رأس المال الاجتماعي

افترضت، في كتابي، الذي يحمل عنوان: “من الرعوية إلى المواطنة”، أن رأس المال الاجتماعي منظورًا إليه من زاوية علاقاته الجدلية بأشكال رأس المال الأخرى، ولا سيما رأس المال المادي أو الاقتصادي، شرط لازم للانتقال التاريخي التدريجي من الرعوية إلى المواطنة، فثمة تقاطع بين مبادئ المواطنة وبين مقومات رأس المال الاجتماعي، ولا سيما الاعتراف المتبادل بين الأفراد والجماعات بالكرامة الإنسانية والجدارة والاستحقاق، والاحترام المتبادل المؤسس على تكافؤ المعاني والقيم بين الأفراد والجماعات أيضًا، والثقة المتبادلة، وانفتاح إمكانات التعاون والتشارك الحر في مختلف مجالات الحياة الخاصة والعامة، ومن طبيعة التشارك الحر في مجالات الحياة العامة أن يولد علاقات أفقية وشبكية، هي القاعدة، التي يقوم عليها المجتمع المدني والمجتمع السياسي، وتتولد منها أشكال السلطة الحديثة، سلطة القانون، فإن رأس المال الاجتماعي هو البطانة الأخلاقية للقانون، بل هو روح القانون، الذي ينشده الناس حين يفرقون بين نص القانون وروحه، أي إنه التعبير الأكثر دلالة على روح المجتمع أو روح الشعب أو روح الأمة. وقد لا أكون متعسفًا إذا قلت إن مونتسكيو قد حدس به، في كتابه “روح الشرائع”، أو روح القوانين، من دون أن يسميه.

في الكتاب المذكور، عرّفت رأس المال الاجتماعي، على غرار تعريف موجز للثقافة وشديد الأهمية يقول: “الثقافة هي ما يتبقى بعد أن ننسى كل شيء”، ذلك بسبب القرابة الوثيقة والعلاقة الجدلية بين رأس المال الاجتماعي ورأس المال الثقافي. رأس المال الاجتماعي، في نظري، هو ما يتبقى لدى هذا المجتمع أو ذاك بعد أن يذهب كل شيء؛ كما هي الحال في سوريا، التي دمر نظام البعث الأسدي معظم مدنها وبلداتها وقراها، وتفكك مجتمعها وانهار اقتصادها. وفق هذا التعريف الموجز، تكون إمكانات نهوض أي مجتمع من حالة التردي والانهيار، منوطة برأس المال الاجتماعي، منظورًا إليه في علاقاته الجدلية المتبادلة بأشكال رأس المال الأخرى. وفي المقابل يمكن أن نفسر الخراب العميم، أو ما سماه طيب تيزيني “الحطام المفتوح”، في سوريا ولبنان والعراق واليمن وليبيا وغيرها بتدمير رأس المال الاجتماعي، بما في ذلك رأس المال الذي يُنتَج في المجتمع التقليدي، بشروط المجتمع التقليدي نفسه، لأن رأس المال الاجتماعي، الذي يُنتَج في المجتمع التقليدي، هو أحد موارد السلم الاجتماعي وموارد الاستقرار، وشرط لازم لنمو العلاقات الاجتماعية وتطورها واغتنائها بمضامين وطنية وإنسانية، تفتح إمكانات تحولها إلى علاقات مدنية حديثة، أفقية وشبكية، أي إنه شرط لازم لمواطنة متساوية، إذ لا يقتصر إنتاج رأس المال الاجتماعي على الأفراد إناثًا وذكورًا، بل يتعداهم إلى الجماعات والمؤسسات والنقابات والأحزاب السياسية والجمعيات والنوادي… إلخ. حتى الشركات الخاصة والعامة تزداد أرباحها طردًا بازياد ثقة عملائها بها، وتعاونها وتكاملها مع غيرها من الشركات، واندراجها في شبكة الإنتاج الوطني، العام والتمتع بحماية الدولة.

من المؤكد أن المجتمع المدني الحديث ينبثق من المجتمع التقليدي بفعل التحولات الجذرية في ميادين المعرفة – العمل، وفي ميادين الاقتصاد والثقافة والسياسة؛ لذلك رأيت أن المجتمع التقليدي أو المجتمع الأهلي يحمل أجنَّة (جمع جنين) المجتمع المدني، في كل مجال من مجالات الحياة الاجتماعية. وهو، أي رأس المال الاجتماعي، الخميرة الأخلاقية لهذه التحولات الجذرية، التي سميتها ثورات جذرية في موضع آخر، وميّزتها من الثورات الاجتماعية (الطبقية أو الفئوية) والثورات السياسية. ألم يكن نهوض أوروبا السريع بعد الحرب العالمية الثانية ثمرة رأس المال الاجتماعي ورأس المال الثقافي ورأس المال المعرفي المتراكم منذ عصر النهضة، وإلا كيف نهضت أوروبا بعد أن ذهب كل شيء؟ مشروع مارشال مهم، ولكنه لا يستنفد المسألة، ولا يفسر وحده ذلك النهوض السريع، والتقدم العلمي وحده لا يستنفد المسألة أيضًا، لا سيما أن بعضه أسهم في دمار مدن برمتها وفي قتل خمسين مليون شخص، وفي إنتاج أسلحة الدمار الشامل، علاوة على الإضرار بالبيئة. فما مصير نوع من مشروع مارشال في سورية أو لبنان أو العراق اليوم؟

من جانب آخر، يمكن تعريف رأس المال الاجتماعي على غرار تعريف ماركس لرأس المال المادي، على افتراض أن مفهوم “الاقتصاد السياسي” معادل ماركسي لمفهوم المجتمع المدني. ومن ثم إن رأس المال، في الاقتصاد السياسي، هو ذلك الجزء من قيمة العمل، الذي يحصل عليه رب العمل من العاملين لديه بلا مقابل. ولكن الأفراد في أي مجتمع مدني ليسوا مجرد عاملين بأجر في هذا المجال أو ذاك، وإن كان عدد كبير منهم يعملون بأجر. بل إن لكل منهم، وإن كان عاملًا بأجر، ولا يملك إلا قوة عمله، جملة من الأعمال والنشاطات والاهتمامات والهوايات، تدخل كلها في قوة العمل، العضلي / الذهني أو الذهني الخالص، قوة عمل المجتمع. ومن ثم، إن رأس المال الاجتماعي هو ذلك الجزء من قيمة العمل والنشاط الذي يزيد على الحد الضروري لإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية والنظام الاجتماعي في أبسط صورهما. هذا الجزء الفائض عن الحد الضروري، أو عن الحد الأولي، هو رأس المال الاجتماعي، وهو ميدان الخلق والإبداع والابتكار، لأنه ميدان الحرية الذاتية، يؤدي استثماره إلى تطور الحياة الاجتماعية، وتحسين نوعيتها وشروطها، ونمو العلاقات الأفقية والشبكية القائمة على التكافؤ والندية واستقلال الذوات وحريتها، وتيسير الأعمال الخاصة والعامة وزيادة مردوديتها والاقتصاد في وقت إنجازها، مع الجودة والإتقان، ونشوء التعاونيات والشركات المساهمة وأشكال حديثة من الائتمان، كالقروض الدوارة، ويؤدي من ثم إلى تنمية إنسانية مطردة، وتحولات ديمقراطية، يصعب الرجوع عنها. وتبدو الفروق طفيفة بين رأس المال الاجتماعي ورأس المال الرمزي، بل إن الثاني مستغرَق في الأول، وجزء لا يتجزأ منه، حتى عندما تحتكره سلطة مركزية، والاحتكار أساس الاستبداد.

إن أي نظام سياسي، بما في ذلك النظام التسلطي، الذي خبرناه، لا يستطيع أن يتصرف، في الأحوال العادية وأوقات السلم، إلا بفائض قوة المجمتع، أي القوة التي تزيد على الحد الضروري للحفاظ على البقاء وإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية بأبسط أشكالها. ولكن النظام التسلطي يضغط على هذا الحد، ويقلِّصه، بتجريد الحياة الاجتماعية من مضمونها الإنساني، أي بهدر إنسانية الأفراد وامتهان كرامتهم/ـن، بعد حرمانهم/ـن من حقوقهم/ـن وقتل الشخص القانوني ثم قتل الشخص الأخلاقي، أي قتل المواطن/ـة، في كل منهم/ـن.

هذه القوة الفائضة، قوة الأفراد أو فاعليتهم الخلاقة، هي، بالضبط، رأسمال المجتمع وقوته السياسية والأخلاقية، أو القوة التي تنبني عليها السياسة العمومية، الماكروية. فإذا كان المنتجون، على اختلاف تخصصاتهم وتفاوت معارفهم وخبراتهم ومهاراتهم، يسهمون جميعًا في إنتاج رأس المال المادي لأنفسهم أو لرب عمل، فإن أفراد المجتمع المدني، على ما بينهم من اختلاف وتفاوت، يسهمون جميعًا (بلا استثناء) في إنتاج رأس المال الاجتماعي والرمزي لرب العمل المعنوي، الذي هو الدولة، بوصفها تجلِّي، أو تموضع، خصائصهم النوعية، أي بوصفها دولتهم وشكل وجودهم السياسي والأخلاقي بالتساوي، وسلطتها هي سلطتهم على أنفسهم بالتساوي. فإن رأس مال المجتمع، أو رأس المال الاجتماعي الوطني ذو طبيعة مزدوجة؛ فهو رأس مال عام، من حيث هو فردي أو خاص، لا ينفي الاختلاف والتفاوت.

لا يمكن فصل رأس المال المادي الناتج من فائض قيمة العمل الاجتماعي، حسب منطق الاقتصاد السياسي، عن رأس المال الاجتماعي ورأس المال المعرفي والثقافي والرمزي الناتجة كلها من مختلف أشكال النشاط التي يمارسها الأفراد في مختلف مجالات الحياة، إلا بقصد الدراسة والبحث اللذين يقتضيان فصل المتصل وقطع المستمر.

فمن شأن فائض القوة أو القوة الزائدة، (كفائض القيمة في الاقتصاد السياسي) أن يشكِّل، أو تشكِّل، رأس المال الاجتماعي، متضَمَّنًا جميع أشكال رأس المال الأخرى، التي يمكن استثمارها في التنمية الإنسانية، أي في نمو المجتمع وتطوره وازدهاره ورفاهته وتمكين أفراده من تحقيق ذواتهم والسيطرة على مقدراتهم. ويمكن التلاعب به، وتوظيفه أو استثماره، على نحو ما فعلت الأنظمة التسلطية، لإنتاج رأس مال مواز ومكمِّل لـ “رأسمالية الدولة التسلطية ” أو “رأسمالية المحاسيب” ومناسب للاستبداد والرعوية وتراتبية الاحتقار، في العلاقات الأبوية، ومناسب لعلاقة الشيخ بالمريد، وعلاقة السيد بالتابع، والحاكم بالمحكوم، المقابلة لتراتبية الاحترام من جانب واحد، كاحترام الصغير للكبير والتابع للمتبوع والمرؤوس للرئيس والمريد للشيخ.

المواطنة، بكل ما تنطوي عليه، في واقعها الفعلي، حيثما تحققت، وبما هي شكل الحياة النوعية للأفراد، ومشاركة نشطة في الحقل العام، وفاعلية خلاقة و”تعلُّق بقيم الحق والخير والجمال”، حسب أفلاطون[1]، هي رأس المال الاجتماعي لأي مجتمع حديث أو يريد أن يكون كذلك، ومبادئها وقيمها وثقافتها رأسماله الرمزي. يتجلى ذلك بوجه خاص في علاقة الفرد بالمجتمع والدولة، وفي تنظيمات المجتمع المدني المستقلة استقلالًا تامًا عن السلطة السياسية[2]. ثمة علاقة ارتباط وثيقة بين المواطنة ورأس المال الاجتماعي المتضمن أشكال رأس المال الأخرى، مثل علاقة الارتباط الوثيقة، التي لاحظناها بين المواطنة والعدالة. إذ مبادئ العدالة هي ذاتها مبادئ المواطنة منظورًا إليها من الزاوية الأخلاقية، ومبادئ رأس المال الاجتماعي هي الأخلاق المحايثة للقول والعمل، التي تنبثق من مبادئ العدالة. بهذه الروابط تكون المواطنة منظومة متكاملة من عناصر مادية ومعنوية، اجتماعية – اقتصادية وسياسية وثقافية وأخلاقية

الاستبداد والحرب يبددان قوة المجتمع

فائض القوة الاجتماعية، الذي يُوظَّف عادة في عملية / عمليات النمو والتقدم، جعل هذه العملية، عندنا وعند من يعانون أوضاعًا كأوضاعنا، بيد النظام التسلطي، الذي قام على احتكار السلطة والثروة ومصادر القوة، وسيظل الأمر كذلك إلى أن يستعيده المجتمع، أي إلى أن يستعيد المجتمع قوته الإنتاجية والسياسية والثقافية والأخلاقية كلها أو بعضها، كما هي الحال اليوم. فالنظام التسلطي ليس أحادي البنية، بل يقوم عن سابق وعي وتصميم على توظيف رأس المال الاجتماعي لإنتاج شبكة من المصالح والوظائف المتقاطعة والمتوازية تتضاعف باستمرار. هذه البنية العديمة الشكل لا تصمد إلا بهدر المواطنة والوطنية وهدر الوطن، بالإرهاب والأيديولوجية والإعلام وعبادة الفرد[3]، بل يمكن القول إنها لا تصمد إلا بفضل الإرهاب، لأن الأيديولوجية والإعلام شكلان من أشكال الإرهاب البارد، أو “إبدال القوة” وتسويغها، يكملان الإرهاب السافر أو الحار وينوبان عنه أحيانًا. في ضوء هذه الحيثية يبدو لنا أن رهان المواطنة والديمقراطية هو استئصال جذور الاستبداد والتسلط من العلاقات الاجتماعية والسياسية، بتحرير طاقات الأفراد وتمكينهم من تحقيق ذواتهم والسيطرة على مقدراتهم واستعادة كرامتهم الإنسانية.

كما أن توظيف فائض القوة الاجتماعية في الحرب، من أجل الغنيمة والعشيرة والعقيدة، وإرهاب “العدو الموضوعي”، أي الشعب، وضع عملية نمو مجتمعنا وتقدمه في يد مؤسسة الحرب والإرهاب (الجيش والاستخبارات)، وهذه لا تُعنَى بشيء، ولا تهتم بشيء، سوى بمراكمة القوة وتوظيفها في الحرب، لا في التنمية الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والبشرية. هذه المؤسسة مؤسسة حرب على المجتمع، بجميع معاني الحرب، الباردة والحارة، بقدر ما يُظَن، عندنا، أنها مؤسسة حرب المجتمع، وبقدر ما تكون كذلك، عند غيرنا، لأنها لا تستطيع أن تكون سوى مؤسسة حرب[4].

