الترجمة بين أسئلة الهوية وإشكالات المثاقفة

تناول العدد الخامس من مجلة (رواق ميسلون) موضوعًا مهمًّا في الثقافة العربية وهو “الترجمة بين أسئلة الهوية وإشكالات المثاقفة“، وسلّط الضوء على مسألة الترجمة من زوايا عديدة، وبطرق متنوعة، كاشفًا عن ارتباطاتها بالهوية والفكر واللغة والسلطة والأيديولوجيا، وعارضًا لمشكلات الترجمة والعقبات التي تقف أمام توسيع نطاقها ومجالاتها، سواء ما يتعلّق منها بالأحوال الموضوعية أو ما يرتبط باللغة نفسها وبالمترجم/ة نفسه/ا، إضافة إلى تقديم بعض تجارب الترجمة من خلال الحوارات أو المقالات التي تتناول التجربة الخاصة مع الترجمة.

تناولت افتتاحية العدد التي كتبتهانور حريري موضوعًا محوريًا بالنسبة إلى اللغة والترجمة بعنوان (في علاقة اللغة بالفكر والسلطة)، تحدثت فيها عن الأبعاد السياسية والاجتماعية للترجمة، إضافة بالطبع إلى الأبعاد الثقافية، وأكّدت أهمية الترجمة، والترجمة الثقافية بصورة خاصة، التي “تفصح عن نفسها كإجابة حاسمة عن أسئلة اللغة العربية والاتهامات الموجَّهة إليها بالقصور والعجز، حيث تنكشف من خلال الترجمة طواعية اللغة ومرونتها وقدرتها على استيعاب مختلف العلوم والمعارف.” كما طرحت العديد من الأسئلة الإشكالية التي تشغل المفكرين والمترجمين، مثل سؤال “إمكانات اللغة العربية”، “علاقات الهيمنة والتبعية بين اللغات”، “سؤال الفصحى والعامية”، وغيرها، طامحةً إلى نوعٍ آخر من الأسئلة يعيد الذات إلى المركز وموقع الفاعلية “ما يمهّد السبيل الصحيح لكي تنتقد هذه الذات ذاتها أو لغتها بموضوعية وحيادية”، وإلى الحديث عن اللغة العربية “على نحو عقلانيّ من دون تبجّح أو تنكيس.”

وفي باب الدراسات والبحوث، كتب سعيد بوعيطة بحثًا بعنوان “دور الترجمة والتعريب في التفاعل الثقافي والحضاري”، ركّز فيه على أربعة محاور رئيسة. خُصِّص المحور الأول لمناقشة إشكالية مفهوم الترجمة والتعريب. أما الثاني، فتناول الدور الذي أدّته الترجمة إبان عهود الازدهار الثقافي والحضاري للأمة العربية. أما المحور الثالث، فخُصِّص للحديث عن دور الترجمة والتعريب اليوم في خلق تفاعلٍ ثقافي وبعثه بين العرب وغيرهم من الشعوب من خلال الكشف عن دور الترجمة في الوعي بالذات وإدراك الآخر. أما المحور الرابع، فركّز على أبرز التحديات التي تواجهها الترجمة والتعريب، وهي تحديات ثقافية وتنموية وفكرية.

وقدَّمت فاطمة علي عبُّود دراسة بعنوان “الرِّواية المترجمة وتأثيرها في الهويَّة الثَّقافيَّة العربيَّة”، اختارت فيها مجموعةً من الرِّوايات المترجمة التي تُرجمت في النصف الثاني من العقد الأخير من القرن الحادي والعشرين، وقاربت أبرز الموضوعات التي تناولتها هذه الرِّوايات وكان لها أثرها في الهويَّة الثقافيَّة العربيَّة، ولا سيّما أنَّ تلك الموضوعات ضارعت الظُّروف الجديدة التي عاشتها البلدان العربيَّة منذ بدء الربيع العربيِّ، مع الأخذ في الحسبان تنوُّع مصادر هذه الروايات واختلافها لغةً وأسلوبًا وطريقةَ نقلٍ.

فيما كانت دراسة حسني مليطات بعنوان كيف تُساهم ترجمة النصوص الفكرية والتاريخية في بناء هويتنا الثقافية؟ دراسة تطبيقية من ترجمة بعض النصوص من اللغة الإسبانية”، تعرّض فيها لدلالة تلك الكلمات التي يكوّنها المُترجم، ودورها في الحفاظ على الهوية الثقافية للغة المترجم إليها، وذلك بدراسة “معنى” ترجمة النصوص الفكرية والتاريخية إلى اللغة العربية، النصوص التي لم تحظ بأهميةٍ واسعة لا بين القُرّاء العرب ولا دور النشر حتى؛ وذلك بسبب الاهتمام المطلق بالنصوص الأدبية الإبداعية.

أما أسامة هنيدي، فكانت دراسته بعنوان “ترجمة النص الفلسفي وآثارها التنويرية”، تناولت الموضوع من زاويتين، الأولى: استعراض ذلك الجهد الذي قامت به مجموعة من الأشخاص في مجال ترجمة النص الفلسفي في مراحل عدة من التاريخ العربي، وملاحظة أثرها الإيجابي في تحريك المياه الراكدة على مستوى النتاج المعرفي. الثانية: التركيز على ملاحظة الأثر الإيجابي الذي يمكن أن تتركه ترجمات النصوص الفلسفية القديمة منها والمعاصرة، والتي يمكن لها أن تساهم بشكلٍ كبيرٍ في الخروج من التقليد إلى فضاءات العصر الحديث.

وفي باب مقالات الرأي، كتب حازم نهار مقالة بعنوان التعريب؛ من الأيديولوجيا والسياسة إلى الفكر”، كثّف فيها رأيه في أنّ “التعريب آلية لنكون في العالم، ومع العالم، وداخل العصر، وليس آلية للانكفاء على الذات أو الانعزال أو مواجهة العالم، آلية تستند إلى الثقة بالذات لا إلى الخوف من الآخر. من لا ينفتح على العالم، ولا يواكب التطور الحاصل في المجالات الفكرية والعلمية المختلفة بلغته، يبقى خارج التاريخ لا محالة، ذلك أنّ الإنسان لا يكون فاعلًا حقًا في الاجتماع الإنساني، ولا يمكنه أن يقدِّم شيئًا إلى الآخر أو إلى المشهد الكوني، إذا لم يتمكن من التحاور معه لغويًّا وثقافيًّا، ما يفرض عليه أن تكون لغته مواكبةً عصره.”

وحاول حمدان العكله في مقالة بعنوان “حضور الهويَّة الثَّقافيَّة العربيَّة في ترجمات جورج طرابيشي للفلسفة المعاصرة”، البحث عن إجابة لتساؤلٍ إشكاليٍّ فحواه: ما مدى حضور الهويَّة الثقافية العربية في ترجمات جورج طرابيشي للفلسفة المعاصرة، وكيف استطاع تحقيق ذلك؟ بينما كتبت إسراء عرفات مقالة بحثية بعنوان “الهابيتوس كمولّد للهوية الثقافية”، سلّطت فيها الضوء على طبيعة الهابيتوس عند أفراد المجتمعات العربية ذات الطبيعة البطريركية/ الأبوية، ودوره في توليد الهوية الثقافية لديهم.

وفي باب تجارب نساء سوريات في الترجمة، كتبت إينانة الصالح مقالة بعنوان “الترجمة وتحدّي تقمص شخصية الكاتب”، عرضت فيها تجربتها مع الترجمة “إن علاقتي مع الترجمة لم تأت وليدة اللحظة، بل كانت خيارًا حملته المحاولات والرغبة في خلق مكون يتفرّع عنه إبداع من نوع خاص، قوامه انسحاب على ثقافتين ولغتين وحضارتين كأنما نبحث التوهج في هذا الموضع حين الالتحام والتنافس في إيصال المبتغى بشكل يفوق الشكل الأصلي لغةَ ويوازيه محتوى.” وقدّمت ربى خدام الجامع في مقالتها “الترجمة: التعبير عن الذات والبوح بمكنوناتها” رؤيتها إلى الترجمة “هي عملية بحث وتنقيب في وجهات نظر الآخرين ومحاولة إظهارها كما هي من دون أي رتوش. تتعبني فكرة الرتوش كثيرًا، لأنني أحب الحقيقة كما هي من دون أي زيادة أو نقصان، ولعل هذا هو الشيء الذي أسعدني عندما أقسمت اليمين الذي جعل مني مترجمة محلّفة طبقًا للقانون: ألّا أخفي الحقيقة.”

ولخّصت سها السباعي تجربتهافي مقالتها “الترجمة بين التعطش للاجتهاد والسير على خطى السابقين”، بقولها “اهتداءً بمقالة عن المجاز المفضل الذي يراه المترجمون معبِّرًا عن ممارستهم للترجمة، أختار السكّة الحديدية. أرى خطين متوازيين يمتدان حتى خط الأفق، الكُتّاب من إحدى الثقافات والقرّاء من ثقافة أخرى، ويلعب المترجمون دور العوارض الخشبية التي تحول بين الخطين وبين التنافر أو الافتراق، وتثبّتهما على أرضنا الواحدة، وتبقيهما على مسافة قريبة.” وتُقرّ عزّة حسّون في مقالتها “في البدء كانت المكتبة” بفضل الترجمة عليهاكان لعملي في مجالِ الترجمة دورٌ في النهوضِ بوعيي، فعلى الرغم من أنَّ تخصصي في مجالِ اللغةِ الانكليزيةِ قد أعطاني مفتاحًا يعدُ بالدخولِ إلى عالمٍ آخر كبير ومختلف غير أنَّ الترجمة كانت البابَ إلى هذا العالمِ. إنَّ للغوص في العمل، قراءةً وترجمةً، وتتبعِ تفاصيلهِ والبحثِ في خلفيتهِ وفهمه تأثيره على المترجمِ/ة، وكنت أجدني بعدَ كلِّ كتابٍ أراجع رؤيتي للعالمِ ولقضاياه، وأكوّن آراءً جديدةً أو أراجع أفكارًا مسبقةً مفرطةً في المثاليةِ.”

وبالمثل تفعلنور نصرة، فتؤكد في مقالتها “القراءة بقلب مترجِمة” أنّ الترجمة منحتها “طاقة إيجابية على الرغم من متاعبها الكبيرة والجهد المضني الذي لا يدركه إلاّ المترجمون أنفسهم. ثمّة مصاعب وإرهاق وتوتر يرافق كل عمل حتى الانتهاء منه. إلاّ أن متعة الإنجاز وتقديم عمل بكامل تفاصيله وأجوائه وطقوسه ومفرداته، يبعث على البهجة التي بتنا نفتقدها تدريجيًا في واقع يضيّق الخناق شيئًا فشيئًا على المبدعين.”

وفي باب الحوارات، هناك حواران مهمّان؛ الأول أجرته نور حريري معالدكتور غسّان مرتضى، وهو كاتب وباحث ومترجم سوري، دكتوراه في الأدب الـمقارن، سانت بيتربورغ / روسيا، 1991، وأستاذ في جامعة سييرت – تركيا منذ 2014. من ترجماته الأخيرة: ب. م. إِخِنباوم، الأدب: نظريَّة – نقد – جدل، (منشورات مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، 2022)؛ فلاديمير بروب، الفولكلور والواقع، (منشورات مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، 2022). وأجرى الحوار الثاني فادي كحلوس معالدكتور نزار عيون السود، وهوكاتب ومترجم وأكاديمي سوري، أنهى الدراسات العليا في لينينغراد وموسكو وحصل على الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي، صدر له ما يزيد على خمسين كتابًا، بين ترجمة ومؤلفات، ومن ترجماته الأخيرة: “ليس للحرب وجه أنثوي” لسفيتلانا ألكسييفيتش (دار ممدوح عدوان، 2016)، و”زمن مستعمل- نهاية الإنسان الأحمر” لسفيتلانا ألكسييفيتش (دار ممدوح عدوان، 2018).

