لمحة عن كتاب منابع الذات؛ تكوّن الهوية الحديثة لـ تشارلز تايلور

عرض: سمر عبد العزيز

اسم الكتاب: منابع الذات؛ تكوّن الهوية الحديثة

اسم المؤلف: تشارلز تايلور

ترجمة: حيدر حاج اسماعيل

عرض: خولة سعيد

الناشر: المنظمة العربية للترجمة

مكان النشر: بيروت

تاريخ النشر: عام 2014

منابع الذات؛ تكوّن الهوية الحديثة، أو مصادر الذات في صناعة الهوية الحديثة، هو كتاب للفيلسوف الكندي تشارلز تايلور، من مواليد عام 1931، وقد نشر كتابه هذا عام 1989، للكاتب مساهمات عديدة في الفلسفة السياسية، وفلسفة العلوم الاجتماعية، وتاريخ الفلسفة والفكر. وهو حائز على جائزة تمبلتون وجائزة كيوتو وجائزة بير غروين للفلسفة.

الكتاب مؤلَفٌ من خمسة فصول، يسبر الكاتب خلالها نشوء الهُوية، والمظاهر المختلفة للهوية الحديثة. آخذًا في الحسبان فهم “كيفية نشوء تصوراتنا عن الخير”، فـ”الذات والخير”، أو “الذات والأخلاق” موضوعان مترابطان.

في الفصل الأول من هذا الكتاب، يتناول الكاتب هذه الثنائية/الرابطة، ويواجه عقباتٍ خلال هذه المهمة: “هناك مقدار كبير من الفلسفة الأخلاقية المعاصرة قد جنحت إلى التركيز على ما يكون فعله صحيحًا، وليس على ما يكون خيرًا، على تعريف مضمون الواجب، وليس طبيعة حياة الخير. ولم يُترك فيها موضوع فكري لنظرية عن الخير كهدف لحبنا أو ولائنا”.

كما يحاول الكاتب “توسيع مجال أوصافنا المشروعة والأخلاقية” و”استعادة أنماط التفكير والوصف”. إن ما يريد الكاتب إبرازه هنا، يتمثل بـ “اللغات الخلفية التي نضع فيها الأساس وفكرة الواجبات الأخلاقية الذين نعترف بها” و”إظهار الصورة الخلفية لطبيعته الروحية والأزمة المؤلمة التي تقع خلف بعض الحدوس الأخلاقية والروحية عند معاصرينا”.

وينتقل إلى طرح السؤال التالي: ما هي صورة طبيعتنا الروحية وحالتها التي تضفي معنىً على استجاباتنا؟ أي؛ ما يجعل هذه الاستجابات ملائمة، أي؛ تحديد ما يجعل شيئًا موضوعيًا ملائمًا لها، والصياغة بطريقة تضايفية كاملة، طبيعة الاستجاية وكذلك تبيان ما يفترضه كل ذلك ويختص بأنفسنا وحدسنا في العالم. أي؛ ما هي الخلفية التي نفترضها ونعتمد عليها في أي زعم بالصواب؟ وبهذا السؤال ينطلق الكاتب من أجل تحديد “أطر لا بدّ منها” في سبيل الحصول على الإجابة الصحيحة. فمثلًا، يقول الكاتب: “علاوة على أفكارنا عن ردود فعلنا على قضايا مثل العدالة واحترام الآخرين، وجودة حياتهم وكرامتهم، أريد أيضًا، أن أفكر في المعنى الذي يقبع في أساس كرامتنا [….] ويمكن تصنيف تلك القضايا بأنها أخلاقية استنادًا إلى تعريف واسع ما، لكن بعضها يُعنى كثيرًا باحترام الذات، أو يُعد، وبمقدار كبير، تابعًا لمثلنا العليا، فلا يجوز تصنيفه بأنه مسائل أخلاقية في معجم أكثر الناس [….] فمشتركاتهم في القضايا الأخلاقية وما يستحقه هذا المصطلح الروحي، يعني أنهم يدخلون تمييزات بين الصواب والخطأ، الأفضل والأسوأ، والتي تصير صحيحة عبر رغباتنا الخاصة، ميولنا أو خياراتنا، بل توجد مستقلة عنها، وتقدم معايير تقاس بها. وفي الوقت الذي لا يُعد عيش حياة كريمة لا قيمة لها وغير مريحة زلّة أخلاقية، فإن وصفي بتلك المفردات هي الحكم عليّ باسم معيار مستقل عن أذواقي ورغباتي، وعليّ أن أقرّ به”.

يولي الكاتب أهميةً كبيرة، في هذا الإطار، للشروح الأنطولوجية “والتي تقدم نفسها بوصفها تعابير واضحة وصحيحة عن ردود فعلنا القوية الخاصة بالاحترام. فهذه الشروح الانطولوجية “تنسب صفات للبشر، مثل كونهم مخلوقات الله، او فيضًا للنار السماوية. وفي الوقت ذاته، هناك مساحة داخلية تميز كل منا عن الآخر”. ليتعقب الكاتب، فيما بعد، فكرة “المساحة الداخلية” أو الباطن، في الموروث والتراث الغربي، بدءًا من أفلاطون وانتهاءً بديكارت.

ويخلص الكاتب إلى أن هناك أمرين مهمّين في هذا الإطار؛ “قيم الخير” التي تحرك حياتنا بتأثيرها على قراراتنا، وقد تكون هذه القيم/الخيرات غير واعية، والأمر الثاني هو التحرر من الميل الطاغي على الفلسفات الأخلاقية الحديثة والتي توحد نزواتنا الأخلاقية حول أساس واحد. هذان الأمران “يشكلان الأطر الأخلاقية التي نتبناها وهي غالبًا ما تكون ضمنية وتأخذ شكل الحكم المسبق”. وإن إخراج هذا “الضمني” إلى العلن، كإظهاره لفظيًا والتعبير عنه، سيزيد من النقاش حول هذه الأخلاقيات المختلفة، وسيساعد أيضًا في الالتزام بها. وإن “منابع الذات” لها مهماتٌ أساسية، وهي إنجاز هذه المهمة، أي لفظ أهم الخيرات التي تشكل حياة الذات الحديثة والمصادر/المنابع المختلفة لهذه الخيرات.

في الفصل الثاني من هذا الكتاب، والمعنون بـ “الذات في الفضاء الأخلاقي”، يقول الكاتب: فالذات، يجب أن تكون موضوعًا للبحث مثل أي موضوع آخر. غير أن هناك أشياءً معينة تصدق على موضوعات درسٍ علمي، لكنها لا تصدق على الذات”. ويورد الكاتب العقبات الفكرية التي تمثل ذلك:

  1. يجب النظر إلى موضوع البحث نظرةً مطلقة، أي ألّا يكون ذلك بالمعنى الذي عندنا أو عند أي شخصٍ آخر، بل كما هو في ذاته “موضوعيًا”.
  2. الموضوع هو ما هو، باستقلال عن أي أوصاف أو تأويلات له يقدمها أي إنسان.
  3. مبدئيًّا، يمكن الإمساك بالموضوع في وصفٍ واضح.
  4. مبدئيًّا، يمكن وصف الموضوع من دون الإشارة إلى ما يحيط به.

ليستنتج الكاتب أنه: لسنا ذواتًا مثل كوننا كائنات عضوية، أو ليس لها أنفس كمن يكون لهم قلوب وأكباد. نحن كائناتٌ حية ولنا تلك الأعضاء بمعزلٍ عن مفاهيمنا أو تأويلاتنا الذاتية، أو معاني الأشياء عندنا، غير أننا لسنا بذواتٍ إلّا بمقدار ما نتحرك في فضاءٍ من المسائل، عندما نسعى للخير ونجد توجيهًا نحوه [….] فتعريفي ذاتي يُفهم على أنه جواب عن السؤال: من نكون؟ فأنا أعرّف من أكون عبر تعريف المكان الذي أتكلم منه، في شجرة العائلة، في الفضاء الاجتماعي، في جغرافيتها والمراتب والوظائف، في علاقاتي الحميمية، بمن أحب، وبشكل حاسم، في فضاء التوجه الأخلاقي والروحي الذي في داخله عشت أهم علاقاتي التعريفية.

وعن الوضع الأصلي الذي نشأت منه مسألة الهوية كلها، يقول الكاتب: إن المرء لا يستطيع أن يكون ذاتًا بنفسه [….] فالذات لا توجد إلا داخل “شبكات محادثة”. فالتعريف الكامل لهوية الإنسان لا يقتصر فقط على موقفه من الأمور الأخلاقية والروحية، وإنما أيضًا على إشارة إلى مجتمع معرّف؛ قد يكون من الجوهري تعريف شخص لذاته بأن يقول كاثوليكي وكيبيكي، ويقول آخر: أميركي وفوضوي. “هذان البعدان الخاصان بتعريف الهوية هما ما يعكسان الوضع الأصلي الذي منه نشأت مسألة الهوية.”

إلّا أن الثقافة الحديثة –بحسب الكاتب- طورت مفاهيم للفردية تصوّر الإنسان بأنه قادر أن يجد معانيه وعلاقاته في داخله.

في الفصول التالية، يتتبع الكاتب “بعضًا من تاريخ الهوية الحديثة”، ففي الفصل الثالث “الأخلاق والجمجمة”، يبحث الكاتب في مسألة الهوية و”إضفاء معنى على حياتنا” ويطرح سؤالًا مضمونه: ما هو موقع الهوية في الفكر والحكم الأخلاقيين؟ ومتعقبًا “السيطرة الذاتية عند أفلاطون” والمراجعات والتعديلات عليها والتي أجرتها المدارس الفكرية الأخرى من سقراط إلى أرسطو والرواقيين وغيرهم، وصولًا إلى ديكارت ولوك وغيرهما. متحدثًا عن إسهاماتهم جميعًا في تناول الأخلاق ومصادرها الميتافيزيقية والوضعية ومرجعياتها.

كما يتتبع الكاتب، بعد ذلك، ويسبر “الحالة الإنسانية”: لقد تتبعت نوعًا واحدًا من أنواع التحول إلى داخل الذات، وهو الذي وُظِّف في صنع الهوية الحديثة، ونقلتني هذه المرحلة من أفلاطون إلى التحول الداخلي عند أوغسطين إلى وقفة التحرر الفكرية الجديدة التي دشنها ديكارت، وعززها لوك”. وليلاحظ الكاتب “أن منعطفًا في القرن الثامن عشر كان هناك يشبه الذات الحديثة في عملية التكون في أوساط النخب الاجتماعية والروحية”.

حول التأكيد على “الحياة العادية”، يقول الكاتب: هو تعبير يصف مظاهر الحياة الإنسانية الخاصة بالإنتاج وبإعادة الإنتاج، أي العمل، ووضع الأشياء اللازمة للحياة ولحياتنا، بوصفنا كائنات جنسية، الشاملة للزواج والأسرة”.

فالتأكيد على الحياة اليومية عند الكاتب مظهر رئيس ثانٍ من مظاهر الهوية الحديثة. فبعد “الذات المعرّفة بقوى عقل متحرر مع مُثله العليا المرتبطة به والتي تشكل أساس مفهوم الباطنية” يتوجه الكاتب إلى النظر في تطور آخر، هو نشوء الأفكار الحديثة عن الطبيعة وجذورها، أي “الحياة العادية”.

يتابع الكاتب في تقصي “الكيفية التي بها شكّل، التأكيد على الحياة العادية، الهوية الحديثة” فيقول: تمثلت إحدى المراحل الحاسمة، باندماج أخلاق الحياة العادية وفلسفة الحرية والعقلانية المتحررتين، أي؛ الجمع بين النظرة المشتقة من الإصلاحيين الدينيين مع النظرة التي صاغها ديكارت [….] ذلك الجمع الذي ظهر أولًا في إنكلترا، انتهى إلى توليد ما يمكن أن يكون النظرة السائدة في المجتمع الغربي التكنولوجي الحديث. وقد شكل ذلك مع الاستجابات له –وأبرز تيارات الفكر والحساسية المدعوة رومنطيقية عمومًا- الثقافة الحديثة، وكان من المكونات الحاسمة لصورنا عن الذات وعن مُثلنا العليا الأخلاقية.

ويصل الكاتب أخيرًا، إلى تناول “ثقافة الحداثة”، ليقدم لنا مصادر أنانية الحداثة، وكيفية عزل تلك الأنانية عن المسارات الاجتماعية. ويعود ليؤكد على “الحياة العادية” بجماليتها وقيمها. وعلى الدوام، في صفحات هذا الكتاب، كان الكاتب يسبر الديانات السماوية، مركّزًا على أساسياتها القيمية وأخلاقياتها، كما يركز على القيم والمعايير الدينية وعلاقتها بالأخلاق. ليكون الكاتب بذلك، قد تناول مسائل أساسية عديدة هي: مسألة الجوهر الداخلي الحديث “الذوات لها بواطن”، مسألة التأكيد على “الحياة العادية” والمسألة الثالثة مسألة “الطبيعة باعتبارها مصدرًا أخلاقيًا”.

أخيرًا، وجهت العديد من الانتقادات لهذا الكتاب، ومنها: ذهاب بعض الباحثين إلى أن التشخيص التايلوري لأزمتي الهوية الحديثة والمعاصرة يتسم بثلاث سمات:

1– الشخصنة؛ وكأن الأحداث لا تفهم إلا من خلال ما كتبه هذا الفيلسوف أو ذاك العالم.

2– التأريخ؛ بحيث يظهر العجز التحليلي للحدث المستقل خارج تأويل هذا الفيلسوف، وذلك من خلال اختيار بعض المحطات المعرفية والدينية الحاسمة. وهذا يقود بالضرورة إلى الانتقاء.

3– الانتقاء؛ وذلك بغرض إثبات التصور الخطي والتصاعدي للأحداث التاريخية.”[1]


[1] عبدالله الوهيبي، تكوّن الهوية الحديثة- تشارلز تايلور، مدونة شخصية، 25 تشرين الأول/أكتوبر 2017.

https://bit.ly/3ItrFTh/

خولة سعيد

كاتبة وصحافية سورية، متعاونة مع مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر

مشاركة: