كيف تُساهم ترجمة النصوص الفكرية والتاريخية في بناء هويتنا الثقافية؟

كيف تُسهم ترجمة النصوص الفكرية والتاريخية في بناء هويتنا الثقافية؟

دراسة تطبيقية من ترجمة بعض النصوص من اللغة الإسبانية

مقدمة

ساهم فعل الترجمة في التقارب الثقافي بين الشعوب؛ حيث لعبت ترجمة العلوم والآداب المختلفة دورًا مهمًا في تقريب المسافة “وتبدّدها بين الذات والآخر”1، إضافة إلى إزالة الفوارق المعرفية بينهما، وتفسير معالمهما، وتطوير نتاجهما العلمي، وبذلك، فإنّ الترجمة من لغةٍ إلى أخرى عبارة عن تنمية الذات باستعارة أفكار الآخرين، فعدا عن كونها عملية “نقل” للمعلومات، كما يشير غادامير، إلا أنّها فعلٌ تأويلي، يستهدف في الأساس “نقل” المعنى نفسه؛ أي، فهم “قصدية الكاتب” باللغة الأصل، وإعادة التعبير عنه، وبالمعنى نفسه، إلى اللغة المترجم إليها، لتكون الترجمة “أوضح وأكثر جاذبية من الأصل”2، بمعنى، تأويل النص الأصلي بلغةٍ أخرى، يقول غادامير: “كلُّ ترجمة هي، في الوقت نفسه، تأويل. حتى أننا يمكن أن نقول إنّها ذروة التأويل الذي يكوّنه المترجم للكلمات”3.

وما يهمنا في هذه الدراسة معرفة دلالة تلك الكلمات التي يكوّنها المُترجم، ودورها في الحفاظ على الهوية الثقافية للغة المترجم إليها، وذلك بدراسة “معنى” ترجمة النصوص الفكرية والتاريخية إلى اللغة العربية، النصوص التي لم تحظ بأهميةٍ واسعة لا بين القُرّاء العرب ولا دور النشر حتى؛ وذلك بسبب الاهتمام المطلق بالنصوص الأدبية الإبداعية: الرواية والشعر، وتحديدًا الرواية، الذي أصبح الإقبال على شراء حقوقها أكبر كثيرًا من الاهتمام بشراء حقوق كتابٍ فكري، فلسفي، تاريخي ما، وبالتالي، تقديم “الكسب المادي” على “الكسب المعرفي”، أي التضحية بذلك النوع من المعارف على حساب فاعلية البيع والشراء في معارض الكتب والمتاجر الإلكترونية المتخصصة… وغيرها. وبالتالي، لم تحظ كثيرًا الكتب الفكرية والتاريخية باهتمام الناشرين، ومن ثمّ بعدم اهتمام المثقفين أيضًا، مع وجود بعض الاستثناءات عند بعض دور النشر العربية، التي تخصص “رسالتها المهنية” لتنوير الفكر العربي، وتعريفه على “ما يفكر” فيه الآخرون، وبالتالي الإسهام في الحفاظ على الهوية الثقافية العربية، بالتعرّف على هوية ثقافة الآخرين. وتُعدُّ الكتب الفكرية والتاريخية من أهم مصادر الحفاظ على هذه الهوية وتنميتها؛ فهي تتضمن معانيَ وأفكارًا نحتاج إليها لفهم “الكيفية” التي يُفكّر فيها أولئك الكُتاب، والعبور عبر أفكارهم إلى ثقافتهم، وفهم أساليب تعبيرهم، وطرق تأملاتهم، التي ستؤدّي دورًا مهما، بكل تأكيد، لتوطيد أفكارنا، وفهم ثقافتنا من الداخل.

أهمية ترجمة الكتبة الفكرية والتاريخية

ينبغي لنا الاهتمام بترجمة الكتب الفكرية والتاريخية إلى العربية، ومتابعة ما ينتج منهما بشكلٍ دوري؛ حتى يكون القارئ العربي المُهتم عارفًا بكل جديد، ومتقاربًا في رؤيته مع رؤية الآخر، ولا سيّما في دراسة الموضوعات المعاصرة التي يشترك كلاهما (القارئ العربي-والقارئ الآخر) في الاستفادة منها، مثل الكتب الفلسفية التي تعيد قراءة مفهوم الوباء، على سبيل المثال، أو تلك التي تقرأ تاريخ منطقةٍ عربيةٍ ما من منظور مؤرخٍ غربي، ولكن بتوظيف أدواتٍ بحثية متطورة… إلخ، فهذا كله يُدعّم الأفكار، ويساعد في تطوير الرؤى، وإعادة النظر في الكثير مما يحوط بنا.

وبالعودة إلى تصنيفات الكتب الفكرية والتاريخية المترجمة إلى العربية، نجدها مقتصرة، في معظمها، على تلك المنقولة من اللغات: الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية؛ على اعتبار أنها أكثر اللغات التي تهتم بالنتاج الفكري، والمفكرون المعروفون يتحدثون بها، لكن، في المقابل، هناك نتاجٌ فكري أو تاريخي منسيٌّ، ويحتاج إلى ترجمة/ تأويل من لغات، مثل: الإسبانية أو الإيطالية، على سبيل المثال، ولا سيّما تلك الكتب التي تشترك في أطروحتها الفكرية مع الأفكار العربية، وبالتالي المساهمة في الحفاظ على الهوية الثقافية للغة المترجم إليها.

وبالاطلاع على العديد من المؤلفات الفكرية والتاريخية المكتوبة بالإسبانية، نجد عناوين كثيرة تتضمن ما أطلق عليه “التقارب الهوياتي” بين الثقافتين العربية والإسبانية، فالقرون الثمانية التي تمثل الوجود العربي الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية ساهمت في إنتاج دراسات علمية متنوعة، لا تكتفي بإعادة قراءة ذلك التاريخ فحسب، وإنما تجعله “مركزية نصية” لدراسة الواقع العربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على وجه التحديد، وبالتالي، مناقشة الأفكار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والجغرافية… إلخ، بالاعتماد على المناهج الحداثوية وما بعد الحداثوية، وبقراءات تفسيرية مهمة، للحديث عن “الحالة” العربية الراهنة.

أسَّست الحضارة العربية الإسلامية في إسبانيا “بُنيةً” معرفية، ذات طابع تأثيري، ليس على التكوين الثقافي الإسباني فحسب، وإنما على التكوين الثقافي الأوروبي أيضًا؛ ما جعل الدارسين والمتخصصين يسلطون الضوء، بإدراك تأملي، على نتاج تلك الحضارة من العلوم والمعارف المختلفة، مثل: الأدب، والفلسفة، والطب، والهندسة، وغيرها. إضافة إلى دراسة “مسألة الوجود” نفسه، الذي يشكل لبنةً مهمة من لبنات الدراسات المعاصرة في إسبانيا وأوروبا، ولو سردنا قائمةً بالمؤلفات التي تنتجها إسبانيا حول تلك الفترة لوجدنا عناوين متنوعة ومختلفة تصدر كل عام، عدا عن البحوث والمؤتمرات العلمية، واللافت أنّ هذا النتاج الكتابي يدمج بين القراءات التاريخية المجردة؛ بمعنى، إعادة قراءة الزمن التاريخي الأندلسي، من منظور المؤرخ، والقراءات الفكرية، التي تجعل من ذلك الزمن جسرًا للعبور إلى وصف الواقع المعاصر الذي يعيشه العالم العربي، وتحديدًا دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، جاعلين من التاريخ الأندلسي الحقبة الزمنية التأويلية التي تُقرّبهم لفهم “الأيديولوجيا” العربية، وسيهتم الباحث في هذه الدراسة بالنوع الثاني من الدراسات، حيث سيدرس ثنائيات: الترجمة والفكر، الترجمة والهوية الثقافية من خلال كتاب “عندما كُنّا عربًا” للكاتب الإسباني إميليو غونثالث فيرّين، الكتاب الذي ترجمته مؤخرًا، وصدر هذا العام عن دار مدارك للنشر والتوزيع.

عندما كُنّا عربًا، سردٌ ذاتي لتفسير وقائع الآخرين

ينتمي عنوان هذا الكتاب “عندما كُنّا عرباً” إلى العناوين الدلالية الجاذبة والمثيرة للجدل، ويتناسب ذلك مع الرؤى الأيديولوجية المختلفة في إسبانيا على وجه التحديد، فعندما كُنّا عربًا، مكوّن تعريفي لذات الكاتب نفسه، وتعريفٌ منهجي “لزمن” وجود العرب في إسبانيا، فــ “كنا” fuimos فعل إشاري، باللغة الإسبانية، يحيل إلى ضمير “نحن”، ويتضمن معنيين اثنين: دارسو العلوم العربية والإسلامية في الزمن الحديث والمعاصر، إميليو فرين وأساتذته وزملاؤه، ويتمثل ذلك في الجزء الأول من الكتاب. والوجود العربي في إسبانيا، ويتمثل ذلك في الجزء الثالث منه، ويهدف الكاتب من إيراد هذا الفعل، الذي أثار جدلًا واسعًا بين أوساط بعض الأكاديميين وبعض الأحزاب السياسية داخل إسبانيا، توثيق أهمية “التراث العربي” في الأندلس، وبيان أثره في تكوين “الثقافة المعرفية” ليس في شبه الجزيرة الإيبيرية فحسب، وإنما في أوروبا أيضًا، ولذلك قُسِّم الكتاب إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول ينتمي إلى “السرد السيري للذات”، حيث يتحدث إميليو عن “ذاته” في أثناء دراسته للعلوم الإسلامية، والكيفية التي درس فيها تلك العلوم، والقسم الثاني، القسم “المنهجي” الذي خصصه للحديث عن “المنهجية” التي اعتمد عليها في كتابته لهذا الكتاب ولمؤلفاته التاريخية السابقة أيضًا، والقسم الثالث، وهو القسم “النقدي” الذي يفصّل فيه الحديث عن “رؤيته” للتاريخ الأندلسي، ولكن من منظور ناقد ما بعد حداثوي، ويستند في هذا القسم إلى سيرته الذاتية أيضًا من أجل ترسيخ قناعاته كدارس لتلك الحقبة الزمنية، ولذلك نجده يُكثر من “التقارب” بين الأزمنة والأماكن والشخصيات؛ بهدف ترسيخ فكرته حول تلك الحقبة على وجه التحديد.

تكمن أهمية كتاب “عندما كُنّا عربَا”، باعتباره كتابًا “تعريفيًا” لـ “الكيفية” التي يدرس بها المستعربون الغربيون العلوم العربية والإسلامية، من حيث الحديث عن “تجاربهم” الحيّة في أثناء دراسةٍ لتلك العلوم، كما يُعتبر كتابًا “استدلاليًا” لأهمية الوجود العربي الإسلامي في إسبانيا، والدعوة إلى جعل نتاج حضارة الإسلام Islam في الأندلس مصدرًا من مصادر الثقافة الأوروبية، كما كان عليه الحال بدايات عصر النهضة، فهذا يساعد وفق رأيه، على تعزيز الحوار “الأوروبي-العربي”، وذلك من منطلق اعتبار “الثقافة الأندلسية” جزءًا من “الثقافة الإسبانية”، وهذا الاعتبار سيجعل من ذلك التاريخ جزءًا من أجزاء التاريخ الأوروبي بشكلٍ عام.

