصة أنّ الكثير من العائلات السورية تضطر إلى التنقّل إلى أكثر من منطقة بحسب فرص العيش ضمن الأراضي اللبنانية، وبالتالي عملية انتقال الموروثات الاجتماعية والثقافية من المجتمع الأصلي، ويقع العاتق الأكبر على الأسرة في عملية الحفاظ على هوية الطفل السوري اللاجئ، لا بدّ من دور فعليّ في مواجهة ضعف التوجيه الأسري للطفل وتنمية هويّته.

للرّقعة الجغرافية دورٌ في بناء الهوية للطفل

إن التهجير القسري واللجوء جعل الأطفال السوريين منفصلين عن واقعهم الاجتماعي، فللبيئة الاجتماعية دورٌ مهمّ في بناء هويّة اجتماعية وثقافية للأطفال الذين ينتمون إليها، تبدأ من المعرفة بمناطقهم وطبيعتها وأسماء الأحياء والقرى والمدن المحيطة وطبيعة مجتمعهم الماديّة والثقافية.

إلى جانب ذلك فرض عليهم العيش في بيئة اللجوء أسلوبَ حياة مختلفًا، وحَرمهم من الممارسات الطقوسيّة بشكل عام في مجتمعاتهم الأصلية، وحرمهم كذلك من التّعاملات الحياتيّة التي تحدّد شكل التفاعل بين أفراد المجتمع والشعور بالهويّة الجماعيّة التي يتبنّاها مجتمعهم، فالطقوس لها دور في الحفاظ على الهوية من التلاشي في ثقافة الغير على حساب هويّتنا الأم.

اللهجات المحلّية في الدولة المضيفة على حساب اللهجات المحلّية للأطفال اللاجئين

تكمن تحدّيات تشكيل هوية الأطفال والحفاظ عليها في انفصال الأسرة السورية في المنفى عن الأسرة الممتدّة في الوطن بسبب اللجوء والهجرة، وبالتالي فقدان الأطفال اتّصالَهم بثقافة وهويّة مجتمعهم الأصلي الذي يوفر لهم مرجعًا اجتماعيًّا وثقافيًّا، وتفكّك بعض العادات والتقاليد الاجتماعية ودخول عادات وتقاليد هجينة لدى الأطفال السوريين.

ومن خلال تفاعل الأطفال مع الأطفال الآخرين وتعلّمهم اللهجات المحلّية في بلد اللجوء، سواء في المدارس التي يتعلّمون فيها أو أثناء اللعب في مناطق سكنهم، إن الكثير من العائلات تضطر إلى التنقّل إلى أكثر من منطقة خلال سنوات اللجوء ممّا يعني أن هؤلاء الأطفال يفقدون الكثير من الكلمات التي يتحدّث بها الأهل والأجداد وتذوب في مجتمعات المنفى وبالأخص البلدان التي لا تتحدّث العربية.

“نحن الآباء لنا ذاكرة في أوطاننا نعود إليها، أمّا أطفالنا في المنفى لا ذاكرة يعودون إليها”

إذا تكلّمنا بشكل معنويّ فإن الكثير من الأطفال خلال سنوات سيفقدون هويّتهم الأمّ, أي إننا نواجه أزمة فقدان هويّة لجيل كامل من الأطفال, خاصة مع العدد الكبير للأطفال السوريين في لبنان وكافّة الدول التي لجأ أو هاجر إليها السوريّون بشكل عام، والحفاظ على هويّة أطفالنا لا يعني الانغلاق أمام الآخر بل مواجهة عوامل تفكّك هوية الأطفال السوريين في بلدان اللجوء، والعمل على تفعيل دور المؤسسات الثقافية والتربوية العاملة مع الطفل السّوري وتشجيع الأسرة في أخذ دورها في الحفاظ على هويّة أبنائها والإمساك بها من براثن المنفى واللجوء.

حمّود امجيدل

متخصّص في حماية الطفل والارشاد المدرسيّ وتعليم اللاجئين. حاز إجازة في علم الاجتماع، وماجستير في الإرشاد الاجتماعيّ من جامعة دمشق، نال شهادةً تعليميّةً في مجال صعوبات التعلّم من الجامعة الأمريكيّة في بيروت عام 2018، وشغل منصب عامل اجتماعيّ في عدد من المنظّمات الإنسانيّة العاملة مع اللاجئين، عمل سابقًا مساعد باحث في مركز كارنيجي، ومنظمة شرق، ومتطوعًا في متحف طفولة الحرب، يعمل مرشدًا مدرسيًّا منذ 2016، ومدرّبًا للمعلّمين والمعلمات على سياسات حماية الطفل، ومهارات التواصل مع التلاميذ.

مشاركة: