صدمة الحداثة والوطنية السورية

ملخص
الهدف من البحث: هو تفنيد اللغو القوماوي العروبي والإسلاموي السياسي، بان العرب والمسلمين، بحسب المتكلم، كانوا موحدين قبل الاجتياح الاستعماري الأوروبي، وأن اتفاقيات سايكس- بيكو هي التي أقامت التجزئة الفومية. والتغاضي الخبيث أو الأعمى عن التاريخ المملوكي- العثماني، الذي استمر نحو ألف عام، والذي اتسم أساسًا بالتشظي الداخلي والتعفّن والحروب والصراعات الداخلية، والتحاجزات العرقية والمذهبية والطائفية، وغياب الأمن والإنتاج والتعليم والصحة، وكثرة الجوائح والأمراض وانحدار عدد السكان وإفقار سكان الأقاليم وإنهاكهم بالضرائب والتجنيد الإنكشاري، وأخذ أصحاب المهن والحرف من المدن العربية مثل دمشق وحلب والقاهرة إلى الآستانة.
بهذا تمثل الحقبتان المملوكية والعثمانية تاريخًا انحداريًا بكل مقاييس البشر، وما قطع هذا التاريخ الانحداري هو صدمة الحداثة، حيث أطلقت تاريخًا مغايرًا، اتسم بالنمو والتقدم، فزمن سايكس-بيكو، كان زمنًا وطنيًا ووحدويًا، حيث جرت محاولات جادة في البلدان العربية، التي وحدّتها الانتدابات في دول وطنية، لتوحيدها في فضاء ثقافي- سياسي مشترك، مفتوح على احتمالات وازنة على وحدة عربية بين بلدين أو أكثر عبر قناة الدولة الوطنية، وليس بوساطة النخب الثورية الطليعية الموتورة والشيزوفرينية والمستبدة.
زمن سايكس–بيكو هو زمن نهوض وطني وقومي، وصعود الدين كجوهر روحي وأخلاقي، وليس كعصبيات مذهبية وطائفية، هو خروج من القبر العثماني نحو آفاق وطنية وكونية، كانت واعدة بمستقبل زاهر للمنطقة، لكن الانقلاب القومي العربي، أعاد “مجتمعاتنا” إلى تاريخها المملوكي–العثماني، بإعادته الاعتبار إلى المجتمع التقليدي ومرتكزاته، التي بدأت تذبل في المرحلتين الكولونيالية والاستقلالية، وكان من أبرز تجليات تلك الردة الدولة السلطانية” المحدثة”.
وكذلك، تخلّل الثورة السورية بعد عام 2011 خطان: الخط الشبابي الوطني السلمي الديمقراطي المدني الذي يمثل عودة واستمرارًا لـ “اللحظة الليبرالية” التي نضدتها صدمة الحداثة، وخط الإسلام السياسي الحزبوي والفصائلي الميليشياوي، الذي يمثل استمرارًا لروح الحقبتين المملوكية والعثمانية، وكان “انتصار الخط الثاني” هو هزيمة الجميع في حرب الجميع على الجميع، وفي هذه الحرب كانت الوطنية السورية أكبر المهزومين.
لذا ستظل “اللحظة الليبرالية” التي أنتجتها صدمة الحداثة نقطة ارتكاز للمسألة الوطنية السورية المحتملة، ولأي نهوض وطني سوري مقبل.

محاور البحث
أولًا: عن الربط التعسفي ما بين الوطنية والقطريّة “الناتجة” من اتفاقيات سايكس–بيكو.
ثانيًا، التجزؤ والتشظي كانا سمة “المجتمعات” قبل سايكس–بيكو.
ثالثًا، الوطنية السورية وسايكس- بيكو.
رابعًا، الانقلاب القومي العربي على مسارات التشكّل الوطني.
خامسًا، الثورة السورية عام 2011 من منظور الوطنية السورية.
سادسًا، الوطنية والفدرالية.
سابعًا، محددات المسألة الوطنية من منظور الحداثة.

لم تكن مفاهيم مثل: الوطنية/ القومية، الدولة، الشعب، الأمة، المجتمع، السياسة، الثقافة… إلخ، معروفة نظريًا ومفهوميًا، قبل مرحلة الاستعمار الأوروبي للمنطقة العربية بداية القرن العشرين، حيث لم تحمل صدمة الحداثة إلى بلادنا مفاعيل اتفاقيات سايكس– بيكو والاجتياح الكولونيالي فحسب، بل حملت مع تلك المفاعيل وذاك الاجتياح ممكنات واقعية لسيرورات مغايرة لواقع الحياة التقليدية الصارم، الذي ما انفك يتكرر ويعيد إنتاج نفسه طوال الحِقبتين المملوكية والعثمانية.
لقد كان الانتقال من مصفوفة “الدولة السلطانية” المفهومية، أي من مفاهيم: (السلطان، العامة، الخاصة، الملة، الشرع) وغيرها، إلى سياقات تشكِّل “جنين الدولة الوطنية” ومصفوفتها المغايرة، انتقالًا صعبًا وعسيرًا وهشًا، ويعتوره ثقل الميراث المملوكي–العثماني، الذي أبقى “التحديث” الكولونيالي تحديثًا سطحيًا، لم ينفذ بعمق إلى البنى المجتمعية والثقافية، ما أنتج “نغولة” على الصعيد الثقافي، فبتنا أمام ظاهرتي: “تقلدة التحديث”، و”تحديث التقليد” بتعبيرات ياسين الحافظ.
هاتان الظاهرتان: “تقلدة التحديث” و”تحديث التقليد”، وقفتا خلف الاضطراب والتشويش وعدم الوضوح، الذي اكتنف ولا يزال، مفاهيم الحداثة الأوروبية التي صارت كونية الطابع، وفي مقدّمها، مفهوم الوطنية/ القومية، الذي يُثار حوله كثير من النقاش حاليًا، بين المثقفين والفاعلين السياسيين والناشطين الإعلاميين السوريين وغير السوريين.
ما زادَ في تدعيم هذا الاضطراب والتشويش في تناول مفاهيم الحداثة إعادة الاعتبار إلى التاريخ العربي ما قبل الكولونيالي، وتخيُّل تاريخ تصوّري وهمي، غير واقعي وغير تاريخي، صنعتّه وعمّمته الأيديولوجيتان القومية العربية، والإسلامية، إذ أصبح من ضرورات التأسيس للمسألة الوطنية، ولغيرها من مسائل الحياة المعاصرة، دحض وتفنيد تلك الرؤية الوردية للتاريخ التصوّري، والكفّ عن “الرقص المسعور حول الذات الميتة، الذي لن يجعلها تنبعث من رمادها”، كما يقول عبد الله العروي.
أي أنّ تأسيس المسألة الوطنية السورية، يحتاج إلى النظر والعمل على خطّين تاريخيين استراتيجيين:
أولًا: خطّ تفكيكيّ لمضامين الأيديولوجيتين القومية والإسلامية، في ما يتعلق بمفاهيم الأمة والدولة والشعب والمواطنة، ووضع رؤية عقلانية ممكنة للتاريخ العربي وللمستقبل أيضًا، لأنّ الرؤية الأيديولوجية للتاريخ تحتجز المستقبل، وتجعل الأموات يمسكون بتلابيب الأحياء.
ثانيًا: خطّ عملي يتبنى الوطنية من خلال سياسات تاريخية مجتمعية، تتجاوز الحزبوية والأهداف والبرامج الأيديولوجية الحصرية، وتجعل من العمومية روحًا لها، لأنها ستتصدى لوقائع التّشظيّ المجتمعي ولآثار الحرب ونتائجها، وتعمل على خطّ التوحيد والاندماج المجتمعي، بما يكتنفه من صعوبات وإشكاليات تاريخية وحالية دمرّت الحياة الأخلاقية والاجتماعية والسياسية في سورية.
استنادًا إلى الخطّين السابقين، سأتناول بعض القضايا المتعلقة بالمسألة الوطنية عمومًا، والمسألة الوطنية السورية خصوصًا.

أولًا: عن الربط ما بين الوطنية والقطريّة “الناتجة” من اتفاقيات سايكس–بيكو
عممّت الأيديولوجيتان القومية والإسلامية تصوّرًا، صار يشكّل أحد مبادئ سلطة الرأي العام، وهو الربط ما بين تجزئة الأمة العربية أو الإسلامية، بحسب المتكلم، وبين اتفاقيات سايكس–بيكو فحسب، من دون النظر إلى الجملة الموضوعية الكُليّة بشموليتها، أي إلى التاريخ بوصفه صيرورة تَشكُّل وانحلال في مواجهة منطق الثبات والسرمدية. ومن ثمّ، لم تعط هاتان الأيديولوجيتان، المشروعيةَ للكيانات القطريّة التي ظهرت بعد سايكس- بيكو، إذ صارت الوطنية مثلومة لارتباطها بتلك الكيانات “ناقصة الشرعية”.
وبالتوازي مع هيمنة شعارات “الأمة العربية” الواحدة ذات الرسالة الخالدة، والأمة الإسلامية، برزت كتابات وتحليلات بعضها لمفكرين عرب مرموقين، عن “الدولة القطريّة”، وعن سيرورة “تقومن” تلك الأقطار “المصطنعة”.
إذًا، تمّ ربط المسألة الوطنية تعسفيًا بـ “الكيانات المصطنعة”، وبالتجزئة القومية كإحدى نتائج اتفاقيات سايكس– بيكو، و”بالدولة التسلطية”، التي سلطنت على هذا الاصطناع “العابر” و”الزائل” بمجرد أن تستعيد “الأمة” وحدتها الفطرية الأصلية. لذا كان ينظر السوريون، على مختلف انتماءاتهم، إلى سورية الحالية بوصفها “دولة ما تبقى” من تقسيم سورية الطبيعية، فكانت هذه الرؤية لكيانهم مَشُوبة بعدم الرضا والاحترام، وظلّ الكيان السوري في نظر السوريين كيانًا عابرًا، على الطريق الطويل والشاق باتجاه “الدولة العربية الواحدة”، أو “الدولة الإسلامية” بحسب المتكلم.

ماذا نتج من هذه الرؤية الحولاء للواقع والتاريخ؟
1– الشعور بالنقص وعدم الاكتفاء الكياني، دفع السوريين في اتجاه تجميد قضايا الحياة العادية واليومية المعاصرة، المتصلة بالتنمية والإنتاج والتقدم والرفاه، لمصلحة التعلّق بشعارات ما فوق وطنية، إسلامية أو قومية أو أممية، وهذا قاد فعليًا إلى ممارسات ما دون وطنية، سواء من قبل النخب المتسلطة المنجدلة على حبال “الدولة التسلطية”، أم من قِبل البشر العاديين الذين جرى تجييشهم حول الشعارات الكبرى.
2- قادت دعوى اصطناعية الكيان السوري، التي ترافقت مع الشعارات الكبرى القومية والإسلامية، وعسكرة المجتمع والسياسة من جهة، وتجميد قضايا الحياة الإنسانية من جهة أخرى، إلى انحدار الإنتاج المادي والمعنوي، وأهم مظاهر الانحدار غياب إنتاج المجتمع لذاته وعلاقاته، وفي مقدمة تلك العلاقات ما يتصل بقضية الاندماج الوطني، فظلت ظاهرة التشظّي المجتمعي السوري متراكبة مع الخِطابين العروبي والإسلامي، بحيث يمكن القول: إنّ نقصَ العمومية في خِطابات السوريين يُؤسّس فعليًا على ذلك التشظّي المجتمعي، وعلى الدور التخريبي المُفتِّت للخِطابين العروبي والإسلامي السياسي.
3– إنّ رؤية الكيانات القطريّة، على أنها عابرة وزائلة ومن صُنع الاستعمار الكولونيالي، وليست نهائية، ساهم كذلك في تعزير رؤية التيارات الأيديولوجية– السياسية، حينذاك لموضوعة الدولة، التي ظلت أيضًا في نظر هذه التيارات، وفي نظر الرأي العام “دولة قطريّة” منقوصة الشرعية، مثلها مثل كيانها. لذا تمّ التصويب على الصفة “القطريّة” للدولة، هذه الصفة حجبت الموصوف، فبقي موضوع الدولة ومفهومها غير مُفكّر فيه نظريًا وعمليًا، فصفات الدولة كانت أهم من مفهومها ومن تحققها الواقعي في نظر التيارات الكبرى، فمنهم من عارض الصفة “القطريّة”، بالصفة “الإسلامية”، ومنهم من عارضها بالصفة “القومية العربية أو الكردية” لا فرق، ومنهم من عارضها بالصفات “الكدحانية والبروليتارية”، وبكلّ الأحوال، ظلّ الجميع يتساجلون سجالًا عقيمًا حول الصفات التي هي أساسًا ضدّ منطق وفكرة الدولة ومضمونها العمومي، وحيادها التام تُجاه العقائد والمذاهب والأديان والأيديولوجيات، فكانت النتيجة التضحية بفكرة الدولة مفهوميًا وواقعيًا، وما فتئ المتساجلون جميعًا يمتَحون من “أدلوجة” الدولة وليس من نظريتها، فالعرب لم يعرفوا سوى “أدلوجة” عن الدولة، كما يقول عبد الله العروي.
4- كذلك، فإنّ ارتباط المسألة الوطنية بالكيان “المُصطنع”، وارتباط المسألة القومية بالكيان العربي الكبير مشروع التاريخ والمستقبل، أفضى إلى خلق تَعارُض وهمي غير واقعي، ما بين الوطنية والقومية، فجرى تخفيض الأولى لمصلحة رِفعة الثانية، الأولى وليدة سايكس- بيكو، والثانية مُرتبطة بإرادة الجماهير العربية من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، على الرغم من أنّ الوطنية والقومية مفهومان أنتجتهما الحداثة الأوروبية، يشيران إلى المضامين والمعاني والآليات نفسها، ولهما العلاقة نفسها بفكرة الدولة وتحققها، فالدولة هي دولة وطنية/ قومية بالقدر نفسه. لم يشهد التاريخ الأوروبي هذا التعارض، لأن الدول والأمم والشعوب والمجتمعات تشكّلت في سياق مشترك صاعد، وحدود الوطنية تطابقت مع حدود القومية، فالوطنية والقومية الفرنسيتان، على سبيل المثال، تشيران إلى مضمون مشترك واحد، هو الصفة العمومية التي تمنحها الدولة الفرنسية لجميع مواطنيها من دون استثناء.
لذا، فإنّ إزالة ذلك التناقض الوهميّ المزعوم في سورية وغيرها بين المسألة الوطنية والمسألة القومية هو من الخطوات المهمة على طريق ترجيح الخيارات الوطنية الديمقراطية، وبناء دولة الحق والقانون. فالوطنية السورية هي الصفة العمومية التي ستُمنح من قِبل الدولة الوطنية المرتجاة والممكنة مستقبلًا، إلى جميع المواطنين السوريين عربًا وكردًا وآشوريين وتركمانًا وأرمن ومسلمين ومسيحيين، ونساءً ورجالًا، …الخ بهذا المحتوى تتطابق حدودها مع حدود المسألة القومية.

ثانيًا: التجزؤ والتشظي كانا قائمين قبل سايكس- بيكو
لم يكن العرب قبل الاجتياح الغربي، كما عممّت الأيديولوجيا القومية العربية، أمة واحدة، ثم جاء الاستعمار الأوروبي وقام بفعل التجزئة وفقًا لاتفاقيات سايكس- بيكو، بل كان التشظّي المجتمعي والتناحر والصراع وسيطرة الجهل وغياب الأمن والإنتاج، والموت من الفقر والمرض، هو ما كان يَسِمُ مظاهر الحياة المختلفة. فقد عاش العرب منذ ألف عام على الأقل، أي خلال الحقبتين المملوكية والعثمانية حالة انحطاط وتراجع، تراجع الأمن والأخلاق، وتراجع علاقات التبادل الاقتصادي، تراجع عدد السكان نتيجة الجوائح وعدم وجود الأدوية، عزلة الأرياف عن المدن، وكذلك عزلة السكان داخل المدن في حارات مغلقة ومتقاتلة، وفوق كل ذلك “دولة سلطانية” نهّابة ليس لديها إلا فرض الإتاوات والضرائب. بكلام آخر، لم يكن هناك أمة ودولة ومجتمعات وشعوب، بل مِلل ونِحل متراصفة وجماعات ما قبل أمويّة محشورة في هرم استبدادي يقبع على رأسه السلطان المعظّم.
يقول المفكر الراحل إلياس مرقص في الإشارة إلى هذا التاريخ الانحداري: “بعد أن نلنا الاستقلال نشأت فكرة تقول إنّ أحوالنا قبل الاستعمار كانت خير وبركة، وأنّ الاستعمار هو المسؤول عما أصابنا ويصيبنا. وهذا الكلام غلط، لأنّ الاستعمارين الفرنسي والإنكليزي حين جاءا إلينا لم تكن بلاد العرب في أحسن حال بل كانت في أسوأ حال”.
“ويذكر أنّ تعداد السكان في مصر وسورية والعراق قد انحدر إلى الحضيض، وكان عدد سكان مصر مليونين ونصف مليون نسمة في عام 1800، في حين كان عددهم في زمن البطالمة والفراعنة ثمانية ملايين، ولم يزيدوا في العصرين الفاطمي والأيوبي على مليونين”.
“في سياق تعداد السكان المتراجع نُشير إلى تراجع الرقعة الزراعية وتوسّع الصحراء وسقوط القانون وانحدار العقل والتضخّم النقدي في العصر العثماني بعد اكتشاف أميركا. ويمكن القول إنّ العصر الاستعماري في القرنين التاسع عشر والعشرين الذي رفع عدد سكان مصر خلال مئة وخمسين سنة من مليونين ونصف مليون إلى 4 ملايين نسمة، ثم إلى 10 ملايين، وفي سورية الكبرى من مليون إلى مليونين، إلى أربعة أو خمسة ملايين، وكذلك الحال في العراق، يمكن القول إنّ عصر الاستعمار هو عصر النهضة وبداية الخروج من القبر… وللاستعمار جرائم بلا أدنى شكّ، فالإيطاليون ارتكبوا جرائم في ليبيا، وكذلك فعلت فرنسا في الجزائر، ونستطيع أن نضع لائحة طويلة بالجرائم الاستعمارية… لكن القول إنّ أحوالنا قبل الاستعمار كانت جيدة فنحن مخطئون أو كاذبون. الغزو كان موجودًا في المغرب الأقصى وفي العراق والجزائر وتونس، وفي سورية وجبل لبنان والسودان ومصر وجزيرة العرب منذ مئات السنين. البدو يغزون الحضر، وقرية في الجبل تغزو قرية في وسط الجبل وتدفعها نحو الساحل وتسبي نساءها. البدو ينهبون قوافل الحج. حارفة تغزو حارة في المدينة الواحدة. والقضية لم تكن فروسية وشجاعة بل كانت قتلًا وتهجيرًا وسبيًا ونهب أموال”.
وخير من أرّخ لتلك المرحلة التي اتسمت بموت عناصر الحياة، وتقدم العدم في كلّ المناحي والاتجاهات، عدم الأخلاق، وعدم الأمن، وعدم الملكية، هم: البيديري الحلاق الدمشقي في يومياته، التي كان يصوّر فيها حياة الدمشقيين اليومية والفعلية، والجبرتي ومحمد كرد علي وابن إياس.
“أعتقد أنّ من المفيد قراءة ابن إياس والجبرتي والبديري الحلاق، كردّ على الذين يمجدون العثمانيين، وينفون الانحطاط. نقرأ عند ابن إياس أن العثمانيين أخذوا 27 حِرفة من القاهرة إلى القسطنطينية، وأنّ القاهرة أقفرت من هذه الحِرف. الرحالة الأوروبيون المعجبون بإسطنبول وعَظَمة عاصمة الشرق، كانوا عندما يتابعون طريقهم إلى سورية أو إلى الأناضول، يلاحظون حالة الخراب والفقر: ريف ميّت ومدن تقلّصت وحِرف تُحتضَر والمنطقة المعمورة بين الحَضَر والبدو في حماة كانت تتراجع باستمرار. الرّحَّالة الأوروبيون فَهموا لماذا كانت اسطنبول عظيمة ورائعة، لأنها امتصّت الأقاليم”.
“كما أخّر العثمانيون دخول المطبعة 200 عام إلى بلادنا، أي في القرن التاسع عشر، أُسِّست المطابع في عاصمة الخِلافة، فانفجرت ثورة شعبية قادها المشايخ ضدّ هذا الكفر. وعَقِب موت السلطان سليم الأول ثارت دمشق عام 1522 بقيادة الوالي المملوكي جان بردي الغزالي في أثناء التصارع على العرش في الآستانة، وحين دخل الجيش الإنكشاري دمشق، قتل رُبُع سكانها وربما ثلثهم وهذا ما ساهم في انحطاط بلادنا”.
كما أنّ العنصر العربي في السلطنة العثمانية، إضافة إلى عناصر أخرى غير عثمانية، كانوا عناصر ثانوية مهمَلة، هذا فضلًا عن كون النظام السلطاني الإمبراطوري، لا يهتمّ أساسًا بحقوق البشر ومتطلباتهم، بقدر ما يهتمّ بالتوسّع الخارجي ونهبه، ونهب الداخل وإفقاره. فالنظام الإمبراطوري هو نظام التشطير الداخلي إلى مِلل ونِحل، وهو بطبيعته مركز توليد عوامل الصراعات والتوترات المختلفة، بصفته لا يستطيع توليد فضاء ثقافي- سياسي مشترك بين جميع رعاياه، وتكون آليات اشتغاله الداخلية قائمة على التفريق والتمييز والاحتكار والتسلط العِرقي والدّيني، فيترك “المجتمعات” التي يحكمها في حالات احتمالات دائمة للحروب الأهلية.
والحال، إنّ النظر بتعمق وموضوعية، ومن دون تحيّز أيديولوجي، في واقع السلطنة العثمانية وواقع العرب فيها، قُبيل الاجتياح الكولونيالي، نراها إمبراطورية في حالة تعفّن داخلي وانهيار، وإن العرب كانوا مجزئين إلى طوائف ومذاهب وانتماءات محلية وجهوية وإلى أرياف ومدن وبوادٍ وحارات مغلقة ومنفصلة، أي أنهم لم يكونوا أمة واحدة ولا ينتمون إلى دولة واحدة، ومن ثمّ، فإنّ ربط التجزئة القومية بالاستعمار الأوروبي وسياساته، والنظر إليها على أنها ظاهرة مستحدَثة في التاريخ العربي-الإسلامي، هو تزوير وكذب أو عمى أيديولوجي في أحسن الاحتمالات.
ما يهمّنا من هذا، الإشارة السريعة إلى التاريخ العربي ما قبل الكولونيالي هو القول: إنّ المسألة الوطنية السورية لا يمكن تأسيسها على فكرة الحنين إلى تاريخ وهمي متخيّل، أو على مبدأ الانتماء العرقي أو الدّيني، بل إن أهم معانيها هو الخروج الكُلّي والحاسم من الثقافة والسوسيولوجيا المملوكية–العثمانية، فالمسألة الوطنية لا يمكن تأسيسها إلا على مبادئ الحداثة، كون الوطنية مُرتبطة عضويًا بفكرة الدولة الحديثة ومسائلها، والدولة هي أهم ذروة من ذرى الحداثة المعاصرة.

ثالثًا: الوطنية السورية وسايكس-بيكو
لقد غيرت اتفاقيات سايكس-بيكو شكل التجزئة القائم فعليًا، التجزئة والتشظّي في الحالة العثمانية، على الرغم من أنّ الوحدة الإمبراطورية الظاهرة، كانت تجزئة مجتمعية ثقافية راسخة مُرتبطة بواقع انهياري، فيما التجزئة المُرتبطة بسايكس- بيكو، اندرجت في سياق التقاسم الاستعماري للبلدان المنتدبة، فهي ذات طابع جغرافي من حيث تقسيمها للبلدان العربية، لكنها كانت مترافقة مع عملية توحيد ثقافي- سياسي في هذه البلدان، وتوليد فضاءات مشتركة من خلال سيرورة تَشكُّل مغايرة للحِقبة العثمانية، تكونت فيها النُّخب السياسية والبرلمانات والصحف والحريات والأحزاب والتنظيمات والتعليم المدني العلماني والوظائف الحكومية، ونشأت الفئات الوسطى. بكلام مختصر بتنا أمام تاريخ نمو وتراكم وتقدم مقارنة بتاريخ سلطاني- عثماني انحداري، أي انتقلنا من أزمة انهيار إلى أزمة نمو. ومن ثمّ، من المفيد إبراز النقاط الآتية حول علاقة المسألة الوطنية بسايكس-بيكو:
1– لا يمكن اختزال آثار صدمة الحداثة على بلادنا بواقعة الاحتلال والانتهاك الاستعماري فحسب، بل إنّ الاحتلال هو الجانب الظاهر والمحسوس من السيرورة المغايرة التي انفتحت لاحقًا. “حين كان ياسين الحافظ يقرأ خُطط الشام، أخبر إلياس مرقص وقتها: أنّ دمشق في القرنين السابع عشر والثامن عشر كانت قبرًا بعدما انخفض عدد سكانها إلى ثلث ما كان عليه قبل 250 سنة من العصر العثماني”.
نعم، لقد كانت صدمة الحداثة هي إعلان الخروج من القبر، لذا ارتبطت سيرورة انطلاق تَشكّل الوطنية السورية بهذا الخروج، أي أنّها حركة نموٍّ في الثقافة والسياسة والأخلاق والتعليم والعمران والاقتصاد والذوق العام وكلِّ مناحي الحياة.
2- الوطنية هي هُوية مركبة، لا تنفي الهُويّات الأخرى للإنسان وتطردها، بل تعيد تركيبها وَفْقًا لمضمونها العمومي، وتصبح حاكمة عليها جمعيًا. قبل سايكس- بيكو، كانت تعني الهُويّة استغراق البشر في جهاز المِلّة، بوصفه الانتماء المُهيمن، لهذا كانت العمومية كصفة ملازمة للوطنية هي من نتائج الحداثة، ولم يكن ممكنًا التفكير فيها قبل صدمة الحداثة لبلادنا.
3– ارتبط نشوء “الوطنية السورية”، على الرغم من هشاشتها، بالانتقال الذي أحدثته الإدارة الكولونيالية في قِطاعات التعليم والصِّحة والإدارة والاقتصاد، فتمَّ إحلال التعليم المدنيّ في المدارس الحكومية الناشئة، بدلًا من التعليم الدّينيّ القائم على نظام “الكتاتيب” في الجوامع والزوايا، وكذلك أصبح التداوي في المستوصفات والمستشفيات، بدلًا من التداوي عند الحلاقين والعطارين، وتمَّ الانتقال من نمط الإنتاج البسيط إلى أنماط أخرى تطلّبتها مصالح الإدارة الكولونيالية، وترافق كلُّ ذلك مع نُظمٍ إدارية وعلاقات إنتاج حديثة، تجاوزت العلاقات السُّلطانيّة.
4– يتبدى أيضًا الارتباط بين المسألة الوطنية السورية واللّحظة الليبرالية العابرة، التي مرَّت فيها بلدنا في المرحلتين الكولونيالية والاستقلالية، من خلال تَجرِبة “جنين الدولة الوطنية”، وتجرِبة “جنين المجتمع المدني”. هاتان التجرِبتان الوليدتان في سورية بداية القرن العشرين، هما نِتاج تأثيرات التحديث السطحي الذي وقع على السياسة والثقافة والاجتماع نتيجة الإدارة الكولونيالية، وتقويضها لمرتكزات الحياة التقليدية، إذ لا يمكن تصوّر مسألة وطنية سورية، من دون ثنائية: (دولة وطنية/ مجتمع مدني)، وما كان لهذه الثنائية أن تظهر في الفكر والممارسة من دون آثار سايكس-بيكو الثقافية والسياسية.
5– كذلك ترتبط المسألة الوطنية/ القومية ارتباطًا وثيقًا بالإنسيّة، فعندما تفقِد طابعها الإنسانوي، سرعان ما تتجه أكثر فأكثر، باتجاه التعصب والانغلاق والفاشية وجفاف نُسغِها الكونيّ. لذا فإنّ الوطنية تشترك مع الإنسيّة بذات المضامين العمومية، فالمواطن من منظور الوطنية كائن مجرّد من صفاته الذاتيّة، مثل الإنسان في منظور الإنسيّة كائن كلّي مكتف بذاته مجرّد من صفاته العرقيّة والدينيّة والأيديولوجيّة، ومن ثمّ، فإنّ الوطنيّة والإنسيّة تتقدّمان معًا أو تتراجعان معًا.
والإنسيّة هو التيار الأهمّ الذي بدأت فيه أوروبا عصر نهضتها في القرن الخامس عشر، “حيث كان الفكر الأوروبي الأساسي قد بلغ ذُروتين (النّهضة، وعصر الأنوار). فإنّ هاتين الذُروتين هما ذُروتان في حيثية الكلّي universel، على وجه التحديد”.
حيثية الكلّي هي ما يميِّز الوطنيّة والإنسانويّة معًا، ويجعل توطين مفاهيم الحداثة في البنية الثقافية المتأخِّرة لمجتمعاتنا قضيّة راهنة، بكلِّ ما يعني ذلك من العودة إلى اللحظة الليبرالية التي نتجت بفعل سايكس-بيكو.

رابعًا: الانقلاب القومي العربي هو انقلاب على مسارات التشكّل الوطني، ونكوص إلى روح الحقبتين المملوكية والعثمانية
أحدثت صدمة الحداثة انقطاعًا في نمط الحياة التقليديّة الرّتيب، الذي كان يعيد إنتاج نفسه باستمرار، وأطلقت مسارات تشكّل وطني في مختلف البلدان العربية، ثمّ توقّفت هذه المسارات بفعل الانقلابات العسكرية، التي حملت القوميّين العرب إلى الإمساك المطلق بالسلطات في هذه البلدان.
في الحالة السورية، أفضى الانقلاب البعثيّ في آذار/ مارس 1963 إلى القضاء على براعم الحياة السياسية المعاصرة الناشئة بفعل التحديث السطحيّ وذبول مظاهر الحياة التقليديّة في السياسة وبعض المجالات الأخرى، فتمّ اجتثاث حالة التّسييس، التي تمثّلت بوجود الصحافة الحرة وحرية تشكيل الأحزاب وحرية العمل والإنتاج، وبوجود الحياة الديمقراطية البرلمانية، وكذلك تم إنهاء بداية استقلال القضاء وإنهاء بداية التمايز والفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، والأخطر كان استبدال ثنائية “جنين دولة وطنية” و”جنين مجتمع مدني”، التي كانت قابلة للنمو وللتطور الفعلي إلى دولة وطنية فعلية بثنائية: “دولة سلطانية محدثة” و “مجتمع جماهيري”.
رافق انتباج وانتفاخ الظاهرة الجماهيرية، التي هي حالة رعاعية معادية للتمدن وقيم الحياة العصرية، إعادة الاعتبار للمجتمع التقليدي ما قبل الكولونيالي وقِيمه وانقساماته وبُناه المجتمعية والأيديولوجية، وإطلاق سيرورة ترييف المدن ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، بحيث أصبحت كلّ أُطر “الدولة– التّسلّطية” القائمة كالاتحادات والنِقابات والأحزاب ومجلس الشعب وغير ذلك، أُطرًا شكلية ذات مضمون جماهيري- تقليدي، تعكس كلّ صراعات وانقسامات المجتمع التقليدي والعلاقات التقليدية، إضافة إلى كون “الدولة السلطانية” المحدثة معادية للعموميّة، فهي “دولة” الحزب الواحد فضلًا على أنّها “دولة”- الطُغمة، وقائمة على مبدأي الاحتكار والتمييز، احتكار السلطة والثروة والتعليم والإعلام وكلّ المجالات العامة، والتمييز بين “المواطنين” على أساس الانتماء السياسي والأيديولوجي والإثني، علمّا أنّ المسألة الوطنية تذهب بشكل حازم وراسخ على خطّ معاد لهذين المبدأين، أي الاحتكار والتمييز.
كما أنّ “الدولة السلطانية” المحدثة وضعت معايير ذاتية لـ “الوطنية”، مبنية على تقسيم “المواطنين” بشكل مانّوي على أساس الولاء وعدم الولاء للسلطة القائمة، فالموالون هم الوطنيون، والمعارضون هم في عِداد “الخونة” مكانهم الطبيعي السِجن أو القبر، إضافة إلى الرّبط التعسفي بين “الوطنية” و”محور المقاومة”، فالوطني هو من ينتمي أو يدعم هذا المحور، وكلّ من ينتقد أو يتحفظ على ممارسات مكونات “محور المقاومة” هو بالتأكيد غير وطني.
لذا ألبست “الدولة السلطانية” المحدثة “الوطنية” لبوسًا عسكريًا حربيًا تحشيديًا وغوغائيًا، كان مدعومًا بسلطة الرأي العام، وإلى حد كبير أيضًا مدعومًا بأيديولوجيا كثير من الأحزاب والحركات المعارضة، التي لا تعير اهتمامًا لتحسين شروط حياة المواطنين، قياسًا بالاهتمام الذي تعيره للمقاومة وللعداء للإمبريالية والصهيونية.
بهذا تم شحن “الوطنية” بمضامين أيديولوجية، وإقامتها على مسائل الاقتناع الذاتي، وليس على معايير موضوعية مستقلة ومحايدة، بما يدعم الاحتكار المطلق للثروة والسلطة، ويدعم ديماغوجيا المؤسّستين الحزبية والإعلامية، اللتين تقومان بمهمات الهيمنة الرّمزية وتخفيف الوجه الحقيقي لوسائل الهيمنة المادية.
ويمكن أن نضيف أيضًا، مدى قسوة الحصار المزدوج الذي تعرضت له المسارات الوطنية، سياسيًا وواقعيًا، من خلال ازدواجية الشعارات ما فوق الوطنية أيديولوجيًا، والممارسات ما دون الوطنية واقعيًا. كل ما سبق أفضى إلى تهميش المسألة الوطنية، وإعادة الاعتبار للتاريخ المملوكي- العثماني بكلّ استلابه وقُبحه وتأخره، وحضور هذا التاريخ بكلّ صراعاته وانقساماته وبلاياه الطاردة لأيّ محاولة للاجتماع الوطنيّ الفعليّ.

خامسًا: الثورة السورية عام 2011 من منظور المسألة الوطنية
يمكن التمييز بين خطّين كبيرين ضِمن الانفجار التاريخي السوري الكبير، الذي حدث في آذار/ مارس عام 2011، الخطّ السلميّ المدنيّ الديمقراطي، ومَثّلته شعارات الحريّة والدولة الوطنية والديمقراطية، وحامل هذا الخط هم الشباب والطلاب والفاعلون الاجتماعيون والسياسيون ونَوَيّات المجتمع المدني والفئات الوسطى عمومًا. والخطّ الآخر هو الذي حمل سياسات الهُوية ونَهج العسكرة، وقاده الإسلام السياسي، وأدى في الحصيلة إلى الفصائلية والميليشياوية والحرب، وزيادة منسوب التشظّي الوطني، وانفجار “الاجتماع الوطني” السوري على هشاشته.
وبات واضحًا، بعد ما يَقرَب من عشر سنوات على النكبة السورية، أنّ الخطّ الثاني تمكن من طرد الخطّ الأول بالتعاون، ذاتيًا أو موضوعيًا، مع السلطة القائمة، ومن ثمّ، فإنّ “انتصار” هذا الخطّ أدى إلى هزيمة الجميع في حرب الجميع على الجميع، والوطنية السورية كانت أكبر المهزومين، من جرّاء هيمنة الإسلام السياسي بأحزابه وفصائله المسلحة في ما بعد عام 2011، وخاصة مع تهميش مرتكزاتها الثقافية والسياسية والمجتمعية في مرحلة البعث.
وبات واضحًا أيضًا، أنّ المجتمع التقليدي ما قبل الكولونيالي، الذي أعادت الاعتبار له “الدولة السلطانية” المُحدَثة في مرحلة البعث، ظهرت نتائجه بعد عام 2011، فظواهر “التأخر التاريخي” التي كانت تُعشعش في قِيعان “المجتمع”، وتسيطر على الذهنيّات في المدن والأرياف وعند المتعلمين وغير المتعلمين، كانت ظواهر حاكمة في الثورة السورية بعد عام 2011، وشكّلت مَتْن هذا الانفجار التاريخي الكبير، ومن ثمّ، احتجزته (أي احتجزت الانفجار التاريخي) في أُفق المِلّة وأُفق “الدولة السلطانية”، وظلّ أُفق الأمة ظلًا شاحبًا تتطلع إليه مجموعات من المنشقين التي قُذفت إلى الهوامش، ليظلّ بذلك المَتن “المجتمعي”، مَتنًا مملوكيًا عثمانيًا، يعيد إنتاج تلك الظواهر المتأخرة في السياسة والاجتماع والمعرفة والأخلاق والثقافة، وخصوصًا على مستوى الذهنيات والمواقف من المرأة وقضايا الإنسان.
وكذلك في هذا الانفجار التاريخي الكبير، اندفع معًا كلٌ من نَويّات المجتمع المدني وتعبيراته على تواضعها، والمجتمع التقليدي أو الأهلي، حيث جسّدت تلك النَويّات والقُوى المدنية الديمقراطية إرادة الحرية والمسألة الوطنية، في حين جسّد المجتمع الأهلي إرادة السلطة المضادة، بحمله الفصائل الإسلامية المسلحة ذات الطبيعة الظلامية الطاردة للوطنية، فَسُحِق الحَراك الشبابي المدني السِلمي بين رحى المجتمع الأهلي وميليشياته من جهة، وقوة “الدولة– التسلطية” من جهة أخرى، ومن ثمّ، قاد هذان الطرفان سورية إلى الحرب الداخلية وإلى الانهيارات الاجتماعية والأخلاقية والوطنية.
ومثلما كان “المجتمع الأهلي” وهندسة علاقاته ضرورة “للدولة–السلطانية”، لخدمة تسلّطها المطلق، وتغولها الشمولي في كلّ مناحي ومفاصل الحياة، فإن قيام مجتمع مدني هو ضرورة لنشوء دولة وطنية، المجتمع الأهلي عاجز عن إنتاجها. وهنا من المهم نقد وتجاوز الرؤية المبسترة السائدة لدى النُّخب التقليدية، التي ترى “المجتمع المدني” على أنه مجرّد جمعيات ومنظمات مستقلة عن السلطة فحسب، ولا تراه حالة نمو تاريخية وتقدم في علاقات المجتمع الأهلي، وتدمج دمجًا تعسفيًا ما بين الطوائف والعشائر والإثنيات والمذاهب التي هي تشكيلات المجتمع الأهلي، ولا يمكن إلغاؤها، وبين العلاقات الطائفية والمذهبية والإثتية، ولا ترى أن المجتمع المدني، في أعمق مظاهره، هو سيرورة تاريخية تهدف في نهاية المطاف تصفية هذه العلاقات ما قبل الوطنية في المجال السياسي، وتغيير نمط العلاقة ما بين المجتمعين (الأهلي والمدني) وَفْق علاقات الانفصال والاتصال المحكومة بمنطق التعدّد والاختلاف، وبمنطق المضمون العموميّ للمسألة الوطنية.
ومن ثمّ، نتج من خِطابات وسياسات الهُويّة التي فرضها الإسلام السياسي بالتعاضد مع علاقات المجتمع الأهلي على الثورة السورية، نكوص عن الكونية والوطنية في آن معًا، فمن لا يستطيع إنتاج خِطاب عموميّ وطني، لن يستطيع إنتاج خِطاب عالمي، وهذا يفسر صمت الرأي العام العالمي عن مآسي السوريين وغيرهم، وعدم الاكتراث العالمي للنكبة السورية، حيث يأتي في مقدمة عوامل هذا الصمت العالمي: تقديم السوريين أنفسهم للعالم كفصائل وميليشيات ومنصات منقسمة ومتقاتلة، وعجزهم عن تقديم أنفسهم كوطنيين سوريين موَحَّدين في إطار وحدة النوع البشري، فكان السوريون أمام عجز مزدوج، عجز وطني وعجز كوني، ومن هو عاجز وطنيًا سيكون عاجزًا بالتأكيد في العلاقات مع العالم ومع كل أنواع الآخر الإنساني.
أي أنّ جملة عوامل مجتمعية وثقافية- سياسية، وداخلية وإقليمية ودولية، دفعت الواقع السوري بعد عام 2011، للابتعاد أكثر عن “اللحظة الليبرالية” المؤسَّسة بوساطة سايكس-بيكو، وهي لحظة تأسيس الكيان السوري، ولحظة انبثاق “جنين الوطنية السورية”.

سادسًا: المسألة الوطنية والفدرالية
بعد سنوات الحرب المُدمّرة في سورية، بدأ الكثير يطرح موضوعة النظام الفدرالي، ومعظم النقاشات التي تناولت هذا الموضوع، كان يهيمن عليها خلفيتان اثنتان، فالمتحمسون لنظام فدرالي مستقبلي، غالبًا ما يربطون بين الاستبداد والمركزية والوطنية، والمتحمسون للنظام المركزي غالبًا ما يربطون بين النظام الفدرالي والتقسيم والتفتيت.
إنّ الأزْمات المتراكمة والراسخة في الواقع المجتمعي السوري، والناشئة من مختلف مراحل تطوّر الكيان السوري، وخاصة في مرحلتي البعث والحرب، وما سيتلو ذلك، لن يكون حلها مرتبطًا بشكل النظام المقبل، فيما إذا كان نظامًا مركزيًا، أم نظامًا مركزيًا مع استقلال إداري موسع، أم نظامًا فدراليا. هذا يحيل على أنّ الحلول السياسية، بمعنى “السياس- تاريخ” بتعبيرات ياسين الحافظ، للنكبة السورية هي أبعد من شكل النظام، بل يجب أن تمتد لتطاول البنى الاجتماعية والثقافية والأخلاقية، وكيفية إنتاج المعرفة وعلاقة الدّين بالسياسة، وإعادة تكوين رؤية السوريين حول قضايا الوطنية والدولة الوطنية ومضمون الاجتماع الوطني.
والحال، أنّ وطنية النظام ليست مُرتبطة بشكله، سواء أكان مركزيًا أم فدراليا، فالنظام الفدرالي يمكن أن يكون وطنيًا أو غير وطني، كذلك النظام المركزي يمكن أن يكون وطنيًا أو غير وطني، والوطنية هنا لكلا النظامين ليست صفة أخلاقية، وغير الوطنية ليست تُهمة، فالوطنية تشير إلى مبدأ عمومية الدولة، كما أنّ غير الوطنية تشير إلى نقص مبدأ العمومية.
وكما هو معروف للجميع، إن فدرالية النظامين الأميركي والنظام الألماني لا تُقلِّل من وطنيتهما، أي لا تثلم مبدأ العمومية فيهما، كما أنّ مركزية النُّظم العربية الشديدة لا تجعل من هذه النُّظم أنظمة وطنية.
في ما يتعلق بالواقع السوري، من السابق لأوانه طرح شكل النظام، فهناك الكثير من الإشكاليات المتعلقة بالوطنية، يُفترض التفكير فيها والتعامل معها ومحاولة حلِّها، وهي في منزلة مقدمات ومبادئَ لنشوء دولة وطنية، بصرف النّظر عن طبيعة نظام الدولة، ويمكن اختصار وتلخيص هذه الإشكاليات بالآتي:
1- إنّ الدّعوات للفدرالية في سورية تُطلقها بشكل أساس قُوى مسلحة فصائلية جُزئية ولا تَحوز صفات العمومية، بل هي عبارة عن قُوى أمر واقع، وغني عن القول إنّ سورية حاليًا تضمُّ ثلاث مجموعات مسلّحة: المجموعة الأولى، السلطة الحاكمة وجيشها والمليشيات الداعمة لها من داخل الحدود ومن خارجها، ثانيًا المجموعات المسلحة الكردية، وثالثًا مجموعة الفصائل الإسلامية في إدلب ومناطق درع الفرات وغصن الزيتون وريف حماة الشمالي، ومن ثمّ، فإنّ أيّ إقرار للنظام الفدرالي بوجود هذه المجموعات، وبغياب رأي عام وهجرة الفئات الوسطى وغياب الخيارات السياسية في الداخل والخارج، وتحول سورية إلى ساحة صراع دَولية وإقليمية، سيكون عبارة عن اتفاق بين قُوى مسلّحة حصرية وكسرية ما دون وطنية، ومن وراءها الدول الداعمة لكلّ مجموعة منها. أي سيكون النظام الفدرالي المكوّن عبارة عن اتفاق بين أمراء الحرب، ويستبطن خزّانًا استراتيجيًا لحروب أهلية مديدة، ستنشأ وتنتهي تِبعًا لتغيّر موازين القُوى في المستقبل القريب والبعيد.
2– إنّ النظام الفدرالي في “مجتمع متأخر” يعاني نقصًا فادحًا في اندماجه الوطني، ويعصف فيه ضعف كبير على مستوى النُّخب ومستوى الرأي العام بقضية الفضاء العامّ أو الفضاء الوطني، ومحكوم بإرث من العلاقات المجتمعية ما قبل الحداثية الذي آل إلى الكيان السوري من تاريخه المملوكي- العثماني، ولم تستطع صدمة الحداثة، على أهميتها، من زحزحته إلى الهوامش، وظل مبدًأ حاكمًا على السياسة والثقافة والمعرفة والاجتماع، سيؤدي بالضرورة إلى نظام مُحاصّة مذهبية وإثنية ستحرِق من تبقى من الذين لم يحترقوا بعد.
3– إنّ التجرِبة اللبنانية في المُحاصّة الطائفية، التي زاد عمرها على سبعين عامًا، هي نموذج فاقع عن “فدرالية” طوائف واقعيًا، وإن لم يكن منصوصًا على نظام فدرالي بالدستور، لكن عمليًا أي نظام فدرالي في مجتمع متأخر يعاني واقعة الانقسام العمودي، ويعاني نقصًا في شروط الحياة المدنية، لن يكون بأفضل من التجرِبة اللبنانية البائسة، التي هي تجرِبة حروب أهلية متفجرة حينًا وكامنة أحيانًا، وتجرِبة فساد وانحطاط، وصلت مؤخرًا إلى إفلاس تامّ سياسي ومالي وأخلاقي. وهذا يشي بأهمية تصفية شروط التأخر التاريخي وشروط إنتاج الأيديولوجيات المذهبية والإثنية في “المجتمع” السوري كشروط لازمة لبلورة فضاء عام، وهذا الأخير يؤسّس لشروط حِوار وطنيّ فاعل وعادل، قادر على أن يُفضي إلى تقرير شكل النظام من حيث المركزية أو الفدرالية.
4– لا شكّ في أنّ القضية الكردية في سورية قضية عادلة، وهي من الأسباب الدافعة للتفكير في النظام الفدرالي. صحيح أنّ مظلومية الكُرد السوريين مظلومية فعلية، وغير مبنية على الأوهام والأساطير كغيرها من المظلوميات، وهي معاصرة وتعود إلى الزمن البعثي القريب، وناتجة من أفعال سلّطوية وضعت الكُرد في موقع استلاب قومي وثقافي وتهميش اقتصادي وقهر سياسي، لكن العناصر الجاذبة في هذه المظلومية نحو بناء فضاء وطني سوري، ينبغي أن تتغلب على النزعات نحو إقامة مشاريع قومية كردية متعارضة مع مفهوم الوطنية السورية، بصرف النظر عن شكل النظام المقبل سواء أكان مركزيًا أم فدراليا.
وهذا احتمال يُفترض أن تُرجّحه قُوة الدّرس البيداغوجي، الذي يجب أن يُستخلص من النتائج الكارثية التي نتجت من تسييس العروبة، فتسييس الكردية كتسييس العروبة سواء بسواء، فمن غير المعقول، أن يبدأ القوميون الكُرد اليوم من منسوب النتائج المرّة التي وصلت إليها هزائم القوميين العرب.
كما لن تكون مآلات الرومانسية القومية الكردية أفضل حالًا من المصير الذي انتهت إليه الرومانسية القومية العربية، خاصة في زمن خسوف القوميات وتراجع دورها التحرري، وتحولها إلى شكل من أشكال الهُويّة الكابح للحرية والإنسية، وارتفاع مستوى عَداء الدول النافذة في الإقليم لتطلعات الكُرد القومية، إضافة إلى تعقيدات السياسات الدولية في سورية، والآثار المدمرة لانهيار “الاجتماع الوطني السوري”، كل ذلك يجعل من الوطنية السورية مجالًا حاميًا للكُرد والعرب معًا ولغيرهم من القوميات الأخرى.
5– إذا كان الكُرد والعرب عاجزين عن إنتاج علاقات حياة سياسية مشتركة قائمة على مبدأ المواطنة في سورية الأم، فهم بالتأكيد عاجزون عن إنتاج هذه العلاقات في مِنطقة الجزيرة أو شرق الفرات، وإذا كان السّنة والعلويون غير قادرين على الانخراط في مسارات اندماجية في سورية الأم، فهم بالتأكيد سيعجزون عن ذلك في ما يسمى “سورية المفيدة”، فالخروج من سياقات الاحتراب والاقتتال والتدمير الذاتي، لن يكون بتركيب كانتونات متطابقة مع حدود الإثنيات والطوائف، ومتطابقة مع حدود مصالح الدول الإقليمية والدولية، بل الخروج هو سيرورة انعتاق طويلة وصعبة وغير حتمية، لكنها محتملة، من قيود الهُويّات، وتأسيس العلاقات العامّة المشتركة على مبدأي الوطنية والإنسية.

سابعًا: محدِّدات لازمة للمسألة الوطنية السورية من منظور الحداثة
من نافل القول إنّ الهُويّة الوطنية/ القومية هي من صناعة الحداثة، ارتبطت بنشوء الدولة-الأمة في الغرب، بما تطلب ذلك من أجهزة قانونية وحقوقية، أي أجهزة انتماء إلى تلك الهُوية، والإشكالية المعضلة التي تواجه “المجتمعات” المتأخرة حاليًا: تتمثل بأنها تعيش أوضاعًا، تنتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة- الأمة، أو ما قبل الحداثة، في الوقت الذي بدأت فيه الشعوب التي بنت دولها القومية، تتنطع لمشكلات ما بعد الدولة- الأمة، وهي مشكلات جدّية وفعلية، صارت مَثار نقد وتفكيك في الغرب، (فوكو)، وفلاسفة ما بعد الحداثة عامة. وهذا يُذكّر ببعض النقاشات التي دارت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، بعد صدور كتاب عبد الله العروي الأيديولوجيا العربية المعاصرة، عن ضرورة إرساء قواعد ليبرالية على الصعيدين الثقافي والاجتماعي للاشتركيات الناشئة حينها في البلدان المتأخرة، وأنه لا يحقّ للمثقف اليساري العربي أن ينتقد التراث الليبرالي، كونه لم يمتلكه بعد، وأكثر من ذلك أيضًا، إذ طرح المفكر الراحل ياسين الحافظ سؤالًا كبيرًا أخذ منه الكثير من الجهد والتفكير، وهو كيف يمكن توطين مكتسبات الليبرالية من دون المرور بالمرحلة البورجوازية الأوروبية؟
وعلى خطا سؤال الراحل ياسين الحافظ، يمكن أن نسأل أيضًا، ماهي ممكنات تحقيق الهُوية الوطنية السورية والدولة الوطنية مع الأخذ في الحسبان كلّ النقد الموجّه من قبل الفلاسفة الأوروبيين وغير الأوروبيين لأجهزة الهوية، التي صنعتها الدولة الحديثة؟ وذلك لأنّ الدولة الوطنية عند السوريين، وعند العرب جميعهم، لا تزال مشروعًا للمستقبل، لم يُنجز بعد.
وإذا أخذنا على سبيل المثال نقد المفكر التونسي فتحي المسكيني للدولة/ الأمة ولجهازها الهووي حيث يقول: (إذ ما دامت الدولة الحديثة قد صنعت جهاز “الهُوية” مثل “أوراق الهُوية وصورة الهُوية وبصمة الهُوية”، وحوّلته إلى جدار أخلاقي وامتحان أمني مُسلّط على رِقاب “سكّانها” فإن “السكان” لن يكونوا “مواطنين” إلا بثمن “هووي” يقع تثبيته في الأثناء بعناية قانونية فائقة تستفيد باستمرار على نحو كلبيٍّ من كلّ تطور تقني. وإنّ هذا هو مرض الدولة/ الأمة العُضال: هي لا ترى على إقليمها غير كائنات “هووية” بلا أيّ مخزون “ذاتي” فردي أو خاص، إنّ شعارها الرسمي هو: الهُوية قبل الذات. ولذلك فهذه الكائنات الهووية لا يحق لها أن تمرّ من “الساكن” إلى “المواطن” إلا من خلال تذكرة هووية رسمية. وبعد استبعاد فكرة “العامة” وتعويضها بمفهوم “الشعب” الحديث، تمّ اختراع ظاهرة “السكان” فوكو، والزّجّ بهم في إقليم الدولة بشكل أمني. لكن الثمن كان فرض جهاز الهُوية ولكن بخاصة السكوت النسقي عن زهرة العصور الحديثة بامتياز: أي الذاتية الحرة. في كلّ صقع تلعب الدولة الحديثة “لعبة الهوية” ضد “الحرية” والخاسر الأكبر هو إمكانية “الذاتية” التي اخترعها المُحدثون وأهدوها للحيوان الإنساني في كلّ مكان. ولذلك فكلّ خلطّ بين الهُوية والذاتية هو انخراط في كوميديا الدولة/ الأمة التي أخذت اليوم تفقد من “سيادتها”).
هذه الإشكالية تطرح على السوريين وغيرهم مهمات مضاعفة، فإقامة الدولة/ الأمة أو الدولة الوطنية لا فرق، ضرورة تاريخية في البلدان المتأخرة، وفي الوقت نفسه يجب التعامل مع تلك القضايا المُثارة حول الهُوية الوطنية بجديّة واتزان، لأنّ المواطن الراهن صار مواطنًا كوزموبوليتيًا أكثر من كونه مواطنًا محليًا. أو بمعنى آخر، كيف يمكن الاحتراس مبكرًا لإشكاليات جهاز الهُوية الوطني مع وجود حاجة تاريخية إلى تحقيقه؟
هذه مهمات في غاية الصعوبة والتعقيد، لا تحتمل إجابات قطعية ونهائية، بل هي في حاجة إلى حِوار عميق وإنصات منقطع النظير بين ذوات حرّة مستقلة غير مُستنفَدة في أبعادها الهووية، وأعتقد أنّ فتحي المسكيني على حق حين يقول: أما الأطروحة التي سندافع عنها فهي هذه: إنّ حِوار الهُويات غير ممكن، وذلك أنّ الأُفق الوحيد للحِوار هو الحِوار بين الذوات الحرّة.

ما الفرق بين حِوار الهُويات وحِوار الذوات؟
يبدو أنّ العائق الأكبر أمام التّحوّل من نموذج الهُوية إلى نموذج الذات هو غياب الإمكان الجذري للحِوار. إنّ الحِوار هو التبادل الجذريّ لمعنى الحريّة من حيث هي الأفق الوجودي الوحيد لذاتيتنا. نحن لن نتحاور إلا بقدر ما نتبادل وبقدر ما نُبذّر ما بحوزتنا من حرية. إنّ الحِوار الأصيل هو تبديد لامحدود لحريتنا أو لا يكون، ولذلك لا معنى لحرية ممنوعة سلفًا من الطمع في المستحيل. ولكنّ أيّ هُوية في استطاعتها أن تُبذّر حريتها كشرط للحِوار؟
وعلى الرغم من هذه الإشكاليات المُحقّة والخوف من الأجهزة الهووية للدولة الحديثة، لا يمكن التفكير في مصائر الوطنية والدولة/ الأمة إلا في أُفق الحداثة ورهاناتها على أنها “مشروع لم يكتمل بعد” كما يقول الفيلسوف الألماني المعاصر يورغن هابرماس.

إذًا، من منظور الحداثة وعلاقتها بالمسألة الوطنية/ القومية، من المهم إبراز حزمة من القضايا، من أهمها:
1– تعميق المضمون الإنسي للوطنية، فهو ضمانة انفتاحها على الكونية والعالم، وضمانة عدم انتكاسها إلى هُويّات ما قبل وطنية، وكذلك ضمانة ضمور بُعدها الشوفيني واختفاء نزعة العَداء للخارج، فالوطنية حاكمة على الهُويّات المحلية الجُزئية، إذ تعيد تركيب العلاقات بينها بما ينسجم مع عموميتها، وفي الوقت ذاته هي محكومة بالانتماء إلى الجماعة الإنسانية.
“ثمّة حق حيويّ كونيّ من شأن كلّ بشري معاصر أن يتمتع به، ألا وهو الانتماء الجذريّ إلى النوع الإنساني… إنّ مجرد وجودنا هو انتماء جذريّ إلى بنية الكون، ومن ثمّ إلى تفكير وآلام كلّ بشريّ سابق أو لاحق علينا… وبسبب أننا لم نستعمل من أنفسنا القديمة إلى حدِّ الآن إلا سطحها الهووي الصاخب والعنيف والمهزوز، نعني بالأساس انفعالاتنا القومية والدينية، فإننا أحوج ما نكون إلى إعادة إنصات شديد لأنفسنا المحسوسة واليومية كما تقول في بُعدها البشري الكوني، بعيدًا عن أيّ أجوبة ثقافية نهائية حول من نكون؟”.
بهذا المعنى، لا يمكن أن يصبح السوري مواطنًا، من دون وعيِ جذرية وأولوية انتمائه الإنساني، هذا الوعي يكتسي أهمية راسخة في قضية الاندماج الوطني خاصة، كونها تضع الإنسان ككائن كلّي مُكْتف بذاته ولا يحتاج إلى أيّ هُوية أخرى من خارج ذاته، تعطيه قيمة أعلى من تلك القيمة الإنسانية العليا، والتي تطّهره من الرواسب المذهبية والطائفية والإثنية والأيديولوجية.
2– الوطنية ليست دعوة أيديولوجية أو سياسية أو انتخابية، وليست امتيازًا توزّعه سلطة مستبدة دينية أو غير دينية على من تشاء وتحرمه عن المعارضين لها، كما كان يحدث مع سلطات الحزب الواحد، حيث كان المشايعون والموالون وطنيين، وكلّ ما عداهم هم في صف المعادين. فمن الواجب والحتمي، أن يتمّ تأسيسها على مبادئ الإنسية والعمومية والحياد تُجاه العقائد والانتماءات، وهذا يجعل حدودها متطابقة مع حدود العلمانية، فدائرة الوطنية السورية أوسع من الإسلام والمسيحية واليسار واليمين والعروبة والكردية وجميع المذاهب والطوائف والأيديولوجيات، وذلك لأنها تحتويهم جميعًا، بوصفهم حالات كسرية لا ترقى إلى منسوب الكلّي والعام، وبصرف النظر عن موضوع العدد والكمّ المذهبي أو الإثني، فالدولة الوطنية لا تنظر إلى موضوع الكمّ العددي، وتقيم تمايزات على أساسه، وإلا كفّت عن كونها دولة. ويمكن أن نلاحظ أنّ كلّ حروب المشرق العربي، والحرب السورية خاصة، يقف في خلفيتها على الدوام احتلال المجال العام من قبل إرادات خاصة بالقوة الغاشمة، ومن ثمّ، انتفاء عموميته وتحوله إلى مجال خاص تُعربد فيه إرادة القُوّة الخالصة.
وغنيّ عن القول إنّ دستور الدولة الوطنية يجب أن يجسّد طابعها العمومي، أي أنه يتضمن فحسب كلّ ما يتفق عليه المواطنون من خلال برلمان مُنتخب أو جمعية تأسيسية مُنتخبة، ولا يجوز أن يكون هناك أيّ مصدر من مصادر التشريع سواء أكان سماويًا أو أرضيًا، غير ذلك المتفق عليه من قبل المواطنين. وما يعطي الدستور هالة السموّ والرِّفعة، هو هذا الاتفاق بين المواطنين الأحرار على أن يكونوا جميعًا محكومين بما اتفقوا عليه، وإلا انتفت فكرة دولة حقّ وقانون، وانتفت الديمقراطية والسياسة، وأصبحنا في ميدان تعسّف الإرادة الخاصة. يقول الراحل إلياس مرقص: يجب الانتقال من “الديمقراطية” (مع مزدوجين!) إلى “دولة حق” وديمقراطية.
“دولة حق”. دولة حق وقانون… إلخ، هذا هو الأساس المنطقي للديمقراطية.
لا دولة ديمقراطية إذا لم تكن أولًا “دولة حق”.
لا ديمقراطية بلا دولة.
لا ديمقراطية مع اللادولة.
واللادولة هي الدول (بالجمع)، الفوضى والعسف والاستبداد.
وهي المخلوطة؛ دول، طبقات، طوائف، قبائل… إلخ.
دولة حق: هذا يعني أولًا سموّ القانون. بدءًا من الدستور (دستور الدولة)، وصولًا إلى نظام السير في الشوارع، مرورًا بالقوانين.
إذا كانت فكرة “الله تعالى” لا تُؤسِّس فكرة سموّ القانون. فهذه مفارقة كبيرة تستحق الاهتمام.
3– إنّ تفريغ الوطنية السورية من أيّ شحنة أيديولوجية أو دينية، وتأسيسها على مبادئ العمومية والإنسية والحياد والمواطنة المُجرّدة، سيُفضي بالضرورة إلى إعادة النظر جذريًا وبشكل حاسم في أفكار: “الدور الإقليمي” والانتماء إلى “محور مقاوم” أو “غير مقاوم”، أو الانضمام إلى جبهات “صمود وتصدي”، ومن ثمّ، نزْع الدّور الحربيّ لسورية، الذي وفرّ الغطاء لعسكرة الحياة السياسية، وتحويل البشر إلى كائنات أيديولوجية، ونشوء ظاهرة الجماهير التوتاليتارية، فلا يجوز مستقبلًا، إذا أردنا أن نبني وطنًا ودولة ومجتمعًا وأمة، أن نرهن مستقبل السوريين لأيّ قضية خارجة عن دائرة قضية الحياة وتحسين شروط العيش الكريم للبشر، لذا من أولى مهمات أيّ دولة وطنية محتمَلة النشوء هي سحب سورية من مستنقع المحاور، وبناء دور إقليمي اقتصادي وثقافي لسورية عِوضًا من دورها الإقليمي الصراعي، الذي ورِثنا عنه الكوارث كارثة تلد أخرى.
4– كذلك، فإنّ الوطنية بحيادها وتجرّدها وعموميتها وأنسيتها، تذهب على خطّ مغاير للاتجاهات والتيارات، التي تُؤسّس على مفاهيم وممارسات تسييس القومية أو تسييس الدين. في رحاب العمومية الوطنية الفسيح، الذي هو أوسع/ ويحتوي كلّ الانتماءات الأخرى، تصبح القومية انتماءً ثقافيًا، ويصير الانتماء الديني انتماءً أخلاقيًا وروحيًا، ويمارس المتدينون كلّ عباداتهم وطقوسهم الدينية بحُريّة مُطْلقة في المجتمع المدني، أما في المجال السياسي، مجال الدولة فلا وجود إلا للأبعاد الوطنية العمومية، التي تخاطب السوريين بوصفهم سوريين أساسًا، لا بوصفهم عربًا أو كردًا أو مسلمين أو مسيحيين.