أما الأفكار الرئيسة الواردة في هذا الكتاب، فتتمثل بما يلي: التفريق بين الإسلام (الدين) islam والإسلام (الحضارة) Islam، وقد فصل المؤلف بين الإسلامين بوضع “علامة” كتابية للتفريق بينهما، الحرف الصغير والحرف الكبير، وأرى أن هذا الفصل من الدوافع الرئيسة لتأليف هذا الكتاب، فــ إميليو يحاول في الكثير من الصفحات أن يوثِّق دلالة ذلك الفصل وأهميته من أجل “فهم” و”إدراك” العلاقة بين الحضارة والدين. نقد المؤسسة الأكاديمية الإسبانية لمحدوديتها في قراءة تاريخ الأندلس، والاقتصار على القراءات التقليدية، دون الالتفات إلى مناهج بحثية “ما بعد حداثوية” لدراسة التاريخ، فجاء هذا الكتاب بمنزلة “الدعوة” إلى نفض الغبار عمّا تمّ إهماله من تلك الحقبة الزمنية وإعادة قراءته من “منظور منهجي” بعيدًا عن العاطفة، وأرى أنَّ “تعميم النقد” أجَّج الصِّراع بين المؤلف وعددٍ مهم من الكُتَّاب المهتمين بدراسة تاريخ الأندلس، النقد الذي رأيت أنه موجه في الأصل إلى “المؤلفين التقليديين” الذي يكتفون بجمع “الأوراق الصفراء”، كما وصفهم إميليو، وإعادة ترتيبها والاكتفاء “بسطحية التحليل”، من دون “التعمق” في قراءة الحدث التاريخي، ودراسة مكوناته وفق المناهج النقدية الحداثوية وما بعد الحداثوية أيضًا، ومع ذلك فإنني أرى أن الابتعاد عن “التعميم” أسلم، ولا سيّما أنّ هناك مؤسسات بحثية ونقادَ تاريخ درسوا الأندلس من منظور منهجي، إلّا أن إميليو لم يشر إليهم. ومن الأفكار التي تضمنها الكِتاب أيضًا: إثبات إمكانية الحوار الأوروبي-العربي من خلال العودة إلى مصادر الثقافة المُشتركة بين أوروبا والعالم العربي، ولعل هذه الفكرة من الدوافع الأساسية الأخرى لتأليف هذا الكتاب، ولا سيّما أنّ موضوع الحوار هو موضوع رسالة الدكتوراه التي كتبها إميليو بانتسابه إلى جامعات أوروبية مختلفة في بلجيكا وإنكلترا، عدا عن أنّ لغة الحوار بين أي ثقافتين عبارة عن تكوين “التعايش” بينهما. أيضًا، توثيق مكانة الحضارة الإسلامية في الأندلس وبيان أهميتها في “التكوين” الثقافي الأوروبي، ويتمثل ذلك بعرض النتاج العلمي والثقافي الذي أنتجه العلماء العرب والمسلمون في الأندلس، وبيان أهميته في العلوم والثقافة الأوروبية. كما جاء هذا الكتاب لنقد ما أطلق عليهم اسم أتباع “الحق الإلهي” من المحافظين الجدد الذين يتجاهلون ما أنتجه مسلمو الأندلس في إسبانيا، وعرض إميليو عددًا من النماذج الحيّة الظاهرة في “الخطابات القولية” لأولئك المحافظين، الذين يرون أنّ “فعل” إنهاء الوجود العربي الإسلامي في إسبانيا عبارة عن “استرداد”، ويقارن هذا برؤية المحافظين الإسلاميين، الذين يطلقون على عامل ذلك الوجود اسم “الفتح”، ولذلك، فإنّ إميليو يحاول في هذا الكِتاب أن يخرج من إطار ما يمكن لي تسميته بــ “فوضى المُسميّات” حول مسألة وجود العرب في إسبانيا، وما هو الاسم الفعلي الذي يمكن أن نطلقه عليهم، وبالتالي أراد أن يهتم بـ “أثر” ذلك الوجود فحسب، وأن يربطه بمسألة “التواصل الثقافي” أو “الرابط الثقافي الواحد” الذي يجمع دول حوض البحر المتوسط، وقد تأثر بذلك بأستاذيه أمريكو كاسترو وماركيز بيانويبا. 

إنّ كتاب “عندما كُنّا عربًا” كتاب “تلخيصي” للنتائج التي وصل إليها الكاتب في أثناء رحلاته المعرفية إلى دول العالم العربي والإسلامي، ويرى بعض الدارسين أنّه كتاب سيري، على اعتبار أنّ الجزء الأكبر منه مخصص لسرد الذات، أما أنا فأرى أنه كتابٌ جامعٌ بين “السيرة الذاتية” و”النقد”، على اعتبار أنّه جعل من سيرته الذاتية، في الجزء الأول من الكتاب، مرآة لعكس “رؤيته”، كباحث متخصص بتاريخ وثقافة الأندلس، ولذلك يقول جان جاك روسو في مقدمة كتابه “الاعترافات”: “إذا أراد امرؤ أن يعرف ضميره فلا بُدّ له في أغلب الأحيان من أن يبدأ بقراءة ما في ضمير غيره”4، وهذا ما فعله إميليو، حيث بنى حوادث ذاته وفق حوادث ذوات الآخرين.

ينظر معظم العرب والمسلمين إلى النتاج الفكري والتاريخي المُضمّن لتاريخ الأندلس على أنه نتاج تجديدي للهوية الثقافية الحضارية التي حافظ عليها العرب في شبه الجزيرة الإيبيرية مدة ثمانية قرون، وهي الهوية المُدركة والمتجذرة في المخيلة العربية حتى يومنا هذا، والقائمة على اعتبار الوجود العربي الإسلامي في إسبانيا “فتحًا” ممتدًا، وتكوينًا حضاريًا قائمًا على مكونات الثقافة كلها؛ ليصبح اسم الأندلس وحده كافيًا لتعزيز تلك الهوية المتأصلة أصلًا في الوعي العربي الإسلامي، بالانتماء إلى ما أنتجته تلك الحقبة، فالهوية الثقافية، كما يرى دنيس كوش، “تحيل إلى مجموعة انتماء الفرد الأصلية”5، وهذا يؤدي إلى جعلها تؤدي دور “الحامل للأيدولوجيات” الذي يؤدي إلى “تطبيع” الانتماء الثقافي6.

وأرى أنّ تجربة إميليو فيرّين في كتابه “عندما كُنّا عربًا” من التجارب النموذجية لتفسير دور الكتب الفكرية وأهميتها في بناء هويتنا الثقافية؛ فالهدف الأساس من الكتاب هو إظهار التقارب الهوياتي بين الثقافين العربية والإسبانية، كما أشرت سابقًا، من خلال إعادة قراءة تاريخ الوجود العربي الإسلامي في شبه الجزيرة، وتذويب الفوارق بين كلتا الثقافتين. فيؤطر الكتاب للعلاقة بينهما من خلال دعوته المتكررة إلى جعل الإرث الثقافي العربي في إسبانيا جزءًا من التكوين الثقافي الإسباني/الأوروبي، وهذا كفيل بالحفاظ على الهوية الثقافية العربية، وإشارةً إلى أصالتها وتجذرها.

إضافة إلى تجارب كُتّاب آخرين، ممن درسوا التاريخ الأندلسي، وكتبوا عن الأوضاع الراهنة التي يعيشها العالم العربي، عدا عن المؤلفات الفكرية الأخرى، التي تناقش قضايا الحياة المختلفة، وبالعموم، فإنّ ترجمة هذا النوع من المؤلفات يساعد في توثيق العلاقة بين الأنا والآخر، فاستقبال القارئ العربي لهذه النصوص يثري أفكاره، ويساعده في توطيد علاقته بذاته/هويته، وتطوير ثقافته، وبالتالي، تعزيز انتمائه، وتجسير علاقته مع ثقافة الآخرين، وهذا كله يؤدي إلى تطوير “لغة الحوار” التي دعا إليها فيرّين في كتابه.

إن عامل الجذب في عنوان الكتاب من عوامل البناء الهوياتي للثقافة العربية، فالضمير “نحن” في عندما كنا عربًا” مثير لطرح أسئلة ذاتية، مثل: كيف كان الإسبان عربًا؟ وكيف فصل الكاتب بين الدين والثقافة؟ وما طبيعة ذلك الفصل؟ وهل يُعدُّ هذا إشارة إلى “تعاطف” الكاتب مع الوجود العربي الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية؟ … إلخ، هذه الأسئلة وغيرها عبارة عن نتيجة فعلية للتكون الهوياتي الثقافي الموجود في ذات المتلقي نفسه.

أصنف هذا الكتاب كتابًا جامعًا بين التاريخ والفكر، ولذلك فإنّ تجربتي في ترجمته ولدت لديّ الرغبة في دراسة أبعاد خطاباته بأنواعها في بناء هويتنا الثقافية، ولذلك لجأت إلى ما أطلق عليه القديس جيروم، مُترجم الكتاب المُقدس، “إلحاق المعنى”7، بالإحاطة بفكرة النص، وإعادة صوغه بالمعنى اللغوي العربي، وحاولت أن أكون موضوعيًا في عملية “النقل”، وهذه سمةٌ تميز ترجمة الكتب الفكرية عن الكتب الإبداعية، مثل الرواية والشعر والمسرح على سبيل المثال؛ فالأولى تحتاج إلى موثوقية في النص الأصلي، والتزام ليس بالحرف، وإنما بالمعنى المقصود، على اعتبار أن ارتباط الحرف بالمعنى، كما يرى أنطوان برمان، سيجعل من الترجمة فعلًا مستحيلًا وخائنًا8، وبالتالي فإنّ الدور الذي يؤدّيه المترجم للكتب الفكرية والتاريخية تحديدًا هو دور “المترجم المُفسّر” الذي يوضح عوالم المعنى الحقيقية للمتلقي باللغة المترجم إليها.

إنّ الموضوعات التي اهتم بها الكتاب تساهم في إعادة قراءة فعلية لهويتنا، فقد تحدث فيرّين، بأسلوب السرد الذاتي، كما أشرت، عن تجربته واعتزازه بتعلم اللغة العربية، ووصف سردي للحالة التي تعيشها بعض الدول العربية، إضافة إلى تحليل ذاتي، ومن منظور متخصص بالعلوم العربية الإسلامية، للوقائع التي عاشها العالم العربي، متوقفًا أمام أبرزها، مثل: حرب الخليج الأولى والثانية، واتفاقية أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والأبعاد الأيديولوجية لتأسيس بعض الجامعات العربية، وظهور ما يطلق عليه اسم “الإسلام السياسي”، وثورات الربيع العربي، وما نتج منها من حوادث… كل هذه مثلت مركزيات نصية في الكتاب، حتى يسهل عليه موازاة ما يحدث في العالم العربي حديثًا مع ما يحدث في إسبانيا، من إعادة ظهور التيارات اليمينية، وسطوة ما أطلق عليهم اسم “أتباع الحق الإلهي”، منطلقًا من هذا التوازي للحديث، وبأسلوب منهجي، عن تاريخ الأندلس، ومسألة “الحوار العربي الأوروبي”. وكان التعبير عنها بأسلوب “الاستذكار” أو “الاسترجاع” الزمني مثيرًا، ومحفزًا لمتابعة القراءة بفخر، فــ إميليو اهتم بالحوادث المحورية في حياته العلمية، ولا سيّما تلك التي أسهمت في تكوينه المعرفي باعتباره متخصصاً في الدراسات العربية الإسلامية، وهذا كله يُساعد في جعل مضامين الكتاب تلك، مضامين تفاعلية لتوثيق أهمية الهوية الثقافية العربية. فلو أعدنا قراءة ما كتبه حول بعض شخصيات عصر النهضة العربية بدايات القرن العشرين، محمد عبده على سبيل المثال، لوجدنا الكيفية التي عبّر فيها المستعرب الإسباني عن أهمية المكوّن الثقافي العربي، فمحمد عبده من الرواد المهمين الذين جهلنا نتاجهم المعرفي، فكان السرد الذاتي الوصفي لإميليو في أثناء الحديث عن كيفية عثوره على مخطوط مجهول لعبده، وكيف عمل على شرحه وترجمته إلى الإسبانية، بمثابة “الخطاب السردي” المحفز للتعرف إلى عالم هذا المفكر العربي، الذي استطاع أن يؤسس لعوالم النهضة الفكرية العربية مطلع القرن الماضي.

وكذلك في أثناء حديثه عن المكون الثقافي الأندلسي الذي عدَّه فيرّين مكونًا ثقافيًا إسبانيًا/أوروبيًا، معتمدًا في ذلك على النتاج الفكري للفيلسوف ابن رشد، والنتاج الأدبي لابن طفيل، الشخصيتين اللتين عدَّهما فيرّين من الشخصيات المؤسسة للثقافة الإسبانية/الأوروبية؛ فشروحات ابن رشد لأرسطو أسست للدراسات الفلسفية الغربية، وكتاب “حي بن يقظان” أول عمل روائي أدبي أثّر في أعمال روائية أوروبية عظيمة.. وبما أنّ ابن رشد “سهّل الفكر النهضوي الحر، فإنّ ابن طفيل هو أول مَن اقترح ما يُطلق عليه اسم (روح عصر التنوير)”9.. كل هذه التعابير السردية تساهم في البناء الهوياتي لثقافتنا؛ بإعادة قراءة تلك الأعمال، والعمل عليها، وتدريسها، وبالتالي، العمل على تنمية الثقافة العربية وتطويرها، والأهم من ذلك كله “الحفاظ عليها”، وترسيخ وجودها، ولذلك يقول جابر عصفور: “تتكون الهوية الثقافية من عناصر ثابتة، عميقة الجذور، ضاربة في العمق التاريخي للأمة التي تنتسب إليها الثقافة، وعناصر متغيرة مشروطة بالتاريخ المتحول لهذه الأمة بكل لوازمه وعملياته متباينة الخواص، أقصد إلى تلك العمليات التي تأتي من الخارج، متفاعلة مع العناصر الثابتة التي تتأثر بها وتؤثر فيها على السواء”10.