أما في باب الدراسات الثقافية، فقد ضمَّ العدد ثلاث دراسات؛ الأولى بعنوان “رأس المال الاجتماعي”، كتبها جاد الكريم الجباعي، وناقش فيها دور رأس المال الاجتماعي المنتَج في المجتمع المدني، وإسهامه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي تعميق الاندماج الاجتماعي وتعزيز اللحمة الوطنية، وفي تسريع التحولات الديمقراطية وترسيخها. أما الدراسة الثانية فكانت لـ فاطمة لمحرحر بعنوان “هيئات حماية حقوق الإنسان في المغرب ودورها في النهوض بالسياسات الحقوقية؛ دراسة حالة المجلس الوطني لحقوق الإنسان”، وتكمن أهمية هذه الدراسة في استكشاف طبيعة هيئات حقوق الإنسان، خاصةً المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب من حيث تركيبته وصلاحيته، والتساؤل عن القيمة المضافة لهذه المؤسسة في مسار الانتقال الديمقراطي والبناء المؤسساتي لحماية حقوق الإنسان والنهوض بها. أما الدراسة الثالثة فكانت لـ رمضان بن رمضان بعنوان ” قراءة في فكر هشام جعيط: دور النبوة في دخول العرب التاريخ“، يرى فيها أنّ أعمال هشام جعيط فتحت آفاقًا جديدة لأعمال مختلفة حول “الإسلام المبكر” بأدواتٍ معرفية تستنطق المصادر القديمة وتميِّز غثها من سمينها بعين ناقدة وبصيرة ثاقبة، فتعيد كتابة تاريخنا برؤيةٍ موضوعية.

وفي باب الإبداعات والنقد الأدبي، قدّمت خلود الزغير مقاطع شعرية من مجموعة “قدر الصرخة“، وكتبت شيرين عبد العزيز قصيدتين شعريتين (هذه ليست قصيدة، وحيدًا تحت عربات البغال)، وكتب علاء شقير نصّين شعريين (انتصر الوحشُ، ألوان)، وقدَّم صلاح إبراهيم الحسن أيضًا نصًّا شعريًّابعنوان (منذ آخر ظهور على هاتفك)، فيما كتب شوكت غرزالدين قصة قصيرة بعنوان (دفء لاجئ).

وفي باب الترجمات، ترجم ورد العيسى الفصل الثاني من كتاب (Translation Changes Everything; Theory and Practice) لمؤلفه لورنس فينوتي، وهوبعنوان “الفارق الذي تحدثه الترجمة؛ لاوعي المترجم” عن اللغة الإنكليزية، وصدر عام 2013 عن روتليدج.

وفي باب مراجعات وعروض الكتب، قدَّمت ليلى عبد الحميد قراءة في كتاب “مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية” لمؤلِّفه دنيس كوش، ترجمة منير السعيداني، وإصدار المنظمة العربية للترجمة في عام 2007. وقدَّمت خولة سعيد لمحة عن كتاب “منابع الذات؛ تكوّن الهوية الحديثة” لمؤلِّفه تشارلز تايلور، ترجمة حيدر حاج إسماعيل، وإصدار المنظمة العربية للترجمة في عام 2014. وفي باب الوثائق، نُشر تقرير “حالة اللغة العربية ومستقبلها-الملخص التنفيذي: اللغة العربية؛ نبض الواقع وحركية التأسيس لمستقبل جديد”، وهو أول تقرير بحثي يرصد حالة اللغة العربية في عدة محاور، وأُطلق ضمن فعاليات اليوم العالمي للغة العربية، في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2020.

مشاركة: