دور الترجمة والتعريب في التفاعل الثقافي والحضاري

المقدمة

انطلق هذا البحث من إشكالية تمّ صوغها من خلال مجموعةٍ من الأسئلة الجوهرية التي شكلت هاجس هذا البحث وهمه. أبرزها، هل بإمكان المجتمع العربي أن يعرف نهضةً فكرية وثقافية واسعة وتطورًا تنمويًا شاملًا من دون فعل الترجمة والتعريب؟ بمعنى هل يمكن أن يعتمد على نفسه في تنمية الثقافة العربية من دون الاستعانة بالآخر؟ هل يمكن للترجمة والتعريب أن يؤديا دوراً فاعلًا في التنمية اللغوية والبناء الحضاري؟ هل تملك اللغة العربية القدرة على إنتاج العلم والمعرفة والثقافة للمشاركة في حراك التفاعل الثقافي الإنساني؟ هل بإمكان حركة التعريب أن تجعل من الألفية الثالثة شعارًا لها المعلومات والثقافة؟ كيف السبيل إلى مواجهة التحديات التي تفرضها العولمة على المجتمع العربي والمتمثلة أساسًا في الثورة التكنولوجية والثقافية التي أضحت تهيمن على العالم في ظل العولمة؟                                                                                                                                       

للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، اقتضت الخطة الإجرائية التركيز على أربعة محاور رئيسة. خُصص المحور الأول لمناقشة إشكالية مفهوم الترجمة والتعريب. أما الثاني، فتناول الدور الذي أدّته الترجمة إبان عهود الازدهار الثقافي والحضاري للأمة العربية. حيث مكّن هذا الازدهار الثقافة العربية من أن تتفاعل وتتحاور مع غيرها من الثقافات العالمية التي سبقتها أو عاصرتها. أما المحور الثالث، فخصص للحديث عن دور الترجمة والتعريب اليوم في خلق تفاعلٍ ثقافي وبعثه بين العرب وغيرهم من الشعوب من خلال الكشف عن دور الترجمة في الوعي بالذات وإدراك الآخر، وإحداث نهضةٍ ثقافية واقتصادية وعلمية في الثقافة المتلقية. أما المحور الرابع، فركز على أبرز التحديات التي تواجهها الترجمة والتعريب، وهي تحديات ثقافية وتنموية وفكرية، وتفجر المعرفة واكتساح العولمة للخصوصيات اللسانية والثقافية.

                                                                                                   1. الترجمة والتعريب، إشكالية المفهوم                                                                                                                

تقتضي الخطة الإجرائية لهذا البحث أن تقف عند مفهومي الترجمة والتعريب بوصفهما مفهومين أساسين نستعين بهما للكشف عن دورهما في التفاعل الثقافي ومواجهة تحديات العولمة، فهل الترجمة رديفة التعريب؟ أم أن لكل مصطلحٍ دلالةٌ مستقلةٌ عن الآخر؟ أم أن المفهومين يتقاطعان ويلتقيان عند نقطة واحدة؟

 1.1ـ مفهوم الترجـمـة                                                                                                                     

قبل مناقشة هذه الإشكالية، سنعمل على تحديد المصطلح كما ورد في المعاجم اللغوية العربية والأجنبية، وهذا قبل عرضه في أدبيات الترجمة والتعريب. تناولت المعاجم اللغوية العربية مدلولاتٍ عدة لكلمة ترجمة. فقد جاء في لسان العرب أن كلمة الترجمان والترجمان (بفتح التاء وضمها) تدل على “المفسر”. يقال: وقد ترجم كلامه، إذا فسره بلسان آخر، ومنه الترجمان([1]). تلتقي هذه الأدلة مع ما جاء في المعاجم الفرنسية، حيث كلمة «Traduire»، تنحصر في معاني النقل والتحويل أو الإحالة، كما تدل على التفسير والتأويل والإبانة عن الأفكار بتعبيرٍ واضح([2]).                                                                                           

يؤكد معجم روبير الكبير (le Grand Robert) أن كلمة الترجمة تعني نقل الملفوظ من لغة إلى أخرى بالمحافظة على التكافؤ الدلالي للنص، فضلًا عن دلالة التفسير أو إزالة التشفير، ولا تبتعد كثيرًا صاحبة موسوعة الترجمة عن الدلالات التي أومأنا إليها، إذ تذهب إلى أن أصل الكلمة (Traduction) في العديد من اللغات ما عدا الألمانيةـ يرتقي إلى اللاتينية (Traducère) الذي يعني نقل عبر…. إلّا أن هذا المعنى لا يزال محسوسًا في الفرنسية من خلال العبارة (Traduire quelqu’un en justice) / إحالة شخص على العدالة). فقد لاحظت الباحثة جويل رضوان أن الكلمة الإنجليزية تطابق الكلمة الفرنسية (Translation) التي كانت في السابق مقترنة (Traduction) التي تعني نقل صورة من دون الإساءة إلى ترتيبها الداخلي([3]).

إن الباحث في هذا الحقل المعرفي لا يعدم تعاريف الترجمة وهي على كثرتها لا تقف عند مفهوم واحد لتعدد الحقول والمجالات المعرفية والأدبية والفكرية والعلمية التي ولجت إليها الترجمة، ومن هنا كان مصطلح الترجمة ذا أبعادٍ واسعةٍ جدًا لا يمكن حصرها في دائرة ضيقة أو تعريف مبسط، فهي أولًا عملٌ ثقافي ينتج عنه تثاقفٍ طويل الأمد على صعيد الأفراد والجماعات، وهي تعبر عن أبعاد حضارية قابلة للتعميم والانتشار عبر تفاعل الثقافات في إطار من العلاقات المبنية على التبادل الثقافي الحر والإبداعي بين مختلف الشعوب والقوميات”. أما الترجمة بمعناها العام، فهي نقل وتحويل ما كُتب أو قيل في اللغة المصدر إلى اللغة الهدف، وهذا ما يؤكده جويل رضوان في قوله: “الترجمة هي تحويل المعنى نفسه الذي يقصده المؤلف الأصلي للنص إلى لغة أخرى”([4]). لكن عل الرغم من أهمية هذا التعريف، فإنه لا يعطي صورة دقيقة عن الترجمة بوصفها علمًا وإبداعًا ومهارة. حيث اقتصر دور الترجمة فيه على النقل اللغوي فحسب. غير أن التعريف التالي يرقى بالترجمة من كونها نقلًا من لغة إلى أخرى، إلى كونها تعبيرًا عن المعاني والأفكار بلغةٍ ثانية إنها هي التعبير بلغةٍ ثانية عن المعاني التي تم التعبير عنها بلغةٍ أولى. ومع تطور الخبرة الترجمية، تأكد أن الترجمة قبل أن تكون علمًا وفنًا “فهي مهارةٌ تتمثل في محاولة إحلال رسالةٍ/ أو بيانٍ مكتوب بإحدى اللغات برسالةٍ/ أو بيانٍ مكتوب بلغةٍ أخرى”([5]).

لكن على الرغم من تعدد الرؤى والمقاربات، فإن الترجمة بشكلٍ عام “إحلال النص المكتوب بإحدى اللغات والتي نطلق عليها اللغة المصدر إلى نصٍ يعادله مكتوبٌ بلغةٍ أخرى والتي نشير إليها بأنها اللغة المستهدفة”([6]). لهذا، فإن أفضل الترجمات ليست تلك التي تبقي نصب عين القارئ وإلى الأبد حقيقة أن هذا العمل ما هو إلا ترجمة وليس تأليفاً أصليًا، وإنما هو تلك الترجمة التي ينسى القارئ مطلقًا أنها ترجمة وتجعله يشعر أنه يمعن النظر في ذهن الكاتب، مثلما يمعن النظر في ذهن كاتب معاصر. ولا يعتبر هذا الأمر في الواقع أمرًا سهلًا في تنفيذه ولكنه رغم ذلك يعتبر المهمة التي يجب أن يلتزمها أي مترجم بادية في عمله”([7]). وإذا كان النص السابق يؤكد على إبداعية النص المترجَم من حيث كونه لا يجعل القارئ يميز بين ما هو أصيل وما هو مترجم، فإن الترجمة تبقى هي “المعادل النصي في ما بين نصي اللغة المصدر واللغة المستهدفة، وهذا لا يستوجب التقيد بالمقابل الشكلي بين النصين على مستوى المفردات أو القواعد، ولكن توصيل المحتوى المعادل للنص كله”([8]). فعلى الرغم من أن للترجمة مفاهيم شتى وكثيرة، تعددت بتعدد الباحثين المتخصصين في هذا الحقل المعرفي، فإنها تلتقي عند دلالة التحويل والنقل من لغةٍ إلى لغةٍ أخرى. بل هي فعلٌ ثقافي. يذهب جيل ورجز إلى أن الترجمة هي “تحويل نصٍ من لغةٍ أساسًا إلى نصٍ مناظر في لغةٍ أخرى مع الحفاظ قدر الإمكان على محتوى غرض النص الأصلي وسماته الشكلية وأدواره الوظيفية”([9]). إن الترجمة من هذا المنظور، نقل معاني الجمل والتراكيب لا الألفاظ من لغةٍ إلى أخرى. عكس التعريب الذي يتمثل في إيجاد كلمةٍ عربية للمصطلح أو للفظ الذي يقابله في الأجنبية، أو إخضاع اللفظ الغربي للأوزان العربية. من هنا، تبرز أهمية الترجمة من خلال توحيد دلالات المصطلحات والمفاهيم. قصد نشر ثقافةٍ إنسانية مشتركة تقارب ما بين الشعوب، ولا تزيد من حدة التباعد والتنافر في ما بينها على خلفية ثقافتها المحلية([10]). كما أن للترجمة بعدًا ثقافيًا وحضاريًا. مما يجعلها تتجاوز كونها “مجرد نقل كلمة أو فكرة من لغةٍ إلى أخرى، بل هي بالدرجة الأولى فعلُ ثقافةٍ حية قادرة على تحويل موارد المجتمع إلى قوةٍ محركة للطاقات الإبداعية فيه، ولديها القدرة على تحويل الثقافة إلى فعلٍ حضاري ودينامية لتغيير المجتمع، بعد أن أصبح العالم كله مساحةً ثقافيةً واحدة في عصر العولمة، تعيش نوعًا من التفاعل اليومي والمباشر بين مختلف أشكال الثقافات واللغات والشعوب”([11]). من هذا المنظور، التصقت الترجمة بالثقافة، وأضحت أحد العوامل الأساسية المنتِجة للتثاقف، والمؤثرة في تفاعل الثقافات. من هنا، كانت الترجمة وستبقى عملًا ثقافيًا بامتياز. ينتج منه “تثاقفٌ طويل الأمد على صعيد الأفراد والجماعات، وهي تعبر عن أبعاد حضارية قابلة للتعميم والانتشار عبر تفاعل الثقافات في إطار العلاقات المبنية على التبادل الثقافي الحر، والإبداع بين مختلف الشعوب والقوميات، وهي حوارٌ ضمني بين تجارب الشعوب الثقافية عبر الكلمة الفاعلة. لكنها بقدر ما تبتعد عن الاستعلاء الثقافي، بقدر ما تنجح في نشر ثقافة الانفتاح والتواصل الحر، ويُغرس تأثيرها الإيجابي عميقًا في وجدان المتلقي لتصبح جزءًا من تراثه الثقافي”([12]).

إذا سلمنا جدلًا بكون الترجمة عملًا ثقافيًا ينتج عنه تثاقفٌ طويل المدى على صعيد الأفراد والجماعات، فهي من هذا المنظور عملٌ حضاري لا يمكن الاستغناء عنه مهما بلغنا من رقيٍ وتقدم، فلا نتصور عالمنا من دون أن تستفيد من نشاطات الترجمة، فهي وحدها الأداة التي يمكن من خلالها الوصول إلى هذه اللغة المشتركة وتلعب دور الوساطة بين اللغات المختلفة، ولما استفادت كل أمةٍ من علوم وفنون الأمم الأخرى، ولا ازدهر المحتوى العلمي والمعرفي الإنساني، ولا نشطت حركة التفاعل في ما بين الشعوب بعضها بعضًا، لا يمكننا بحال من الأحوال أن نتخيل عالمنا من دون ترجمة. والترجمة ليست نشاط حقلٍ بين طرفين متباعدين، بل إن الترجمة نشاطٌ مؤثرٌ ومتأثر، وقناةٌ نابضةٌ تربط بين بحار وأنهار اللغات المختلفة، وهي أم الفنون الإنسانية التي تنقل الثقافات بين الأمم وتعمل على التقريب بين الشعوب، وتدفع عجلة التطور الإنساني قدمًا”([13]). من هنا، تصبح الترجمة إضافةً نوعية وليست استلابًا وذوبانًا في ثقافة الآخر. فالترجمة إضافةٌ وتلاقحٌ وحوارٌ ثقافي وحضاري. لأن “الحضارات التي كان لها حضورٌ فعلي في إثراء التراث الإنساني لم تغتن من تلقاء ذاتها، بل من قدرتها على استيعاب عناصر ثقافية أجنبية وإدماجها في تركيبها وتحويلها إلى فعلٍ ثقافي مغاير، من دون أن تتنازل عن مبادئها الثابتة، فداخل الحضارة الإسلامية نجد بصمات الثقافات اليونانية والفارسية والهندية… وداخل الثقافات الغربية هناك حضورٌ قوي للثقافة العربية الإسلامية”([14]). وإن كان الفعل الترجمي يتأسس على الحوار والإضافة بين الثقافات والحضارات، فإن نتائج هذا الحور تنتج المثاقفة بين الحضارات، ومن هنا عدت الترجمة رديفة المثاقفة (Acculturation)، فكلاهما بحثٌ وسعي نحو ارتياد آفاق مغايرة لأشكال الثقافة المختلفة، وأسئلة الوجود المتعددة… في ظل التعايش الحضاري والتنوع الثقافي، كما يختزلان (الترجمة والمثاقفة) واقع تعايش الحضارات المختلفة في لحظةٍ من لحظات الإبداع التي يتمخض عنها تجدد الحضارات ونماؤها… وفي هذا السياق، يمكن اعتبار الترجمة مثاقفةً كما حددها الباحث الاجتماعي الفرنسي ميشال دو كوستر Michel De Coster بوصفها “مجموعة الثقافات التي تحدث نتيجة شكلٍ من أشكال الاتصال بين الثقافات المختلفة، كالتأثير والتأثر والاستيراد والحوار والرفض والتمثل، وغير ذلك مما يؤدي إلى حضور عناصر جديدة في طريقة التفكير وأسلوب معالجة القضايا وتحليل الإشكاليات، مما يعني أن التركيبة الثقافية والمفاهيمية لا يمكن أن تبقى أو تعود بحالٍ من الأحوال إلى ما كانت عليه قبل العملية”([15]).

إذا أردنا التعمق في مفهوم الترجمة، فإنه يعني مما يعنيه معرفة الذات والآخر والتواصل معه، وخلق التفاعل الثقافي والحضاري معه. مما يصب في مصلحة الارتقاء بالحضارة الإنسانية عمومًا، وفي إنضاج وتطوير ثقافات الأمم على وجه الخصوص وبالقدر ذاته الذي تساعدنا الترجمة في معرفة الآخر، فإنها تعيننا على إدراك حقيقتنا ومعرفة ذواتنا. فمن خلال تعريفها لنا بالآخر، يمكن أن نستوضح أوجه التشابه والاختلاف في ما بين هذا الآخر وبيننا. فحين تتشكل لدينا رؤية واضحة عن الآخر، يمكننا ساعتها أن نقارب بينه وبين أنفسنا. كما أن اطلاعنا على الصورة التي رسمها لنا الآخر، يجعلنا نقف عن مواطن القوة والضعف فينا…. فمن خلال الترجمة يمكننا أن نحصل على نقد الآخر لنا، ومن خلالها، أيضًا، يمكننا أن ننتقد أنفسنا([16]).

2.1 ـ مفهوم التعريب

يطرح مفهوم التعريب إشكاليةً أخرى متعددة الأبعاد. نظرًا إلى كون المصطلح قد عرف استعمالاتٍ متعددة في عصورٍ تاريخية وسياسية متعاقبة ومتباينة الأهداف والأهواء والمقاصد. من هنا، اتخذ المفهوم هذه الصبغة المعقدة. وقبل تناول مناقشة هذه المسألة حريٌ بنا أن نبسط مفهوم الكلمة كما تناولتها المعاجم العربية، لكلمة “تعريب” معانٍ عدة تداولتها المعاجم اللغوية العربية. وسأقتصر على ما له صلةٌ بموضوع البحث، فمن هذه المعاني الإبانة والتوضيح. قال الأزهري: “الإعراب والتعريب معناهما واحد، وهو الإبانة. يقال: أعرب عنه لسانه وعرب (بتضعيف الراء) أي أبان وأفصح، وأعرب عن الرجل، بين عنه، وعرب عنه (بتضعيف الراء) تكلم بحجته”([17]). ولاشك أن دلالة الإبانة والإفصاح (لا تبتعد عن دلالة الإيضاح والتفسير، وهذا ما أبان عنه الفيروز آبادي: “الإعراب الإبانة والإفصاح (عن الشيء)”([18]). من خلال هذا المعنى، فإن (الإبانة والإفصاح لا يخرجان عن دلالة التفسير، وما المبين إلا مفسرًا وموضحًا، و”التعريب تهذيب المنطق عن اللحان”([19]). وللتفريق بين مصطلحي التعريب والترجمة، حدد الباحث شحادة الخوري التعريب في ثلاثة أنماط: تعريب اللفظ، وتعريب النص، وتعريب المجال.                                                     

أ ـ تعريب اللفظ: بمعنى التفوه باللفظة الأعجمية على منهاج العرب في النطق والوزن، فقديمًا قيل: ترياق، ناطور، سوسن، فردوس، أكسيد… فإذا وافقت اللفظة أوزان وأصوات العربية فهي معربة، وإلا عُدت دخيلة، وقيل المعرب والدخيل واحد؛

ب ـ تعريب النص: هو نقل النص من إحدى اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، وهذا بمعنى الترجمة، فإذا كانت غايتها تنمية ثقافتنا العربية لتتحاور مع الثقافات الأخرى إسهامًا مع المثاقفة الإنسانية والحضارة العالمية فهي تعريب؛

ت ـ تعريــب المـجـال: يجعل اللغة أداته التعبيرية مثل تعريب مجال التعلم، أو الفضاء، أو الإعلام، بمعنى جعل اللغة العربية هي لغة الفكر والشعور([20]).                                                                                                                          

تفطّن علماء العربية إلى مفهوم التعريب، وعالجوه في كثيرٍ من المباحث اللغوية وغير اللغوية، وأدركوا الفرق بينه وبين الترجمة. وهذا ما انتبه إليه ابن خلدون في مقدمته حينما حاول أن يدقق بين مفهوم التعريب، ومفهوم الترجمة. يقول في هذا الصدد: “ولما كان كتابنا مشتملا على أخبار البربر وبعض العجم، وكانت تعرض لنا أسماؤهم أو بعض كلماتهم حروفا ليست من لغة كتابنا ولا اصطلاح أوضاعنا، واضطررنا إلى بيانه لم نكتف برسم الحرف الذي يليه كما قلنا لأنه عندنا غير واف للدلالة عليه، فاصطلحت في كتابي هذا على أن أضع ذلك الحرف العجمي بما يدل على الحرفين اللذين يكتنفانه ليتوسط القارئ بالنطق بين مخارجي الحرفين فتحصل تأديته، وإنما اقتبست ذلك من رسم أهل المصحف حروف الإشمام كالصراط في قراءة خلف. فإن النطق بصاده فيها متوسط بين الصاد والزاي، فوضعوا الصاد ورسموا في داخلها شكل الزاي ودل عندهم كل التوسط بين الحرفين”([21]). يتبين من خلال هذا النص أن ابن خلدون أدرك حقيقة التعريب بوصفه آلة من الآليات اللغوية التي تمكن القارئ من التوصل بالنطق للحرف الأعجمي. وهو بهذا التصور بعيدٌ عن الترجمة التي هي المعادل النصي في ما بين نصي اللغة المصدر واللغة المستهدفة. كما أن هناك من ذهب إلى تساوي “التعريب” والإعراب في المعنى اللغوي، ويقصد بهما “الإبانة”. والكلمتان مشتقتان من لفظي عرّب (بتضعيف الراء) وأعرب “بمعنى أبان وأفصح. لأن الإعراب يفصح عن المعاني بالحركات التي تفرق بين الوظائف وتوضيح الفوارق بينها من خلال استخدام علامات الإعراب المختلفة، ومن هنا وقياسا على ذلك فإن التعريب هو تخصص في توضيح دلالة الألفاظ، ويتناول نقل اللفظ العجمي إلى اللغة العربية([22]). وإذا كان التعريب، كما أومأنا، تخصص في توضيح دلالة الألفاظ، تناول اللفظ الأعجمي إلى اللغة العربية، فإنه من جهة أخرى ظاهر من ظواهر التقاء اللغات. قد “يكون التأثير في الأصوات أو بنية الكلمة أو المفردات، وقد لوحظ على الألفاظ التي جاءت إلى العربية قبل وبعد الإسلام بأنها تتعلق بالحسيات لا المعنويات، وهي متعلقة بالأطعمة والأشربة والألبسة والمصطلحات الإدارية وغيرها، ويعتبر ما دخل العربية من الألفاظ الأجنبية قليل إذا ما قورن بما أخذته اللغات الأخرى من العربية، كالفارسية مثلا”([23]). ندرك مما سبق أن التعريب من الألفاظ المتعددة المعاني، وأنه مفهومٌ خاضعٌ لأهداف كل مرحلة تاريخية، فمفهوم التعريب في العصر العباسي لا يدل على تصورنا نحن المعاصرون، فقضايا القدماء غير قضايانا، وإشكالياتهم غير إشكالياتنا. إلا أن المبدأ العام للمفهوم يبقى ثابتًا. مما جعل المفهوم يخضع حسب الأهواء والأهداف الثقافية والإيديولوجية والسياسية في بعض الأحيان. وهذا ما يؤكده قول عبد الملك مرتاض: “وإذا كانت قضية التعريب تعني في حقيقة الأمر تصحيح الشخصية الوطنية، فراح قوم يؤولونها تأويلا قائما على المصالح العارضة، ويربطونها بالخبز ربطا وثيقا، والذي يتأمل هذه القضية من جميع وجوهها، لعله أن يعذر هؤلاء القوم عذرا نفسيا، لأن التعريب يعني بالقياس إليهم هبوطا من أعلى إلى أسفل، ونزولا من السماء إلى الأرض، وخروجا من هذا النعيم [….]، و حرمانا من هذه السعادة الحالمة التي يرفلون في أثوابها الحسان، فقد مكنتهم هذه الفرنسية التي تعلموها، أو علموها، من تبوء مناصب إدارية عالية جعلتهم ينظرون إلى التعريب نظرة عداء”([24]).

وعلى هذا الأساس، فإن مفهوم التعريب يختلف باختلاف الأهداف والمقاصد والمشاريع والغايات، فحاجتنا إلى التعريب اليوم، غير حاجة الأولين ومن هنا “يختلف مفهوم التعريب باختلاف ما يراد من لفظه فإذا كان هذا اللفظ يعني في بعض البلدان العربية تعريب العلوم الطبية والذرة وسواها من العلوم ذات الطبية المعقدة، فإنه يعني في بلدان عربية أخرى… تعريب الحالة المدنية والقضاء والتعليم في بعض مراحله الدنيا، فإذا تم لنا ذلك، استشرفنا تعريب العلوم التكنولوجية”([25]). إذا كان مفهوم التعريب يختلف باختلاف ما يراد من لفظه وأهدافه، فإن ذلك يفترض ألا نعني بهذا المفهوم التعصب، والانغلاق، والانعزال، بل إن طبيعته تقتضي الانفتاح على الآخر، وإلا ما جدوى التعريب؟ إن الدعوة للتعريب ليست مبنية على أي تعصب أو تعال فكري، بل تهدف فقط إلى إحلال اللغة القومية محلها الطبيعي والمشروع. لذلك، فهي لا تتنافى مطلقًا مع دراسة اللغات الأجنبية. بل يجب أن تؤكد، وبكل إلحاح أن مثقفينا في حاجةٍ ماسة إلى معرفة اللغات الحية الكبرى، فهي نوافذ مفتوحة على عوالم اجتهدت وتقدمت في سائر ميادين الحضارة، وكل اتصالٍ بالثقافات الأجنبية فيه خيرٌ كبير لنا لأنه سيمدنا بلقاحات ستفيدنا في بناء ثقافتنا الجديدة([26]). من هنا، تبرز حاجتنا إلى التعريب. لأن الغاية منه لا تقتصر على إحياء التراث فحسب، بل التفاعل مع الآخر حينما يفرض علينا مصطلحاته. ونكون حينئذ في حاجةٍ ماسة إلى استيرادها حينما نستورد الأشياء الجديدة علينا. لأجل ذلك “لا نريد التعريب من أجل التراث، أو من أجل الماضي، ولكننا نريد التعريب لأننا نريد أن ننشئ ثقافة عربية جديدة، ونخلق تراثا آخر لأجيال المستقبل، فالعربية ليست لغة أجدادنا وحدهم، بل هي لغتنا نحن أيضا، إذن فالواجب يقتضي منا أن ننظر إلى التعريب من زاوية الحاضر والمستقبل قبل كل شيء”([27]).                                                                                                                                              

