ما بين سايكس بيكو والدولة-الأمة

كم هو مدهش تأمل الهوة، بل الفرق الشاسع بين منطق التخطيط الاستراتيجي، والبرامج السياسية الدارجة حول إقليم شرق المتوسط، بين القوى المحلية والتخطيط الاستراتيجي للقوى الدولية حول مستقبل شرق المتوسط.
ففي حين تغرق محافل التفكير والتخطيط الاستراتيجي لدول الإقليم بالتصورات العقائدية، وفي حين أنها لا تزال غارقة في المقاربة العقائدية والتراجعية ذاتها التي سادت طوال القرن الماضي على مستوى التخطيط والممارسة، فإن العالم وقواه المؤثرة تحاول استخلاص الدروس، ونقل المنطقة إلى سياقات جديدة.
في أوساط استراتيجية عديدة، كما في مراكز الأبحاث الروسية منها والأوروبية والأميركية، يعود بشكل متواتر الحديث عما بعد سايكس بيكو في شرق المتوسط. ويوقظ هذا الحديث مجمل رواسب المقاربات الاستشراقية التي جاءت وأسست لهذا الاتفاق. وتساهم عدةٌ من مراكز الأبحاث في الدول الإقليمية في هذا النقاش، من منطق أن شعوب وطوائف شرق المتوسط لم تكن يومًا قادرة على إدارة شؤونها إلا تحت هيمنة إحدى الدول الكبرى في الإقليم.
وهكذا نعود إلى سايكس بيكو جديد.
بالمعنى الدقيق للكلمة، إن اتفاقات سايكس بيكو هي التي نجمت عن لقاءات هذين الدبلوماسيين البريطاني سايكس والفرنسي بيكو 1916، المكلفين بوضع مبادئ لتقسيم شرق المتوسط (أو ما تم التعارف عليه لاحقًا باسم الهلال الخصيب)، في حال إنجاز الهزيمة الوشيكة لألمانيا وحليفتها الإمبراطورية العثمانية، في الحرب العالمية الأولى، حيث تم في هذه الاتفاقات تحديد ملامح أولية لتوزيع النفوذ، ورسم المصالح المشتركة بين الدولتين اللتين كانتا تُعَدّان القوتين العُظمتين في تلك الفترة.
لم تضع هذه الاتفاقات سوى رؤية أولية للمنظومة السياسية لدول المنطقة، لكنها أصبحت عمليًا الأساس القانوني والسياسي والاستراتيجي للشرعية الدولية، وللعلاقات الدولية شرق المتوسط، في ما اعتمده الاتفاق من حقوق، وأسسه من حدود لمنظومة عيش مشترك شرق الأوسط. في ذلك الوقت، كان الاتفاق ملزمًا قانونًا لبريطانيا وفرنسا، وإن كان مشروطًا بهزيمة الحلفاء للعثمانيين.
ولكن على الرغم من كونه اتفاقًا سريًا، فإنه يصبح في حال تحقق انتصار هاتين الدولتين ذا قوة شرعية، ويكتسب طابعة الملزم بموجب القانون الدولي بصفتهما الدولتين المنتصرتين على الدولة ذات الولاية بموجب القانون الدولي، مع التأكيد على الطابع الملزم لهذا الاتفاق.
لم يكن اتفاق سايكس بيكو سوى عنصر واحد من عناصر الدبلوماسية السرية المتواصلة إبان الحرب الأولى بخصوص العديد من القضايا الناجمة عن انهيار الإمبراطوريات الخمس، ولقد ألحقت بهذه الاتفاقات بشكل تراكمي اتفاقيات تفصيلية عديدة، كان يتم مواءمتها مع تطور الأحداث على الأرض، إذ ما لبثت أن استكملت اتفاقية 1916 باتفاقات قوتين انضمت إليهما القوتين الأخريين الشريكتين في الحرب اللتين كانتا مهتمتين بالمنطقة، وهما روسيا وإيطاليا.
التوجه العام للدولتين المتفاوضتين كان يهدف إلى تدبير أمور الأراضي التي تخرج بشكل متواتر عن السلطنة العثمانية من عملية تفككها المتواصل منذ أوائل القرن الثامن عشر، وكان الترتيب أن يتم تقسيمها إلى مناطق تحت النفوذ البريطاني والفرنسي، مع تحول فلسطين إلى كيان دولي، مستجيبًا بذلك لما كان يمثل آن ذاك المصالح الاستراتيجية البريطانية، والمطالب التاريخية لفرنسا، بموقع خاص في بلاد الشام، على أن يكون لبريطانيا بلاد ما بين النهرين، وجسر بري إلى البحر الأبيض المتوسط، وأن يكون لفرنسا لبنان، والفرع الغربي من الهلال الخصيب.
مع تطور الحرب، تشكل الواقع العملي على الأرض بدلًا من التشكل العملي النهائي للمنظومة الإقليمية شرق المتوسط. ذلك أن انتصار الجمهورية التركية الفتية بزعامة أتاتورك في المعركة الكبرى للجنق-قلعة، وتكريس وحدة الأمة التركية، قد أدت إلى تعديل بعض عناصر هذه الاتفاقات لصالح تركيا، بما يسمح لها بالتمتع بموقع أفضل لكونها دولة مهزومة في الحرب، ولكنها تمكنت من الانتصار والحفاظ على حدودها، ما أرغم الحليفين الأساسيين على أخذ بعض مطالبها على محمل الجد.
في معاهدتي سيفر (1920) ولوزان (1923)، تخلت تركيا عن جميع مطالبات الإمبراطورية العثمانية خارج حدود تركيا الحديثة، لصالح كل من بريطانيا وفرنسا.
ونجم عن ذلك حق بريطانيا وفرنسا قانونًا التعامل مع هذه الأراضي؛ وعلى الرغم من أن الاتفاقات الأصلية لم ترسم حدودًا معينة لكل من المناطق، إلا أن ذلك قد تم في وقت لاحق خلال سلسلة من الاتفاقيات الموقعة في 1922 و1923 والتي رسمت حدود فلسطين (بما في ذلك ما يعرف الآن الأردن) ولبنان وسورية والعراق، كما شملت اللاحقة للاتفاق الإطاري لسايكس-بيكو اعترفًا بالالتزامات البريطانية، مثل وعد بلفور، والمراسلات مع الأسرة الهاشمية.
وعلى الرغم من أن موافقة عصبة الأمم على هذه الاتفاقات لم تكن ضرورية، لأن هذه المناطق ناجمة عن انتصار الحليفين، وتنازل تركيا عن هذه المناطق، فقد وافقت عصبة الأمم على حدود الأقاليم، ما كرس بشكل إضافي الشرعية الدولية لهذه الاتفاقات.
وبذلك أصبحت الصوة العامة للكيانات الدولية للمنطقة على الشكل الآتي:
فلسطين على كلا ضفتي الأردن تحت الانتداب البريطاني (نيابة عن عصبة الأمم).
باتفاق بين لويد جورج وكلينسو، تم نقل الموصل وشمال العراق من الفرنسيين إلى منطقة السيطرة البريطانية، وتم دمجها مع المملكة العراقية.
في إطار الاتفاق نفسه، منحت بريطانيا فرنسا حرية في المنطقة التي حصلت عليها، والتي استخدمها الفرنسيون لتوسيع مساحة لبنان على حساب ما تبقى من منطقة نفوذهم في سورية، ثم تقسيم سورية إلى عدة دول.
أنشأت بريطانيا إمارة مستقلة للملك عبد الله بن الحسين، وفصلتها بعد ذلك عن فلسطين الانتدابية.
تم منح مقاطعة اسكندرون-هاتاي، على الحدود السورية التركية وضعًا خاصًا، وتنازلت فرنسا عنها في نهاية المطاف عن تركيا عشية الحرب العالمية الثانية.
بذلك أصبحت الدول العربية التي أنشئت بهذه الطريقة–العراق وسورية والأردن ولبنان–جزءًا من نظام أكبر كثيرًا من الدول العربية، يتجاوز أبعاد الاتفاق الأساس، ولكنه يبقى في إطاره.
ومن المفيد أن نلاحظ هنا نقطتين تبدوان جوهريتين في السياق الراهن.
أولها: الاستحقاق التاريخي لانهيار الإمبراطورية العثمانية؛ على الرغم من أن الخطاب القومجي أو الديني الدارج لا يزال يقارب مسألة انهيار الإمبراطورية من المنطق البائس لنظرية المؤامرة، من المهم جدًا أن ندرك أن انهيار الإمبراطورية العثمانية كان مجرد حلقة من حلقات الاستجابة البشرية لاستحقاقات الاقتصاد البرجوازي ونشوء الدولة القومية الحديثة كحدث تاريخي كوني، تمثل بالقضاء النهائي على الإمبراطوريات المركزية الإقطاعية المحتضرة؛ فلنتذكر هنا أن الحرب العالمية الأولى شكلت نهاية الإمبراطوريات في النظام الدولي، حيث تم القضاء في نهاية الحرب على خمس إمبراطوريات كبرى معًا، ألا وهي الإمبراطورية الألمانية، والإمبراطورية الروسية، والإمبراطورية الهنغارية النمساوية، والإمبراطورية العثمانية، والأهم، نهاية الإمبراطورية البريطانية.
ثانيها: الهوية الوطنية ما بين أمة ومنطقة جغرافية؛ تسمح لنا قراءة المراسلات التي سبقت والتي تلت الاتفاقات المتعلقة بنهاية الحرب العالمية الأولى، باكتشاف فرق جوهري في تعامل الدولتين المنتصرتين، وفي موقف المجتمع الدولي – عصبة الأمم – مع الكيانات التي نجمت عن الانهيار الحتمي للإمبراطورية العثمانية في ذلك الحين.
الدول التي تبلورت فيها الهوية الوطنية والشعور القومي بشكل مبكر، مثل مصر، واليونان، وبلغاريا، وإيران، وتونس، والمغرب، إلخ.. التي خاضت نضالًا شرسًا لانتزاع استقلالها من براثن الإمبراطوريات المنهارة قبل خسارة هذه الإمبراطوريات الحرب، كان ينظر إليها على أنها دول قومية تتمتع باللحمة الوطنية وبالعصبية القومية، وبذلك لم توضع هذه الدول تحت الانتداب المباشر، بل عُدّت كل منها دولة أمة Nation State، ولكنها دولة أمة قيد البناء.
في حين أن المناطق التي تبعثرت وانفلتت عن السياق العثماني بفعل انهيار الإمبراطورية وهزيمتها في الحرب العالمية الأولى، جرى التعامل معها على أنها شظايا الانهيار العثماني لا كيانات قائمة؛ لقد تمت مقاربة هذه المناطق بشكل مختلف تمامًا، وجرى التعامل معها عمليًا على أنها مناطق جغرافية فيها ثقافات غير متمايزة، وعلى أنها مصطلحات تاريخية لا دول- أمة Nation-States، عُدّت مناطق يقطنها شعوب وقوميات وطوائف غير متبلورة، تعيش في مناطق لها تسميات جغرافية لأراض من دون أن تكسب مفهوم الدولة الأمة.
وحقيقة الأمر أن نشوء الدولة الوطنية الحديثة كانت دومًا محكومة بشكل أساسي بحقائق الجغرافية الاقتصادية، وكان نجاح هذه الدولة أو تلك بالبقاء والاستمرار لا يقوم على مقدار العصبية لأهلها، بقدر ما قام دومًا على قدرتها على فرض وتبرير وجودها في الجغرافية الاستراتيجية والاقتصادية الإقليمية المحيطة بها.
وحقيقة الأمر أيضًا، أن الدول التي نجمت عن هذه الاتفاقات لم تكن تعكس خريطة العصبيات الأقوامية والإثنية لشرق المتوسط. بل إن بعضها نشأ بشكله الراهن نتيجة دور وظيفي استراتيجي مناط بها في ظل تقسيم العمل الاستعماري، والمتطلبات المفترضة للدولتين المنتدبتين. من هذا المنظار جاءت تقسيمات سايكس بيكو تقسيمات وظيفية، ولم تكن الجغرافية الطبيعية والاقتصادية، ومن ثمّ، لم تكن قضية الديمومة والبقاء لهذه الدول هي الهاجس المركزي في تقسيم العمل بين فرنسا وبريطانيا.
لم تكن سورية يومًا كيانًا مفتعلًا من الناحية التاريخية. بل كانت كيانًا تفرضه الجغرافيا الاقتصادية والإثنية لسورية كما ترسخت عمليًا. فلقد استتبت علاقات الاقتصاد السياسي والجغرافي لسورية تاريخيًا، حيث كانت الاسكندرونة الميناء الطبيعي لحلب، والميناء الطبيعي لوسط سورية هو طرابلس، أما الميناء الطبيعي لدمشق فقد كان في حيفا، في حين لم تصعد بيروت إلا بعد انقطاع حيفا، ولم تصعد اللاذقية إلا بعد الحرب الأهلية في لبنان. كما لم تكن الأردن إلا امتدادًا للعمق لدمشق، كواحة للعمران بالنسبة إلى الجزيرة العربية، ولم تكن الموصل سوى توأم وظيفي لحلب في الجغرافية الاقتصادية للطريق نحو الأستانة–إسطنبول.
لكن، لدى دراستنا لحيثيات قضية الجولان إبان عمليات السلام، كنا ملزمين بالعودة للاتفاقات المنبثقة عن سايكس بيكو، والتي أبرمها ضباط من الدرجة الثانية في المستعمرات البريطانية والفرنسية، من أجل رسم الحدود بين منطقة الانتداب البريطاني والفرنسي في الجولان عامي 1922-1923. شكلت هذه الاتفاقات مصدر الشرعية في النقاش مع الإسرائيليين وأساسًا في تحديد الحقوق. ونستطيع القول هنا: لا الجغرافية الاقتصادية، ولا الهوية، ولا العصبية الإثنية، ولا الدينية، ولا الوطنية، ولا الجغرافية السياسية كانت هي الأساس في رسم حدود تلك الدول.
ومن الطريف أن نتأمل هنا المنطق المختلف تمامًا في رسم الأولويات لكل من فرنسا وبريطانيا، بالنسبة إلى بريطانيا كقوة استعمارية بحرية، هاجسها الأساس الاقتصاد والتجارة، كان هاجس المفاوض البريطاني هو ضم أكبر ما يمكن من الموارد لمناطق نفوذه، وتحقيق جغرافية اقتصادية مصغرة قابلة للحياة في فلسطين والعراق، وكانت الأردن بالنسبة إليه ضرورة لوجستية لإيصال موارد العراق، بما في ذلك نفطه المكتشف لاحقًا إلى البحر المتوسط، علاوة على متطلبات وعد بلفور والوعد المعنوي للشريف حسين؛ في حين كان هاجس المفاوض الفرنسي بصفته ممثلا لتقاليد استعمارية فرنسية، يغلب عليها منطق الاستعمار البري، والنفوذ الثقافي، ويستند إلى ضم أكبر قدر من الإثنيات المتعاطفة إلى مناطق نفوذه.
على الرغم من ذلك، فقد فوجئت السلطات في باريس حين تمكنت الكتلة الوطنية السورية من أن تبدي مستوىً عاليًا من الروح الوطنية السورية، والتلاحم المجتمعي، بحيث تمكنت حفنة صغيرة من الزعماء الوطنيين الحقيقيين السوريين من قطع الطريق على ما كان متفقًا عليه من تقسيم سورية إلى أربع جمهوريات أو أقاليم.
وحين فشل مشروع التقسيم الفرنسي، اجتمع المندوب السامي الفرنسي في بيروت مع عدد من ممثلي الطوائف في سورية، ليبلغهم أن فرنسا قد قررت الخروج من سورية ومنح شاطئ على المتوسط للداخل السوري.
كان من المفترض أن تشكل هذه الوقفة الوطنية السورية برعمًا جوهريًا لتثبيت العصبية الوطنية السورية وأساسًا لإنتاج التحول التاريخي لسورية، من شعب إلى دولة–أمة. لكن سرعان ما تداخلت رياح الانتماء الديني والطائفي والقومي العربي لتذيب العصبية القومية السورية، وتتسامى بها إلى تصور طوباوي ما فوق وطني.
لم تكن التعبيرات القومية والإسلاموية والأممية اليسارية إلا تساميًا أسطوريًا صار نافيًا بحد ذاته للوطنية المؤسسة للدولة– الأمة؛ وفي حين ساهمت القضية الفلسطينية في تكريس مفهوم محدد، ألّا مستقبل “لنا” نحن العرب إلا باستعادة الوحدة التي كانت قائمة قبل ألف عام إبان الدولة العباسية، أو عودة الخلافة الإسلامية التي كانت الدولة العثمانية آخر نموذج لها، حصل الانقطاع هنا، فبدلًا من انتقال النخب الثقافية، في إنشاء عصبيات توافقية على المستويات الوطنية، وبدلًا من تنمية هذا البرعم الوطني بما يتيح بتحويل الدولة الأمة إلى بوتقة للصهر الوطني بما بتجاوز التقسيم الطائفي الذي كان على وشك التحقق في نهاية الاحتلال الفرنسي والبريطاني، كان التقسيم الديني–الطائفي أساسًا للعصبيات الجمعية.
لمدة موقّتة، سمحت التجربة الناصرية بردم الهوة بين المشروع القومي العروبي والمشروع الإسلامي، حيث انجرفت المجتمعات المسلمة لتنخرط في مشروع قومي تحرري يتجاوز منطق الإسلام السياسي، ولكنها سرعان ما انهارت، وهو أمر لن نخوض فيه الآن، ولكن حقيقة الأمر كانت مختلفة جدًا عن الأوهام، فعلى الرغم من مركزية القضية القومية العربية والقضية الفلسطينية في الخطاب الرسمي والإعلامي، فإن هاتين القضيتين لم تكونا إلا بئرًا أسطوريًا لسرديات التأسيس للأنظمة الشمولية.
يوضح لنا الاستعراض العملي للسياسات الفعلية للدول العربية وللحراكات التي سادت العالم العربي والإقليم، أن القومية العربية والقضية الفلسطينية لم تشكل في أحسن الأحوال أكثر من 10 في المئة من الجهد العسكري والأمني والدبلوماسي للدولة الوطنية في العالم العربي، وتظهر دراساتنا والارشيفات التاريخية للجامعة العربية والأمم المتحدة، وأرشيفات المفاوضات حول الخلافات بين الدول العربية، بأن اتفاقات سايكس بيكو كان يشيطنها القومجيون والإسلاميون، وتصويرها بقالب المؤامرة الكبرى على العروبة والدين، فإن هذه الاتفاقات بالذات كانت هي الأساس السياسي والاستراتيجي، بل هي الأقنوم المؤسس للشرعية والعصبية بين الدول العربية؛ كان هذا في الكواليس الدبلوماسية والسياسة الإقليمية، أما في الإعلام والتربية فحدث ولا حرج.
لا تشكل الصراعات العبثية لحافظ الأسد ضد ياسر عرفات، والملك حسين، وصراعه ضد صدام حسين، وضد أنور السادات، وصراع صدام حسين ضد إيران، وصراع مصر في اليمن، والصراع المصري السعودي، والحرب المغربية الجزائرية، إلخ … إلا غيضًا من فيض هائل لهذه الصراعات التي لا يمكن فهمها في إطار الوطنية السورية أو العصبية القومية العربية، ولا مصلحة القضية الفلسطينية، وكذا الأمر في قضية العداء ضد تركيا وإيران، بما تحمله من تناقض مع الخطاب القومي أو الإسلامي المعادي للغرب.
بمعنى آخر، ما إن انهار المشروع القومي العربي بمقوماته العملية الممكنة، وما إن وصل الصراع العربي الإسرائيلي إلى سقفه الاستراتيجي، حتى تبدت ملامح ضعف الانتماء الوطني والهوية الوطنية للدولة الأمة في شرق المتوسط.
لم تشكل حرب 1967، ثم وفاة جمال عبد الناصر، وانقسام حزب البعث في سورية والعراق، إلا مجرد ملامح لتداعٍ تدريجي طفيف، ولكنه تداعٍ مطرد، وذو مغزى لسقف المشروع القومي العربي.
ولم تشكل اتفاقات الكيلو 101 في مصر، واتفاقات فصل القوات في الجولان، وعودة عرفات إلى الضفة الغربية إلا رسمًا نهائيًا للسقف التاريخي للممكن الاستراتيجي في الصراع العربي الإسرائيلي، وأصبحت حرب التحرير الشعبية، وخطابات الجامعة العربية القومجية الوحدوية، مجرد إرهاصات للنهاية العملية للحلول الصفرية والأوهام الطوباوية المرتبطة بهذا المشروع.
في خضم هذا التضليل، فات النخب وفاتت الشعوب، أهمية التأسيس وتحقيق عصبية الدولة-الأمة النقيض الجوهري للطائفية، والعصبيات الإثنية بقدر ما فاتها هاجس التنمية، والمهمة الجوهرية المتمثلة ببناء الأمة عبر عملية صهر طوعي.
ما تكرس كان نقيض ذلك تمامًا، ففي غياب الوحدة الوطنية بالتراضي والمشاركة، تصبح الدولة الشمولية الضرورة الموضوعية للوحدة الوطنية، وتصبح الأساطير الطوباوية، والمجد العتيد، والوعود باستعادته، بئرًا عميقًا لا ينضح إلا بمزيد من مسوغات الاستبداد ومبررات وجوده إذ يغرف الاستبداد من هذه الأوهام الثورجية كبديل موضوعي عن شرعيته، وبذلك بقي مشروع الدولة الوطنية للدولة–الأمة طفلًا يتيمًا بين أهله، مثل سيبيريا، يتحدث الكثير عنها ولا أحد يرغب في الذهاب إليها.
وكمكمل لهذه الصورة، وبسبب فشل بعض الدول في بناء هويتها، وتعزيز العصبية القومية للدولة الأمة، فإنها لم تستطع بعد أن تبرر وجودها الموضوعي بعيدًا عن الدعم الخارجي لوجودها.
في الجغرافيا الاقتصادية لسورية الكبرى تمت إعاقة الوطنية اللبنانية بترسيخ التبعيات، ولصالح تعبيرات ما فوق وطنية، وبحجة تحرير قومجية وطائفية معروفة، وبدورها أصبحت سورية والعراق محتلتين من قبل قوى طائفية تمعن في تدمير الانتماء الوطني للأمة، إذ إن قضية ضبط وإدارة والحوكمة في الوضع الداخلي في لبنان مثلًا أصبحت غير ممكنة من دون ضابط خارجي.
فتحتَ ضغوط الانتماءات ما فوق الوطنية اللبنانية وتحت ضغط الصراعات الإقليمية، استمر الصراع في لبنان كجمر تحت التراب، بحيث أصبحت الهيمنة الخارجية أداة جوهرية في قمع التناقضات وضبطها عند حد أدنى من مستوى الصراع المفتوح.
دخلت سورية إلى لبنان بموافقات دولية، وتم القبول بالإجماع الدولي لاحقًا بالهيمنة الإيرانية على لبنان كأمر مسلم به، بل كان أمرًا مطلوبًا في ظل الفشل الذريع في إنتاج الوطنية اللبنانية.
لقد خرجت سورية من لبنان ثلاث مرات، ولكن افتقاد أرضية وطنية حقيقة للتوافق اللبناني، إضافة إلى لاستقواء بالخارج، جعلت إعادة لبنان إلى السيطرة السورية الإيرانية أمرًا مقبولًا، بل مطلوبًا ومفهومًا دوليًا عملت عليه وكرسته قوى دولية عديدة.
يواجه الأردن في الوقت ذاته تحديًا بالمعنى نفسه، ففي حين حاولت العديد من القوى زعزعة الركائز الشرعية الأساسية للدولة، قام الملك الراحل حسين، ثم الملك عبد الله، بشكل مبكر، التمركز على تعزيز وتكريس الهوية الوطنية الأردنية، لكن تبقى ثمة تحديات كبرى تجابه البلاد في وقت تشكل القضية الفلسطينية والسورية، عوامل ضاغطة منقطعة النظير، فإن أهمية تحقيق حوكمة رشيدة، وتعزيز مقومات التوازن الاستراتيجي المحيط به، وتوطيد الوحدة الوطنية، وإعادة تعزيز منهج التقدم الاقتصادي، يبقى هو المخرج الأساس من أجل أن يثبت الأردن قيمته المضافة في مناخ إقليمي عاصف.
بالنسبة إلى سورية، لم تكن التعبيرات القومية إلا تساميًا أسطوريًا صار نافيًا للوطنية السورية؛ ولا أزال أذكر كيف تلقيت توبيخًا من وزارة الخارجية لقولي، في أحد المحافل المهمة، إن “سورية أولًا”، وكان الرد بأننا لسنا إلا قطرًا في أمة، وإلا فأين تذهب القضية الفلسطينية وأين؟ وأين؟ بل سرعان ما طُلب منا أن نضع شعار مركزنا فوق الإسكندرونة في خارطة سورية، بهدف عدم إغضاب تركيا في ظل شهر العسل القصير بين تركيا وسورية في العقد الأول من القرن الحالي، إذ لم تكن الوطنية السورية ببعدها التاريخي ولا الجغرافي ولا السياسي مسموحة علنًا، ولكن هذا حديث آخر سأعالجه لاحقا.
لذلك، لا غرابة أنه مع تبدد الأحلام بالمشروع القومي العربي، وانهيار مشاريع الخلافة الإسلامية واليسارية على مختلف طوائفها، انكشف الفراغ العميق في العمارة الوطنية للأمة السورية.
إن الحروب الأهلية المستعرة أو الكامنة في شرق المتوسط لا تشير إلى انسداد أفق الربيع العربي الذي لا يزال يختمر. ففي المعارك الكبيرة ليس المهم أن تنتصر في القتال، بل المهم والحاسم هو الانتصار في السلم، فأمام الانسداد النهائي للأفق المشروع القومجي والاسلاموي القائم على الريع ورأسمالية الدولة الاحتكارية المحسوبية، وأمام انسداد أفق المشاريع ما فوق القومية، لانزال نرى إرهاصاته بقوة.
فعلى الرغم من أن نظام الأسد مثلًا قد بقي، لكنه غير قادر على الحياة، وعلى الرغم من أن منظومة المحاصصة الطائفية في لبنان لا تزال باقية، لكنها غير قادرة على الانتصار في السلم، وكذا الأمر بالنسبة إلى ما هو الحال عليه في العراق. نجد أنفسنا هنا أمام وضع لا يقدر فيه الجديد على النصر، ولا يستطيع القديم هزيمة الجديد، فما هو السبب؟
يثير هذا السؤال بقوة المخاطر الناجمة عن غياب المشروع الوطني للدولة الأمة في شرق المتوسط، فان الحركات المدفوعة في معظمها بالأصولية الإسلامية، لتتحدى التكوين السياسي الحالي للمنطقة وسيادة الدولة الوطنية، هذا الجدل، وهذه الوقائع هي أس النقاش الذي يجري دوليًا حول مستقبل المنطقة.
إنه جدل على مستوى المنطقة، وجدل على مستوى القوى الدولية.
على المقلب الأول، من خلال مناظير القوى الكبيرة من خارج المنطقة، يجري حديث معمق حول مستقبلها، بعض هذه النقاشات تبلور بشكل أولي في لقاء جمع في القدس رؤساء الأمن في كل من روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة، وبعضها تبلور في لقاءت سوتشي، التي لم تقتصر على سورية وحسب بل امتدت، كما حصل مع كل من سايكس وبيكو على مدى أنابيب النفط والغاز من وسط آسيا، ومستقبل كردستان إلخ..
يدور الحديث في هذه الأوساط الآن عن أن التفكك وانهيار العصبية الوطنية الجامعة قد انهار إلى حد قد يصعب معه تصور إمكان استعادة النظام القديم، بل إنه في ضوء الواقع الطائفي والعرقي المختلف في المنطقة، يبدو أن نظاما إقليميًا جديدًا لا بدّ من تكوينه. وفي سياق الفشل الكبير في إنتاج حد أدنى من التوافقات الوطنية لتجاوز الأزمات المستحكمة (قديم يموت، وجديد تستعصي ولادته) قد يكون لا بدّ من استعادة دورة جديدة لانتداب القوى الإقليمية على المنطقة.
وتقدم دراسات معمقة تقوم على أنه ما دامت هذه “الأقوام” في شرق المتوسط لم تتمكن من إيجاد قواسمها المشتركة، أو التوصل إلى توافقات إثنية وثقافية تم إغفالها، بل قعمها في منظومة ما بعد سايكس بيكو، فلا بدّ من قوى خارجية، وكأن منطقتنا في شرق المتوسط تبحث عن مستبد جديد، بلباس عسكري، أو مستبد بلحية، يضبط المظلوميات ويقمعها.
وتتحدث هذه الدراسات عن احتمال الاضطرار إلى الجمع بين الحدود التي أعيد رسمها، واستخدام تشكيلات سياسية جديدة لم تستخدم في المنطقة، مثل الاتحاد/الاتحاد الكونفدرالي، ولكن بحسب هذه الدراسات، “يبدو أن الأقليات والفصائل والحركات المقاتلة ليست مستعدة بعد للنظر في وضع ترتيبات سياسية دائمة جديدة في بيئتها الجغرافية، علاوة على إعادة رسم الحدود للدول، وتجد هذه الأوساط أنه قد يكون “من السابق لأوانه بل من غير المجدي أن نناقش علنًا التغيير المتفق عليه للحدود القائمة، واستبدال النظام القديم لحكومة مركزية بنظام مختلف “بالقدر ذاته الذي سيكون من غير المجدي افتراض أن بعض القوى الأصلية التي تقاتل في الشرق الأوسط ستكون راضية ببساطة عن العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل الحروب الأهلية”.
لم يعد شبح اجتماع مسؤولين كبار لدول كبرى وإقليمية مجرد شبح، كما أنه لم يعد سرًا، لكن الشكل الجديد يتعلق بانتداب قوى إقليمية (وأنا أجد أن وجود روسيا هنا قوة اقليمية)، وتكريس ذلك في معاهدات دولية تقرها العصبة الجديدة للأمم–الامم المتحدة، لم يعد بعيدًا عن التصور.
من الواضح أن من بين الاختلافات بين عامي 1916 و2020- غياب قوة خارجية قادرة على فرض تسوية – حتى لو وافق عليها المجتمع الدولي، حيث يبدو واضحًا إحجام الجهات الفاعلة الرئيسة من خارج المنطقة عن نشر قوات على الأرض أداة رئيسة في هذا الصدد، لذلك يجري البحث عن قوات ضاربة إقليمية. كما يجري التخطيط لمنع وقوع الأسلحة في أيدي جماعات تعارض التسوية السياسية، ومنع متطوعين جدد من الوصول إلى القوات المحلية، وتدمير الترسانات والمستودعات، قد يعجل بالرغبة في النظر في حلول وسطية.
هذه العملية مثل عملية سايكس بيكو 1916، تبحث من حيث المبدأ بين الجهات الفاعلة الرئيسة الخارجية بشأن إعادة تشكيل المنطقة لجعل هذا التغيير ممكنًا.
وتجري عمليات التفاوض في المرحلة الأولى لإنتاج تصور يقوم على إمكان أن تصبح سورية والعراق اتحادات كونفدراليات بالمعنى الواسع للكلمة بعد تغييرات محددة في الحدود، كما يتطلب الأمر إعادة ترسيم الحدود الداخلية بشكل عام بين الولايات الفدرالية، وقد تترك التفاصيل للمفاوضات بين المكونات المستقبلية للهياكل السياسية الجديدة/الولايات الاتحادية، مع القبول بتقسيم واسع بين صلاحيات المركز، وصلاحيات الوحدات التي ستصنع الدولة الفدرالية.
في المرحلة الثانية سيكون من الضروري ضبط سلوك اللاعبين الإقليميين وإقناعهم بضرورة القبول بلجم الصراعات بينهم، وإنجاح المشروع القائم بخطوطه العريضة، ذلك لأن بقاء الاحتدام الإقليمي قد يفشل الوضع، ويبقي المنطقة في حالة من الفوضى؛ وفي حال تحقيق تفاهم واسع في هذا السياق بين الدول الأساسية، يمكن أن يتم في ما بعد جلب بعض الدول العربية الأخرى.
في المرحلة الثالثة، سيطلب من بعض اللاعبين المحليين إعطاء موافقتهم.
قد يكون من السابق لأوانه الإعلان عن “سايكس بيكو” جديدة، ولكن من المؤكد أن خطوطه العريضة في إطار البحث عن نظام انتداب جديد في الشرق الأوسط، حيث ستتشكل الصورة النهائية بشكل تراكمي عبر الاحتفاظ بالأجزاء القائمة، وإضافة أجزاء جديدة، لاستيعاب التغييرات التي حدثت وتحدث.
على المقلب الثاني، بالنسبة إلينا أبناء شرق المتوسط: سواء أكنا عراقيين أم سوريين أم لبنانيين أم أردنيين، فإن النقاش يبدو مسدود الأفق نظرًا إلى كون التنمية والحوكمة والديمقراطية غير ممكنة من دون وحدة وطنية طوعية لكل مكونات الدولة الأمة، وما لم يقر هذا الجيل العقائدي في مجمل الإقليم بطوباويته العقائدية، وخيبته السياسية والعملية، وما لم يخل السبيل للجيل المقبل الذي يبحث في وطنه عن الدولة- الأمة لعله يستطيع بناء غد ممكن؛ السؤال الجوهري بالنسبة إلى جيلنا هو: هل يمكن إعادة إنتاج الوطنيات الحديثة من قبل جيل جديد يتجاوز منطق العقائد الطوباوية، ويصهر الأمة الدولة طوعًا، ويحقق الحوكمة، ويبني التنمية؟ يبدو ذلك خيالًا لكنه في كل الأحوال أقل شطحًا من الطوباويات العقائدية.
الديمقراطية وحدها ليست قادرة على حل الهويات الثانوية، سواء الطائفي منها أم الإثني. وإلا لما كانت بلجيكا مقاطعات فرنسية وفلمنكية، ولا كانت فنلندا تكتب كل إعلاناتها باللغتين الفنلندية والسويدية، ولما كانت كندا، وما كانت الهند، إلخ..
ثمة عدة ميزات تعطينا بعض الأمل، ما قد يقطع الطريق على “القابلية (نا) للاستعمار” كما عبر عنها مالك بن نبي:
أولها نهاية الريع، ونهاية كل أمل في استمرار رأسمالية الدولة الاحتكارية المحسوبية.
ثانيها أن دول الإقليم تثبت يوما بعد يوم فشلها في اجتراع نموذج قابل للحياة، تكرس هيمنتها ويكرس قدرًا أدنى من الاستقرار، فلا تركيا ولا إيران ولا روسيا فعلت ولن تستطيع.
ثالثها ألّا أحد من هذه الدول مستمر على الأرض، كما فعلت بريطانيا وفرنسا، فالاستعمار بشكله القديم ما عاد مربحًا ولا ممكنًا.
رابعها أن ثمة جيلًا جديدًا يكفر بمسلمات الطوباويات، وما لم يهاجر لن يكون له من أفق في الحياة.
خامسها لا أحد من القوى الدولية والإقليمية، والحمد لله، مستعد لتوفير الريع الضروري لتحقيق حد أدنى من الاستقرار المستدام لمنظومة استبداد جديدة.
لم يعد النفط مصدرًا كبيرًا استراتيجيًا للريع بالنسبة إلى شرق المتوسط.
عند هذه الحواجز يتوقف الآن المشروع الجديد لما بعد سايكس بيكو، فهل تتجمع الكتلة الحرجة الضرورية لقلب المجن من قبل جيل جديد يعيد تأسيس الدولة الأمة في كل من لبنان وسورية والعراق، وإلا فلن يكون إلا سايكس بيكو جديد يدير تفسخًا ديموغرافيًا مأسويًا وباهظًا.

سمير التقي

أحمد سمير التقي هو باحث سوري، تخرج عام 1975 في كلية الطب بجامعة حلب، وتابع دراساته المتقدمة في جراحة القلب والأوعية الدموية، عمل رئيسًا لقسم جراحة التجميل في مستشفى الرازي بحلب. عُيّن لاحقًا رئيسًا للخدمات الطبية في دائرة الصحة في محافظة حلب. ومن خلال هذا المنصب، أشرف على عمل جميع مستشفيات المحافظة وتدقيقه، وهو عضو مجلس النواب السوري بين (1994-1998). سمير التقي، أستاذ زائر في العلاقات الدولية في عدد من الجامعات، وقد أمضى العام الدراسي 2010/2011 كزميل أكاديمي في جامعة سانت أندروز في اسكتلندا. في عام 2011، أنشأ التقي مركز الشرق للأبحاث في دبي، والمركز عبارة عن بنك فكري مستقل يعمل في المجالات الاقتصادية والاجتماعية الاستراتيجية المتعلقة بالشرق الأوسط، وشغل سابقًا منصب مركز الشرق للدراسات الاستراتيجية في دمشق حتى عام 2010.