؛ لمحة عن كتاب “مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية” لـ دنيس كوش

عرض: ليلى عبد الحميد

اسم الكتاب: مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية

اسم المؤلف: دنيس كوش

ترجمة: منير السعيداني

عرض: ليلى عبد الحميد

الناشر: المنظمة العربية للترجمة

مكان النشر: بيروت

تاريخ النشر: عام 2007

على الرغم من التقصي العلمي الدقيق، والروح الأكاديمية، إن جاز التعبير، للبحث الذي يقدمه الكاتب دنيس كوش في هذا الكتاب، إلّا أن ثمة روحية أخرى توازيها، وتلازم على الدوام، ذاك التقصي العلمي لمفردة/مفهوم الثقافة. فعلى الرغم من الرصد التاريخي لنشأة وتطور هذا المفهوم، واستخداماته، ودلالاته، واختلاطاته مع مفاهيم أخرى مجاورة، وعلى الرغم من تتبع تغاير دلالات ومعاني هذا المفهوم، من حقلٍ علمي إلى آخر، تبقى الروحية الموازية تطلّ برأسها في كل حين لتؤكِّد حقيقتين؛ الأولى: أن كلًا من مفهومي الثقافة والهوية، يؤصّل ويخدم فكرة النمو والتطور والتلاقح. وضمن هذا المعنى، لا يوجد شكلٌ/نمطٌ واحد ونهائي للهوية والثقافة، ويخضع المفهومان بالضرورة لسمة ماهوية أساسية؛ أنهما كائنات حية، تولد وتنمو، وتتطور. الحقيقة الثانية هي خطورة الأيديولوجيا على كلٍ من الثقافة والهوية، هذه الأيديولوجيا التي تحاول، على الدوام، نزع تلك السمة الماهوية الحية من كلا المفهومين لتعطل بعدها الكوني والإنساني.

يبدأ المؤلف بالبحث في الصيرورة الاجتماعية لكلمة “ثقافة”، ففي الفصل الأول من الكتاب، يتوقف الكاتب عند تطور الكلمة في اللسان الفرنسي من العصر الوسيط إلى القرن التاسع عشر، مبررًا توقفه ذاك بقوله: من المبرر أن نتوقف، بصفةٍ خاصة، مع المثال الفرنسي لاستخدام “ثقافة”، إذ يبدو أكيدًا أن التطور الدلالي الحاسم الخاص بالكلمة والذي يسمح، لاحقًا، بابتداع المفهوم حدث داخل اللسان الفرنسي، في قرن الأنوار، قبل أن ينتشر بواسطة الاقتراض اللساني داخل اللسانين الإنكليزي والألماني. لئن كان من الممكن عدّ القرن الثامن عشر فترة تكوّن معنى الكلمة الحديث، فإن كلمة “ثقافة” كانت قد أصبحت، في عام 1700، لفظًا قديمًا في التعبير الفرنسي. ظهرت في أواخر القرن الثالث عشر متحدرة من cultura اللاتينية التي تعني العناية الموكلة للحقل والماشية، وذلك للإشارة إلى حالة الأرض المحروثة. ويتتبع المؤلف المراحل التاريخية لكلمة “ثقافة”: في بداية القرن السادس عشر، كفّت الكلمة عن الدلالة على حالة (حالة الشيء المحروث) لتدل على فعل هو فلاحة الأرض. ولم يتكون المعنى المجازي إلّا في منتصف القرن السادس عشر، إذ بات ممكنًا أن تشير الكلمة إلى تطوير كفاءة، لكن ذلك المعنى المجازي ظل غير دارج بكثرة حتى منتهى القرن السابع عشر، والقرن الثامن عشر هو الذي بدأت فيه كلمة “ثقافة” تفرض نفسها في معناها المجازي، وأُدرجت في قاموس الأكاديمية الفرنسية. وهي في أغلب الأحيان تأتي متبوعةً بمضافٍ يدل على موضوع الفعل. مثل “ثقافة الفنون” و”ثقافة الآداب”. تدريجيًا، تحررت “ثقافة” من متمماتها المضافة وانتهت إلى استعمالها منفردةً للتدليل على تكوين الفكر وتربيته، وظلت “ثقافة” في القرن الثامن عشر مستخدمةً في صيغة المفرد، إذ الثقافة هي أخص ما يختص به الإنسان (نوعًا) تجاوزًا لكل التمايزات، شعوبًا وطبقات. كان تطور الكلمة في فرنسا في القرن التاسع عشر شديد الاختلاف، فاعتنت كلمة “ثقافة” ببعدٍ جماعي وكفت عن حصر الاهتمام في التطور العقلي للفرد، لقد باتت دالةً على جملةٍ من السمات الخاصة بجماعة، وظل المفهوم الفرنسي مطبوعًا بفكرة وحدة الجنس البشري.

كما يتناول المؤلف في الفصل الأول، أيضًا، السياق التاريخي لكلمة “ثقافة” في ألمانيا، ويبحث في المجادلة الفرنسية الألمانية لتصور “الثقافة”. ويختم الكاتب هذا الفصل بقوله: كانت المجادلة الفرنسية الألمانية الممتدة من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين نموذجية في تمثيلها تصورين للثقافة، أولهما تخصصي، وثانيهما كوني، وهما في أساس الطريقتين في تحديد مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية المعاصرة.

في الفصل الثاني من الكتاب، يتطرق المؤلف إلى “ابتداع المفهوم العلمي لثقافة”، فيبحث في التصور الكوني للثقافة عند (تايلور) وفي التصور التخصيصي للثقافة عند (بُوا)، على اعتبار أن (تايلور) مبتدع مفهوم الثقافة العلمي، و(بُوا) مبتدع الإثنوغرافيا. كما تطرق المؤلف إلى فكرة “الثقافة لدى مؤسسي الإثنولوجيا الفرنسية” و”دوركايم والمقارنة الموحدة لظواهر الثقافة” و”ليفي بوهل والمقاربة الاختلافية”.

وتحت عنوان “انتصار مفهوم الثقافة” تناول المؤلف في الفصل الثالث “بلوغ التكريس العلمي لـ”ثقافة” في الولايات المتحدة حدًا جعل الكلمة تُتبنّى سريعًا بمعناها الأنثروبولوجي في الاختصاصات المجاورة، وخاصةً منها علمي النفس والاجتماع”. ليتناول الكاتب بعد ذلك “أسباب هذا النجاح الأميركي” ومنها التاريخي، والقومي.

يتفرد الفصل الرابع بدراسة “العلاقات بين الثقافات وتجديد مفهوم الثقافة”، مبتدئًا بتناول “ابتداع مفهوم التثاقف” بكونه “مجموعة الظواهر الناتجة عن تماس موصول ومباشر بين مجموعات أفراد ذوي ثقافات مختلفة تؤدي إلى تغيرات في النماذج الثقافية الأولى الخاصة بإحدى المجموعتين أو كليهما”. كما ينوه المؤلف إلى أهمية “التمييز بين التثاقف والتغيّر الثقافي”: إذ أن هذا لا يمثل إلا وجهًا من أوجه ذاك، ويمكن أن ينجر التغيير الثقافي أيضًا عن أسباب داخلية، كما يفضي استخدام الكلمة نفسها لتعيين ظاهرتي التغير الداخلي والتغير الخارجي إلى التعليم بأن التغيّرين يخضعان إلى القوانين نفسها”. كما نوّه الكاتب أيضًا إلى “عدم الخلط بين التثاقف والاستيعاب” وعدم الخلط بين “التثاقف والانتشار”.

ومع التعمق النظري الذي أجراه علماء الأنثروبولوجيا الأميركيين، بين لنا المؤلف “أن التثاقف ليس اعتناقًا غير مشروط لثقافةٍ أخرى، وأن تحوّل الثقافة الأصلية يتم بـ”انتقاء” عناصر ثقافية مفترضة، ويتم هذا الانتقاء من تلقاء ذاته ووفق “نزوع” عميق في الثقافة الأخيرة. فلا ينجر من التثاقف وجوبًا، اختفاء هذه الثقافة ولا تعديل منطقها الداخلي الذي يمكن أن يظل مهيمنًا، فلأن المجموعات لا تظل سلبية أبدًا عندما تكون في مواجهة تغيرات خارجية، لا ينتهي التثاقف إلى وحدانية تشكل ثقافي، على العكس مما يتصوره الحس المشترك”. ويتابع المؤلف هذه “التعمق النظري” عند (هرسكوفيتس) وعند (ه. ج. بارنات).

مع هذا التعمق النظري، يصل المؤلف إلى “ربط العلاقة بين الاجتماعي والثقافي”، خصوصًا في ميداني علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، فيقول مستشهدًا بـ (باستيد): الثقافي لا يمكن أن يُدرس بمعزل عن الاجتماعي.

أما حول “تجديد مفهوم الثقافة” فيقول: لا توجد من جهة ثقافات “نقية” ومن جهة أخرى ثقافات “خليط”، كل الثقافات وبفعل ظاهرة التماس الثقافي الكونية، هي ثقافات “مزيج” بدرجات متباينة تصنعها الاستمرارات والتقاطعات [….] إن ما يؤكد عليه (باستيد) من استمرارية ثقافية معينة غالبًا ما يخضع للأيديولوجيا أكثر مما يخضع للواقع. إن الاستمرارية المزعومة يتم التأكيد عليها، بصورة خاصة، بقدر ما يتضح التقطّع بجلاء في الوقائع: في لحظات القطيعة يكون خطاب الاستمرارية “أيديولوجيا تعويض”.

يبدأ الكاتب الفصل الخامس بإعادة تأكيده أنّ: الثقافة إنتاجٌ تاريخي، أي بناءٌ ينخرط في التاريخ، فهي ليست معطىً موروثًا يُتناقل على ما هو عليه، وإنه حتى الجماعات الاجتماعية المُهيمن عليها، لا تفتقر إلى موارد ثقافية خاصة.

وفي حديثه عن “التراتب الثقافي” يقول الكاتب: لم يخطئ كارل ماركس ومثله ماكس فيبر بتأكيدهما أن ثقافة الطبقة المهيمنة هي، دومًا، الثقافة المهيمنة. واضحٌ أنهما لا يزعمان بقولهما هذا أن ثقافة الطبقة المهيمنة لها نوع من التفوق الكامن في ذاتها أو أن لها قوة انتشارٍ تأتيها من “جوهرها” الخاص، وتجعل منها قوةً مهيمنة على الثقافات الأخرى “طبيعيًا”. بالنسبة إلى ماركس، كما بالنسبة إلى فيبر، تتوقف القوى النسبية الخاصة بمختلف الثقافات، خلال التنافس الذي يواجه بينها، على القوى الاجتماعية النسبية الخاصة بالجماعات التي تسندها. إن الحديث عن ثقافةٍ مُهيمِنة أو عن ثقافةٍ مُهيمَنٍ عليها ضرب من المجاز إذ أن ما يوجد، واقعًا، هي جماعات اجتماعية تربط بينها علاقات هيمنةٍ وتبعية. فليست الثقافة المهيمَن عليها، من هذا المنظور، وبالضرورة، ثقافةً مستلبة، تابعة كليًا. إنها ثقافةٌ لا يمكنها، في مسار تطورها، إلّا أن تأخذ في الحسبان الثقافة المهيمِنة، ولكنها قادرة، إلى هذا الحد أو ذلك، على مقاومة الفرض الثقافي المهيمن.

وفي معرض تناوله لمفهوم الثقافة الشعبية، يقول: يشكو هذا المفهوم من غموضٍ دلالي، اعتبارًا لتعدد معاني الكلمتين اللتين تكونانه. ثم ينتقل الكاتب إلى تناول مفهوم الثقافة الجماهيرية، “الذي شهد نجاحًا كبيرًا في الستينات، ومرد هذا النجاح، عدم دقته الدلالية والجمع المفارق بين مصطلحي ثقافة وجماهير. وإن بعض علماء الاجتماع، شأن (إدغار موران) مثلًا، يشددون، بصورة رئيسة، على نمط إنتاج هذه الثقافة الذي يخضع لترسبات الإنتاج الصناعي الجماهيري.

يتطرق الكاتب، في ما بعد، إلى “ثقافات الطبقة”، “حيث أن أنساق القيم ونماذج السلوكات ومبادئ التربية تختلف بين طبقةٍ وأخرى”. ويتناول هنا “انبثاق طبقة المقاولين الرأسماليين” و”الثقافة العمالية” و”الثقافة البرجوازية”.

ويختم المؤلف هذا الفصل بتناوله مفهوم “الهابيتوس”؛ “أنساق من الاستعدادات المستدامة والقابلة للنقل. إنها بنى ومبيننة قابلة للاشتغال بوصفها بنى مبيننة، أي بوصفها مبادئ مولدة ومنظمة لممارسات وتمثلات يمكن لها، موضوعيًا، أن تتأقلم مع هدفها، من دون افتراض رؤية واعية للغايات والتحكم الصريح في العمليات الضرورية من أجل بلوغها”.

في الفصل السادس، يناقش مسألة “الثقافة والهوية”، فيقول: ولئن كان لمفهومي “ثقافة” و”هوية ثقافية” إلى حدٍ كبير، مصيرٌ مترابط، فإنه لا يمكن المطابقة بينهما بلا قيد ولا شرط. يمكن للثقافة، عند الاقتضاء، أن تكون من دون وعيٍ هوياتي، في حين يمكن للاستراتيجيات الهوياتية أن تعالج، بل أن تعدّل ثقافةً ما، بحيث لا يبقى لها الشيء الكثير مما تشترك فيه مع ما كانت عليه من قبل. إن الثقافة تخضع، إلى حدٍ كبير، لصيروراتٍ لاواعية، أما الهوية فتحيل على معيار انتماءٍ واعٍ، ضرورةً، إذ هو ينبني على تعارضات رمزية. ويضيف الكاتب: تحيل مسألة الهوية الثقافية، منطقيًا وأولًا، على مسألةٍ أكثر اتساعًا هي مسألة الهوية الاجتماعية، والتي هي أحد مكوناتها. الهوية، بالنسبة إلى علم النفس الاجتماعية، أداةٌ تمكّن من التفكير في تمفصل النفسي والاجتماعي لدى الفرد. إنها تعبر عن محصلة التفاعلات المتنوعة بين الفرد ومحيطه الاجتماعي. إن هوية الفرد الاجتماعية تتميز بمجموعة انتماءاته في النسق الاجتماعي: الانتماء إلى صنفٍ جنسي، وإلى صنفٍ عمري، وإلى طبقةٍ اجتماعية وإلى أمةٍ، إلخ. الهوية تمكّن الفرد من أن يحدد لذاته موضعًا ضمن النسق الاجتماعي وأن يحدد الآخرون موضعه اجتماعيًا [….] على أن الهوية الاجتماعية لا تتعلق بالأفراد وحسب، ذلك لأن لكل مجموعةٍ هوية تتناسب مع تعريفها الاجتماعي، ذلك التعريف الذي يمكّن من تحديد موقعها ضمن الكل الاجتماعي. الهوية الاجتماعية استدماج وإقصاءٌ في آنٍ معًا. ويخلص الكاتب إلى القول، وتحت العنوان الفرعي “الهوية شأنًا للدولة”، يقول الكاتب: أصبحت الهوية، مع تشييد الدول/ الأمم الحديثة، شأنًا للدولة، أصبحت الدولة متصرفًا في الهوية، تسن لها الترتيبات وتضع لها الرقابات [….] تنزع الدولة الحديثة نحو التعريف الأحادي للهوية، وذلك إما بألّا تعترف بهويةٍ ثقافيةٍ واحدة لتحديد الهوية القومية (كحال فرنسا)، وإما مع قبولها بتعدديةٍ ثقافيةٍ ما داخل الأمة، بأن تحدِّد هويةً مرجعيةً تكون وحدها شرعيةً بحق (حالة الولايات المتحدة). كما يتطرق الكاتب إلى: “الهوية متعددة الأبعاد”، و”الاستراتيجيات الهوياتية” وإلى “حدود الهوية”.

في الفصل السابع، يتحدث الكاتب عن مفهوم الثقافة واستخداماته الاجتماعية؛ الثقافة السياسية، ثقافة المؤسسة، ثقافة المهاجرين وثقافات الأصل.

ليلى عبد الحميد

كاتبة سورية، تخرجت في كلية الإعلام بدمشق عام 2010، مهتمة بقضايا الحريات والديمقراطية.