 انطلاقًا مما سبق، تبرز أهمية التعريب ودوره بوصفه أداةً للحفاظ على الهوية العربية والإسلامية، وعاملًا من عوامل التطور والازدهار، لأنه يمكننا من التواصل مع الاكتشافات العلمية ومواكبة المستجدات المعرفية والفكرية. لذا، سيبقى “التعريب أداة قوية لابد لنا أن نستغلها لتأكيد هويتنا وفرض وجودنا، وبدلا من أن نستورد العلوم والأفكار وندسها في عقول أبنائنا أحرى بنا أن نعربها ونصبغها بصبغتنا… إن هناك خطرا داهما يتأتى من التراخي في مسيرة التعريب، وهذا الخطر يتمثل في هجرة العقول والكفاءات العربية إلى البلدان التي درست العلوم بلغاتها، وهذا خطر يمس الأمن القومي العربي على وجهين، أولهما تجريف سهل للكفاءات البشرية العربية وخفض وتقليل العقول والكفاءات العالمة في وطننا العربي، ثانيهما ما ينتج عن استمرار تقوقعنا من دون نقل عادل لجوهر هذه العلوم عبر ما نثق بهم من أبناء عروبتنا، والوجه الأخير اختلال ميزان التأثير الثقافي لصالح الآخر مما يضعنا في حالة خنوع وتبعية”([28]). في ضوء ما سبق، يتميز التعريب عن الترجمة بما له من خصوصيات وقواعد، فهو نسقٌ خاصٌ مستقلٌ متفرد لا يمكن خلطه بالترجمة على عمومها، له مميزات وقواعد خاصة ما يتعلق بأمور الاشتقاق والصياغة اللفظية والتطور اللغوي والصرفي، والتعريب علمٌ مستقلٌ وضربٌ من ضروب فنون اللغة، إلا أنه لم يحظ بما يستحقه من تأطير منهجي أكاديمي رغم أهميته والضرورات التي تدفع إلى التركيز عليه خاصةً خلال الفترة من تاريخ الحضارة العربية([29]).                                                                           

 إن أهم ما يميز التعريب عن الترجمة، أن الأول يسعى إلى نقل المفهوم والمصطلح معًا في حين تكتفي الترجمة بنقل المعنى. وهذا ما يؤكده حسام الدين مصطفى من خلال قوله: “يبرز التباين بين الترجمة والتعريب في أن الترجمة لا تسعى إلى تعريب اللسان وتغيير منطوق ولفظ اللغة، وإنما تهتم بنقل المعنى باستخدام ألفاظ اللغة المستهدفة، بينما يتمثل التعريب في نقل المفهوم والمصطلح الأجنبي وصياغته باللفظ العربي في حال توافره أو إيجاد لفظ جديد يعبر عن المفهوم أو المصطلح المعرب، ويمكن القول إن الترجمة إطار عالمي تتناول اللغة أما التعريب فيأتي انطلاقا من التركيز على السمات المحلية القومية للغة”([30]). لهذا، فإن فائدة التعريب أكثر من خطورته كما يزعم البعض، فهو لا يضر ببنية اللغة، بل “ضروري لحياة العلم، ولا خوف منه على كيان اللغة، فإنما اللغة قائمة بحروف معانيها وأفعالها وصرفها ونحوها وبيانها وشعرها وخصائصها التي تمتاز بها”([31]). يساهم التعريب في إغناء مجالاتٍ بعينها. وذلك من خلال إشاعة المصطلحات العلمية والفنية بين الناطقين بالعربية، وهي مصطلحاتٌ علمية عامة تكاد تكون مشتركة بين العلماء والباحثين. أما الإعراض عن تعريبها، فقد يفرغها من محتواها، ويسلبها شحنتها الدلالية والمفاهيمية. لذا يتوجب نقلها بصيغتها الأصلية إلى اللغة المترجم إليها للحد من الالتباس الذي قد يكتنفها. لذا، يحصر المتخصصون التعريب في مجالاتٍ معينة([32]).

2. دور حـركة الترجمة والتعريب في ازدهار الحضارة العربية

1.2 ـ دور حركة الترجمة والتعريب في توطين المعرفة ولغة المعرفة

تهدف هذه الجزئية إلى بيان دور حركة الترجمة والتعريب في ازدهار الحضارة العربية، وفي توطين المعرفة ولغة المعرفة، ولمناقشة هذه الجزئية من البحث رأينا من الضروري بدايةً الإشارة إلى تأصيل الترجمة والتعريب في الحضارة العربية فضلًا عن دور هذه الحركة في إقامة حوارٍ ثقافي بين الثقافة العربية وغيرها من الثقافات العالمية التي كانت سائدةً آن ذاك، لنصل إلى رصد نتائج التفاعل الذي أقامته حركة الترجمة والتعريب.

تؤكد المصادر التاريخية أن حركة الترجمة والتعريب متأصلةٌ في الحضارة العربية التي تمتد بجذورها إلى عصور بعيدة في التاريخ. إنها نشاطٌ إنساني يواكب التطور الاجتماعي البشري في جميع مراحله. لأن الإنسان في حاجةٍ ملحة إلى التواصل مع الأمم والشعوب كافة مهما اختلفت لغاتها. وقد بزغت الترجمة “نتيجة للأنشطة الإنسانية منذ بدايات المجتمع البشري، وما تضمنه من نشاطات دينية واقتصادية وعسكرية استطاعت أن تخرج بالشعوب من حدودها الجغرافية لتتفاعل مع جيرانها، وكانت أولى صور الترجمة هي الترجمة الشفوية نظرا لبساطة النظم اللغوية وعدم اختراع الكتابة، فكانت الترجمة هي أداة التفاهم بين القبائل والتجمعات البشرية سواء خلال الأنشطة التجارية التي تتم وقت السلم أو المعاهدات والاتفاقيات التي تظهر في وقت الحرب، وفي العصور القديمة لعبت الترجمة دورا هاما في نشر التعاليم الدينية، والنتاج الفني والأدبي، وساعدت في إحداث التفاعل بين الحضارات القديمة كالبابلية والأشورية والفينيقية والفرعونية والإغريقية”([33]).

من هنا، وجدت الترجمة في التاريخ الإنساني منذ القدم. خاصةً في بلاد العراق. فقد عُثر على مخطوطاتٍ قديمة ثنائية اللغة (السومرية والأكادية)، يرجع تاريخها إلى عام 3000 ق.م. فضلًا عن حجر الرشيد الذي يعد من أقدم الدلائل التي توضح نشاط الترجمة، وهو حجرٌ يرجع تاريخه إلى عام 200 ق.م. عُثر عليه في مدينة الرشيد المصرية عام 1977 م منقوشًا عليها نصوص باللغة الهيروغليفية (المصرية القديمة) والديموطيقية (المصرية القديمة العامية)، واليونانية. فقد قام الكهنة بنقش هذه النصوص تخليدًا لذكرى “بطليموس الخامس” 205 ق.م ـ 180 ق.م. وكانت النقوش تعبر عن ترجمة النص الأصلي من اللغة الهيروغليفية إلى اللغتين الديموطيقية واليونانية، ومن خلال هذا الحجر استطاع الفرنسي فرانسوا شامبليون عام 1882 فك الرموز عبر مقاربة الترجمات([34]). أما الجانب العربي، فإن المصادر التاريخية تؤكد هي الأخرى أن العرب مارسوا الترجمة بوصفها نشاطًا إنسانيًا، وأداةً للتواصل بينهم وبين غيرهم من الأمم، خاصةً المجاورة لهم. وقد ثبت تاريخيًا أن حركة الفتوحات التي رافقت مسيرة الإسكندر الأكبر أدت إلى نشر الحضارة اليونانية في غرب آسيا وشرقها، ما أطلق عليه المؤرخون اسم الحضارة “الهلنستية” التي تمتد من وفاة الإسكندر (323 ق.م) حتى تاريخ الفتح العربي في القرن السابع الميلادي. فكانت أشهر المراكز الحضارية في هذه الفترات: جنديسابور في خوزستان، وأنطاكيا في الشام، والإسكندرية في مصر… وقد قام السريان بترجمة الكثير من علوم ومعارف اليونانيين إلى اللغة السريانية([35]). امتاز العصر “الهلنستي” بطابعه الشرقي وشهد نشاطًا في حركة نقل العلوم والآداب المختلفة من اللغة اليونانية. وقد قام السريان بجهودٍ بالغةٍ في هذا المضمار. حيث حرصوا على نقل ما وصلهم من علوم وآداب إلى لغتهم، وكانوا السبب في بقاء الكثير من المؤلفات التي ضاع معظم ما كتب منها بلغته اليونانية الأصلية، والحق أن اللغة السريانية قد أسهمت أيضًا في حماية الكثير من المؤلفات الفارسية التي ضاع نصها الأصلي، وبذلك أصبحت السريانية لغة العلم والمعرفة. وعندما فتح الله على المسلمين بلاد فارس والعراق والشام ومصر في مطلع القرن السابع الميلادي، وامتزجت حضارتهم ولغتهم العربية بالحضارات التي كانت في هذه الفترة، وانفتحوا على ثقافات وعلوم لم يألفوها، ونقلوا من العلوم التي وجدوها ما أثرى ثقافتهم وحضارتهم العربية الإسلامية([36]). أما خلال الفترة الإسلامية، فإن حركة الترجمة والتعريب قد عرفت انتعاشًا بسبب من الدعوة الإسلامية التي كانت في حاجةٍ ماسة إلى مبعوثين إلى العجم لتبليغ الرسالة المحمدية. وما كان هؤلاء أن يبلغوا هذه الرسالة لو لم يكونوا على معرفةٍ تامةٍ بلغات الأعاجم، “وكان ابن ثابت من أشهر سفراء النبي (صلى الله عليه وسلم). إذ استطاع أن يتقن اللغات السريانية والفارسية والرومية. وهناك أدلةٌ وشواهد عديدة تؤكد أن عصر صدر الإسلام قد عرف الترجمة ومن أمثلة هذه الأدلة بردة عمر بن العاص التي ترجع إلى سنة 22 هـ/ 642م، وعليها سطور باللغة اليونانية وتحتها ترجمتها بالعربية (وثمة روايات تقول) إن سلمان الفارسي قام بترجمة معاني سورة الفاتحة إلى اللغة الفارسية. وقد قَويت حركة الترجمة خلال العصر الأموي. حيث أورد العديد من المصادر أن خالد بن يزيد ابن معاوية المشهور بــ (حكيم آل مروان) كان أول من أرسل إلى الإسكندرية ليجلب كتب الطب والكيمياء لتتم ترجمتها)([37]). ولما جاء العصر العباسي توسعت اهتمامات المترجمين. فكانت مجالات حركة الترجمة والتعريب أكثر توسعًا من العصور السابقة. كما ساهم في ذلك تشجيع الخلفاء العباسيين للمترجمين والعلماء وسخائهم معهم كي يجعلوا من بغداد حاضرة الخلافة الإسلامية. بل جعلوا الترجمة نشاطًا من أنشطة الدولة. فقد استعان الخليفة أبو جعفر المنصور بحنين بن إسحاق لنقل كتب الطب، وسار على نهجه هارون الرشيد الذي أنشأ دار الحكمة لتصبح أشبه بمؤسسة أكاديمية للترجمة. ومن بعده، جاء المأمون الذي زاد من تشجيعه للمترجمين كالحجاج بن مطر، وابن البطريق. كما تأثرت الحضارة الإسلامية بعلوم وفنون وآداب الأمم الأخرى من خلال حركة الترجمة، وظهر تأثير الحضارة الفارسية على الآداب والفنون، وظهر تأثير حضارات اليونان والرومان في الفلسفة والعلوم، وأثر حضارة الهند في علوم الحساب والرياضيات والفلك([38]). ساهم هذا التأثير البالغ والقوي لحركة الترجمة في العصر العباسي في تطويرها. حتى ليخيل للإنسان أن المترجمين “لم يتركوا حينئذ كتابا يونانيا في أصله اليوناني أو من ترجمته السريانية إلا ترجموه إلى العربية”([39]). كما عد اللغويون الترجمة والتعريب رافدًا من روافد التنمية اللغوية، وإحدى وسائل الاتصال الإنساني، ونافذةً على ثقافة الآخر وفكره، وأداةً لنقل الحضارات والمعارف. وشهد العصر العباسي انفتاحًا فكريًا أعان عليه ما نقل من حضارة الشرق كالفارسية والهندية، وما نقل من حضارة الغرب كاليونانية والسريانية، ولم يكن الجهل لبعض اللغات عائقًا، فقد “استعانوا بلغات وسيطة إذا عسر عليهم النقل من اللغة الأم، مثال ذلك عندما نقل ابن المقفع كليلة ودمنة الهندية الأصل إلى العربية من لغة وسيطة هي الفارسية”([40]).                        

2 ـ 2. حركة الترجمة والتعريب في ازدهار الحضارة العربية                                                                            

إذا كانت الجزئية السابقة قد أصّلت حركة الترجمة والتعريب العربية الإسلامية وأظهرت اهتمام العرب في الترجمة منذ عصر فجر الإسلام، فإن الجزئية التالية تهدف إلى تبيان دور حركة الترجمة والتعريب في ازدهار وتطور الحضارة العربية، وتوطين المعرفة ولغة المعرفة.                                                                                                                                  

إن ما أنجزته حركة التعريب في بدايات مسيرتها لا يقل شأنًا وأهميةً على ما حققته الفتوحات العسكرية. بل ربما كان دور التعريب أعظم في تدعيم الوجود العربي، وتأكيدًا لاستقلاليته. إن تعريب العلوم والأفكار، أداةٌ يمكن من خلالها إحياء ثوابت هذه الأمة وترسيخها من خلال الإصرار على أن تكون اللغة العربية هي اللغة السائدة في مجالات الحياة والتعامل، ومن المحزن أن نجد الكثير من معاهدنا ومؤسساتنا التعليمية تعتمد استخدام لغاتٍ أجنبية في نظمها التعليمية، وهي ظاهرةٌ لا نجدها عند أي أمةٍ أو دولةٍ أخرى([41]). والواقع فإن حركة الترجمة عند العرب كانت أسبق بكثيرٍ من حركة التعريب التي لم تزدهر إلا في العصر العباسي، وهذا ما أكد عليه إسماعيل العربي حين قال: “وإذا كانت حركة التعريب العلمي لم تشهد الازدهار الذي عرفته في العصر العباسي، فإن حركة الترجمة مع ذلك، تمتد جذورها إلى عهد بني أمية، بل إلى فترة مبكرة من هذا العهد، فالجاحظ وابن النديم يذكران أن خالد بن يزيد بن معاوية ترجمت له كتب في الصنعة والطب والنجوم (علم الفلك)… على أن الممكن القول إن النقل والترجمة العلمية قد أصبحا مهمة من مهام الدولة ترعاها وتنفق عليها بسخاء ابتداء من عهد أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي الثاني(158 هـ/775م)”([42]). وقد عرفت حركة التعريب أوجها ورقيها في عهد الخليفة المأمون الذي كان عصره عصر التعريب والترجمة ونقل المعارف من مختلف الصنوف، فقد كان “عصره مزدهرا بالعباقرة والعلماء والمفكرين في كل علم وفن، جاء في كتاب (الغيث المسجم في شرح لامية العجم) أن المأمون لم يبتكر النقل والتعريب بل سبقه قبله كثير، فإن يحي بن خالد البرمكي عرب من كتب الفرس كثيرا مثل (كليلة ودمنة) وعرب لأجله كتاب (المجسطي) من كتب اليونان، والمشهور أن أول من عرب كتب اليونان هو خالد بن يزيد بن معاوية لما أولع بكتب الكيمياء”([43]). وكدليلٍ على الرقي الذي عرفته حركة الترجمة والتعريب في العصر العباسي، جاء بيت الحكمة بوصفه أكاديميةً عليا للترجمة لتؤطر جهود العلماء المترجمين، ولتحقيق الأهداف المرسومة للدولة العباسية المتمثلة في التواصل الدائم مع الأمم الأخرى والاطلاع على ثقافتهم وعلومهم وآدابهم. من هنا، أصبح بيت الحكمة رمزًا للنهضة الثقافية العربية الإسلامية في عهد المأمون الذي أغدق أموالًا طائلة على المترجمين الذين نقلوا علوم الأمم الأخرى. ولا يخفى ما لهذا من أثرٍ بالغ في التشجيع على الترجمة الأمر الذي كان يغذي المكتبة العربية ويرفدها ولا سيّما إذا قدرنا عدد المؤلفات التي اتكأت على الكتب المترجمة، وحجم الإضافة التي قدمتها المترجمات للمتون العربية، وقد دار حوار الحضارات تحت سقف مكتبة بيت الحكمة، حيث إن غالبية الذين تولوا أمر إدارتها وأشرفوا على حركة الترجمة فيها كانوا علماء من مختلف الثقافات([44]). لهذا، لا يمكن أن نتصور أي ازدهار للحضارات العربية ما لم تزدهر الترجمة في العصر العباسي وبالأخص في عصر المأمون من خلال بيت الحكمة الذي لعب دورًا أساسيًا في توطين المعرفة ولغة المعرفة لأجل ذلك “كان عهد المأمون…العصر الذهبي للترجمة في الإسلام، إذ أنشأ بيت الحكمة في بغداد للترجمة والبحث، فمتت ترجمة بعض مؤلفات أفلاطون، وأرسطو، وبطليموس، وغيرهم من الفلاسفة والأدباء، ويقال إن حنين بن إسحاق كان يبيع مترجماته للمأمون بما يعادل وزنها ذهبا، وبذلك كانت الترجمة أغزر وأعظم منافذ إثراء العربية بمختلف أنواع العلوم والفنون والفلسفة”([45]).                                                                                                                                   

إن المستقرئ لجهد العلماء والكتاب واللغويين وغيرهم، سواء أكانوا من أصولٍ عربية أم من أصولٍ أعجمية، سوف لن يعدم لهم حظًا من الترجمة، فقد تمثلوا الثقافات الأعجمية بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة. وطّنوا بذلك المعرفة، ولغة المعرفة من خلال حركة الترجمة والتعريب التي مكنتهم من تحقيق أصعب معادلة في تاريخ الحضارات، إذ لم يضعوا فاصلًا بين أمة الفاتحين وشعوب البلاد المفتوحة. وهذا الجاحظ أحد أعلام الفكر والثقافة في العصر العباسي، تمثل ثقافات عصره، ومثلها خير تمثيل في كتبه الكثيرة المتنوعة، وكغيره من متكلمي عصره، كان مطلعًا على ما تُرجم إلى العربية من الثقافات الفارسية والهندية، ومن آثار اليونان في العلم أو الفلسفة، ومنها كتاب “الحيوان لأرسطو”، مما شجعه على تأليف “كتاب الحيوان” الذي هو الأول من نوعه في اللغة العربية. كان الجاحظ يقرأ للعلماء الأجانب، إضافة إلى أرسطو ومعلمه أفلاطون وأبقراط وبطليموس وجالينوس حيث ورد ذكرهم في كثيرٍ من مواضع كتاب الحيوان([46]). وإذا كانت ثقافة الجاحظ وفكره قد ارتبطا في تطورهما وغزارتهما بحركة الترجمة التي ظهر تأثيرها في كثير من مؤلفاته، كما أومأنا منذ حين، فإن الفارابي (339 هـ) يعد نموذجًا آخرًا من نماذج العلماء الذين ساهموا بشكلٍ كبير في تفعيل حركة الترجمة وإقامة جسور التواصل الدائم بين الثقافة العربية والعديد من اللغات “وقد بلغت شهرة العالم الإسلامي في إجادة عدد كبير من اللغات الأجنبية درجةً منقطعة النظير، حتى فقد ذكر كثير من المؤرخين أنه كان يعرف سبعين لغة، وهذا الرقم يدل على مبلغ شهرته بين معاصريه بتمكنه من معظم لغات الكتابة والحديث السائدة في عصره وخاصة التركية، وهي لغته الأصلية ـ والفارسية واليونانية التي يتحدث عنهما في كتبه حديث العالم الخبير، وقد وصل في إحاطته باللغة العربية وهي ليست لغته الأصلية إلى حد أنه كان ينظم بها الشعر، وهو يعتبر المؤسس الحقيقي للدراسات الإسلامية في التاريخ الإسلامي، والمنشئ الأول لما نسميه “الفلسفة الإسلامية”([47]).                                                                                                                      

مما لا شكّ فيه أن حركة الترجمة والتعريب لم تبق محصورةً في المشرق بل امتدت إلى الجهة الغربية من العالم العربي، وأعني بذلك بلاد الأندلس التي شهدت حركة ترجمةٍ فاعلة كانت أحد العوامل الأساسية في تفعيل الحضارة العربية بالحضارة الغربية، ويعد أبو حيان الأندلسي (745 هـ) أحد أقطاب حركة الترجمة والتعريب، “فكان ملما ببعض اللغات الأجنبية كالحبشية، والفارسية والتركية. وقد ألف في قواعد هذه اللغات، فألف في التركية “الإدراك في لسان الأتراك، وزهو الملك في نحو الترك، والأفعال في لسان الأتراك” وألف في الفارسية “منطق الخرس في لسان الفرس” وألف في الحبشية “جلاء الغبش عن لسان الحبش” ومقارنة بين اللغتين العربية والحبشية”([48]).

3 ـ أثر الترجـمة والتعـريب فـي الـتفاعـل الثقافي فـي ظل الخلافـة الإسـلامية

نتناول في هذه الجزئية الآثار الإيجابية الناجمة عن الترجمة والتعريب في التفاعل الثقافي في ظل الخلافة الإسلامية، وما نتج عنهما من حراكٍ بين الثقافة العربية وغيرها من ثقافات الأمم الأجنبية. وسوف يتضح أن الحضارة العربية الإسلامية ما كان لها أن تعرف هذه القفزة النوعية لولا أثر الترجمة والتعريب التي برزت نتائجها الإيجابية على مستويات عدة، والتي أكدت جدارتها في التعامل الحياتي.                                                                                                                                 

من أبرز وأهم تأثيرات الترجمة والتعريب وأهمها إدراك العلماء العرب حقيقة وأبعاد هذه الآليات اللغوية في التفاعل الثقافي بين الأمم، إذ أدركوا أن الترجمة لا تقف عند حدود النقل والتحويل، وإنما تقوم بتوطين المعرفة، وهذا هو الأثر الأهم الذي أحدثته الترجمة ووعاه العلماء المترجمون، فقد كان أبو بكر الرازي (865 هـ/ 925م) أول من رفض نظرية الأخلاط، وذلك في كتابه (الشكوك على جالينوس) وأخضع الطب للتجريب، وليس للنظر الفلسفي وعندما نصل إلى ابن زهر وابن النفيس فإننا نكون قد ابتعدنا كثيرًا عن أبقراط وجالينوس ووصلنا إلى بدايات الطب بمعناه الحديث، بما يتضمنه من تشريح، وتجريب، وجراحة. وهذا يعني أن الترجمة تؤدي في النهاية إلى توطين شيئين متكاملين هما: المعرفة ولغة المعرفة بحيث يمكن التفكير بلغة المعرفة للتوسع في المعرفة، والتوسع في المعرفة يوسع اللغة من داخلها”([49]).

يعدّ الخوارزمي أحد العلماء الذين استفادوا من الترجمة وتعريب العلوم في عصره، ونتج عن هذه الاستفادة تجاوزه للمراحل الأولى للترجمة التي كان فيها المترجم معجبًا ومنبهرًا بالعلوم المنقولة، فقد انتقل الغزالي إلى مرحلة النقد والتعليل والتمحيص. ويؤكد النص التالي على هذا التجاوز والإعجاب منتقدًا العلماء الذين انبهروا بكبار الأسماء، كاشفًا عن تهافتهم وقصورهم “إنما مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة كسقراط وأبقراط وأفلاطون وأرسطو طاليس وأمثالهم، وإطناب طوائف من متبعيهم، وضلالهم في وصف عقولهم وحسن أصولهم ودقة علومهم الهندسية والمنطقية والطبيعية والإلهية، واستبدادهم لفرط الذكاء والفطنة باستخراج تلك الأمور الخفية، وحكايتهم عنهم أنهم مع رزانة عقلهم وغزارة فضلهم منكرون للشرائع والنحل وجاحدون لتفاصل الأديان والملل، ومعتقدون أنها نواميس مؤلفة وحيل مزخرفة”([50]).

وقد عرفت الخلافة الإسلامية ثقافاتٍ مختلفة هي ثمرة اختلاف العناصر الدخيلة على الثقافة العربية التي وطنت أرض الخلافة، فامتزجت ثقافات هذه العناصر عن طريق الحراك اللغوي الذي كان وراء نمو الحضارة العربية الإسلامية، و”كان هناك لقاح بين الثقافات ونشأ من هذا اللقاح ثقافات جديدة تحمل صفات من هذه وتلك، وصفات جديدة لم تكن في هذه ولا في تلك، وأصبح لها طابع خاص يميزها عما سواها”([51]).

وقد نتج من حركة الترجمة والتعريب التي شهدتها الخلافة الإسلامية بروز كثيرٍ من الثقافات الأجنبية يمكن اختزالها في ثلاثة اتجاهات ثقافية رئيسة وهي: الثقافة الفارسية، والثقافة اليونانية، والثقافة الهندية، فضلًا عن الثقافة العربية الأم، وتمظهر تفاعل الثقافة العربية بالثقافة الفارسية من خلال حركة الترجمة والتعريب التي نشطت في هذه الفترة التاريخية، وتجلى في ما تجلى ذلك في الألفاظ اللغوية الجديدة التي لم يألفها العرب بسبب ما أُدخل عليها من الأدوات والآلات ومظاهر الحضارة الأخرى، وفي البيان والتبيين نصوصٌ ذات قيمةٍ تاريخيةٍ تجسد أثر الترجمة والتعريب للثقافة الفارسية في الثقافة العربية، ومن ذلك ما يقوله الجاحظ : “ألا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم ولذلك يسمون البطيخ “الخربز”…. وكذا أهل الكوفة فإنهم يسمون “المسحاة” “بال”، و”بال” بالفارسية… وأهل البصرة إذا التقت أربع طرق يسمونها مربعة، ويسميها أهل الكوفة “الجهارسو”، والجهارسو فارسية، ويسمون السوق أو السويقة “وازار”، والوازارة فارسية، ويسمون “القثاء” خيارا، والخيار فارسية [….]”([52]).

ونتيجة لذلك الأثر الذي أحدثته الترجمة والتعريب نشطت الحركة العلمية في العصر العباسي بشكلٍ منقطع النظير ومست كل جوانب المعرفة التي اشتهرت بها الثقافات الأجنبية، وقد ترجم عبد الله ابن المقفع كتب تاريخ الفرس من أول نشأتهم إلى آخر أيامهم، وقد سماه ابن المقفع تاريخ ملوك الفرس…. وترجم كذلك كتاب آيين نامه. ومعنى الآيين “النظم والعادات، والعرف والشرائع”. فالكتاب وصفٌ لنظم الفرس، وتقاليدهم وعرفهم، كذلك ترجم ابن المقفع عن الفارسية كليلة ودمنة، وكتاب مزدك وهو يتضمن سيرة الزعيم الديني الفارسي المشهور، وكتاب التاج في سيرة انوشروان، وكتاب الأدب الكبير والأدب الصغير، وكتاب اليتيمة([53]).

اهتم المترجمون بترجمة الكتب التاريخية والدينية والأدبية، ومن أشهر ما تُرجم من الكتب التاريخية ما أشار إليه حمزة الأصبهاني، كتاب سير ملوك الفرس من نقل ابن المقفع، وكتاب سير ملوك الفرس من نقل زادويه بن شاهويه الأصفهاني. وفي الأدب ترجم الكثير، ومن ذلك كتاب هزار أفسانه ومعناه ألف خرافة، وهو أصل من أصول ألف ليلة وليلة، وكتاب بوشفاس، وكتاب خرافة ونزهة، وكتاب الدب والثعلب وكتاب روزبه اليتيم، وكتاب نمرود، وكتاب موبذ موبذان، وكتاب اردشير في التدبير وتوقيعات كسرى، وكتاب أدب الحرب([54]).

إن الذي ساعد في نهضة حركة الترجمة والتعريب في هذا العصر إتقان رجال العصر اللغة العربية فضلًا عن اللغات الأجنبية الأخرى، الأمر الذي مكنهم من خلق تفاعل ثقافي بين الحضارتين العربية والفارسية، فكان النتاج الفكري والأدبي والعلمي باللغتين. فقد تعلم العرب الفارسية ووجدوا فيها من الغذاء ما لم يجدوه في العربية، فعكفوا على كتبها بتدارسها، وأمعنوا في دراستها، ثم أخرجوا أدبًا فيه معاني الفرس وبلاغة العرب([55]).

  كما كان للثقافة الهندية حضور أيضًا في الثقافة العربية عن طريق الترجمة والتعريب، وتجلى هذا الحضور في ثلاثة مستويات/ مستوى التعريب، ومستوى الأدب القصصي، ومستوى الحكم. أما المستوى الأول فهو قديم، ويمكن رده إلى ما قبل الإسلام، وكان ذلك “أيام كان العرب يتاجرون مع الهند وينقلون سلعا هندية ويحملون مع هذه السلع أسماءها وقد ذكر السيوطي ألفاظا هندية عربت ووردت في القرآن الكريم، مثل “زنجبيل وكافور، ومما ورد في اللغة العربية من الألفاظ الهندية الآبنوس والببغاء والخيزران والفلفل والأهليلج، وغير ذلك من أسماء النباتات والحيوانات الهندية”([56]).

أما مستوى الأدب القصصي الذي أبان عن ولع المترجمين بترجمة القصص الهندي لما يتضمنه من حكمٍ وأمثالٍ تنسجم مع الطبيعة العربية، ومن أشهر ما تُرجم، كتاب السندباد الذي ورد ذكره في الفهرست كتاب سندباد الحكيم وهو نسختان، كبيرة وأخرى صغيرة، والخلف فيه مثل الخلف في كليلة ودمنة، والغالب والأقرب إلى الحق أن تكون الهند صنعته. وفي الفهرست إشارات أخرى من ابن النديم إلى أسماء كتب الهند المترجمة في الخرافات والأسمار والأحاديث([57]). أما المستوى الثالث ويتمثل في الحِكم التي ترجمت من الهندية إلى العربية، وقد “اشتهرت الهند بهذا، وملئت كتب الأدب المؤلفة في هذا العصر بهذا النوع”([58]).

نخلص مما سبق إلى أن الترجمة والتعريب هي أحد أعمدة الحضارة العربية الإسلامية، وفي التاريخ شواهد حية تبرز أثر الترجمة في التواصل بين الأمم في ضوء الاعتراف الثقافي الذي أثمر حضارةً عربيةً راقية تتمظهر في بروز ميادين جديدة لم تكن معروفةً من قبل كالفلسفة والمنطق والنقد والفلك والكيمياء والطب، أغنت اللغة العربية بآلاف المجلدات وعدد لا يحصى من المصطلحات المترجمة والكلمات المعربة التي لم تكن معروفة، وهو الأثر الذي كان له دور كبير في نهضة الحضارة الإنسانية في العصور اللاحقة.        

4. دور الترجمة والتعريب في التفاعل الثقافي والحضاري                                                      

 إذا كانت الجزئية السابقة تناولت بالدرس والتحليل دور حركة الترجمة والتعريب في توطين المعرفة ولغة المعرفة، وفي ازدهار الحضارة العربية الإسلامية التي كانت مدينة للعلماء العرب في كل فروع المعرفة، ولولا أعمال هؤلاء لأضطر علماء النهضة الأوروبية أن يبدؤوا من حيث بدأ هؤلاء، ولتأخر سير المدنية قرونًا عدة فإن هذه الجزئية من البحث تأتي لتؤكد على هذا التواصل المعرفي، وأن حاجتنا اليوم إلى الترجمة والتعريب أصبحت أكثر من ضرورةٍ ملحة لاختزال مسافات التخلف التي تبعدنا عن ركب التطور العلمي والمعرفي والتكنولوجيا الذي يعرفه العالم اليوم، ولمواجهة التحديات التي تفرضها العولمة فكيف السبيل لجعل الترجمة والتعريب أداةً للتفاعل الثقافي ومواجهة التحديات التي تفرض على الترجمة بشكلٍ عام واللغة العربية بشكلٍ خاص؟                                

1.4. الحاجة اليوم إلى الترجمة والتعريب                                                                                              

إن الرقي الذي تشهده الحضارة المعاصرة اليوم في جميع المجالات والميادين المعرفية والتكنولوجية الدقيقة لا تشكل من دون شك ثمرة جهد أمةٍ واحدة أو جنسٍ واحد من الأجناس البشرية. إنما هو ثمرة تضافر جهود الإنسانية التي أسهمت في بناء هذه الحضارة منذ آلاف السنين ومن هنا كانت هذه الحضارة اليوم حضارةً عالميةً إنسانية. لأنها “حصيلة جهد إنساني مشترك أسهمت فيه جميع الشعوب، واضطلعت فيه الترجمة بدور الوسيط الفاعل المؤثر في التعرف والتعاون بين مختلف الجماعات البشرية، وتخصيب معارفها وتلاقحها فالترجمة مكنت الأفكار من التحليق في عوالم جديدة، وكتب لها البقاء والانتشار والنماء، وبالترجمة استطاعت شعوب كثيرة أن تواكب تطور المعرفة وتقف على عتبة الحداثة، وتحقق تقدمها ورفاهيتها. وبالترجمة نقدر أن نعرف الآخر وندرك الذات ونقيم حوار بناء ينهي التنازع ويؤسس سلاما ينعم فيه الجميع”([59]). من هذا المنطلق، أصبحت حاجتنا اليوم إلى الترجمة والتعريب أكثر من ضرورة. فكيف السبيل إلى ملاحقة حضارة اليوم التي تسير بسرعة الضوء المعتمد على خدمات الترجمة والتعريب بوصفهما آلياتٍ لغوية مكينة تساعدنا في الاقتراب ولو قليلًا من المسافة التي تفصل بيننا وبين ما وصلت إليه المدنية المعاصرة. ذلك أن “الحاجة إلى الترجمة والتعريب اليوم أصبحت ضرورة بعد أن تخلفنا، وتقدم علينا الغرب، والحركة تكون في مسارين متعاكسين فالترجمة من العربية وإليها، وما ترجم من العربية المعاصرة هو بعض الروايات وقليل من الكتب العلمية وما ترجم إلينا كثير”([60]). وعلى هذا الأساس أضحى للترجمة دورٌ مهمٌ في تحقيق علاقات التواصل مع العالم، وعلى دعامتها ينهض الحوار الثقافي والعلم بين الشعوب والأمم، وقد أثبت التاريخ نجاعتها وأهميتها ودورها في امتلاك اللغات المتعددة، وبناء جسور التواصل بين مختلف الأمم. فالتقدم أصبح يقاس اليوم بازدهار حركة الترجمة وشموليتها لأجل ذلك ستظل الترجمة وسيلة حاسمة في تعميق التواصل مع العالم المتقدم، وفي توسيع دوائر الحوار التي تؤدي إلى امتلاك مفردات العصر ولغاته، وتجسير الهوة الفاصلة بين المتقدم والمتخلف، والسبيل إلى فتح آفاق جديدة من وعود المستقبل الذي لا حد لإمكاناته، وعلامة الانتساب إلى الحضارة العالمية في تنوعها الخلاق. ولذلك أصبحت “درجة التقدم تقاس بدرجة ازدهار حركة الترجمة في هذه الأمة أو تلك. كما تقاس بشمول هذه الحركة فيتعدد مجالاتها التي تصل الحاضر بالماضي في التطلع إلى المستقبل، ونقل العلوم الإنسانية بالعلوم البحتة في شبكة المعرفة البشرية التي تتوازن مكوناتها، وتتجاوب عناصرها التي لا تعرف التنافر أو التجزؤ”([61]).

وإذا كان للترجمة، كما أشرنا منذ حين، دورٌ في تعميق علاقات التواصل مع العالم، فإنها في الوقت نفسه أداةٌ من أدوات التفاعل الحضاري بل هي ضرورةٌ لأي شكل من أشكال التفاعل “فلا بد لهذا للتفاعل الحضاري من أدوات تقف اللغة في طليعتها، ومن هنا كان للترجمة دورها ذو الأثر الكبير في التعارف بين الأمم وحوار الحضارات، كان ذلك قبل على نطاق محدود، ولكنه اليوم وفي ظل المستجدات التقنية و العلمية، أصبحت ضرورة ملحة توليها الأمم مزيدًا من عنايتها وتعول عليها كثيرا في خططها وسعيها نحو المستقبل”([62]). من هنا، تعاظم دور الترجمة في الحاضر بفعل التطور المعرفي والتكنولوجي ومختلف وسائل الاتصال التي لا ترأف بالمتخلفين عنها، أو الغافلين عن أهميتها في خضم عالمٍ بمعطياتٍ جديدة أقرتها متغيراتٌ عديدة ومتنوعة، وعلينا أن نساهم في بناء الحضارة الإنسانية متأثرين بها ومؤثرين، فاعلين ومتفاعلين، فاتحين نوافذها لرياح التجديد، من دون أن نسمح لهذه الرياح باقتلاع جذورنا الراسخة رسوخ الأرض([63]). غير أن تعاظم دور الترجمة في الوقت الحاضر لا يعني بتاتًا الاكتفاء بالترجمة والنقل للعلوم والمعارف التي لا تتوافر لدينا، بل ينبغي أن تمهد الترجمة لأهل اللغة المنقول إليها بالإضافة والتطوير والزيادة، وهذا ما وعته الثقافة العربية في عهود ازدهارها، ولتوضيح ذلك نستعين بهذا المثال المتعلق بالمعرفة الطبية في الثقافة العربية، هذه الثقافة التي استوعبت المعرفة الطبية، ولم تكتف بما استوعبته، وبما حصلت عليه من الثقافة الأجنبية عبر الترجمة، بل أخذت تبني عليها وتضيف لها بلغتها هي، بعد أن استقرت فيها مصطلحات العلم، سواء عن طريق ترجمة المفاهيم أو تعريبها. لذلك فإن ابن سينا، توسع فينظرية الطبائع الأربع التي تتحكم فيها الأخلاط الأربعة، وأضاف لها في كتاب القانون في الطب جوانب تتعلق بالعواطف والملكات العقلية والاتجاهات الأخلاقية والوعي والأحلام.

2.4. دور الترجمة في إدراك الهوية ومعرفة الآخر

هل يمكن أن نتواصل مع الثقافات العالمية من دون الاعتماد على الترجمة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تبدو ميسورة، إذ لا يمكن أن يتحقق التواصل مع الآخر ما لم نكتسب الأداة اللغوية التي تمكننا من إقامة جسور التواصل مع شعوب العالم. لأجل ذلك فلا يختلف اثنان في الإجابة عن السؤال السابق، ومن الصعب إيجاد تواصل ثنائيعميق ومباشر بين جميع الدول والشعوب العربية من دون اللجوء إلى الترجمة كأسلوبٍ ناجع لجعل اللغة العربية أداة التواصل الثقافي الأساسية بين العرب من دون إغفالٍ للغات الحية الأخرى كنوافذ ثقافية وحضارية لا غنى عنها في عصر العولمة والنظام العالمي الجديد([64]). إن أقل ما يمكن أن يقال عن الترجمة إنّها حوارٌ ضمني بين تجارب الشعوب حوارٌ يهدف إلى بناء الجسور بين الجماعات البشرية وتيسير التنمية، ومعرفة الآخر، وإدراك الذات، وهذا ما يؤكده علي القاسمي في قوله: “تبني الترجمة جسور بين الجماعات البشرية المختلفة، فتيسر التواصل والتفاعل بينها، سواء أكان هذا التفاعل اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية. لأن الترجمة هي البوابة التي تعبر منها الذات إلى الآخر أو يقتحم الآخر الذات تعمل الترجمة على تيسير التنمية البشرية، فهي حاضرة دومًا في التبادل التجاري، وإشاعة المعرفة العلمية ونقل التكنولوجيا أو استنباتها وتوطينها، وغيرها من العمليات الضرورية للاستفادة من علوم الآخر وتقنياته في تحقيق التنمية الهادفة إلى ترقية حياة الإنسان”([65]). وإذا كان تأثير الترجمة في الثقافة المنقول إليها من البديهيات والمسلمات، فإن تأثير الترجمة أشد ما يكون في التفاعل الثقافي، فهو المجال الذي يتجلى فيه التأثير والتأثر، “فهي تكمن في منظومة المفاهيم الثقافية مثل التبادل الثقافي، والمثاقفة، والتغلغل الثقافي، والإفراغ الثقافي، والغزو الثقافي، والاستلاب، والانفتاح على الآخر، والانغلاق على الذات والعولمة… الخ”([66]). انطلاقًا من هذا التأثير المضاعف للترجمة على معرفة الآخر، وإدراك الذات، فهي من هذا المنظور، حوارٌ ضمني بين الآخر والذات، أو بعبارةٍ أدق حوارٌ غير معلن بين تجارب الشعوب عبر الكلمة الفاعلة، وبقدر ما تبتعد الكلمة المترجمة عن الاستعلاء الثقافي. تنجح في نشر ثقافة الانفتاح والتواصل الحر، وتنغرز عميقةً في وجدان المتلقي لتصبح جزءًا من تراثه الثقافي، إلا أنها بالمدلول الثقافي والحضاري للمصطلح ليست مجرد نقل كلمة أو مقولة من لغة إلى أخرى، بل هي وبالدرجة الأولى فعل ثقافةٍ حية قادرةٍ على تحويل موارد المجتمع إلى قوى محركة للطاقات الإبداعية فيه، فهي تتحول إلى فعل حضاري ودينامية قوية لتغيير المجتمع بعد أن أصبح العالم كله قريةً ثقافيةً واحدة، في عصر العولمة والتفاعل اليومي والمباشر بين مختلف أشكال الثقافات واللغات([67]).

إن الحوار الذي تقيمه الترجمة بين الثقافات والشعوب، يمكّن من “تأسيس تفاعل ثقافي بين الشعوب المتحاورة عن طريق الترجمة من جهة، ويساعد الثقافة المنقول إليها في معرفة ذاتها والآخر معًا في الآن نفسه، وحتى يكون التفاعل الثقافي مع الآخر فاعلا ومؤثرة ومنتجة، ينبغي أن نعرف الذات إضافة إلى معرفتنا للآخر. وإذا كانت الترجمة تساعدنا في معرفة الآخر عن طريق نقل فكره إلينا، فإنها تساعدنا أيضا في إدراك الذات بطريقتين متكاملتين، الأولى تقوم الترجمة بتسليط الضوء على الآخر لنتعرف إليه، وتعرفنا إليه يساعدنا في معرفة أنفسنا، لأننا لا يمكننا أن ندرك الذات ما لم نعرف الآخر فالآخر يحدد الأنا والثاني هي أن ندرك ذاتنا عن طريق إدراك الآخر لنا”([68]).                                                                                                               

إن تمكين الترجمة من معرفة ذاتنا أمرٌ يساعدنا في معرفة هويتنا وشخصيتنا، فلا تعرف الشعوب ذاتيتها إلا من خلال الكشف عن مقومات الشخصية الوطنية والقومية، وثوابت هذه الهوية التي تعبر بها من لغة ودين وتاريخ وثقافة وعادات، ومن هنا يكون للترجمة أهمية في حماية الثقافة والحفاظ على الهوية من خلال تعريف الشعوب بثقافات ومعارف بعضها البعض، وكلما تزايدت حركة الترجمة من لغةٍ ما إلى اللغات الأخرى، كلما أدى ذلك إلى انتشار لغة وفكر وعلم وثقافة الأمة التي تتحدث اللغة المترجم عنها. والترجمة هي السبيل إلى معرفة الآخر والتواصل معه، وخلق التفاعل الثقافي والحضاري معها، وهذا يصب في مصلحة الارتقاء بالحضارة الإنسانية عمومًا، وفي إنضاج وتطوير ثقافات الأمم على وجه الخصوص، وبالقدر ذاته الذي تساعدنا به الترجمة في معرفة الآخر، فإنها تعيننا على إدراك حقيقتنا ومعرفة ذاتنا([69]). إن من أبرز خصائص الترجمة، تقديم صورتين متكاملتين، فالصورة الأولى هي عن ذاتنا وهويتنا التي تنتقل إلى الآخر تعرف عن هذه الهوية ومقوماتها، أما الصورة الثانية، فتنقل تصور الآخر عن هويتنا وشخصيتنا. ومن الصورتين تزداد عزتنا لهويتنا. تتم معرفة الذات بالتقاط صورتين متكاملتين: صورة ذاتية نلتقطها نحن لذاتنا، وصورة غيرية يلتقطها الآخر لنا ومن خلال المقارنة بين الصورتين يزداد إدراكنا لذاتنا وضوحا. لهذا “كثيرا ما يقرأ المثقفون العرب بعض نصوص الثقافة العربية وهم يقارنونها بنصوص الآخر، فيقارنون بين حي بن يقظان له ابن طفيل وجزيرة الكنز لروبینسون کروزو، وبين رسالة الغفران لأبي العلاء المعري والكوميديا الإلهية لدانتي، والمنقذ من الضلال للغزالي ونظرية الشك لدى ديكارت، وهكذا دواليك”([70]). إذا كان التفاعل الثقافي المنتج يقتضيمعرفة الذات والآخر، كما رأينا منذ حين، فضلًا عن إدراك الذات بطريقتين متكاملتين أي التعرف على الآخر لمعرفة أنفسنا، لأن هذه المعرفة أصبحت ضرورية، لكي لا تتحول الترجمة إلى عامل قهر. بهذه الرؤية، تصبح الترجمة تعبيرًا عن حوار متكافئ بين قوى بشرية ذات ثقافات متنوعة وقابلة للتفاعل من وقع حوار الأنداد بين الثقافات الحية، إذ ليس من شك في أن أفضل أشكال الترجمات هو الذي يعبر عن تكافؤ في المستوى الثقافي. وإلا تحولت الترجمة إلى عامل قهرٍ واستلابٍ واستعلاءٍ حضاري من جانب الطرف الأقوى يهدد بفقدان الشخصية الوطنية والقومية للجانب الأضعف انطلاقًا من مقولة ابن خلدون الشهيرة حول تشبه المغلوب بالغالب([71]).

بهذا، تتحول الترجمة إلى وسيلة لنقل الأفكار والخبرات، فهي أيضًا خلق نوعٍ من التفاهم المشترك والتفاعل الحضاري، فهي بهذا المعنى وسيلة اتصالٍ ونشاطٍ إنساني على درجةٍ كبيرة من الأهمية. تعمل على إعادة فهم أو كتابة عبارةٍ أو موضوعٍ معين بلغةٍ غير اللغة التي نُطق بها أو كُتب بها. إن شعار “حوار الحضارات الذي تتغنى به اليوم مختلف الثقافات العالمية يبقى مجرد شعار فارغ أجوف المعنى والدلالة، ما لم نولِ اهتمامًا نوعية المؤسسات الترجمة في الوطن العربي، فهي الكفيلة بتحقيق الحوار المنشود لنتفاعل مع الآخر في مستوى متكافئ. إن للترجمة دورها الأكيد في حوار الحضارات، وفي زيادة التقارب بين الذات والآخر، وبين أفراد الأمم والشعوب، لأنها تعمل على توطيد أركان التواصل الإنساني، ولذا تعد الترجمة البوابة التي تعبر منها الذات إلى الآخر، أو يفقد الآخر إلى الذات. وأبرز دور للترجمة يتضح في التفاعل الثقافي، وحتى يكون هذا التفاعل مع الآخر فاعلا ومؤثرا، ينبغي معرفة الذات كمعرفتنا للآخر. تقوم الترجمة بهذا الدور من خلال تعريفنا بما يكون عند الطرفين، وهي تعمل على أن تدرك ذاتنا عن طريق إدراك الآخر لنا، ونقل تصورات الآخر إلينا”([72]). إذا حقق التفاعل مع الآخر تأثيرًا وتأثرًا وتكافؤًا، وعرفنا ذاتنا كمعرفتنا للآخر، فحينئذ تصبح الترجمة وسيلةً أساسيةً للتفاعل الثقافي، تحدث نهضةً معرفية وثقافية واقتصادية شاملة، “تظهر من خلال التناسب الطردي بين التقدم الحضاري وكمية الترجمة، لذا فالترجمة هي الوسيلة الأساسية في التفاعل الثقافي مع الآخر، واكتساب معرفة منه، وهي قاعدة انطلاق النهضات الحضارية الكبرى لدرجة أن تأثير الترجمة في الثقافة المتلقية قد يبلغ شأوًا عالية لدرجة أنه ربما يصبح صدى للثقافة الأصلية، ولا يتوقف أثر الترجمة في التفاعل الثقافي عند إثراء الثقافة المتلقية بمعارف الآخر وعلومه، وإنما تميل إلى تطوير اللغة المتلقية ذاتها([73]).

3.4 ـ أثر الترجمة في تطوير الثقافة المتلقية

إذا كانت الجزئية السابقة قد سلطت الضوء على دور الترجمة في زيادة التقارب بين الذات والآخر، وبين أفراد الأمم والشعوب، فإن الجزئية التالية هي امتدادٌ للسابقة، إذ تهدف إلى تبيان أثر الترجمة في الثقافة المتلقية بوصفها وسيلةً تهيئ السبيل لتفاعل الثقافة بوصفها المجال الرئيس الذي يتجلى فيه دور الترجمة لإحداث نهضةٍ ثقافيةٍ شاملة. من هنا، تعمل الترجمة على إحداث نهضةٍ ثقافية واقتصادية فعندما تقوم الترجمة بنقل مفاهيم ثقافية من الثقافات وعلومها وتقنياتها إلى ثقافةٍ أخرى، فإنها تهيئ الأرضية لتلاقح الثقافة المتلقية بغيرها ومن ثم نموها وازدهارها وغناها. لذلك يلاحظ الباحثون تناسبًا طرديًا بين التقدم الحضاري وكمية الترجمة. فالبلدان التي تترجم أكثر هي التي تحقق تقدمًا أكبر، وأن أغنى عصور الفكر هي تلك التي تزدهر فيها الترجمة وتتوسع، وأن اللغة العالمية هي ليست تلك اللغة التي يتكلمها أكبر عدد من الناس، بل تلك اللغة التي ترجم إليها أكبر عدد من الأعمال من مختلف اللغات([74]).                                                                                                                                       

انطلاقًا مما سبق، فإن أثر الترجمة ودورها في تطوير الثقافات المتلقية، لا يتحقق إلا عن طريق ما تتيحه الترجمة من تبادلٍ للثقافات. لقد كانت الترجمة وستبقى وسيلةً لتبادل الثقافات والمعارف والعلوم، وإتاحة الفرصة لشعوب الأرض كافةً للتواصل الثقافي والحضاري، متخطيةً كل الحواجز الجغرافية والسياسية، خصوصًا ونحن نعيش ثورة المعلومات والتكنولوجيا التي تشكل الترجمة إحدى أدواتها الرئيسة، والتي من دونها ستظل الشعوب رهينة الانغلاق والانكفاء على ذاتها إلى أن تضمحل وتتلاشى([75]). إن المستقرئ لتاريخ وحضارات الشعوب والأمم وخاصة تلك التي كان لها حراك ثقافي وحضاري، يتبين له أن الترجمة كانت وسيلة التفاعل الثقافي بين مختلف الشعوب، فلا يمكن أن نتصور تفاعلًا ثقافيًا بين شعبين أو أمتين أو حضارتين ما لم تكن الترجمة وراء هذا التفاعل. وتعلمنا دروس التاريخ أن الترجمة كانت وما تزال الوسيلة الأساسية في التفاعل الثقافي مع الآخر واكتساب المعرفة منه، وهي قاعدة انطلاق النهضات الحضارية الكبرى. فعندما سيطر البابليون بقيادة ملكهم حمورابي حوالي 1750 ق.م على بلاد سومر، وجدوا أن للسومريين ثقافة تفوق ما لديهم بكثير. فالسومريون هم الذين ابتدعوا الكتابة المسمارية، وفتحوا المدارس، واخترعوا العجلة، وابتكروا المحراث، وقسموا الزمن إلى وحدات، وسنوا القوانين والتشريعات. فراح البابليون يعلمون أولادهم العلوم السومرية، ولكي يساعدوهم في استيعابها بلغتها السومرية، حرروا لهم قوائم بالرموز السومرية ومقابلاتها البابلية، فكانت هذه القوائم بدايات المعاجم الثنائية اللغة التي ظلت حتى يومنا هذا أداة رئيسة من أدوات الترجمة([76]). ومن مظاهر أثر الترجمة في الثقافة المنقول إليها، أن هذه تصبح صدیً للثقافة الأصلية، فكثير من الثقافات المتلقية هي نسخةٌ طبق الأصل للثقافة المنقول عنها، وهذا مما يسهل قراءة الثقافتين، بل إن كلتيهما تصبح مفسرة للأخرى. إن تأثير الترجمة في الثقافة المتلقية قد يبلغ شأوًا عاليًا لدرجة أن بعض جوانب الثقافة المتلقية قد يصبح صدى للثقافة الأصلية، وهذا ما جعل عبد السلام بنعبد العالي يذهب إلى أن “الفلسفة الفرنسية يمكن أن تقرأ كترجمة للفكر الألماني، وأن تاريخ الفلسفة ليس سوى حركة ترجمة لن ترضى قط عن نفسها. وهذا الرأي سبق أن عبر عنه الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر Jean Paul Sartre بصورة غير مباشرة في سيرته الذاتية ”الكلمات””([77]).  إذا كان أثر الترجمة يجعل الثقافة المتلقية صدىً للثقافة الأصلية، فإنها فضلًا عن ذلك تقوم بتطوير المحتوى اللغوي، فتثري بمفردات ومصطلحات جديدة ومدلولات لم تكن معروفة، وبقدر اتساع هذا المحتوى اللغوي كلما أمكن للغة المتلقية أن تستوعب معاني ودلالات الألفاظ المستحدثة أو الوافدة إليها، كما أن الترجمة تساعد اللغة (المرسلة) في نشر مصطلحاتها وألفاظها وتبيان مدى تقدمها العلمي ورقيها الثقافي، وكذلك فإن تأثير الترجمة لا يقتصر على الثقافة والمكون اللغوي، بل يمتد ليشمل المجتمع بسائر أنشطته، فغالبية الحركات الاجتماعية والسياسية التي شهدها عالمنا المعاصر يظهر فيها أثر ترجمة المحتوى الفكري والاحتكاك بين الثقافات وتفاعلها مع بعضها البعض. لا مراء في أن خدمة الترجمة لا تقتصر على الثقافة المتلقية فحسب، بل يمتد أثرها إلى اللغة المصدر، اللغة المنقول عنها، ففي كثيرٍ من الأحيان تكون النصوص الأصلية مغمورةً أو معقدة، فيأتي النص المترجم ليقوم بدور النص المفسر والموجه، والمرشد. لهذا، “لا تقتصر فائدة الترجمة على إثراء الثقافة المتلقية، وإنما تمتد كذلك إلى خدمة الثقافة التي نقلت منها النصوص. تهب الترجمة النص الأصلي وجهة جديدة تمنحه حياة جديدة في محيط ثقافي جديد. وهكذا يصبح النقل اللغوي انتقالات وتحولات لاحقة وتماس للمفاهيم والأفكار في فضاءات متجددة وعوالم متكاثرة. لهذا، فإن المترجم لا يسدي خدمة لأمته ولغته فحسب، وإنما كذلك للغة التي نقل منها النص الأصلي وأهلها”([78]). في هذا السياق، ذكر الباحث علي القاسمي أمثلةً حيةً تدل على أن النص الأصلي لا يحيا إلا بالترجمة، ومن الأمثلة التي ذكرها: فقدان النص الأصلي فالنص الأصلي لا يحيا بلغته الأصلية، وإنما يحقق حياته في اللغات التي ترجم إليها، لأن النص الأصلي مفقود. فملحمة جلجامش الشهيرة كتبت أصلًا باللغة السومرية، ولكن علماء الآثار لم يعثروا على نصوصها الأصلية حتى اليوم، وإنما عثروا عليها مترجمةً إلى اللغة الأكادية وبعض اللغات العروبية السامية القديمة ولهذا، فإنها ترجمت لنا عبر اللغة الأكادية. هكذا أدت الترجمة خدمةً عظيمةً للثقافة السومرية، كما اطلعت أوروبا على الفكر الفلسفي اليوناني عبر الترجمة العربية له لأن بعض الأعمال الفلسفية اليونانية القديمة مفقودة اليوم. وحصل أن فُقد كتاب الضروري من السياسة لابن رشد. ولكن المكتبة العربية استعادته مؤخرًا عبر ترجمته من العبرية التي كان قد تُرجم إليها في حينه. وتحيي الترجمة لغةً أصلية ميتة التركيب التي كتب بها النص الأصلي. بحيث لم يعد بإمكاننا الاطلاع عليه إلا مترجمة باللغات الحية، وهذا هو حال الكتاب المقدس “العهد القديموالعهد الجديد الذي لا يعيش اليوم بلغته الأصلية الميتة، وإنما بلغات الترجمة. والأمر ينطبق كذلك على فكر سقراط وأفلاطون وأرسطو الذي يحيا باللغات الأخرى، وليس بلغته الأصلية الإغريقية القديمة الميتة”([79]).ومن أثر الترجمة في الثقافة المنقول عنها، صعوبة النص الأصلي على الفهم، ووضوح ترجمته بلغة أخرى، وعندها يلجأ بعض الناطقين بلغة النص الأصلي إلى قراءته في ترجمة أجنبية لفهمه، ومن الأمثلة التي تقرب على ذلك اضطرار بعض القراء الألمان إلى قراءة كتاب”الفينومينولوجيا” لا بالنص الأصلي الذي كتبه به هيغل، وإنما بترجمة هيبوليت الفرنسية، وذلك من أجل استيعابه بشكل أفضل([80]).                                                                                                        

إن تأثير الترجمة في الثقافة المنقول إليها والثقافة المنقول عنها، يجعل الترجمة جسرًا يربط بين ثقافات مختلفة، بل إنها تبني العديد من الجسور بين الثقافات المختلفة، وتوافر قنوات عديدة للتواصل والحوار والتفاعل، والاعتراف بالفوارق والسمات المميزة لدى الآخر، وتعمل على تنمية قبولنا لهذا الآخر، وتزيد معرفتنا بذاتنا وهو ما يعزز تمسكنا بهويتنا. والترجمة تضمن الخلود للنص بكل ما تضمنه من فكر ومعان، وهناك الكثير من النصوص التي اختفى أصلها، ولم تبق إلا ترجمتها إلى لغات غير لغاتها الأصلية، بل إن هناك مؤلفاتٍ كتبت بلغاتٍ لم تعد موجودة في عصرنا الحالي وبادت واندثرت. ووحدها ترجمات هذه المؤلفات هي التي لا تزال باقية كما هو الحال في معظم المؤلفات التي كتبت باللغة اللاتينية أو اللغات القديمة الميتة([81]).

إذا كان أثر الترجمة في الثقافتين (الأصلية والمتلقية)، قائمٌ على التكافؤ والاحترام وتجنب عامل القهر والاستلاب والاستعلاء الحضاري من طرف الجانب القوي، تصبح الترجمة حينئذ ترجمة الحوار الفاعل، وأولى مسلمات الحوار هي أن الآخر مختلف عن الذات، ويقتضي اعتماد قاعدة القبول بوجود الآخر واحترامه، والاعتراف بأن الحقيقة الفكرية ليست مطلقة، وإنما نسبية، وأن لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، والترجمة ذات أثر نفسي إيجابي في هذا المجال إذ تقربنا من الآخر في تعبيراته المختلفة وتجلياته المتعددة، وتساعدنا في رؤية آفاق جديدة وقيم جمالية متباينة في عالمنا المشترك، ما يساعدنا في قبول الآخر واحترام اًلاختلاف والاحتفاء بالتعدد. ستظل الترجمة والتعريب بوصفهما جسرًا للتواصل بين اللغات والحضارات، آليتين أساسيتين للحراك الثقافي والتفاعل الحضاري بين المجتمعات والأمم والشعوب، منذ بداية الخلق. ولا يمكن أن نتصور ما وصلت إليه الحضارات الإنسانية عبر القرون المختلفة من رقي وازدهار من دون أن تكون الترجمة في طليعة العوامل الفاعلة في التثاقف الحضاري. لذلك، باتت الترجمة من أهم الوسائل المستعملة قديمًا وحديثًا في خلق التلاقح الحضاري بين الأمم والشعوب من خلال منطق الأخذ والعطاء، الاقتباس والإبداع، الاستيعاب والنتاج لكل المظاهر الفكرية والمعرفية والثقافية التي تعكس بلا شك تصورات مختلفة ورؤى العالم متباينة عند الناطقين بها أو الممارسين لها. من هنا كان التفاعل بين الثقافات يعتمد على الترجمة بوصفها ضرورةً إنسانيةً مصداقًا لقوله تعالى: [وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا [(الحجرات، الآية: 13). فإن التعارف الذي تشير إليه الآية الكريمة، لا يتحقق إلا من خلال الترجمة التي تتيح إمكانية تبادل المعرفة بين الأمم والشعوب في المدلول العام لهذه الآية. إن التباين الثقافي موجود، لكن الهدف الرباني هو التعارف ومع أن التعارف بمعناه الشائع هذه الأيام يدل على تعارف الأفراد، فإن ذلك يتضمن دلالة على تعارف الأمم الذي لا يتم إلا من خلال تبادل المعارف، وهو الهدف الأسمى للترجمة فكيف للشعوب أن تتعارف ما لم يكن هناك تفاعل بين الثقافات والحضارات الإنسانية؟ 

تركيب واستنتاج                                                                                                                         

للترجمة بعدٌ ثقافيٌ وحضاري، وفعل ثقافةٍ حية قادرةٍ على تحويل موارد المجتمع إلى قوى محركة للطاقات الإبداعية فيه إلى فعل حضاري ودينامية لتغيير المجتمع. من أجل ذلك التحمت الترجمة بالثقافة، وأصبحت أحد العوامل الأساسية المنتجة للتثاقف، والمؤثرة في تفاعل الثقافات، التي لا يمكن الاستغناء عنها، مهما بلغتا لأمم من رقي وتقدم. 

إن الترجمة الإيجابية هي ترجمة الإضافة والإبداع، لا ترجمة الهيمنة والاستلاب أو الذوبان في ثقافة الآخر. لأن بداخل كل حضارةٍ حضورًا حضارات وثقافات أخرى سبقتها أو عاصرتها. من هنا، تأسست الترجمة على الحوار والإضافة. بين الثقافات والحضارات، وعُدت رديفة المثاقفة، فهي مجموع التفاعلات التي تحدث نتيجة شكل من أشكال الاتصال بين الثقافات المختلفة. وإذا كانت الترجمة رديفة المثاقفة، فإن التعريب يلغي التعصب والانغلاق والانعزال، بل يدعو إلى التفتح على الآخر، مما يجعله يتقاطع مع الترجمة في كونهما فعل ثقافة حية وعاملين منتجين للتثاقف. ومن هنا، كانت حاجتنا إلى الترجمة والتعريب بوصفهما نوافذ مفتوحة على عوالم تقدمت في سائر الميادين.

إن الحاجة إلى التعريب يوازي الحاجة إلى الترجمة. لأن الغاية منهما هي التفاعل مع الآخر. من أجل بناء ثقافةٍ عربية جديدة. تمكن من التواصل مع الآخر، من دون أن تضيع منا هويتنا وشخصيتنا العربية الإسلامية. لكن يبقى التعريب متميزًا عن الترجمة بخصوصياته واستقلاله، لأنه يحافظ على نقل المفهوم والمصطلح معًا في حين تكتفي الترجمة بنقل المعني.                                                 

أصبحت الحاجة اليوم إلى الترجمة والتعريب، أكثر من ضرورةٍ لاختزال مسافات التخلف التي تبعدنا عن ركب التطور العلمي والمعرفي والتكنولوجي الذي يعرفه العالم المتطور اليوم، لمواجهة تحديات العولمة. وأصبحت حاجتنا اليوم إلى الترجمة والتعريب أكثر من ضرورةٍ لتعميق علاقات التواصل مع العالم المتقدم وتوسيع دائرة الحوار التي تؤدي إلى امتلاك مفردات العصر ولغاته. 

إن توسيع دائرة الحوار هدفٌ إلى بناء الجسور بين الجماعات البشرية وتيسير التنمية، ومعرفة الآخر، وإدراك الذات. وانطلاقًا من هذا التأثير المضاعف للترجمة على معرفة الآخر وإدراك الذات، يتحقق الحوار شئنا أم أبينا، وهو الحوار الذي يقيم التفاعل الثقافي بين الشعوب، ويمكننا من معرفة هويتنا وشخصيتنا، فلا تعرف الشعوب ذاتيتها إلا من خلال الكشف عن الهوية الوطنية والقومية. لا يقتصر أثر الترجمة والتعريب في تطوير الثقافة المتلقية فحسب، عن طريق ما تنتجه كل منهما من تبادل ثقافات، بل إن أثرهما يمتد إلى اللغة المصدر، اللغة المنقول عنها. فكثير من النصوص الأصلية كانت مغمورة مطمورة أو معقدة، فجاءت الترجمة بدور الوسيط المفسر والموجه والمرشد، ومن ثم وهبت الترجمة النص الأصلي وجهةً جديدة وحياةً جديدة.

قائمة المصادر والمراجع

 أ. المصادر

– ابن النديم. الفهرست، يوسف علي طويل (ضبط وشرح)، ط2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2002).                                                                                                                                    – ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة، ط1 (تونس: الدار التونسية للنشر، 1984).

– الأزهري. تهذيب اللغة، رشيد العبيدي (محقق)، ط3 (مصر: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1975).

– الخوارزمي، محمد بن أحمد بن يوسف. مفاتيح العلوم، إبراهيم الأنباري، ط2 (بيروت: دار الكتاب، 1989).

 ب. المراجع باللغة العربية 

  • ابن عبد العالي، عبد السلام. في الترجمة، ط1 (الدار البيضاء-المغرب المركز الثقافي العربي، 2001).
  • أدير، نبيل صموئيل. حوار الثّقافات ضرورة مستقبليّة أم رفاهيّة، ط1 (القاهرة: المكتبة الأكاديميّة، 2005).
  • أومليل، علي. سؤال الثّقافة العربيّة في عالم التحوّل، ط1 (الدّار البيضاء-المغرب: المركز الثّقافيّ العربيّ، 2005).
  • جويل، رضوان. موسوعة الترجمات، محمد يحياتن (مترجم)، (الجزائر: جامعة مولود معمري، منشورات مختبر الممارسة اللغوية، 1998).
  • شكري، عبد الحميد. فن الترجمة الإعلامية في وسائل الاتصال الجماهيري، ط1 (القاهرة: دار الفكر العربي، 2004).
  • ضاهر، مسعود. الترجمة وأثرها في تطور البحث العلمي في اليابان، ط1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005).
  • ضيف، شوقي. تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي الثاني، ط2 (مصر: دار المعارف، 1975).
  • العباس، سليمان. الترجمة نافذتنا على العالم، ط1 (الأردن: منشورات جامعة الزرقاء، 2000).
  • عبد المحسن منصور، بسمة. الترجمة والتعريب، ط1 (المملكة العربية السعودية: منشورات جامعة الملك سعود، 1998).
  • القاسمي، علي. علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العلمية، ط1 (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2008).
  • مبارك، محمد. فقه اللغة وخصائص العربية، ط3 (بيروت: دار الفكر، 1988).
  • مصطفى، حسام الدين. دور الترجمة والتعريب في تطور حركة البحث العلمي، ط1 (بيروت: دار الفكر، 2009).
  • الموصلّي، أحمد ولؤي صافي. جذور أزمة المثقف في الوطن العربي، ط1 (بيروت: دار الفكر المعاصر، بيروت، 2002).

ت. المراجع باللغة الأجنبية

– Devereux, Georges. Acculturation antagoniste, dans Ethnopsychanalyse Complémentariste, (Paris, Flammarion, 1972).   

– Newmark, Peter. A Textbook of translation, Prentice Hall, (New York, 1988).

ث. المجلات والدوريات

  • برهون، رشيد. التّرجمة ورهانات العولمة والمثاقفة، مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد 1، مجلد23، أيلول/ سبتمبر 2002.
  • خليفة، عبد الكريم. وسائل تطوير اللغة العربية العلمية، مجلة همزة وصل، الجزائر، العدد 6، 1975.                                        
  • دراج، فيصل. الرغبة بين المثاقفة والحقيقة، مجلة التسامح، سلطنة عمان، السنة 4، العدد 17، 2003.                   
  • زاوي، العموري. الترجمة المصطلحية بين مقتضيات التعريب ومقترحات العربية، مجلة الصوتيات، الجزائر، العدد 9، أيلول/ سبتمبر2011.
  • زنيبر، محمد. التعريب بين اليوم والغد، مجلة الأصالة، الجزائر، عدد خاص بالتعريب، العدد 19، السنة 7، 1974.
  • العربي، إسماعيل. تجربتان في التعريب، مجلة الأصال، مركز الأصالة للدراسات والبحوث/الجزائر، العدد 54، 1974.                                                                                        
  • مرتاض، عبد المالك. التعريب والثورة الثقافية، مجلة الحياة الثقافية، تونس، العدد 21، تشرين الثاني/ نوفمبر1974.
  • هادي السعيد، نورة. دور التّرجمة في العولمة، مجلّة الجوبة، المملكة العربية السعودية، العدد 33، خريف2011.               

                                                                                        


[1] ابن منظور، لسان العرب، عبد الله العلايلي (مقدم)، ج 1، ط3، (بيروت: دار لسان العرب، 1976)، ص174.

[2] Nouveau Dictionnaire Pratique Quillet, (Paris: Librairie Aristide Quillet,1974), P.909.

[3] Paul Robert, Le Robert, dictionnaire alphabétique et analogique de langue française, SNouveau Littré, (Paris: 1974), P609.

[4]  جويل رضوان، موسوعة الترجمات، محمد يحياتن (مترجم)، (الجزائر: جامعة مولود معمري، منشورات مختبر الممارسة اللغوية، 1998)، ص65.

[5] المرجع نفسه، ص69.

[6]  ضاهر مسعود، الترجمة وأثرها في تطور البحث العلمي في اليابان، ط1 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005)، ص93.

[7] Peter Newmark, A Textbook of translation, (New York: Prentice Hall, 1988), P.57.

[8]  حسام الدين مصطفى، دور الترجمة والتعريب في تطور حركة البحث العلمي، ط1 (بيروت: دار الفكر، 2009)، ص101.

[9]  المرجع نفسه، ص104.

[10] المرجع نفسه، ص132.

[11]  المرجع نفسه، ص142.

[12] المرجع نفسه، ص145.

[13] نبيل صموئيل أدير، حوار الثّقافات ضرورة مستقبليّة أم رفاهيّة، ط1 (القاهرة: المكتبة الأكاديميّة، 2005)، ص111. 

[14] نورة هادي السّعيد، دور التّرجمة في العولمة، مجلّة الجوبة، المملكة العربية السعودية، العدد 33، خريف 2011، ص65.

[15] نورة هادي السّعيد، دور التّرجمة في العولمة، مجلّة الجوبة، ص83.

[16] المرجع نفسه، ص84.

[17] الأزهري، تهذيب اللغة، رشيد عبد الرحمن العبيدي (محقق)، ط3، ج17 (مصر: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1975)، ص213.

[18] رشيد برهون، التّرجمة ورهانات العولمة والمثاقفة، مجلة عالم الفكر، الكويت، العدد1، المجلد32، أيلول/ سبتمبر 2002، ص132.

[19] رشيد برهون، التّرجمة ورهانات العولمة والمثاقفة، ص133.

[20] حسام الدين مصطفى، دور الترجمة والتعريب في تطور حركة البحث العلمي، ص162.

[21] عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة، ط1 (تونس: الدار التونسية للنشر، 1984)، ص153.

[22] محمد مبارك، فقه اللغة وخصائص العربية، ط3 (بيروت: دار الفكر، 1988)، ص292.

[23] عبد المالك مرتاض، التعريب والثورة الثقافية، مجلة الحياة الثقافية، العدد21، تشرين الثاني/ نوفمبر 1974، ص96.

[24]  المرجع نفسه، ص97.

[25]  محمد زنيبر، التعريب بين اليوم والغد، مجلة الأصالة: عدد خاص بالتعريب، العدد19، السنة7، 1974، ص99.

[26]  المرجع نفسه، ص98.

[27] عبد الكريم خليفة، وسائل تطوير اللغة العربية العلمية، مجلة همزة وصل، العدد6، 1975، ص103.

[28] لعموري زاوي، الترجمة المصطلحية بين مقتضيات التعريب ومقترحات العربية، مجلة الصوتيات، الجزائر، العدد9، أيلول/ سبتمبر، 2011، ص26.

[29] حسام الدين مصطفى، دور الترجمة والتعريب في تطور حركة البحث العلمي، ص164.

[30] المرجع نفسه، ص166.

[31] المرجع نفسه، ص167.

[32] المرجع نفسه، ص170.

[33] بسمة عبد المحسن منصور، الترجمة والتعريب، ط1 (المملكة العربية السعودية: منشورات جامعة الملك سعود، 1998)، ص112.

[34] شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي الثاني، ط2 (مصر: دار المعارف، 1975)، ص131.

[35] المرجع نفسه، ص142.

[36] المرجع نفسه، ص143.

[37] شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي: العصر العباسي الثاني، ص143.

[38] المرجع نفسه، ص146.

[39] المرجع نفسه، ص151.

[40] المرجع نفسه، ص152.

[41] علي أومليل، سؤال الثّقافة العربيّة في عالم التحوّل، ط1 (الدّار البيضاء-المغرب: المركز الثّقافيّ العربيّ، 2005)، ص132.

[42] إسماعيل العربي، تجربتان في التعريب، مجلة الأصالة، الجزائر، مركز الأصالة للدراسات والبحوث، عدد 54، 1974، ص176.

[43] أحمد الموصلّي ولؤي صافي، جذور أزمة المثقّف في الوطن العربيّ، ط1 (بيروت: دار الفكر المعاصر، 2002)، ص162.        

[44] أحمد الموصلّي ولؤي صافي، جذور أزمة المثقّف في الوطن العربيّ، ص162.

[45] المرجع نفسه، ص163.

[46] علي القاسمي، علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العلمية، ط1 (بيروت: مكتبة لبنان ناشرون، 2008)، ص121.

[47] علي القاسمي، علم المصطلح، ص124.

[48] المرجع نفسه، ص131.

[49] ابن النديم، الفهرست، يوسف علي طويل (ضبط وشرح)، ط2 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2002)، ص477.

[50] الخوارزمي، مفاتيح العلوم، إبراهيم الأنباري (محقق)، ط2 (بيروت: دار الكتاب، 1989)، ص213.  

[51] أحمد الموصلّي ولؤي صافي، جذور أزمة المثقّف في الوطن العربيّ، ص166.

[52] فيصل دراج، الرغبة بين المثاقفة والحقيقة، مجلة التسامح، سلطنة عمان، السنة 4، العدد17، 2003، ص88.

[53] المرجع نفسه، ص82.

[54] سليمان العباس، الترجمة نافذتنا على العالم، ط1 (الأردن: منشورات جامعة الزرقاء، 2000)، ص19.

[55] المرجع نفسه، ص25.

[56] ابن النديم، الفهرست، ص421.

[57] سليمان العباس، الترجمة نافذتنا على العالم، ص35.

[58] المرجع نفسه، ص42.

[59] محمد عصفور، الترجمة طريق المستقبل (الأردن: مؤتمر اللغة في المؤسسات الأردنية، الموسم الثقافي السابع والعشرون لمجمع اللغة العربية الأردني)، ص29.

[60] المرجع نفسه، ص31.

[61] محمد عصفور، الترجمة طريق المستقبل، ص34.

[62] المرجع نفسه، ص33.

[63] عبد الحميد شكري، فن الترجمة الإعلامية في وسائل الاتصال الجماهيري، ط1 (القاهرة: دار الفكر العربي، 2004)، ص121.

[64] نبيل صموئيل أدير، حوار الثّقافات ضرورة مستقبليّة أم رفاهيّة، ص119.  

[65] علي القاسمي، علم المصطلح، ص83.

[66] المرجع نفسه، ص91.

[67] عبد الحميد شكري، فن الترجمة الإعلامية في وسائل الاتصال الجماهيري، ص19.

[68] نبيل صموئيل أدير، حوار الثّقافات ضرورة مستقبليّة أم رفاهيّة، ص110.

[69] المرجع نفسه، ص112.

[70] محمد عصفور، الترجمة طريق المستقبل، ص37.

[71] نبيل صموئيل أدير، حوار الثّقافات ضرورة مستقبليّة أم رفاهيّة، ص114.

[72] نبيل صموئيل أدير، حوار الثّقافات ضرورة مستقبليّة أم رفاهيّة، ص67.

[73] محمد عصفور، الترجمة طريق المستقبل، ص39.

[74] Georges Devereux, Acculturation antagoniste, dans Ethnopsychanalyse Complémentariste, (Paris:  Flammarion, 1972), P.97.                                                                                                                                  

[75] محمد عصفور، الترجمة طريق المستقبل، ص41.  

[76] علي القاسمي، علم المصطلح، ص213.

[77] عبد السلام ابن عبد العالي، في الترجمة، ط1 (الدار البيضاء-المغرب المركز الثقافي العربي، 2001).

[78] ضاهر مسعود، الترجمة وأثرها في تطور البحث العلمي في اليابان، ص73.

[79] محمد عصفور، الترجمة طريق إلى المستقبل، ص95.

[80] محمد عصفور، الترجمة طريق إلى المستقبل، ص97.

[81] Georges Devereux, Acculturation antagoniste, P.112.

سعيد بوعيطة

باحث في الحقل اللساني والسيميائي وتحليل الخطاب، تحصّل على دكتوراه، تخصص اللسانيات وتحليل الخطاب، عضو هيئة تحرير مجلة أجراس الثقافية المغربية(سابقًا)، عضو هيئة تحرير مجلة المدونة للدراسات اللغوية والأدبية (الجزائر)، عضو هيئة تحرير مجلة الحكمة للدراسات الأدبية (الجزائر). من مؤلفاته (الكتب): التشكل والمعنى (جماعي، 2013)، أسئلة الرواية المغربية (2012)، ضمير الرواية العربية (جماعي، 2014)، التعليم الأولى بالمغرب (2015)، الخطاب الروائي عند عبد الرحمن منيف (2016)، المنهج في الخطاب النقدي العربي (2017)، تأويل الحكاية (جماعي، 2019)، حفريات الخطاب (جماعي، 2021)، التاريخ والمتخيل السردي العربي (2021). شارك في العديد من اللقاءات الثقافية المحلية والعربية.