وهذا يعني أيضًا، أنّ الوطنية تتعارض مع أفكار وممارسات تنظيمات، مثل أحزاب الطليعة العربية والطليعة الكردية والطليعة الإسلامية ومؤتمرات مسيحييّ الشرق وعلوييّ سورية المعارضين… إلخ. وفي الوقت ذاته هذا لا يتعارض مع إمكان إقامة وحدة عربية بين بلدين أو أكثر، لكنه يجعل ممرّ الوحدة الوحيد من خلال الدول الوطنية المُفترَضة في هذه البلدان، من خلال تصويت برلماناتها على هذه الوحدة وشروطها وأهدافها وانعكاسها على رفاه المواطنين وحياتهم في البلدان المعنية. بهذه المضامين تصبح وحدة كهذه إنجازًا وطنيًا، وليس عملًا مبنيًا على امتداد عِرقيّ أو فخذي يذهب نحو توسيع دائرة العِرق والبطون والأفخاذ، ولا يعنيه رفاه وحياة البشر، ويتخذ العنف والقهر والعسف طريقًا لتلك الوحدة، كضمّ الكويت من قبل نظام صدام حسين، وتوحيد أجزاء من سورية والعراق من قبل داعش، فوحدات كهذه لا تُولّد إلا الحروب والعداوات والدمار ومصيرها في النهاية تكريس الانفصال بصيغة أكثر عمقًا وتَجذّرًا.
وكذلك، فإنّ الأحزاب والتنظيمات السياسية، تَفقد صفتها الوطنية عندما يكون لها امتداد خارج حدود بلد الدولة الوطنية، واستنادًا إلى ذلك، فإنّ حزب البعث في سورية والعراق وغيرها من البلدان العربية، لم يكن حزبًا وطنيًا، وحزب العمال الكردستاني وفروعه في سورية والعراق، ليس حزبًا وطنيًا، وحركة الإخوان المسلمين في كل البلدان العربية وغير العربية ليست حركة وطنية، لا بل إنّ وجود هكذا أحزاب خطر على الوطن والأمن والاستقرار والحياة بمفاصلها كافة، وخطر خاصة على الاندماج الوطني وعلى السياسة بمفهومها العام، بوصفها فاعلية مجتمعية وليست فاعلية حزبوية، وغالبًا ما تكون هكذا أحزاب وحركات أحزابًا وحركات ما فوق وطنية شعاراتيًا، وما تحت وطنية واقعيًا وفعليًا.
وبهذا أيضًا، تنفي الوطنية الّلغوَ المتمثل بإقامة حدود وفواصل ما بين إسلام سياسي “معتدل” وإسلام سياسي متطرف، أي ما بين إسلام سياسي “معتدل”، قادر على التصالح مع القضية الوطنية، وإسلام سياسي متطرف طارد للمسألة الوطنية، لكن الاتجاه العام الذي أفصحت عنه الحركات والفصائل والأحزاب والمليشيات الإسلامية، ينبأ بالتعاضد البنيويّ ما بين “المعتدِلين” والمتطرفين، فحزب الدّعوة الشيعي في العراق يتمفصل بقوة مع ميليشيات الحشد الشعبي العراقي، وحزب العدالة والتنمية التركي بزعامة أردوغان، وهو “أرقى” تجرِبة إسلامية سياسية في تاريخ المسلمين، بحُكم ولادة هذه التجرِبة ونموها في مناخ مجتمعي وثقافي وسياسي أرسته العلمانية الأتاتوركية، ومع هذا كانت التجرِبة الأردوغانية مع الإخوان المسلمين السوريين، هما حاضنة الحركات الظلامية العنفية والمسلحة!
وهذا يقود إلى ضرورة الانتقال من موقف إقامة الفوارق الواهية بين “إسلام سياسي معتدل” وإسلام سياسي متطرف، إلى موقف تاريخي مطلوب وواجب، يقوم على معارضة تسييس الدين من حيث المبدأ، وترحليه كليًا من المجال العام إلى الجوامع والكنائس والمجتمع المدني. وبالتلازم مع ما سبق، فإنّ سياقات العولمة الراهنة وزمانيتها، تجعل مفهوم الإصلاح الديني كما طُرح تقليديًا بوصفه إعادة تأويل النصوص وخلق هوامش جديدة على هوامش تراكم عليها غبار التاريخ، مسألة عبثية لا طائل منها. وبات المطلوب بعد هذه التجارِب المُدمِّرة للحركات الإسلامية من السودان إلى غزة ومن جنوب لبنان إلى جنوب العراق، ومن الموصل إلى أرياف دمشق وحلب وإدلب، ومن مليشيات الوِفاق في طرابلس إلى مليشيات الحوثيين في اليمن، إصلاحًا دينيًا يتمثل بإعادة إنتاج الروح الإنساني الذي يجري فيه، بحسب ماركس، وإنتاج القيم الروحية العامة التي تتوافق مع إلزامات الواجب الأخلاقي المطلق بحسب كانط، وهذا هو الاتجاه العام الذي ينسجم مع روح المسألة الوطنية الأخلاقي والسياسي.
5– وأيضًا، يجب أن تطرد الوطنية السورية أيّ نزعة إمبراطورية صريحة أو ثاوية في قاعها، وخاصة تُجاه اللبنانيين والفلسطينيين والأردنيين، وهذا يساعد السوريين في تخلصهم من الحنين إلى دور دمشق الأموي، وتخلصهم من الحنين إلى موقعهم التاريخي، بوصفهم يحملون المسؤولية التاريخية عن إقليم بلاد الشام، فالوطنية والدول والشعوب والمجتمعات لا تبنى على الحنين، بل تقوم على أسس واقعية قوامها التشكّل والانحلال، فليس هناك هُوية ثابتة وسرمدية في التاريخ، كلّ الهُويات قابلة للانحلال، الثابت الوحيد هو الانتماء إلى النوع البشري، وعلى هذا الانتماء الجذريّ تتنوع الانتماءات الأخرى، التي تنحلّ وتتشكّل باستمرار. لذا، حتى يعيد السوريون بناء سورية المحطمة، عليهم العمل وفْق سياسة صفر مشكلات في الإقليم والعالم، فالنظام الذي يمتلك نزعة إمبراطورية لا يطعم ولا يسمن ولا يعّلم ولا يدافع عن مستوى الحياة، وتعدّ إيران وفنلندا مثالين على ذلك، إيران “دولة” إمبراطورية تمتلك ثروات هائلة، أكثر من ثلث سكانها تحت خطّ الفقر، وفنلندا دولة صغيرة بكلّ المقاييس من دون موارد سكانها يعيشون رغد العيش في طليعة شعوب المعمورة!
وفي الختام، لا بدّ من البوح بإشكالية تؤرقني باستمرار إلى حدود الاختناق تحسّرًا وكَمدًا وهي: لقد قدّم السوريون أنفسهم للعالم في العقد السابق، سلطة ومعارضة، على أنهم مليشيات وفصائل مسلحة، ومنصات سياسية، وإتلاف ومجالس “وطنية”، ولجان دفاع “وطني” وغير وطني، وميليشيات كردية، وميليشيات عشائرية عربية، وكائنات مستنفدة في أبعادها المذهبية والطائفية والإثنية، ومؤخرًا تحولت صورتهم في الإعلام العالمي، بسبب النزوع الإمبراطوري الأردوغاني إلى “المرتزقة السوريين”. إنّ كسر هذه الصورة التي تشكّلت عن السوريين في السنوات الأخيرة، هي خطوة أولى في مسار الوطنية السورية الصعب والطويل وغير الحتمي.

المراجع المستفاد منها، ولم يشر إليها في الهوامش:
1– عبد الله العروي؛ العرب والفكر التاريخي.
2- عبد الله العروي؛ مفهوم الدولة.
3 – ياسين الحافظ؛ الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة، الأعمال الكاملة، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية.
4 – ياسين الحافظ؛ في المسألة القومية الديمقراطية، الأعمال الكاملة، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية.
5 – جاد الكريم الجباعي؛ المجتمع المدني هوية الاختلاف، دار حوران للنشر.
6- جاد الكريم الجباعي؛ وردة في صليب الحاضر.
7- جاد الكريم الجباعي؛ حِوار العمر مع إلياس مرقص.

منير الخطيب

كاتب وباحث سوري، يكتب في مجال الفكر السياسي، وله إسهامات عديدة في الصحافة العربية، مهندس مدني.