لم تستطع الشعوب بعدُ أن تلتفت إلى مخاطر هذه المؤسسة على الحياة الاجتماعية والإنسانية، بسبب عصبية وطنية أو قومية بغيضة تتفتق عن أشكال مختلفة من العدوانية والعنصرية. سنغامر بالقول إن كل مجتمع يكثف ما في أفراده ونظامه ومؤسساته من ميول عدوانية وعنصرية في مؤسسة الحرب. وليس ابتلاء المجتمعات المتخلفة، اليوم، بهذا الداء أقل من ابتلاء المجتمعات المتقدمة، بل إن عدوى الحرب تأتي اليوم من هذه المجتمعات “المتقدمة” أساسًا. وسنغامر بالقول أيضًا إن نسبة القوة العسكرية الأمنية في أي مجتمع هي ذاتها نسبة ضعف إنسانيته وهدرها، وهي ذاتها نسبة هدر قوة المجتمع وقوة عمل أفراده. وليس أدل على ذلك من انقسام المجتمع الدولي شطرين متناقضين: مجلس الأمن، في جانب، والمؤسسات الأخرى ولا سيما مفوضية حقوق الإنسان، في جانب آخر، وتركيز القوة السياسية والإجرائية في الشطر الأول، مجردة من القيم الأخلاقية والإنسانية التي يتضمنها الشطر الثاني، ما يطرح إشكالية العلاقة بين السياسة والأخلاق على كل صعيد.

هل سيأتي يوم تتخلى فيه البشرية نهائيًا عن الحرب، وتنبذ جميع أشكال العنف، وتبتكر أشكالًا جديدة، إنسانية وسلمية، لتصريف فائض القوة أو فائض الطاقة لدى الأفراد والجماعات والأمم والشعوب، وتهذيب الميول العدوانية المغروزة في الأصل الطبيعي للإنسان؟ الأمل معقود على الإنسان الإنسان. تبدو مناهضة الحرب وإلغاء الجيوش وإلقاء جميع أنواع الأسلحة في مزبلة التاريخ مدخلًا رئيسًا من مداخل الحرية، وإعادة بناء الحياة الإنسانية. أليس حريًا بالمغلوبين والمضطَهدين والمفقَرين والمهمَّشين أن يمسكوا بجذور هذه المسائل، وألا يتماهوا بالغالبين والمضطهِدين (بكسر الهاء) والمستغلِّين والمستبدين؟ أليس حريًا بمن نبذتهم الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية والسياسية إلى هامش الحياة أن يستعيدوا حياتهم الإنسانية؟ وهل يمكن استعادة هذه الحياة بالحرب والعنف؟ لا حياة إنسانية مع الحرب والعنف؛ فالحرب لا تنجب إلا مسوخًا؛ و”ما بني بالسيف بالسيف يُهدَم”. ذلكم هو التحدي المطروح على البشرية قاطبة.

رهان المواطنة والتشارك الحر هو رهان “السلام الشامل” والتوافق مع حرية الآخر[5] (الآخرين والأخريات)، على صعيد الأفراد والجماعات والمجتمعات والدول. هذه مسألة لم ينضجها الفكر النظري بعد كانط، إذ لا يزال السلام مفهومًا نظريًا مجردًا ومطلبًا أخلاقيًا، في مقابل الحرب الدائرة بالفعل، هنا وهناك، بأشكال شتى، وليس بديلًا من الحرب مبدئيًا ونهائيًا. الحرب هي الهدر الأقصى لإنسانية الإنسان والهدر الأقصى للتمدن والمدنية، علاوة على جميع ويلاتها، إنها شر مطلق. يقال إن “الحروب قاطرات التاريخ العمياء”؛ ليس هذا العمى سوى عمى البشر عن ماهيتهم الإنسانية، وعلته الطمع والجشع وغطرسة القوة.

“لنتخيل، على سبيل التمرين الذهني، ما الذي يمكن أن يحدث لو أن الدول الغنية والقوية عسكريًا سرَّحت جيوشها واستخباراتها، قبل غيرها، وكفت عن إنتاج الأسلحة والأعتدة وحولت موازنات الدفاع والاستخبار الخارجي والداخلي وصناعة الأسلحة لتنمية الحياة الإنسانية في مجتمعاتها وفي العالم. وكيف سيكون العالم عندما ينتصر على الحرب، ويخلو من جميع أنواع الأسلحة، التقليدية وغير التقليدية. ما من شك في أن الحروب والنزاعات ومقتضيات ما يسمى الأمن القومي تنشِّط صناعة الأسلحة وتجارتها، وهاتان تنشِّطان الاقتصاد الوطني، ولكن ما غاية هذا الاقتصاد وما الفائدة المرجوة منه؟!

ولنتخيل، على سبيل التمرين الذهني، أو على سبيل الخيار العقلاني، ما الذي يمكن أن يحدث لو أن الجمهورية السورية التي ينشدها السوريون تخلت عن مؤسسة الحرب والإرهاب (الجيش والاستخبارات) بصورة نهائية، وأعلنت، في دستورها، الحياد التام والسلام الشامل والدائم مبدًا وإستراتيجية، إزاء جميع دول العالم، ولا سيما دول الجوار الجغرافي، بما فيها إسرائيل، وعزمها على حل جميع المشكلات البينية بالطرق السلمية، وأقامت اتفاقيات ومعاهدات سلام مع هذه الدول، بضمانة المجتمع الدولي. وكيف ستكون الحياة الإنسانية للسوريين، من دون هذه المؤسسة، التي يؤكد سجلها أنها كانت وبالًا على المجتمع والدولة، وهدرًا للطاقات والإمكانات، فضلًا عن هدر الإنسان. لا نماري في صعوبة مثل هذا التخيُّل، ومقدار الحرج الأخلاقي الذي يساور من يحاوله، وصعوبة التغلب على العادات والتقاليد الذهنية والقيم السائدة، والتحرر من ربقة الأيديولوجيا وعبادة القوة، ولكننا نعتقد أن هذا الخيار قد يصير واقعًا في مستقبل قريب، أو بعيد، فلم لا نجعله راهنًا؟ الرهان على الحرب رهان خاسر للجميع”[6].

مقومات رأس المال الاجتماعي

يتفق الباحثون والباحثات في موضوع رأس المال الاجتماعي على أن مقوماته الأساسية هي الثقة والتعاون والشبكات، لكنني أضيف إلى هذه المقومات مقومًا رابعًا، أو ركنًا رابعًا، هو الشعور بالمسؤولية والنهوض بها، أعني المسؤولية القانونية، والمسؤولية الاجتماعية، والمسؤولية السياسية، والمسؤولية الأخلاقية، فالشعور بالمسؤولية والنهوض بها هو تحمل أعباء الحرية وتبعاتها، إذ المسؤولية هي التي تمنح الحرية معنى مدنيًا وقيمة اجتماعية؛ ثمة علاقة قوية بين النهوض بالمسؤولية وبين الاستقامة واستقلال الوجدان وحرية الضمير واحترام حقوق الآخرين والأخريات، بل يمكن القول إن الاستقامة واستقلال الوجدان وحرية الضمير تتكثف كلها في الشعور بالمسؤولية الاجتماعية والقانونية والسياسية والأخلاقية والنهوض بها؛ فالأشخاص المشهود لهم بالاستقامة يقومون بدور القضاة في أوساطهم، ريفية كانت هذه الأوساط أم مدينية، وتقليدية كانت هذه الأوساط أم حديثة. فنحن لا نثق إلا بمن يتوفر على مثل هذا الشعور النبيل بالمسؤولية، الشعور الذي ينبع من مسؤولية الفرد عن إنسانيته، بصورة أساسية، ومن ثم عن مجتمعه ووطنه وبيئته، ولا نتعاون إلا مع أمثاله، ومع أمثاله نقيم علاقات أفقية – شبكية، فتكون الشبكات أطرًا لممارسة الحياة العامة أو النوعية، سواء كانت هذه الشبكات مؤلفة من أفراد أم من جمعيات ونواد ومؤسسات ونقابات وأحزاب سياسية. المسؤوليات، التي أشرت إليها، تعيّن مجالات العمل والنشاط، التي ينتج منها، ويتشكل فيها رأس المال الاجتماعي، والتي تعيّن روابطه الضرورية بكل من رأس المال الثقافي ورأس المال المادي (الاقتصادي والمالي). هذه المجالات هي مجالات إنتاج رأس المال الاجتماعي ومجالات إنفاقه.

من ميزات رأس المال الاجتماعي ورأس المال الثقافي أيضًا أن مجالات إنفاقهما هي ذاتها مصادر إنتاجهما، لذلك يقال: إن رأس المال الاجتماعي يزداد طردًا كلما أنفقنا منه، وقد تكون زيادته إما زيادة خطية، وفقًا لمبدأ المتتاليات الحسابية، وإما زيادة أسية، وفقًا لمبدأ المتتاليات الهندسية، وكذلك رأس المال الثقافي ورأس المال المعرفي. إن وحدة مصادر إنتاج رأس المال الاجتماعي ومجالات إنتاجه تدل دلالة مؤكدة على مدى حيوية المجتمع المعني أو هموده، وتبين مدى بساطة التنظيم الاجتماعي ومدى تركيبه وتعقيده، إذ يرتبط استقلال الأفراد وحرياتهم، بدرجة التعقيقد الاجتماعي، التي يعد رأس المال الاجتماعي، في نظري، من أهم أدوات قياسها، فكلما ازداد النظام الاجتماعي تعقيدًا اتسعت مساحة الحريات الشخصية والحريات العامة. لذلك تكون الأعراف والتقاليد الكابحة للحرية أو النابذة للاختلاف، ولا فرق، قوية التأثير في البنى الاجتماعية البسيطة، كالعائلة الممتدة والعشيرة والطائفة، وربما يكون الفرق بين البنى البسيطة والبنى المعقدة يضارع الفرق بين المدن والأرياف.

أشير بالنظام الاجتماعي البسيط إلى المجتمع التقليدي، وبالنظام الاجتماعي المركب والمعقد إلى المجتمع المدني الحديث، فطبيعة العلاقات الاجتماعية هي الفارق النوعي بين النظامين البسيط والمعقد. يتسم المجتمع التقليدي بالعلاقات الشاقولية أو العمودية الرابطة، التي قوامها العلاقات النسلية وعلاقات القرابة والنسب المجدولة على حبال العرق واللغة والعقيدة والمذهب والطائفة؛ في حين يتسم المجتمع المدني بالعلاقات المجسِّرة، أي التي تتعدى حدود الإثنيات والأديان والمذاهب والطوائف والمناطق أيضًا.

انطلاقًا من الأوضاع السورية القائمة اليوم، والممكنة غدًا حاولت أن أنظر إلى رأس المال الاجتماعي على نحو مختلف، إلى هذا الحد أو ذلك، عن المقاربات الكلاسيكية، ففرقت بين رأس المال الاجتماعي بصفته مفهومًا وأداة تحليل، تمكن الباحث من تلمس طبيعة العلاقات والبنى، في مختلف الأمكنة والأزمنة ومختلف النظم الاجتماعية والسياسية، وبين رأس المال الاجتماعي بصفته ميدان بحث لمقاربة التنظيم الاجتماعي – السياسي القائم هنا – الآن، واستشفاف ممكناته، باستعمال أداة التحليل المشار إليها، والتي تجمع بين المقاربة الاقتصادية والمقاربة السوسيولوجية والمقاربة الثقافية والمقاربة الأخلاقية، لأن لرأس المال الاجتماعي عائد اقتصادي، وعائد اجتماعي – سياسي وعائد أخلاقي؛ فانطرحت الأسئلة الآتية:

1 – هل لرأس المال الاجتماعي قيمة إيجابية، أم يمكن الحديث عن رأس مال اجتماعي سلبي؟ للإجابة عن هذا السؤال يتعين التفريق بين إنتاج رأس المال الاجتماعي، أو اكتسابه، وبين إنفاقه، فمن حيث إنتاجه يمكن القول إن له قيمة إيجابية مطلقة، وله قيمة إيجابية نسبية، من حيث إنفاقه، أو استهلاكه، أو تصريفه كما تصرَّف العملة، إذ لا يخلو أن يفرِّط الشخص أو تفرط بالثقة التي اكتسبها أو اكتسبتها، وأن يميل وتميل إلى العزلة والانكفاء على ذاته/ـا والانكباب على مصلحته/ـا الفردية. لكن القيمة الإيجابية النسبية لا تعني القيمة السلبية، أو ما يسمى “رأس المال الاجتماعي الأسود”، بل تحيل على إمكان تغير القيم أو تراخي المعايير.

وعلى العموم، تشير الدراسات والأبحاث المختلفة، علاوة على مضامين رأس المال الاجتماعي ومحدداته، إلى أن له قيمة إيجابية، فلا يحسن الحديث عن “رأسمال اجتماعي سلبي”. ولعبارة رأس المال بوجه عام دلالة إيجابية، حتى في المأثور الشعبي، ناهيك عن الاقتصاد السياسي وعلم الاقتصاد. ولا مشاحة من اعتبار النظام الرأسمالي مرحلة متقدمة في التطور التاريخي، وأكثر إنسانية من النظام الإقطاعي والعبودي عبودية سافرة. لذلك نفترض أن لرأس المال الاجتماعي قيمة إيجابية، تكشف أشكال الانحراف السلوكي وأشكال العنف والاستغلال والاضطهاد والفساد. فالاعتراف المتبادل والاحترام المتبادل والثقة المتبادلة والتعاون قيم إيجابية في ذاتها، تؤسس لنقد نقائضها، التي تعيق نمو رأس المال الاجتماعي وحسن استعماله، في مجالات الحياة الاجتماعية المختلفة، أو تبدده وتهدره. فليست هذه النقائض رأسمالًا اجتماعيًا، بأي حال من الأحوال. إنه من قبيل الخُلْف أن يعد الغش والتدليس والكذب والاحتيال والنصب وغيرها مما يقوض الثقة ويولد العداوات بين الأفراد والجماعات رأسمالًا اجتماعيًا، لأن إنفاق ما يعتقد بعضنا أنه رأس مال سلبي أو “رأس مال أسود” يعود بالوبال على من ينفقه، وعلى من يستهدفهم/ـن إنفاقه. صحيح أنه يزداد كلما أنفق منه صاحبه، لكن مضارَّه ومخاطره على من ينفقه وعلى من يستهدفهم إنفاقه، تزداد في المقابل.

يَنتُج رأس المال الاجتماعي من الاستثمار في العلاقات الاجتماعية والفاعليات التبادلية والتواصلية والتعاونية، ويتعين مردوده بالأطر الاجتماعية التي يُنتج فيها، تقليدية كانت أم حديثة، فالأطر الاجتماعية هي التي تنجب إما زعامات بطركية ووجهاء، وإما فاعلين أحرارًا وفاعلات حرائر وشخصيات عامة وقادة رأي وقائدات رأي، في مختلف الميادين. فلا ينفصل مفهوم النخبة، في المجالات الاجتماعية – الاقتصادية والثقافية والسياسية عن الأطر التي يجري فيها إنتاج رأس المال الاجتماعي ولا عن مجالات إنفاقه. نعني بالنخبة ما عنيناه بالضبط بالفاعلات والفاعلين في أي من المجالات المذكورة. فنحن لا نميل إلى الرؤية الشعبوية التي تزدري مفهوم النخبة، وتتملق ذوي البأس من النخب، كرؤية برهان غليون ومن ينسجون على منواله، ولا نأخذها على محمل الجد، لأنها نوع من الطَّفْح الأيديولوجي أو التعفُّن الثقافي.

2 – العلاقات الاجتماعية والإنسانية والقيم، التي تبطنها، والتي تحدد أشكال التواصل والتعامل والتبادل وأنماط السلوك، هي النسيج الاجتماعي والإنساني الحي[7]، الذي تتولد منه الانتظامات والمنظمات والمؤسسات. ولكي يكون رأس المال الاجتماعي أداة تحليل ناجعة، لا بد من معاينة هذه العلاقات، على حقيقتها، في المجتمعات الصغيرة والمجتمع الكلي، وفي شروطها التاريخية المعطاة، بمعزل عن أشكال تأويلها وعن سلطة “الرأي العام”. وما دام الفرد الإنساني كائنًا طبيعيًا، فالعناصر الطبيعية تظل ملازمة لوجوده الاجتماعي، مهما ارتقى على سلم التمدن. ومن ثم، ليس جميع العلاقات الاجتماعية منتجة لرأس مال اجتماعي، خاصة علاقات التفاصل والإنكار المتبادل والعداوة والجفاء والكراهية والحقد والضغينة..

في الجماعات والمجتمعات شبه الطبيعية، أو الأقل تمدنًا، وفي ظل شروط الحياة غير اللائقة بإنسانية الإنسان، والعمل غير اللائق، والبؤس والشقاء والذل والهوان والتهميش والتغريب وهدر الكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية، ينتكس الأفراد وتنتكس الجماعات، إلى الحالة الطبيعية والحالة البدائية الثاويتين في اللاشعور الفردي والجمعي، ولا سيما من حيث الجنس والعدوانية والقطيعية ومركزية الذات. ويتعلق الأفراد بأمل الخلاص مما هم فيه، ولذلك تجذبهم الأيديولوجيات الخلاصية، دينية كانت أم غير دينية، ويغدو الأمل بالخلاص معقودًا على الانتقام من “الظالمين” و”المستكبرين” و”المستبدين”، من وجهة نظر المتكلم/ـة، والفوز بالسعادة والنعيم في الآخرة، دينيًا كان تصور “الآخرة”، كالجنة، أو “نظام العدل الإلهي” أم دنيويًا، كالمجتمع الشيوعي والنظام الشيوعي.

 وإلى ذلك، تحمل العلاقات الاجتماعية جينات السلطة، إذا جاز القول، على اعتبار السلطة علاقات قوة، لا تنتج إلا من البعد السياسي للعلاقات الاجتماعية، سواء كانت هذه الجينات نشطة أم هامدة، قوية أم ضعيفة. من ثم، فإن قواعد تشكُّل السلطة، المؤسسة على العلاقات الاجتماعية والقيم الملازمة لها، تتحكم في الأفراد، الذين ينتجونها، وتحدد طبيعة التنظيمات الاجتماعية والمؤسسات. ويبدو لنا أن التنافس بين الأفراد، هو ما يجعل من علاقاتهم المتبادلة علاقات قوة. وقد يؤول التنافس إلى احتكار، وفقًا لمبدأ الغَلَبَة. ومن البديهي أن يحوِّل الغالب قوته إلى “حق”، وقيمها إلى “خير” للناس كافة، وأن تحول الغالبية قوتها إلى حق وقيمها إلى خير، أو تمنح نفسها سلطة تقرير مبادئ الحق والأخلاق. (حق الأقوى، وقيم الغلبة، كالبطولة والشهادة). لذلك لا بد من ملاحظة الأمور الآتية:

  • العلاقات البطركية، العمودية وقيمها، مهما كانت نشطة وكثيفة، لا تنتج سوى سلطة/ سلطات شخصية. ولا يمكن لهذه السلطة، التي تعيد إنتاج العلاقات البطركية، أن تفضي إلى تشكل مجتمع مدني ودولة وطنية حديثة، إذ المجتمع المدني والدولة الوطنية لا يقومان إلا على أنقاضها، أو لا يتشكلان إلا من الممكنات التي تحتجزها أو تخنقها.
  • السلطة / السلطات الناتجة من هذه العلاقات، لا تتمكن من السيطرة المادية والهيمنة المعنوية إلا باسم عقيدة ما، هي العقيدة القويمة، دينية أم غير دينية، كالعقيدة القومية والعقيدة الاشتراكية، التي تزعم أنها تحمل الخير للبشر كافة وتنقذ أرواحهم من الضلال، أو تخلصهم من القهر والاستغلال.
  • العقيدة، دينية، أو ذات جذور دينية، بطبيعتها؛ مذهبية كانت العقيدة أم “علمانية”، تنطوي دومًا على تعصب، يمكن أن يتحول إلى تطرّف مولِّد للعنف، وقد يجاوزه إلى الإرهاب، عندما ينتقل التطرف من مجرد الدعوة والتبشير، إلى الجهاد أو النضال، أي إلى التطرف العنيف، لفرض هذه العقيدة أو تلك على المجتمع، كالعقيدة الكاثوليكية، في عهد محاكم التفتيش أو الإلحاد الرسمي في الحقبة الستالينية. وتجدر الإشارة إلى أن الدعوة والتبشير يولدان التعصب، في أي مكان وزمان. العقائد التبشيرية كافة تنطوي على بذور التعصب والعنف والإرهاب، لذلك لا تمكن تبرئة الديانات التبشيرية من هذه الشرور، ولا تمكن تبرئة أي أيديولوجية تبشيرية أو جماعة دعوية منها. الدعوة والتبشير هما في أساس قسمة العالم، وتقسمانه اليوم، عالمين عالم الخير والفضيلة وعالم الشر والرذيلة.
  • العلاقات في النظم البطركية ليست بطركية خالصة، وليست شاقولية محضة، بل تخترقها علاقات أفقية، ذات مضامين معرفية وثقافية وسياسية وأخلاقية جديدة مختلفة عن مضامين العلاقات البطركية الخالصة (وهذه لا تكون كذلك إلا معجونة بالسلطة)، ويعمل تنافس الأفراد والجماعات عمله في البنى البطركية كافة مسلحًا بالأفكار والتصورات والقيم، ما يؤذن بتغيرها النسبي أو تحولها النسبي إلى علاقات مدنية، أفقية وشبكية.
  • إن قيم الثقة والتعاون والتسامح وغيرها، مثلُ قيم الحق والخير والجمال، ليست قيمًا مجردة وأثيرية، بل لها ارتساماتها في حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات، ولكنها تتلون بلون البيئة التي تعمل فيها (لون الماء لون الإناء). بل لعل التأويل المشترك لهذه القيم، وهي قيم تأويلية بالضرورة، هو ما ينسج الجماعة، ويضمن وحدتها وتماسكها. فالثقة والتعاون والاحترام والتسامح، في بيئة بطركية، على سبيل المثال، تظل في الأعم والأغلب، محصورة في الأطر العائلية والعشائرية والإثنية والمذهبية. وغالبًا ما تكون وحيدة الجانب، ثقة الصغير بالكبير والضعيف بالقوي والفقير بالغني والمحكوم بالحاكم، ولذلك تكون هشة وملتبسة بالمجاملات واللياقات، إن لم نقل بالتزلف والنفاق، ومجبولة بالرهبة والخوف، وكذلك الاحترام والتعاون، وتقابل بالتسامح والعطف والصفح. الشجارات، التي تشجر، والنزاعات التي تنشب، داخل العائلة أو العشيرة أو الطائفة، على سبيل المثال، تكشف الغطاء عن هشاشة هذه العلاقات والتباساتها، وعما يشوبها من أنانية وحسد وبغض وكيد (البغض بالأهل والحسد بالجيران).
  • الانتظامات والتنظيمات والمؤسسات التقليدية تُظهر أو تظهِّر الخصائص العامة للعلاقات الاجتماعية والإنسانية، بما تنطوي عليه من جنسانية وعدوانية وقطيعية، تتجلى بوضوح عندما تترهَّل المنظمة أو المؤسسة وتضعف فيها “أخلاق الرابطة” و”أخلاق العقيدة”، لأي سبب من الأسباب، ولا سيما التنافس المحكوم بالأنانية والأثرة واستبعاد الآخر المختلف دومًا، ولا سيما إذا كان مختلفًا باللغة والثقافة ولون البشرة…
  • المؤسسات الحديثة في بيئة بطركية أو بطركية محدثة، كالبيئة السورية، أقرب ما تكون إلى بنى موازية للبنى البطركية، العائلية والعشائرية والإثنية والمذهبية، وتشترك معها في خصائصها العامة ومبادئها المعرفية والأخلاقية، وإن كانت مطعمة أو مهجنة ببعض الأفكار والقيم الحديثة، لا تعدو كونها شعارات وعلامات فارقة.
  • إذ كانت الجينات لا توجد ولا تعمل إلا في المتعضيات، كذلك جينات الاجتماع والسياسة، لا توجد ولا تعمل إلا في المتعضيات الاجتماعية والسياسية، أي في التنظيمات الاجتماعية والسياسية أو المنظومات الإيكولوجية، ومن ثم في الجسد الاجتماعي والسياسي الكلي، المجتمع والدولة. لذلك تتأثر حركة هذه الجينات وعلاقاتها المتبادلة بالعضوية الكلية، بقدر ما تؤثر فيها، وبقدر ما تتأثر العضوية الكلية ببيئتها وتؤثر فيها، أي بالبيئة الطبيعية ومجتمع الدول.
  • أخيرًا، إن كون العلاقات الاجتماعية مجنوسة أساسًا، لأن أول علاقة طبيعية تمأسست هي علاقة المرأة بالرجل أو الرجل بالمرأة، هو ما جعل القيم الاجتماعية تنصب على هذه العلاقة، في مختلف الجماعات والمجتمعات ومختلف الثقافات. لذلك تعد أنسنة هذه العلاقة وتضمينها قيمًا جمالية وأخلاقية تنأى بها عن أصلها الطبيعي (الحيواني) من أهم معايير التمدن والتقدم، والأساس المكين لرأس مال اجتماعي يفضي إلى حياة إنسانية لائقة، كانت ولا تزال في متناول الإنسان وأمامه.

3 – توحي الصيغة اللغوية: “رأس المال الاجتماعي”، (الاسم المركب تركيبًا إضافيًا والموصوف، لمزيد من التحديد) بمفهوم رأسمال المال المادي عند آدم سميث وكارل ماكس. بل لعل لهذه الصيغة جذورًا شعبية، إذ لا يخلو أن تخاطب الأم ابنها أو زوجها أو أخاها بقولها: يا مالي، ويا رسمالي. (ربما لأن المرأة لا مال لها ولا رأس مال سوى عائلتها). وصفة الاجتماعي التي تقلص دلالة الاسم المركب: رأس المال: وتحدده، لكي لا يتجاوز حدوده، فيدل على غير ما يقصد به، حد خارجي، يعيّن فرقًا طفيفًا بينه وبين رأس المال المادي ورأس المال الثقافي، لا لأن الأخير هو مضمون رأس المال الاجتماعي فقط، بل لأنه يعيّن أشكال العلاقات الاجتماعية والتنظيمات والمؤسسات التي تنتج منها، ويعين أنماط السلوك والمبادلات أيضًا، على اعتبار الثقافة ممارسة يجدّدها التواصل الاجتماعي والإنساني. وكذلك حال العلاقة بين رأس المال الاجتماعي ورأس المال المادي، وهي في اعتقادنا علاقة جوهرية، تشي بنَسب ما إلى كتاب “رأس المال”، تحفة ماركس الشهيرة، لا لأن رأس المال الاجتماعي يعظِّم مردود النشاط الاقتصادي، فقط، بل لأنه لا ينمو إلا بنموه، ولا يتجدد إلا بتجدده، بشرط أن يقترن ذلك بالمساواة والحرية والعدالة، ولا سيما وتساوي النساء والرجال في الحريات الخاصة والعامة والحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. إضافة إلى أن رأس المال الثقافي ورأس المال المادي، إنتاج اجتماعي ذو بعد تاريخي، يُنتَجان في المجتمع ومن أجله.

سنفترض أن رأس المال الاجتماعي هو القيمة الاجتماعية، الثقافية والأخلاقية والمؤسسية الفائضة أو الزائدة عن الموروث الاجتماعي أو الثروة الروحية الموروثة، التي تنتقل من جيل إلى جيل، وتتعدى حدود المكان وحدود اللغة أيضًا، مثلهما مثل رأس المال المادي، باعتباره القيمة الزائدة أو فائض القيمة أو فضل القيمة، وفق الترجمات المختلفة لكتاب رأس المال وشروحه، والذي يولد ثروة جديدة تضاف إلى الثروة الموروثة، والتي تنتقل من جيل إلى جيل، وقابلة للإنفاق والتبادل، ويمكن أن تكون الثروة رأسمالًا أوليًا حين تدخل في عملية / عمليات الإنتاج الاجتماعي، وكذلك الثروة الروحية.

ولكن الجوهري في الموضوع أن العلاقات الاجتماعية تولِّد قيمًا أخلاقية، اجتماعية وإنسانية، أي إنها تولد قيمًا خاصة وعامة. فالقيم الاجتماعية والإنسانية لا تُدرَك، ولا تظهر للنظر العقلي، ولا تندرج في الممارسة إلا بالتبادل بين الأفراد، في الجماعة الواحدة وبين الجماعات في المجتمع الواحد، وبين المجتمعات المختلفة والأمم والشعوب المختلفة. ولكن الفارق النوعي بين هذه القيم الأخلاقية وبين القيم المادية، المتبلورة في السلع (العمل البشري)، أن الأولى تزداد كلما ازداد إنفاقها أو بذلها، بعكس الثانية، التي تنقص كلما ازداد استهلاكها. وهذا ما يدفعنا إلى تعريف رأس المال الاجتماعي بأنه “القيم الاجتماعية والإنسانية والمؤسسات الفائضة عن الموروث الاجتماعي، ولا ينمو هذا الفائض ويتراكم ويتطور إلا بتطور المجتمع وتمدنه أفرادًا وجماعاتٍ ومؤسساتٍ، أي بتحوله شيئًا فشيئًا من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية، ومن الاستبداد والتسلط إلى الديمقراطية. فما نسميه رأس المال الاجتماعي الفعال والمتجدد هو الذي ينتج في رحاب المجتمع المدني ومؤسساته، وفي إطار الدولة الوطنية الديمقراطية ومؤسساتها، وفي رحاب الجماعة الإنسانية ومؤسساتها، ولا يكون رأس المال الاجتماعي فعالًا ومتجددًا إلا عندما تكون القيم الإنسانية العامة حاكمة على القيم الاجتماعية الخاصة، وعندما تكون القيم الوطنية العامة حاكمة على القيم الفئوية الخاصة. فإن شعور الأفراد بسمو الرابطة الإنسانية أولًا، وسمو الرابطة الاجتماعية (الوطنية) تاليًا، وسمو القانون أخيرًا، هو الشرط اللازم لتمدين العلاقات الاجتماعية والمؤسسات وأنسنتها. ولكن هذا الشعور مشروط بانجدال رأس المال الاجتماعي والثقافي والمادي معًا، لكي يتحقق التوازن الاجتماعي بين التبادل المادي والتذاوت الإنساني. أي لكي تتحقق التنمية الإنسانية الشاملة.

4 – وإذ أشرنا إلى أن العلاقات الاجتماعية التقليدية والتقليدية الجديدة، العمودية، تخترقها علاقات أفقية وشبكية عابرة لحدود الجماعات الطبيعية وشبه الطبيعية، فإن هذه العلاقات الأفقية والشبكية لا تترسخ ولا تفضي إلى اندماج اجتماعي إلا بحرية الأفراد واستقلالهم الكياني وانفكاكهم من ربقة العلاقات والبنى التقليدية، وإنجاز قطيعة معرفية وأخلاقية عن هذه العلاقات والبنى. وهنا تعد حرية المرأة واستقلالها الكياني وتمكّنها من التمتع بالحريات الخاصة والعامة والحقوق المدنية والسياسية والمشاركة الإيجابية في الحياة العامة وحياة الدولة رائزًا أو معيارًا أساسيًا لتمدن المجتمع أفرادًا ومنظمات ومؤسسات.

5 – إن حرية المرأة واستقلالها الكياني وانفكاكها من أسر الروابط الأولية والتقليدية، وهذه هي نفسها شروط حرية الرجل واستقلاله الكياني وانفكاكه من الروابط الأولية والتقليدية. إن هذه وتلك غير ممكنة إلا بتفكيك المركزيات الذكورية كافة، وتأسيس قواعد السلطة على مبادئ الحرية والمساواة والعدالة.

6 – ومن ثم، إن معايير رأس المال الاجتماعي ومبادئ قياسه، الكمية والنوعية، إنما تتحدد بمدى إسهامه في التنمية الإنسانية الشاملة، ومدى تأثيره في / وتأثره بأشكال رأس المال الأخرى، ولا سيما رأس المال المعرفي والثقافي والأخلاقي، في الحالة السورية، لتوليد الشعور بسمو الروابط الإنسانية والاجتماعية وسمو القانون، والإسهام في تحقيق الاندماج الاجتماعي، الذي يفضي إلى مجتمع مدني ودولة وطنية ديمقراطية. وذلك لأن لرأس المال المعرفي والثقافي والأخلاقي تأثيرًا مباشرًا في التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية والاستدامة البيئية.

7 – وإذ ننظر إلى أشكال رأس المال المختلفة على أنها أدوات معرفية في المقام الأول، وأدوات تحليل تتناول الظاهرة، التي تراد دراستها، من جوانب مختلفة، في المقام الثاني، وأن لها طابعًا معياريًا، باستثناء رأس المال المادي، في المقام الثالث، فإننا نزعم أن هذه المفاهيم أدوات عمل حديثة ومعايير أكثر مواءمة لإجراءات القياس والتكميم من الصراع الطبقي، ومرجعيته المادية التاريخية. وهنا نختلف مع بيير بورديو الذي يرى أن رأس المال الاجتماعي ورأس المال الثقافي يعمقان التفاوت الاجتماعي، ويفضيان إلى الصراع الطبقي، الذي لا يحل إلا بثورة اجتماعية، وذلك من خلال “إعادة الإنتاج”، بالتربية والتعليم والتلقين الأيديولوجي والتنشئة السياسية، ومن ثم إعادة إنتاج نماذج التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل. فنزعم أيضًا أن تجادل أشكال رأس المال المذكورة، الذي يمكن أن يفضي إلى اندماج اجتماعي، يعزز الاحتياج المتبادل والاعتماد المتبادل، قد يؤدي إلى حل التعارضات الاجتماعية سلميًا، على نحو ما راهن كارل ماركس على الديمقراطية، أيام شبابه، التي لا يشكل إنجازه الأهم، كتاب “رأس المال”، أي قطيعة معرفية أو أخلاقية مع منجزات تلك الأيام، بخلاف ما ذهب إليه بعضهم. وماركس نفسه يعترف أن الكتاب الأول من رأس المال كتب بلغة هيغلية، ونضيف مثلما كتبت مخطوطات 1844 والغروندريسا، الخطاطات الأولية لرأس المال، باللغة نفسها.

8 – مفهوم رأس المال الاجتماعي، الذي يتجلى في الترابط الاجتماعي والثقة الاجتماعية والتعاون والتشارك.. يحيل دومًا على واقع عياني، ولا ينفصل عن شكل ملكية الأرض ووسائل الإنتاج الأخرى، وعن الملكية بوجه عام، بوصفها موضوعًا لحرية الإرادة. ولعل التباسه وغموضه يتأتيان من كونه إحالة على عملية أو سيروة إنتاج الحياة الاجتماعية، بمختلف أشكالها، وإعادة إنتاجها، على اعتبارها سيرورة مستمرة، ومن ارتباطه الوثيق بمختلف أشكال رأس المال الأخرى، كما تقدم. ولكن الأهم في هذه الإشارة هو إمكانية بناء نظام اجتماعي سياسي انطلاقًا من قاع الهرم الاجتماعي، وتفكيك البنية الهرمية، أي إمكانية بناء علاقات اجتماعية أفقية وشبكية عابرة للبنى الموروثة من عهود سحيقة. فلا قيمة لرأس المال الاجتماعي، في نظرنا، إذا لم يفض اليوم إلى تفكيك البنى الهرمية والسلطات المركزية وأساسها الذكوري، وبناء علاقات أفقية وشبكات تواصلية وتشارك حر، وشبكات أمان، وثقة اجتماعية، لا بين الأفراد والجماعات فقط، بل ثقة بالنظام الاجتماعي السياسي والمؤسسات الخاصة والعامة، وإذا لم يفض إلى حياة إنسانية لائقة، في الحصيلة.

9 – الرهان على رأس المال الاجتماعي، في سوريا، ليس على الإسهام في التنمية الاقتصادية، وتعظيم مردود العمل والنشاط الاقتصادي، كما تقدم، فقط، بل على وضع حد للعنف في العلاقات الاجتماعية، بدءأ بالعنف الأسري، وصولًا إلى العنف غير القانوني وغير الأخلاقي، الذي تمارسة السلطة السياسية والإرهاب الذي تمارسه الجماعات المقاتلة، والاتجاه نحو عقد اجتماعي جديد يصون كرامة المواطنات والمواطنين وحقوقهم/ـن، بلا استثناء ولا تمييز، عقد ينبثق من تواصل إنساني واجتماعي ونقاش مجتمعي مفتوح، ويحفز المنظمات غير الحكومية ويطلق سراح النقابات والأحزاب السياسية من قبضة السلطة التنفيذية والاستخبارات، بحيث يتجه نشاطها جميعًا في اتجاه واحد، هو بناء الوطنية السورية، ويسهم من ثم في إعادة الطابع الاجتماعي العمومي أو الوطني للمؤسسات.

10 – إن معايير الثقة والتعاون والشبكات والمشاركة وسلامة المنظمات والمؤسسات لا تستوفي شروط الموضوعية إلا إذا اندرجت في الحيثيات السابقة كلها. فكيف يمكن أن تنشأ ثقة متبادلة بين أفراد مسلوبي الإرادة، على سبيل المثال؟ وما أفق التعاون، الذي لم ينقطع قط في المجتمعات التقليدية الصغيرة، وما قيمة المشاركة إذا لم تتغيَّا تحسين شروط الحياة وجعلها لائقة بالإنسان؟ وكيف تثق المرأة بالرجل إذا كانت تابعة له ورهن إشارته وموضوع متعته، وهي عزلاء من أي حماية؟ وكيف يثق الرجال بالنساء ما دامت النساء فاتنات ومغويات وناقصات عقل ودين؟ من هنا تأتي صعوبة قياس رأس المال الاجتماعي، بخلاف رأس المال المادي أو رأس المال البشري.

من البديهي أن رأس المال الاجتماعي يُنتج في المجتمع التقليدي، ذي البنية السياسية السلطانية، وفي المجتمع المدني الحديث، ذي البنية الاجتماعية – السياسية الديمقراطية، ومن البديهي أنه يحقق مكاسب مادية للأفراد والجماعات، في الحالين، ولا تختلف بعض مقوماته النظرية المجردة وبعض مزاياه، في المجتمع المدني عنها في المجتمع التقليدي، أعني الثقة والتعاون والشعور بالمسؤولية وأثرها في تيسير الأعمال وسرعة إنجازها، علاوة على الفوائد المادية والمعنوية التي تعود على الأفراد بنسبة ما يحققه كل منهم من رأس مال اجتماعي؛ لكن الفروق النوعية بين الحالين تتأتى من الفروق النوعية والكمية بين النظم الاجتماعية الاقتصادية والسياسية، وتتعين في طبيعة رأس المال الاجتماعي ومردوده، في كل منهما، فإذ تقتصر فوائد رأس المال الاجتماعي على الأفراد، وعلى البيئات المحلية، في المجتمع التقليدي، فإن هذه الفوائد تتخطى الحدود الفردية والبيئات المحلية الضيقة إلى دوائر أوسع فأوسع، في المجتمع المدني، بحيث يتطور مفهوم الثقة، على سبيل المثال، من الثقة المتبادلة بين أفراد إلى الثقة بمنظمات المجتمع المدني والثقة بالشركات، والثقة بالدولة ومؤسساتها؛ كما يتطور مفهوم التعاون من تعاون بين أقارب وجيران، إلى الجمعيات التعاونية، والشركات المساهمة، ولا سيما المغفلة منها، والقروض الدوارة وغيرها. ومن ثم فإن رأس المال الاجتماعي المنتج في المجتمع المدني يسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويسهم من ثم في تعميق الاندماج الاجتماعي وتعزيز اللحمة الوطنية، كما يسهم في تسريع التحولات الديمقراطية وترسيخها. وتجب الإشارة إلى أن طبيعة رأس المال الاجتماعي تتحدد بأشكال رأس المال الأخرى، ولا سيما راس المال المادي (الاقتصادي والمالي)، وتحددها في الوقت نفسه، وهذا رائز مهم لتعيين الفروق الكمية والنوعية في طبيعة رأس المال الاجتماعي، التي تختلف من مجتمع إلى آخر ومن وقت إلى آخر.

ملاحظة: هذا البحث جزء من كتاب “تأملات في المسألة الوطنية”، جاد الكريم الجباعي، منشورات مؤسّسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، كانون الأول/ ديسمبر 2021.


[1] – راجع، جمهورية أفلاطون، د. أميرة حلمي مطر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مهرجان القراءة للجميع، 1994.

[2] – كثيرًا ما ننظر إلى البلدان المتقدمة من زاوية السياسات الخارجية لحكوماتها، وهي سياسات نابعة من عصبية وطنية إزاء الآخر، ولا ننظر إلى هذه البلدان من زاوية علاقة الفرد (المواطن) بالمجتمع والدولة، في كل منها، أو من زاوية استقلال منظمات المجتمع المدني وفاعليتها، فنحكم على الديمقراطية والتقدم والحداثة من خلال السياسات الخارجية للحكومات، وهي سياسات تستحق النقد والتفنيد.

[3] – حنة أرندت أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 1993، ص 18 – 19.

[4] – من المؤسف أن يكون في أي مجتمع مؤسسة تدرب أفرادها على القتل والتدمير، وتقتل في كل منهم روحه الإنساني، وتحوله إلى مجرد “وحش”، أو مجرد آلة بشرية وأداة لتحقيق غايات القلة الممسكة بدواليب السلطة.

[5] – راجع عمانويل كانط، نحو السلام الدائم، محاولة فلسفية، ترجمة الدكتور نبيل الخوري، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1985، ص 20 و32.

[6] – هذا الاقتباس الطويل من: جاد الكريم الجباعي، من الرعوية إلى المواطنة، دار أطلس للنشر والتوزيع، دمشق وبيروت، 2013.

[7] – هنا يمكن تقسيم العادات والتقاليد والأعراف والأفكار والقيم الموروثة قسمين قسم حي، لا يجوز إسناده إلى الماضي، لأنه نتاج التربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، وقسم ميْت، أشبه ما يكون بالخلايا الميته في جسد الفرد، وهذه هي التي تنتمي إلى الماضي، وتترسب في اللاشعور أو اللاوعي الفردي والجمعي.

جاد الكريم الجباعي

مفكر سوري من مواليد عام 1945، مجاز في اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق 1968-1969، عمل معلمًا، ثم مدرسًا للغة العربية، حتى عام 1982. مهتم بالفكر السياسي ومسائل الديمقراطية وحرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن. نشر عشرات المقالات والدراسات والبحوث في صحف ومجلات عربية، وعددًا من الكتب منها “المجتمع المدني؛ هوية الاختلاف” و”قضايا النهضة”، و”طريق إلى الديمقراطية” و”من الرعوية إلى المواطنة” و”فخ المساواة.. تأنيث الرجل تذكير المرأة”، وغيرها. شارك في الحياة الثقافية والسياسية في صفوف المعارضة السورية، وفي ندوات ومؤتمرات علمية.