الأندلس رمزيّة التكوين الهوياتي الثقافي

ويتوافق هذا الكتاب مع غيره من المؤلفات التاريخية الفكرية التي اهتمت بدراسة تاريخية الأندلس، والانتقال من خلالها إلى الوصف السردي المباشر لتفسير الوقائع المعاصرة التي يعيشها العالم العربي، ومن هذه المؤلفات: كتاب “الأندلس: الدلالة والرمزيّة”11، للمستشرق الإسباني بيدرو مارتيثنيث مونتابث، وهو من الشخصيات التي أثارت إعجاب إميليو فيرّين، ويرى أنّه من المتخصصين البارزين الذين تركوا أثرًا بيّنًا في الدراسات العربية، ولا سيّما المعاصرة منها.

يتحدث كتاب “الأندلس: الدلالة والرمزيّة” عن مفاهيم الهوية الغيرية، والواقعية والرمزية، والأندلس في المخيال العربي… وغيرها، وأرى أنّ هذا الكتاب الصادر باللغة العربية عن مؤسسة الفكر العربي من الكتب المهمة التي دمجت “الزمن التاريخي” بــ “زمن الكاتب”، والتدليل على أن التاريخ عبارة عن “تخيل” رمزي، يوثق الصورة الفعلية للحاضر. إنّ هذا الكتاب بمنزلة النص التفسيري والداعم لمفهوم الهوية الثقافية العربية، بأطروحته التقريبية بين “ذات الكاتب” والآخر “العرب والمسلمين”؛ ويتجسد ذلك في “الخطابات القولية” المختلفة في صفحاته، وتمثل هذه الأطروحة نوعًا من البناء الفعلي للهوية الثقافية الإسبانية والعربية سواء، يقول مونتابث: “إنّ معالجة الواقع الأندلسي تتعلق بــ “الآخر” الذي يشكل جزءًا من الـ “نحن”؛ وهو بأي حال من الأحوال، ليس آخر غريبًا عنّا”12.

تتشابه فكرة هذا الكتاب مع فكرة كتاب “عندما كنا عربًا”، في التعبير عن مركزيات الحدث التاريخي الأندلسي، وجعلها عامل الابتكار الفعلي لتوطيد الهوية الثقافية بين العرب والإسبان، إلا أن مونتابث يهتم بثنائية: القومية/الأندلس، على اعتبار أنّ الوجود العربي في إسبانيا يُشكل جزءًا من إسبانيا الأرض، وفق رؤية المؤرخ الإسباني ماركيز بيانويبا، يقول مونتابث: “إنّ الواقع الأندلسي جزء من تاريخنا القومي المُشترك، ببؤسه وعظمته، بنوره وعتمته، بقممه ولججه العميقة”13، وهذا القول بمنزلة الدعوة إلى الحفاظ على الإرث الأندلسي بأنواعه، وجعله جزءًا من الإرث الإسباني كله، وبالتالي جعله مكونًا من مكونات الهوية الثقافية الإسبانية. وقراءة هذا بالعربية يُحفّز المتلقي، وينمي انتمائه إلى هويته الثقافية الخاصة به، بتطبيعها مع الفكرة القائلة أن الوجود الثقافي الحضاري للعرب والمسلمين في إسبانيا جزء من الثقافة العربية عامة.

ويحاول مونتابث التعبير عن هذه الفكرة في فصول مخصصة لدراسة صورة الأندلس في الأدب العربي الحديث، وتفسير أسباب اهتمام الأدباء، من شعراء وكتاب رواية، بالأندلس، التي كانت بالنسبة إليهم “الفردوس المفقود”، الذي أنتج بنيةً “رمزية” من المشاعر والأحاسيس الدفينة التي استوطنت كبار الكُتّاب العرب، مثل: محمود درويش، ونزار قباني، ورضوى عاشور… وغيرهم، فالتعالق التاريخي، وإعادة الزمن في الأوضاع الراهنة التي يعيشها العالم العربي، أنتجت “تخيلًا” سرديًا وشعريًا لجعل الأندلس “رمزًا” لتصوير الواقع العربي المعاصر، وبالتالي، “ليس غريبًا أن يُدرك الكيان الأندلسي على أنه نوع من الانفعال فائق الوصف لا يسعنا لكي نصفه ونعرضه إلا أن نعود إلى عالم المجاز وما يشمله من جدلية وإيحائية”14.

