في البدء كانت المكتبة

أجدُ الكتابةَ صعبةً، ولكن الأصعب هو أن يكتب المرء عن نفسهِ في عالمٍ من مليارات البشر وسيكون واحد من هذهِ المليارات بالكادِ مُهمًا. لم أتصور يومًا أن يوصلني شغفي بالقراءةِ والبحثِ إلى المهنةِ التي أمارسها اليوم، ولكن بتُ الآن أعتقدُ بأنَّها نتيجةٌ منطقية. بدأ الأمرُ خلال السنة الثانية من دراستي الجامعية في قسم اللغة الإنكليزية، وأتذكر أنني وقتها كنت مُكلفة بإنجاز ورقةِ بحثٍ في مجالِ علمِ اللسانيات. قادتني هذهِ الورقة إلى التعرفِ إلى أحدِ أمناءِ المكتبةِ. كان خريجًا في قسم اللغة الفرنسيةِ ومهتمًا بالترجمةِ وقد صدرت له ترجمات عن وزارةِ الثقافةِ السورية. اقترح عليَّ وقتها خوضَ هذا المجال مُجادلًا بأنَّ هناك الكثير من الأعمال الرائعة في الآداب الأجنبية التي تستحقُ النقلَ إلى اللغةِ العربيةِ، وفعلًا بدأت بترجمةِ مقالات نقديةِ وإطلاعهِ عليها ورفدني بالملاحظات المفيدة. قادتني هذهِ التجربةِ إلى نشرِ أولى ترجماتي وكانت مسرحيةً غنائيةِ لوليم بتلر ييتس في الملحقِ الثقافي لجريدةِ النهارِ عام 2010.  وتتالت الترجمات المنشورة في دوريات ورقية والكترونية عربية حتَّى عام 2015 عندما عملت على أولِ كتابٍ وكان بعنوان دليل اللاعنف لمايكل ناغلر وصدرَ عن دار معابر- دمشق.     

أكثر من مجرَّد مهنة

كان لعملي في مجالِ الترجمة دورٌ في النهوضِ بوعيي، فعلى الرغمِ من أنَّ تخصصي في مجالِ اللغةِ الانكليزيةِ قد أعطاني مفتاحًا يعدُ بالدخولِ إلى عالمٍ آخر كبير ومختلف غير أنَّ الترجمة كانت البابَ إلى هذا العالمِ. إنَّ للغوصَ في العملِ، قراءةً وترجمةً، وتتبعِ تفاصيلهِ والبحثِ في خلفيتهِ وفهمه تأثيره على المترجمِ/ة، وكنت أجدني بعدَ كلِّ كتابٍ أراجع رؤيتي للعالمِ ولقضاياه، وأكوّن آراءً جديدةً أو أراجع أفكارًا مسبقةً مفرطةً في المثاليةِ. ساعدني العملُ على كتبٍ مختلفةٍ بين الروايةِ والقصةِ والشعرِ والدراساتِ الفكريةِ على الخروجِ من ذاتي في كلِّ مرة وتأملها من بعيد وإعادةِ صوغها وكأنني بعدَ كلِّ عملٍ أترجمُ نفسي في ضوءٍ جديدٍ، وبالأخص الأعمال التي رافقتني لفترةٍ طويلةٍ من الزمنِ ككتاب ماري أليس واترز روزا لوكسمبورغ تتحدث الذي أخذَ مني قرابةَ العامين وصدرَ مؤخرًا عن دار التكوين- دمشق. فرضت أهمية العملِ وطبيعتهِ الوعرةِ في مقاربةِ هذهِ الشخصيةِ التاريخيةِ المهمةِ توخي الحذرَ والدقةَ والأمانةَ والموضوعيةَ ووجدتُ نفسي بعدَ الانتهاءِ منه وكأنني أُجبرُ على نزعِ نفسي بقوةٍ من الشخصيةِ وتركيبتها. وهناك عملٌ آخر سيصدرُ قريبًا عن دارِ المدى- بغداد بعنوان عالمٌ بلا نهايةٍ وهو الجزء الثاني من ثلاثية للكاتب الإنكليزي كين فوليت. هذا العملُ أيضًا كان ضخمًا من حيثُ الحجمِ وتطلبَ مني إنهاءهُ عامًا ونصف ما بين الترجمة والمراجعةِ. خلال هذهِ الفترةِ تجرأت على القيامِ بأولى محاولةٍ في الترجمةِ الروائية من العربيةِ إلى الانكليزيةِ لروايةِ نوتة الظلامِ للمخرجِ الفلسطيني فجر يعقوب التي ستصدر قريبًا عن دار الحاضرون- كندا. كانت مغامرة القيام بهذهِ الترجمةِ على درجةٍ كبيرةٍ من الوعورةِ والمتعةِ وهذا يعود في رأيي إلى قيمةِ العملِ ولغتهِ الشائكةِ وخصوصيةِ التجربةِ بحد ذاتها.

الترجمة، رؤيةً وأسلوبًا  

ساعدتني دراستي الأكاديمية في مجال الترجمةِ وعلم اللسانيات على فهم الترجمةِ أكاديميًا وإتقانِ قراءةِ النصِّ. ما أعنيهِ بكلامي هنا هو قراءةُ النصِ المرادِ ترجمته بأبعادِهِ الثقافية والاجتماعيةِ واستقصاءِ نبرتهِ ومحاولةِ إيجادِ النبرةِ والأسلوب المناسبين في لغة وثقافة الهدفِ لإيصال محتواه بأمانةٍ وموضوعيةٍ. لا أزعم أنني ومنذُ البداية قد تمكنت من هذهِ الأدواتِ، بل أعترف أنَّني تعلمت من التجربة والخطأ، وأعتقد أنَّ هذا لسان حالِ الكثير من العاملين في هذا المجالِ، فالترجمةُ مهنةٌ لا يتوقف فيها التعلمُ أبدًا وهذا أحد الأسبابِ التي أغرتني بخوضِ غمارها.

يختلف المترجمون في الطريقةِ التي يعملون فيها وهذا الاختلافِ يُرسّخ فكرة أنَّ العملَ في مجالِ الترجمةِ إبداعي وشخصي بامتيازٍ. هناك من يبتعد عن الترجمة الحرفية ويحاول إعادةَ كتابةِ النص محليًا وهناك من يترجم بشكلٍ حرفي إخلاصًا منه للنصِ الأصلي وهناك من يمزج بين الأسلوبين. بالنسبةِ إلي أعمل على المزج بين الأسلوبين ولكن بإخلاص أكبر للترجمةِ غير الحرفيةِ. ما أعنيه بقولي هو أنني ألجأ إلى الحرفيةِ عندما أواجه مشكلة عدم قابلية ترجمة تراكيب أو جمل معينة، الأمر الذي يضطرني إلى نقلها كما هي، ولا أجد في الأمرِ مشكلةً كبيرةً ما دام الهدفُ هو إيصال المعنى. قد يجادلُ البعض أنَّ هذا يجعلُ العملَ يبدو مترجمًا، ولكن أليس هو في النهاية عملٌ مترجمٌ؟

 أمَّا في ما يخصُّ آليةَ العملِ على الترجمةِ فأنا لا أجدُ قراءةَ العملِ كاملًا قبل البدءِ بترجمتهِ أمرًا لازمًا، بل أكتفي بدايةً بتصفّحهِ والقراءةِ عنه جيدًا ثمَّ أقوم بتقسيمهِ إلى أجزاءٍ محددةٍ وتنظيم عمليةِ الترجمةِ والمراجعةِ وفقَ جدول زمني محددٍ، وهذا التنظيم يساعدني على الانضباطِ في العملِ والمحافظةِ على آلية الترجمة-التحرير في آنٍ معًا.

عقبات الترجمة

كأيِّة مهنةٍ للترجمةِ صعوباتها ومعوقاتها التي تواجه المترجم/ة خلال العملِ وتختلف باختلافِ النصِّ المراد ترجمته، فللنصوص الفكريةِ مشكلاتها وللنصوص الإبداعيةِ تحدياتها الخاصة. سأبدأ أولًا بالنصوصِ الفكريةِ. من أهمِّ التحديات التي واجهتني أثناءَ ترجمةِ الأعمالِ الفكريةِ عمومًا – النسوية خصوصًا – هي ترجمةُ المصطلحاتِ. تفتقرُ اللغةِ العربيةِ إلى مردافات صريحةٍ لكثيرٍ من المصطلحات، ولم يكن أمامي سوى العودة إلى أعمالِ مترجمين عرب كبار والاطلاع على اجتهاداتهم في ترجمةِ هذهِ المصطلحاتِ أو اللجوء إلى الـ “transliteration ” وهي الإبقاءِ على المصطلح كما هو ولكن كتابته بأحرفٍ عربيةٍ وإضافةِ هامش بما يعنيه. واجهت هذا التحدي الحقيقي خلال عملي على كتاب شولميت فايرستون الدياليكتية الجنسيةِ – صادر عن دار التكوين- دمشق 2018، الذي جمع بين المصطلحات النسويةِ والمصطلحات الماركسيةِ. أمَّا بالنسبةِ إلى النصوصِ الأدبيةِ فكان التحدي الأكبر هو التلاعب اللفظي في اللغة المصدرِ وكيفية نقلِ روحهِ إلى اللغةِ العربيةِ، وكنت ألجأ إلى الترجمةِ الإبداعيةِ أملًا بتجنب أكبر فقد ثقافي ممكنٍ. واجهت هذا التحدي على وجهِ الخصوصِ في ترجمةِ رواية كارسون مكولرز القلبُ صيَّادٌ وحيدٌ – صادرة عن دار المدى- بغداد 2018، ولكن المشكلة كانت حاضرة بقوةٍ أكبر في ترجمتي لمختارات شعرية من العربية إلى الانكليزية بعنوان دمشق 2013 – منشورة في مجلة “inventory” التابعة لجامعة برينستون 2019- فللترجمةِ الشعريةِ اقتصادها اللغوي والحسي الخاص الذي يختلف باختلاف اللغاتِ والثقافاتِ. علاوةً على هذا، أتصور أنَّ ترجمةَ الشعر تتطلبُ حساسيةَ عاليةَ ورهافةً تمامًا كالتي يمتلكها الشاعرُ، وهذا لا يختلف كثيرًا عن ترجمة الأدبِ التي تتطلبُ في المترجمِ/ة روحَ كاتبٍ، ولا عن الترجمةِ الفكريةِ التي سينقلها بأمانةٍ مترجمٍ له باعٌ في مجالِ البحثِ والكتابةِ الأكاديميةِ.

هناك أيضًا مشكلات لوجستية قد تواجه المترجم/ة خلالَ عملهِ ومنها عدمُ إمكانية الوصول إلى الكثير من المواقع والمراجع بسبب حجبها أو عدم توفرها أو انتشارِ مصادرِ تقدمُ معلوماتٍ مغلوطةٍ. بسبب هذا كنت أضطر إلى طلبِ المساعدةِ من أصدقائي المترجمين والباحثين للوصول إلى المعلومةِ الصحيحةِ أو إلى مصادر مشهودٍ لها بالأمانةِ. أمَّا بالنسبةِ إلى صعوبات النشرِ فأنا عمومًا لم أواجه أيَّةَ مشكلات مع أيِّ من الدور التي عملتِ معها سواء في اختيار الأعمال التي رغبت بترجمتها أو آلية العملِ عليها، وأنا أعي تمامًا أنَّها تجربةٌ شخصية وتختلف بين مترجمٍ إلى آخر، ولكن أرغب في التطرقِ هنا إلى مشكلةٍ عامَّةٍ يعاني منها غالبيةِ المترجمين ألا وهي تدخل المدقق اللغوي الذي قد يقوم بتغييرات غير ضرورية أو اجتهادات شخصية، ولذلك بِتُ دائمةَ الحرصِ على تعقبِ أيَّةِ تغيرات على الترجمةِ والتعديل عليها في حال لم تكن موفقةً قبل تسليم العملِ نهائيًا. وبناءً على هذا أجدَ أنَّه من الضروري، بل من اللازم، أن يتقن المترجمُ/ة عملَ المحرّرِ وأن يكون جزءًا من أسلوبهِ في الترجمةِ.

واقع الترجمة في العالم العربي أمَّا عن واقع الترجمة في العالمِ العربي فأنا أرى بأنَّه في السنواتِ الأخيرةِ شهدَ نموًا كمّيًا وليسَ نوعيًا. ساهم ضعف حركةِ التأليفِ وجاذبية ثقافةِ الآخر وطغيانها في ازدهار ترجمةِ البيست سيلرز والبوب فيكشن التي بات لها جمهورها ومترجموها ودورها. ومن جهةٍ أخرى هناك إعادة ترجمة لكلاسيكيات مترجمةٍ قبلًا، وعلى الرغمَ من أنَّ وجود اجتهادات جديدةٍ في ترجمةِ عملٍ ما أمرٌ إيجابي للمهتمين الأكاديميين، غير أنَّه يحرم المترجم/ة والقارئ/ة، على حدٍ سواءٍ، من أعمالٍ أخرى مهمة لم تترجم قبلًا. وهنا أعود إلى سياساتِ الدور ودورها في اختيار الأعمالِ. وعلى الرغمِ من بروز مؤسسات ومشاريع ترجمة كبيرة في السنواتِ الأخيرةِ، ولكن مواكبةَ المستجدات العالميةِ في وتيرتها السريعةِ ما زالت خجولةً وبطيئةً بخاصةٍ في المجالِ المعرفي. هناك أيضًا غيابٌ لمراكز تدريب وتخريج مترجمين أكاديميين فأغلبية العاملين في ترجمة الكتب المعرفيةِ والفكريةِ خريجون جامعيون من أفرعٍ أخرى، وأنا هنا لا أنتقص من قيمةِ هؤلاءِ المترجمين، بل أشدّد على أهميةِ وجود برتوكول تأهيلي للعاملين في هذهِ المجال.

عزّة حسّون

عزّة حسون. مترجمة سورية، مجازة في اللغة الإنكليزية، حاصلة على دبلوم في الترجمة والتعريب، وعلى ماجستير في علم اللسانيات. صدرَ لها حتى الآن عشرة كتب بين الروايةِ والدراسةِ، وهي مساهِمة دورية في المواقع والمجلات الإلكترونية ترجمةً وكتابةً.