وخلاصة القول، إن ترجمة الكتب الفكرية والتاريخية من عوامل تعزيز وتنمية الهوية الثقافة المترجم إليها، فلا بُد من الاهتمام، بعناية، بنوعية تلك الكتب المراد ترجمتها، وجعلها “مركزية نصية” لتوثيق معنى الهوية الثقافية، وما كتاب “عندما كُنا عربًا” و”الأندلس: الدلالة والرمزيّة” إلا نماذج على هذه الكتب، التي لا بُد من قراءتها بتأمل وإدراك؛ حتى يسهل علينا فهم هويتنا وواقعنا من جهة، والتعرف إلى هوية وثقافة الآخرين من جهة أخرى.

المصادر والمراجع

  1. أولحيان، إبراهيم. الترجمة: المثقافة وسؤال الهوية الثقافية، الترجمة وإشكالات المثاقفة (الدوحة: منتدى العلاقات العربية الدولية، 2014).
  2. برمان، أنطوان. الترجمة والحرف أو مقام البُعد، عز الدين الخطابي (مترجم)، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010).
  3. روسو، جان جاك. الاعترافات، خليل رامز سركيس (مترجم)، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2012).
  4. عصفور، جابر. الهوية الثقافية والنقد الأدبي (القاهرة: دار الشروق، 2010).
  5. غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج “الخطوة الأساسية لتأويلية فلسفية، حسن ناظم (مترجم)، (بيروت: دار أويا للطباعة والنشر، 2007).
  6. فيرّين، إميليو غونثالث. عندما كُنّا عرباً، حسني مليطات (مترجم)، (الرياض: دار مدارك للنشر والتوزيع، 2022).
  7. كوش، دنيس. مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، منير السعيداني (مترجم)، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007).
  8. مونتابث، بيدرو مارتينيث. الأندلس: الدلالة والرمزيّة، رانيا هاشم سعد (مترجم)، (بيروت: مؤسسة الفكر العربي، 2018).

1  إبراهيم أولحيان، الترجمة: المثقافة وسؤال الهوية الثقافية، الترجمة وإشكالات المثاقفة (الدوحة: منتدى العلاقات العربية الدولية، 2014)، ص247.

2  هانز جورج غادامير، الحقيقة والمنهج “الخطوة الأساسية لتأويلية فلسفية، حسن ناظم (مترجم)، (بيروت: دار أويا للطباعة والنشر، 2007)، ص508.

3  المرجع نفسه، ص506.

4 جان جاك روسو، الاعترافات، خليل رامز سركيس (مترجم)، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2012)، ص34.

5  دنيس كوش، مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، منير السعيداني (مترجم)، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007)، ص149.

6  المرجع نفسه، ص149.

7  أنطوان برمان، الترجمة والحرف أو مقام البُعد، عز الدين الخطابي (مترجم)، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص51.

8  أنطوان برمان، الترجمة والحرف أو مقام البُعد، ص63

9  إميليو غونثالث فيرّين، عندما كُنّا عرباً، حسني مليطات (مترجم)، (الرياض: دار مدارك للنشر والتوزيع، 2022)، ص477.

10  جابر عصفور، الهوية الثقافية والنقد الأدبي (القاهرة: دار الشروق، 2010)، ص81-82.

11  بيدرو مارتينيث مونتابث، الأندلس: الدلالة والرمزيّة، رانيا هاشم سعد (مترجم)، (بيروت: مؤسسة الفكر العربي، 2018).

12  ا بيدرو مارتينيث مونتابث، الأندلس: الدلالة والرمزيّة، ص33

13  المرجع نفسه، ص39

14  المرجع نفسه، ص55

حسني مليطات

حسني مليطات، باحث ومترجم، تحصّل على درجة الدكتوراه من جامعة أوتونوما في مدريد – برنامج دراسات الفن والأدب والثقافة، متخصص بالأدب العربي الحديث والمقارن والدراسات الثقافية. له العديد من المقالات والدراسات المحكّمة. ومن ترجماته إلى العربية: ترجمة رواية “قبر المنفي” للروائي الإلسباني خوزيه ماريا لوبيث، وصدرت عام 2019م عن دار “سؤال” للنشر والتوزيع في بيروت، وهي رواية تحاكي التاريخ الأخير لوجود المسلمين في الأندلس، ترجمة كتاب “قبل النهاية”، وهو مذكرات الكاتب الأرجنتيني إرنستو ساباتو، صدر في شهر يناير 2021م عن دار مدارك للنشر والتوزيع.

مشاركة: