الوطنية والمواطنة: أسئلة منهجية وحوار مفتوح

ملخص
بينما تبدو الوطنية نموذجًا شعوريَّا ووجدانيَّا طبيعيًّا، ارتبط بتشكُّل الإنسان على فطرته الأولى انتماءً وحمايةً واستقرارًا، فإنَّها ذاتها تصبح موضوع استثمار سياسي وأيديولوجي وحيد الاتجاه يُكرِّس أنظمة الحُكم التَّاريخية المُهيمنة سلطويًا، فتهب الوطنية لمن يتمثلها، وتنفيها عن سواه.
هذا فيما تغدو المواطنة هي الانتقال من الوطنية في حيّزها الطبيعي لممارسة الإرادة الحرة الفردية والفردية محمولة على ضرورة الإقرار العقلي والرِّضائي بالاختلاف والتَّوزع المتساوي للحقوق النَّاتج عن الحرية، وهذا ما يحيل على الفارق المهم بين الوطنية كفطرة طبيعية، والمواطنة كممارسة لها بالفعل والإرادة الحرة.
في هذا السياق، وفي المسألة السورية والوطنية السورية، وحيث لا يمكن ادّعاء الوطنية لجهة سياسية ونفيها عن الأخرى، ولا يمكن لــ: تجمع، أو حزب، أو منظومة بمفردها احتكار العمل الوطني والوطنية، كما لا يمكن الرّكون إلى الحلول الدولية فحسب، بل تصبح الوطنية قاصرةً عن تلبية حاجات المرحلة المُستعصية سياسيًا لليوم، ما لمْ تُضفْ إليها الحرية ضمن سياق المسؤولية الوطنية كممارسة، ما يستلزم ضرورة الحوار العلني بين السوريين، وتحديد أهدافهم وأولياتهم اليوم، والتفريق بين متطلبات الحاضر والمستقبل، والاتفاق الرِّضائي والطَّوعي على تقديم الإرادة الحرة الجمعية، لاستعادة مرتكزات الوطنية السورية على أساس: المواطنة، ودولة المواطنة بلا صفات أو حمولات أيديولوجية سُلطوية.
في متن هذه الدِّراسة، يحاولُ النص الابتعاد عن الإطار النَّظري العام، بقدر محاولة تلمُّس الضَرورات الموضوعية لإعادة طرح المسألة الوطنية بطريقةٍ حوارية، وهذا ليس خروجًا عن المنهجية البحثية المُعتمدة، بقدر ما هو ضرورة لطرح الأسئلة وحوارها بشكل علني العلني، كمن يخاطب شفاهةً الوجدان السُّوري، غايتها الوصول إلى خلاصاتٍ نظرية تحتكمُ إلى الواقع، وهدفها المُعلن البحث في طريقة تحقيق المواطنة ودولة المواطنة عبر بوابتي: المساواة الوطنية، والاختلاف والتنوع كجذر للحرية وضرورات عصرية.
كلمات مفتاحية: الوطنية، المواطنة، الحرية، الاستقطاب الموجه، وحدة المصير، التساوي الحقوقي، الإرادة الحرة.

مقدمة
لم تغب عن الساحة السياسية ولا الفكرية الحوارات الساخنة، ومثلها الإجابات القطعية في تحديد مفاهيم كــ: الوطنية، والقومية، والمواطنة وبالضرورة الدولة، فإن كانت السلطات قد احتكرت النتائج السياسية لهذه المفاهيم كإجابة مباشرة لاستئثارها بالدولة، وفرض سلطاتها العسكرية والأمنية عليها طوال النصف الثاني من القرن الماضي، فالإجابات المُسبقة التي نُسمِّيها أيدولوجيَّة لم تستطع الوصول إلى مشترك سياسي عام بينها يمكن البناء عليه من دون انحياز إلى جهة خلاف غيرها.
اليوم، لم تعد تكفي إجابات السلطات وحيدة اللون وغرضها في الاستئثار في الحكم مُنفردة، ولا الإجابات الأيديولوجية ذات النسق الوحيد أيضًا، ولا افتراضاتها أنها البديل الوحيد بما يشبه منبت السلطة ذاته، خاصة بعد حركات وثورات الربيع العربي، فعلى الرغم من أنَّ نتائجها لليوم غير محسومة سياسيًا، وتتباين حدودها بين الإصلاحات السياسية والكوارث العامة التي تهدد كامل كيان الهوية الوطنية، إلَّا أنَّه بات من الضَّرورة البحث عن أسئلة منهجية تعيد إنتاج قاعدة توافق عامة يشارك الجميع فيها بالمسؤولية والتجربة معًا، بما يعيد إنتاج قراءة أكثر تماسكًا وتواضعًا في الوقت ذاته، فللوطنية والمواطنة والدولة، إمكان تحديد أسس المشروع الوطني وطريقة تحققه.
ثمة حوار متعدد الأطياف اليوم قوامه الرئيس: دور النخبة في صوغ المشروع الوطني فكريًا وسياسيًا، ومن جهة أخرى، دور الحركات الشعبية والعفوية في إنجاز هذا المشروع، وتكادُ المسؤولية التاريخية والوطنية تتعثر في الاكتفاء بإحدى الإجابتين فحسب، وما يشوبها من خلل مُتباين بين توجه كل منهما على حدة، والتوجه المتخالف للنخب في ما بينها، وتعدد الأدوار التي حملتها الحركات الشعبية في خضم الحركة العارمة السابقة.
أسئلة الوطنية، وما يمكن أن ينتج منها من حوارات ومشاريع سياسية، إذا ما بقيت رهينة الاستقطاب السياسي وحيد الاتجاه، كلٌّ وأيديولوجيته أو مشروعه، وسيبقى مسار حركات التحرر العربية العصرية حمّالة عطالتها في حركتها ذاتها، وبعيدة عن تحقيق مشروع الدولة الحديثة، مهما حاولتها الحوارات الفكرية، وفككت مضمونها السياسي، وهنا نجد السؤال الذي يطرح نفسه: ما الدولة الحديثة؟ وكيف تتحقق؟ وهل هناك طريقة أو وصفة جاهزة يمكن اعتمادها للوصول إليها؟

الوطنية: الاستقطاب الشعوري والاستبداد
مهما بلغت المحاولات الفكرية والنخبوية تحديد إطار عام للمفاهيم تقترح إمكان العمل بها، ستبقى حركة التاريخ بتوجهه المادي أحد أهم حدوده التاريخية في التقدم أو التغيير، سواء أتوافقت مع الغائية التاريخية، الإنسانية، الأخلاقية، والفكرية أم أخذت مسارًا مختلفًا يخضع للتبدلات الاجتماعية والاقتصادية التي ليست بالضرورة أن تكون دورية متكررة ومتعاقبة، بقدر تفاوتها الزمني والمكاني، فلو كانت أسئلة الوطنية والمواطنة وبالضرورة الدولة وهي أحد أهم هواجس الفكر العربي اليوم الحضاري والفكري قابلة للتحقق لمجرد طرحها نظريًا وفكريًا، أو لمقاربة تحققها في مجتمع آخر بالزمن ذاته، لانتفى شرط البحث فيها من جذره، ولأوقفنا حركة التاريخ عند فكرة أولى مسبقًا واسترحنا.
حيث ما زالت هذه المفاهيم بتموضعها وتجسدها المفترض قيد تجاذب عام سواء أكان على مستوى المفهوم بذاته أم على مستوى تحققه السياسي والمجتمعي، هذا ما يدعو للبحث في الأسباب التي تجعل التاريخ قابلًا للتبدل أو التغيير، ولكن ليس بطريقتهِ الغائية المُفترضة، بقدر ما هي طريقة معالجة معطياته وإمكاناته والعمل فيها منهجيًا وتحقيق تقدم فيه، وهنا بصرف النظر عن اتفاقنا مع طروحات فوكوياما بنهاية التاريخ أو لا، إلَّا أنَّ إيلائه حيزًا مهمًا لدراسة هذه الشروط الاجتماعية يُعدُّ أداةً منهجية مهمة في إعادة طرح القضايا الكبرى في تاريخ البشرية، ومنها: شمولية التاريخ وقضايا الحكم، (فالتاريخ الشامل للبشرية لا يعني تاريخ الكون، فهو ليس فهرسًا موسوعيًا لكل ما نعرفه عن الإنسانية، بل هو في الأحرى ترسيمة للتفسير تستجيب لتطور المجتمعات الإنسانية العامَّة)().
إنَّ المحدد الأول في حيازة مفهوم الوطنية Patriotism لم يشكل مفهومًا فلسفيًا قابلًا للتعيين والتحديد كما هو مفهوم القومية Nationalism سياسيًا، (فقد عرفت معظم المعاجم القياسية مفهوم الوطنية على أنه فضيلة وقيمة أخلاقية، وعاطفة خاصة تربط الفرد بحب بلده وموطنه، والشعور بهويته والاستعداد للتضحية لأجله)().
وهو ما كانت الموسوعة العربية العالمية قد عرفته أيضًا على أنها: (تعبير قويم يعني حب الفرد وإخلاصه لوطنه الذي يشمل الانتماء إلى: الأرض، والناس، والعادات، والتقاليد، والفخر بالتاريخ، والتفاني في خدمة الوطن، ويوحي هذا المصطلح بالتوحد مع الأمة)().
فالوطنية تحيلُ في الذهن على مقولة الموطن وارتباط الفرد الشعورية والوجدانية فيه وطنيًا، وما ينتج منها من حماية وتضحية.
هذه السمة التي تنامت شعوريًا مع العصر الحديث سواء أكانت في خضم حركات التحرر من الاستعمار أم الحركات الثورية الشيوعية في بدايات القرن الماضي، قد بدأت تُمثِّل حيِّزًا نفسيًا، ووجدانيًا، وسمة أولى من سمات الشخصية الثورية، كما مثلت إحدى أهم المقولات التي بُنيت عليها مقومات الدولة الوطنية انتماءً، وذلك سواء أشار المفهوم السياسي للدولة والوطن إلى المفهوم القطري أم القومي عربيًا، وهذا مبحث آخر.
الوطنية بالتحديد هنا هي الجانب العاطفي والشعوري والقيمي المُعبَّر عنه نفسيًا وسلوكيًا، والقابل للاستقطاب الموحد والاتجاه المحدد سياسيًا كما كان شعوريًا ووجدانيًا، في تكريس: قيمة الوطن، والانتماء الوطني، والتضحية، والدفاع عنه، وارتباطه بالمقومات المادية لهذا الانتماء.
في الجذر التاريخي تستمد الوطنية معناها العام من ثلاثة مُقومات:
أولًا: الانتماء
هو ذلك الشعور المنتمي لدائرة الحيز الطبيعي للارتباط بمقومات الوجود الأولى، كــ: البيت، والأرض، امتدادًا لــ: الأسرة، والعائلة، والعشيرة، ومن ثمَّ تدرجها مع العصر الحديث للمؤسسة والدولة، وذلك بصرف النظر عن طبيعة أنظمة الحكم زمنيًا.
ثانيًا: الحماية
وهي تلك المساحة التي تعزز الانتماء بالدفاع عنه، واستكمال شروطها بالحماية المشتركة كلما توسعت دائرة الانتماء من الفرد إلى لأسرة، فالمستوى الأعلى العشيرة أو القوم، وصولًا إلى التضحية والدفاع عن الوطن.
ثالثًا: الاستقرار
وهو الذي يتيح للأفراد والكيانات المحددة مكانيًا وزمانيًا الشراكة بالأهداف، كــ: الحماية، والانتماء، والعمل على استقرارهم الزمني الممتد ماديًا ومعنويًا، ما يحيل على النظام الاجتماعي والاقتصادي وتركيبته السياسية، ومنها: الدولة.
المفاهيم الثلاث أعلاه تكاد تكون مَعْلَمًا عامًَّا من مَعالم التاريخ الطوري والتعاقبي للبشر على الكوكب، سواء أكان هذا التاريخ في طور بداياته الأولى أم معتركاته العسيرة اليوم مع عصر العولمة ونزاعها مع تموضعات الدولة الحديثة، فهل يمكن الاكتفاء بهذه المحددات وجعلها نتيجة نهائية وحسب؟
تحقيق هذا الارتباط الثلاثي الطبيعي يقود إلى الانتقال لتحقيق: الذات، والقدرة، والفاعلية الفردية والجمعية الذي لو اكتفت البشرية به تاريخيًا، لتوقفت حركة التاريخ البشري سياسيًا واقتصاديًا في طور بداياتها الأولى، ولما كان هناك أي سبب للبحث في متغيراته زمنيًا مع تقدم الزحف البشري إلى حلقات وأنظمة أخرى، وذلك سواء أكان لمفاهيم أكثر توافقًا مع حركة التاريخ والواقع أم مع قدرات الإنسان الخلَّاقة والمُبدعة والفكرية في تطوير نماذج حياتها.
في نماذج العمل السياسي التاريخية، تتكشف أمامنا طرائق متعددة للحكم والسلطة، صنَّفها أفلاطون بخمس طرائق، وهي:
الأرستقراطي، التيموقراطي، الأوليجارشي، الديمقراطي، والطغيان.
كان أسوأ هذه الطرائق وما زال حكومة الطغيان، وهي (حكومة الفرد الظالم والحكم الجائر حين يسود الظلم الكامل بغير خجل أو حياء)()، وجميع هذه الأنظمة عملت على أساس المفاهيم الثلاثة للوطنية بحدودها الطبيعية التي يمكن إعادة تصنيفها بالآتي:
نموذج حُكم الفرد الممتد من رب الأسرة إلى الزعيم: (قبيلة، وملّة، وطائفة…) مرورًا بالملك والإمبراطور، ووصولًا إلى الحاكم المفرد في التاريخ الحديث، بحيث يستطيع هذا الفرد تحقيق شروط: الانتماء، والحماية، والاستقرار، شرط ألَّا يخرج فردٌ عن شروطه المفترضة، كــ: التآمر مع جهة أخرى خلافها، أو هدم شروط الاستقرار بالتحريض على حكم الفرد هذا، وهنا يلتبس مفهوم الوطنية بشروطه الأولى بين الخيانة كنقيض للوطنية وهدم شروط استقرارها، بالتعامل مع عدو خارجي ضد المصلحة العامة، وبين محاولات التغيير في طبيعة الحكم الاستئثارية المفردة التي نسميها: “الدكتاتورية”، وهذا ما درجت عليه سلطات المشرق العربي بإلصاق تهمة الخيانة الوطنية لكل خارج عن تقاليدها الفردية في الحكم، وتجييره لجهة التعامل مع الخارج، ورميه في معتقلات الموت حتى لو “تم قتل الشعب كله”() بحسب تعبير ممدوح عدوان.
نموذج الحكم الغيبي في نموذجه الديني واللاهوتي الذي يركز على مفهوم الانتماء الديني العام، وامتداداته إلى الجهاد والتضحية والاستقرار على مستوى الأمة، وذلك خروجًا عن سيطرة الفرد ككائن زمني وأرضي لصالح مطلق نصيًّا وقدسيًا، ليصبح مفهوم الوطني هو المنتمي إيمانيًا ومعتقديًا، وخلافه هو: المُرتَد، والكافر، والخارج عن الملة أو الدين، والمطرود من حمايتها، والمحروم من شروط استقرارها.
نموذج الحكم المادي الوضعي سواء أكان طبقيًا كما في النموذج الاشتراكي السوفياتي أم بقوة رأس المال وقوانين السوق الوضعية، وهذان النموذجان حديثا التشكل، وبقيا على تنازعٍ في ما بينهما، وكلاهما مع أفكار الدولة وأسسها الحديثة، دولة المواطنة والحريات الدستورية التي أُسِّست على أرضية الثورة الفرنسية بمبادئها الليبرالية، ونموذج الحكم المادي يُعرِّف الوطنية بالانتماء المُطلق للطبقة متجاوزًا نموذج الحكم الفردي القَبلي والغيبي، لكنه المحتفظ بواجبات الطاعة العمياء السابقة، ويُضاف إليه حكم جماعة السلطة أو قوة السلطة كقوة ثورية شيوعية في مقابل سلطة مالكي قوة العمل الرأسمالية، لتصبح الوطنية هنا الإذابة في طبقة محددة ذات توجهٍ ما بصرف النَّظر عن: الفرد، واختلافاته، وأحلامه، وأفكاره، وطباع الحركة المجتمعية المتقدمة زمنيًا.
بين مقاربة النماذج الثلاث أعلاه المتفقة على شروط الحياة الأولى حمايةً وانتماءً واستقرارًا، ظهرت ثورة الحريات الفكرية والسياسية التي ما زلنا نصفها اليوم بثورة عصر الأنوار في الدولة العصرية، فقد حملت بين طياتها مبادئ الحكم الفكرية والإنسانية كقوى ذاتية للإنسان بطاقاته الإبداعية، وبين شروط الحياة المادية القانونية والدستورية، محققة ذلك التلازم المهم بين شروط الاستقرار الطبيعي الأولى والإرادة الحرة الطوعية متمثلة بــ: الحريات العامة، والخاصة بتنوعها وغناها، والمسؤولية القانونية الجمعية عنها، وهذا ما سنعالجه في الفصل الثاني أدناه.
في نماذج الوطنية الثلاثة أعلاه قواسم مشتركة تجتمعُ عليها، وإن اختلفت عن بعضها بعضًا، زمانيًا أو مكانيًا أو طريقةً:
الاستقطاب وحيد الاتجاه سياسيًا، المبني على شروط الوجود الطبيعية، والعاملة على تجييرها لمصلحة حكم ذي صبغة واحدة تمثل هوية وأيديولوجية حكمٍ ما بصيغة مهيمنة تسمّي نفسها بــ: “الوطنية”، بحيث تنفي كليَّةً: التعدد، والاختلاف، والتنوع الطبيعي، وحركة التاريخ المتقدمة فيه، (إنَّ الصيغة التقليدية لإشكالية الهوية ترفض الاختلاف والتعدد، فمقولة الجماعة فيها، أو مقولة الأمة، أو الشعب، أو الطبقة، أو الحزب نافية للإفرادية؛ لاختلاف الأفراد الحقيقي، وللمغايرة والتعدد، أي: نافية للواقع الفعلي، ونافية للحرية)()، حيث إنَّ الاختلاف هو نفي الوطنية عن صاحبها، والخروج عن دوائر الحكم هو خيانة عُظمى تستلزم: الاعتقال، أو النفي، أو القتل.
تتوقف الوطنية عند حدود الوجود الأولي للإنسان: أكلًا، وشربًا، وحمايةً، وهذه مشروطة بالخضوع للسلطة، فلا تتحقق الأولى إلا بالثانية، وهذا ما درسته علوم النفس بشروط الحياة الفيزيولوجية عند قواعد هرم ماسلو()، ولا مكانة لتحقيق الذات فيها إلا عبر: قنوات مدروسة لطبيعة الحكم، ومصلحته السياسية بالاستمرار، والهيمنة والتسلط، نافية حدود الوطنية عمَّن تشاء وتهبها لمن تشاء، وهذا تاريخ عريض يمكن الاستفاضة في الكتابة به إلى ما لا نهاية في مشرقنا الحالي.
إحكام السيطرة على مستويات الاختلاف المجتمعي بطرائق متوازية ومتعددة، وذلك عبر إنشاء التحالفات المتعددة مع مجموعات من المتنفذين القادرين على إبقاء السلطات بمراكزها، كــ: طبقة النبلاء مثلًا، ورجال البلاط، أو كبار العائلة، أو متنفذي السلطات، وأحد أهم تجلياتها في سلطات المشرق العربي، هو هيمنة قوة العسكر على السلطة بقوة جماعية على رأسها: الزعيم، والقائد، وإيقاف حدود الوطنية عندها سياسيًا، وتفريغ الحياة السياسية من كلِّ مَن هو مختلف معها، واستكماله بالتحالف مع: رجال الدين، والتجار، والملاك، تلك التي درسها باستفاضة خلدون حسن النقيب في الدولة التسلطية بعد تحقيق العسكر الاحتكار العام لمصادر القوة والسلطة والمجتمع().
وحتى لا نستطرد بالمرجعيات التاريخية والنظرية التي درست: حركات التحرر العربي، وتنامي مفهوم القومية العروبي، ونشوء الدولة التسلطية في المشرق العربي، وحتى لا أثقل الدراسة بالمزيد من المراجع، لنذهب مباشرة إلى تحديد نمطية هذه السمات الثلاث الملموسة في واقعنا الحياتي والمباشر، فهذه الثلاث:
الاستقطاب وحيد الاتجاه، ونفي تحقيق الذات، وإنكار الاختلاف والتعدد، تحدد سمة الوطنية بالانتماء الطبيعي الأول مشروطًا بالخضوع والسيطرة لقوة أعلى، وإحلال علاقات: التراتب، والهيمنة، والإقصاء، وإيقاف حركة التقدم التاريخية، لهذا كانت نماذج الحكم هذه قابلة للسقوط والتأكّل مع الزمن، خاصة مع انتقال الإنسان بميراثه الجمعي العام من مرحلة الانتماء الشعوري الوطني بالفطرة الطبيعية إلى مرحلة الانتماء القانوني والدستوري بالإرادة الحرة التي تفترض الحرية والاختلاف العام على مستويات متعددة، وتبدأ بالصفات الشخصية، وتصل إلى الأفكار والتوجهات السياسية، ما يعني بالضرورة الانتقال إلى حيز الفاعلية، وتحقيق الذات الحرة بعيدًا عن استقطابها وحيد الاتجاه نحو اتجاهات متعددة ومختلفة لا يمكن أن تحققه أنظمة الحكم هذه؛ لتصبح الوطنية ليست تلك الحالة الطبيعية والوجدانية والمأسورة في نظام حكمٍ وحيد الاتجاه وحسب، بل تنتقل إلى الوطنية بالفعل التي اشتُقَّ منها مفهوم المواطنة لغويًا، أي: القيام بفعل الوطنية رضائيًا وخيارًا الذي يشيرُ إلى المفهوم ذاته (Citizenship) الذي يدل على العلاقات المدنية الناظمة بين الفرد والدولة كخلاصة ونتيجة للعقد الاجتماعي الذي أسس للدولة الحديثة.

المواطنة: الوطنية والحرية
الوطنية النمطية الحزبية السُّلطوية
لنفترض إمكان استبعاد الاختلاف الفردي بين البشر ذوقيًا وحسيًا، كونه قائمًا ومحققًا فعليًا في كلِّ أنماط الحكم وأشكاله السياسية، فالاختلاف في أنماط الإنتاج حاجة وضرورة للمجتمعات، حيث لا يمكن الاكتفاء مثلًا: بنمط زراعي بدلًا عن: الصناعي، أو الحقوقي، أو اللغوي، وفي حال افترضنا تحقق كفاية نمط الإنتاج الوحيد هذا أيضًا من أنماط الحكم وحيد الاستقطاب، كما في العصر الحديث في دول المشرق العربي الاستبدادي، فهل يمكن الاكتفاء بنموذج موالٍ للسلطة، أو صاحب الأحقية أو الأهلية في الحكم دينيًا أو سياسيًا، ونفي المختلف رأيًا فكريًا، أو سياسيًا، أو إيمانيًا، وتجريده من وطنيته، وتحميله تهمة الخيانة؟
تنفي فرضية الانتماء الوحدانية المستقطبة هذه شروط الاستقرار الأولى التي بنت هذه المنظومات وجودها عليه بالأساس، وهو الاستقرار في طبيعة الحكم والهيمنة وحيدة الاتجاه، فهذه النَّمطية الواحدية المُوجهة للاستقطاب المجتمعي سياسيًا، وفكريًا، وثقافيًا، فعملت على نفي شروط الاستقرار المادي للحياة في إطار المنظومة الحاكمة، حيث إنَّها حافظت فحسب على نهجٍ وحيد في شروط استقرارها عُدَّت شروط الوطنية المزمعة، فعملت على التأسيس له بعقيدة أيديولوجية حزبية وحيدة ذات منبع واحد وبطرائق متوازية تمثلت بــ:
سياق سياسي حزبي عقائدي قام على نموذج السلطة الحزبية المستأثرة بالحكم، وقد ملأت الشارع المجتمعي بشعارات قومية تستقطب المشاعر الفطرية الطبيعية الأولى للشعب، فكانت: الوحدة، والحرية، والاشتراكية، شعارات متداولة في رصيدها السياسي بحسب الحاجة والانتفاع الغرضي منها، وبالضرورة كانت أنماط الأحزاب السياسية الأخرى القابلة للحياة في بيئتها الواحدية هذه لا يمكنها الخروج عن أولوية وجود السلطة السياسية ذاتها كلون وحيد للحكم، حتى وإن وجدت تلك الأحزاب بصيغ سياسية فكرية أو منهجية مختلفة، كــ: الشيوعية بألوانها مثلًا، كما في ما سُمِّي بــ: “الجبهة الوطنية التقدمية السورية”، أو تحالف كتلة الصدر العراقية، أو شكلية الائتلافات السلطوية والمعارضة لليوم، وهذا ما أقرته الدساتير المعمول فيها في العقود الأخيرة بأحقية القيادة المجتمعية المنفردة وقيادة الحزب للدولة والمجتمع()، على أن يبقى باقي الطيف السياسي بعيدًا عن ممارسة الوطنية بالفعل، أي: المواطنة وتحقيق الذات الذي بوابته السياسية في هذا السياق هي: الديمقراطية، وحق تداول السلطة، وأهلية المشاركة في القيادة السياسية، والعمل الوطني.
إضفاء الطابع العسكري المسنود أمنيًا بإدارة الحكم المتصف بالتراتبية من القاعدة إلى رأس الهرم، وتنفيذ الأوامر بالاتجاه المعاكس، وعدم إمكان الخروج عن قواعد الطاعة العسكرية الصارمة تنفيذيًا، هذا مع الإبقاء على امتزاج السلطة السياسية مع النموذج العسكري في طريقة الحكم، كما أُوجدت له نماذج التنشيط الثقافي والعقائدي لتكريس نظام الحكم وحيد الطابع هذا، فيما عملت على تحريم العمل السياسي المختلف عمومًا في أوساط العسكر إلا لسلطتها الحزبية ذاتها، وأعطته صلاحيات أوسع للتدخل في الحفاظ على سلطاتها المطلقة بعنوان “الأمن الوطني”() واستقرار الحياة السياسية والمجتمعية على طريقتها الواحدية هذه؛ ما يجعل النموذج التسلطي أكثر إحكامًا وأكثر انغلاقًا، ويجعل موضوعه فصل العسكر عن الدولة ومؤسساتها بحكم الغيب والتغييب المتعمد، ويُكرِّس كل منظومتها السياسية المتسلطة بعنوان: “الوطنية المخاتل بحكم القوة والهيمنة”().
يستمد النموذج السلطوي وحيد الاتجاه هذا شرعية وجوده من افتراض شروط الوطنية الطبيعية الفطرية الأولى التي وضحناها أعلاه، ولا يمكنه أن يساهم أو يشارك في نقلها إلى مستوى السلطة والحكم التشاركي القائم على ممارسة الوطنية بالفعل والمواطنة، ما جعله مساهمًا بشكلٍ رئيس في بناء شروط انهدامه الذاتي في مقومات وجوده الأول كسلطة تسلطية استقطابية وحيدة الاتجاه، بحيث يحمل بين طياتها شروط الثورات والارتدادات العنفية الناتجة منها في خضم الصراع على السلطة، وما يفسر مجريات السنين الأخيرة عربيًا، حيث لا يمكن لحركة الواقع البقاء على هذا البُعد الوحيد من أنظمة الحكم، وهذا ما كان قد ناقشته ثورة عصر الأنوار عبر مفكريها الأوائل المُدوَّن في كتبنا ومراجعنا التي لم تزل طي الأدراج والتنظير الفاقع فحسب، فقد أوضح جون لوك مثلًا أنَّ (التاريخ الديني والمدني حافل بالشواهد على انفصال الناس وتمردهم على السلطة التي وُلِدوا في ظِلِّها، أو الأسرة، أو الجماعة التي كانوا ينتمون إليها، وتأسيسيهم حكومات جديدة في أمكنة جديدة)()، وهذا ما يحدث اليوم بكل تفاصيله: السورية، والعربية، والمشرقية.
ما من اختلاف على أنَّه استطاعت أنظمة الحكم العسكري هذه إحكام هيمنتها على مقومات المجتمع والدولة الناشئة، خاصة من بوابتها العاطفية والشعورية انتمائيًا وحمايةً واستقرارًا، وعملت على أن تكون وارثة لحركات التحرر العربي من الاستعمار الغربي أواسط القرن التاسع عشر مستغلةً فورة الشعور الوطني العربية بضرورات الوحدة والقومية العربية، والمشتركة بشرائحها العريضة شعبيًا؛ بهدف التحرر من الاستعمار، إلَّا أنَّها في الوقت ذاته عملت على تفريغها من محتواها عقليًا وشعوريًا ووطنيًا، فرسخت فكرة الحزب القائد معتقديًا، وسطوة العسكر الأمنية سياسيًا، وتسلطه على أجهزة الدولة ومؤسساتها، كما وثقها خلدون حسن النقيب باستفاضة (كمرجع مثبت في نهاية الدراسة).
كانت هذه السياسة التسلطية ذاتها عاملًا من عوامل تأجيج الشعور الوطني مرةً أخرى كضرورة موضوعية لاستعادة الانتماء الوطني لدولة ومؤسسات تتحقق فيها: شروط العدالة، وتكافؤ الفرص، والحرية في التعبير، وممارسة السياسة التي حرّمتها السلطات ذاتها، فكانت مقدمات كامنة في: بواطن الشعوب، وثقافتها، ونزعاتها التحررية، وأخذت بالتحرك شعبيًا مع موجات الربيع العربي المتتالية، ويحدث أن تكون المصادفة أنَّها أصابت الدول ذاتها الموصوفة بالحكم الجمهوري في عموم المنطقة العربية التي أسماها “واسيني الأعرج” بروايته رمل الماية بــ: “الجملكية”، والتي كثيرًا ما رفعت شعارات الوحدة والقومية وتحرير الأرض المغتصبة، وتكون المصادفة الوطنية الأكثر جلاءً، هي شعارات الحرية والانعتاق التي قادت الحراك الشعبي في مساحاته وساحاته عامة، حتى باتت تعمّ معظم ساحات ومدن الوطن العربي لسنوات عدة؛ ويصادف في الوقت ذاته ذلك الحوار السياسي جدليًا حول الأجوبة الجاهزة للنظريات السياسية والفكرية مسبقة الصنع؛ لإثبات قدرتها على الإجابة عن متطلبات الشارع الشاب، سواء أكانت “قومية” أم “ماركسية” أم “إسلامية”، ما يستدعي ضرورة فتح بوابات جديدة تحاولها العصرية والحداثة المتشكلة في عالم مختلف، عالم ما زال حتى اليوم يمثل معظم تطلعات جيل الشباب في عصرية الدولة وحداثتها، دولة الحريات، والدستورية، وتحقيق القانون.
ولمصادفة أكثر وضوحًا سياسيًا أنها، أي ثورات الربيع العربي، كانت دليلًا واضحًا غير قابل للجدل على أنَّ هذه السلطات كانت وارثًا غير شرعي لنموذج الدولة الناشئة أواسط القرن العشرين من جهة، ومن جهة أخرى، لا يمكن ديمومة حكم وحيد الاتجاه يدعي الانتماء والحماية وتحقيق شروط الاستقرار كشروط أولى للوطنية الطبيعية التي يريد إيقاف حركة المجتمع عندها، ونزعها عن شرائح المجتمع عامة ذات الجذر الوطني الطبيعي ذاته، ولكنها المحرومة من ممارسته بالفعل: سياسيًا، وفكريًا، ومجتمعيًا، ومدنيًا.
لقد مثَّل خروج الحشود الشعبية العريض في بواكير ثورات الربيع العربي قبل تحوله إلى سيل من الصراعات العنيفة على السلطة نموذجًا وطنيًا بجذره الطبيعي الذي ناقشناه بداية، وأضاف إليه ممارسة الوطنية بالحق والفعل مجسدة أفكار المواطنة والانتماء للدولة، لا لحكم وحيد أو سلطة تعسفية، فكان الخروج الشعبي العام يمثل حالة انعطاف مهمة في تاريخ المنطقة، وذلك على مستويات عدة تستلزم بالضرورة البحثية وضعها كمحاور حوارية سواء أكان لدراسات سابقة أم مستقبلية:
مستوى الانتقال من الوطنية وجدانيًا وشعوريًا إلى الوطنية بالفعل والإرادة الحرة الجمعية التي تنقل مفهوم الوطنية إلى المواطنة، كما الحكم من نموذج السلطة إلى الدولة.
مستوى الانتقال من نموذج الاكتفاء بالحد الأدنى للاستقرار إلى تقدير الذات وتحقق فاعليتها، أي: الانتقال من شروط الحياة الطبيعية الأولى التي كثيرًا ما عُدَّت هِبات سلطوية مأكلًا ومشربًا وعملًا إلى تقدير الذات الفردية والجمعية، وتحقيق فاعليتها على جميع الصُعُد المجتمعية سياسيًا وفكريًا.
مستوى الانتقال من حالة الاستقطاب والتوجه الأيديولوجي المنغلق إلى مستوى التوزع المتعدد والمتنوع لكل المختلفين: سياسيًا، وفكريًا، وذوقيًا، وحسيًا، وأحلامًا، والمشاركة الجمعية في المسؤولية والوطنية من دون استئثار أو احتكار لجهة وحيدة من دون غيرها.
المواطنة والتوزع الحقوقي المتساوي
الاختلاف والتعدد يفترض توزعًا مختلفًا للعدالة والحقوق، فالوطنية المُعرَّفة شعوريًا وعاطفيًا بمثلثها المادي أعلاه لا يمكنها أن تحمل موضوعات: الاختلاف، والتعدد، والتنوع إلَّا بإضافة الحرية عليها عقدًا، ومن ثمّ،، تصبح المواطنة هي ممارسة الوطنية بالاختيار الحر الفردي، والتعاقد الرضائي الجمعي على الهوية الوطنية، فالوطنية كــ: التزام، وتساوي، وشرط وجودي أولي، والحرية كــ: فردية، واختلاف، وتنوع، وضرورة حياتية؛ لإثبات الوجود والمشاركة الفاعلة فيه، لا يمكن جمعهما إلَّا في موضوع المواطنة، ودولة المواطنة كأحدث منتج: سياسي، وفكري، وحقوقي قائم حتى اليوم، ولا أستطيع التكهن بخلافه، أو بأكثر فاعلية، أو قدرة منه سياسيًا للمستقبل، على أن يكون قادرًا على تحقيق هذا التلاقي الجذَّاب والفاعل معًا، فلربما تكون للمجتمع الإنساني العام فرضية مستقبلية تتيحها المتغيرات العالمية، وتصور مستقبل الكوكب.
وحتى لا أستغرق في البُعد النظري كثيرًا، مكتفيًا بالأسئلة الحوارية، فقد عرَّفت دائرة المعارف البريطانية المواطنة The Citizenship بأنَّها: (العلاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة، كما حق الانتخاب، وتولي المناصب العامة)()، حيث يُضاف إلى مفاهيم الانتماء والحماية والاستقرار، الوطنية الأولى بما فيها الجنسية، ومفهوم العضوية التشاركية في الدولة، وحقوق المشاركة في: الحكم، والانتخاب، والتمثيل، وهو ما يعني تمامًا الانتقال من الحيز الطبيعي للانتماء ومنظومات الحكم الاستقطابية الموجهة، إلى التوزيع المتساوي للحقوق: السياسية، والمدنية، والقانونية، وضمان فاعليتها بحرية الرأي وممارسة السياسة والفكر ضمن سياق الدولة، وفي المضمار ذاته المعرِّف للهوية الوطنية.
بات اليوم من الضرورة عدم التوقف عند موضوع الوطنية والدولة الوطنية وحسب، وبالضرورة تجذير: مرتكزاتها، ومقومات بنائها بالمواطنة، ودولة المواطنة، والحقوق الدستورية، والحريات العامة، لا من بوابة نظرية وفكرية فحسب، فكثيرًا ما اجتهد المفكرون والكُتَّاب في تكريس وبسط مفاهيمها الفكرية والنهضوية، وإنما من بوابة المصلحة العامة المشتركة والتفاهم على الحقوق المتساوية للمختلفين: رأيًا، أو دينًا، أو توجهًا سياسيًا، إذًا هي بوابة المواطنة التي هي بالتعريف البسيط والسهل جمع الإرادة العامة على مفهوم الشخصية العمومية، حيث (يضع كل واحد منَّا شخصه وكل قدرته موضع اشتراك تحت الإمرة العليا التي للإرادة العامة)() التي أجازها عبد الله العروي فكريًا: ((يبدأ التفكير في الدولة حين نفكر في مقتضيات الإرادة الجماعية))()، وهي ما يمكن ببساطة التفكير الوطني الطبيعي والفطري وصفها بالشخصية: المثالية، والمنتمية، والحامية، والمحتمية، والمتحققة بالإرادة الحرة التشاركية على قاعدة: الاختلاف، والحرية، والمسؤولية، والمساهمة في شروط: الاستقرار، والتقدم، والنمو أيضًا، وهي أيضًا الشخصية العامة القانونية الملتزمة بمصلحة الأمة وأهدافها العامة، وتعمل في ظل دستور تعاقدي اجتماعي ووطني، أيًا كان موقعها الاقتصادي أو السياسي أو غيره، وهي أيضًا الشخصية: المبدعة، والفنانة، والموهوبة، والخارجة عن المألوف فنًا وإبداعًا.
هي إذًا الشخصية التي تمثل هوية عامة لا يمكن استنفادها في فرد أو سلطة من دون سواها، بقدر تحققيها مساحات التعدد والاختلاف: وظيفيًا، وفكريًا، وإيمانيًا، وتتمتع بكامل حقوقها المصانة دستوريًا، وتمارس حريتها بكل طاقتها، وقادرة على إضفاء معانٍ متقدمة لوجودها الفردي والقابل؛ ليصبح جماعيًا.
هذه الشخصية العامة هي شرط التعاقد الرضائي على:
أولًا: موضوعية الاختلاف بجذره الأنطولوجي والمادي وصولًا إلى الفكري، وحتى الأهوائي.
ثانيًا: أحقية المصلحة العامة المشتركة في تكامل الأدوار البشرية، ووحدة المصير في صناعة حاضرها ومستقبلها.
وبالضرورة ثالثًا: على طريقة الحكم التي تحقق هذين الشرطين محمولين حكمًا على شروط: الانتماء، والحماية (الأمن والأمان)، والاستقرار الأولى، لكن في نموذج يقر بالحريات والحقوق معًا.
نكهة الحريات الفريدة هذه، كانت الإضافة الفرنسية العصرية على الثورة الإنكليزية التي قامت على تحسين شروط الحقوق البرلمانية والليبرالية وضعيًا وقانونيًا، فغدت (ربيع الشعوب في القارة الأوروبية برمتها)() وملهمة كل الأوروبيين كما نحن اليوم، حيث أرست منظومة حديثة ونسبية للدولة والسلطة وشكل العلاقة بينهما، متضمنًا نظامًا حديثًا للحرية الاجتماعية، تلك التي شكلت وأسست مفهوم الدولة الحديثة بمرتكزاتها الوضعية والقانونية، والتي تشكل لليوم منعطفًا كبيرًا في التاريخ البشري للوطنية المواطنة.
فإذا كانت نظم المشرق السلطوية ما زالت عند المرحلة الدونية من التاريخ، أي: ما قبل الانتقال إلى الدولة العصرية، فعلينا نحن الباحثين عنها والفاعلين في مجال تحقيقها التوقف مباشرة عن غلو مشاريع الاستقطاب وحيد الاتجاه سلطويًا، بنموذجه: “القومي”، أو “الماركسي”، أو “الإسلامي”، أو “الإثني”، مع إضافة “واو” الأدلجة على كل منها، والتوجه إلى القاعدة العامة للبشر في اختلاف: مصالح عملهم، وأفكارهم، وتوجهاتهم السياسية، وعقائدهم الدينية، وبالضرورة وضع المحددات الآتية للمواطنة، وقد تجذرت وطنيًا بالفعل والممارسة، والدولة،وقد باتت نموذجًا تداوليًا للحكم متساوي الحقوق وموزعًا طبيعيًا على كلية الشعب:
مدنية الدولة ليست سوى صفة واحدة من صفات الدولة، ولا يستنفدها في وصفية الدولة المدنية الملتبسة()، وتعني بالتحديد إيقاف نموذج التمدد السلطوي العسكري على مؤسسات الدولة سياسيًا وقانونيًا ذات الاستقطاب وحيد الاتجاه والمعادي والمتخارج مع التاريخ، واستئثارها الوطنية بطريقتها التراتبية وصولًا إلى القائد، والاكتفاء بالأدوار الوظيفية لمؤسسة السلطة بشكلٍ مستقل عن مؤسسة العسكر في تحقيق الحماية والاستقرار، وذلك ضمن سياق الأدوار الوظيفية الأخرى لمؤسسات المجتمع المدني: الاقتصادية، والسياسية، والمجتمعية، والفنية.
علمانية الدولة هي إحدى صفاتها الأخرى التي تقوم على تحييد مفهوم السلطة الدينية عن الاستفراد بالحكم لمصلحة جهة دينية خلاف غيرها، وعد الدين وكل الأديان متساوية بالحقوق من حيث الممارسة وأماكن العبادة، ولا أحقية لدين على غيره إلا بقدرته على احترام الآخر المُختلف دينيًا، والإقرار المتسع روحيًا وإيمانيًا بالتعايش السلمي والتآخي الديني تحت عنوان أخلاقي وقيمي إنساني عام مثلته الأديان في طورها الأول، “فلا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لا أبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلَّا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب”، تمثل جذر هذا التآخي والتعامل بالحسنى الذي نبحث عنه اليوم في في مقولة الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم.
إيقاف هذا الاستقطاب الديني الوحيد الموجه تجاه دين خلاف غيره لا يلغي الدين بتعاليمه ذاته، وإيقاف الاستقطاب العكسي بالعلمانية المختلطة مفهوميًا مع العلمية والإلحاد كإلغاء للدين أيضًا، هو شرط واقعي للانتقال لتحقيق التوزع المُتساوي للحقوق المجتمعية السياسية والدينية، حيث تحقق العدالة بترك ما للبشر للبشر في إدارة شؤونهم عند اختلافهم المتعدد بكل تنويعاته الذي بات طبيعيًا وموضوعيًا، ويجب حسم الخلاف الأيديولوجي حوله، فمن غير الممكن استقطابه لجهة واحدة اليوم كما درجت عليه بعض القوى الدينية المسيسة؛ وما لله لله إيمانيًا ودينيًا، وهذا ليس ببعيد عن الوطنية السورية الرافعة لمرتبة المواطنة في تاريخنا القريب حين اختار سلطان الأطرش (قائد الثورة السورية الكبرى)، وعبد الرحمن الشهبندر (زعيم الكتلة الوطنية الدمشقية) عنوانًا عريضًا لنواة الدولة والثورة بدايات القرن العشرين، شعار: “الدين لله والوطن للجميع”، فأين نحن اليوم من هذا؟
الوطنية انتماء طبيعي، بينما المواطنة انتماء بالفعل والإرادة الحرة: فبينما تكون الوطنية هي الجذر الشعوري الفطري والطبيعي العام للبشر، تكون المواطنة هي التحقيق بالقدرة والفاعلية بالإمكانية، وتساوي الفرص بالعدالة الاجتماعية التي تنقل الإنسان من مرتبته الشعورية والوجدانية إلى مصاف الإنسان العاقل والمفكر القابل على الاختيار بمسؤولية.
الخروج من الاستقطاب الوحيد وطنيًا إلى التوزع العادل حقوقيًا والتكامل الوظيفي إدارة: وبالضرورة فصل السلطات: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، وتحييد مؤسسة العسكر عن السياسة، واكتفائها بدور حماية الحدود، واستبعاد نماذجها المهيمنة والمحتكرة لمفهوم الوطنية بأيديولوجيتها التراتبية والشمولية.
الدولة هي دولة بلا صفات، بلا نكهات سلطوية أو أيديولوجية: فالمدنيَّة والعلمانية هما صفتان وحدَّان من حدودها، ولا يمكن استنفاد الدولة فيهما أو إحداهما، ولا يمكن أن تكون هي: القومية، أو الوطنية، أو الماركسية، أو الإسلامية أيضًا، حيث تصح هذه الصفات على نموذج حكم أو سلطة مرحلي يقر بحق التداول السلمي للسلطة، على أن تبقى الدولة ومؤسساتها حيادية تجاه الجميع، لا أن تذيب الدولة في سلطتها، وتصبغها بلونها السياسي، وتنفي خلافها، وهنا أعود إلى الأسئلة ذاتها التي طرحتها في مقالة سابق(): هل صفات الحكم الممكنة هي صفات الدولة؟ فمن السهولة القول إنها سلطة العسكر، وسلطة البعث السياسي، وسلطة مجلس السوفيات الأعلى، وسلطة رجال الدين، وسلطة وسلطة وسلطة…، لكن أين الدولة إذا ما تمكنت هذه السلطات من حكم المجتمع من دون الإقرار بوجود شعب ذي ميول واختلافات: عرقية، ودينية، وثقافية، وسياسية؟ وحقيقة لليوم، لا أعلم شخصيًا لماذا كل فريق منَّا يريد أن يصبغ الآخر بصبغته السياسية مدعيًا أنَّه الحق الأعلى الذي من غيره لا تتحقق الدولة!
المرحلة الانتقالية من العاطفة إلى العقلانية
من الاستقطاب وحيد الاتجاه والمقنن سياسيًا بنموذج شعوري للوطنية والثورة، إلى التوزيع المُنتظم للحقوق والتشاركية في الفعل والإرادة الحرة مواطنة، من الشعور والعاطفة إلى العقلانية، من الثورة إلى الاستقرار والدولة، من الفوضى إلى الوجود العام وممارسة الحياة: سياسيًا، واجتماعيًا، وفكريًا، وتقنيًا، بين هذه وتلك ثمة هوة، وثمة مساحة من: الاضطراب، والتخبط، والفوضى، خاصة في هذه المرحلة الباردة سياسيًا، والمختنقة دوليًا التي تحاول كل الأطراف كسر الإرادة السورية في تحقيق حلمها في الانتقال إلى دولة عبر الحل السياسي.
بعيدًا عن تناول الحلول السياسية التي درست مرارًا في أماكن عدة، لنذهب إلى عواملنا الذاتية حواريًا، ولنرقب فورة المرحلة الحالية المضطربة التي أضفت حمولة شعورية ووجدانية ثورية على الطروحات السياسية، ساهمت وتساهم باختلاط المشاريع السياسية، وعدم قدرتها على الانتظام في سياق عقلاني محدد، هذا مع إرفاقها الدائم بفيضٍ شعوري مضخم من سمات الوطنية أو التخوين الحادة وغير المدققة معياريًا، وإن كان هذا ذا دلالة، فدلالته الأوضح هي تلك الشحنة العاطفية القابلة للاستقطاب بجهةٍ وحيدة مع أو ضد، ودون مرحلة النضج العقلاني، وبناء التشاركية العقلانية، خاصة مع ازدياد حجم المظالم العامة، واستمرار البحث عن حلول كاملة ومثالية لها.
وحيث يبدو هذا طبيعيًا للوهلة الأولى في خضم معترك قاسٍ من الدم والعنف، لكن من الضرورة اليوم وضع حدٍّ له، وعدم تحوله إلى أيديولوجيا صلبة غير قابلة للحوار والمرونة، فمن المهم جدًا الانتقال من الحمولة الشعورية الفائضة إلى ضرورة وواجب الاشتراك في المصلحة العامة ووحدة المصير، والبحث عن حلول بطريقة عقلانية، تحدد: ممكنات الواقع، ومعطياته، وكيفية الوصول إلى اتفاق عام على طريقته، وهنا أحبذ استعادة ما كتبه المرحوم ياسين الحافظ بوضوح وتدقيق في نقد الهزيمة التي نحاول عدم تكراراها وفق هذا الحوار المفتوح فـ: (المشروع الثوري، مهما بلغ من عقلانية وواقعية، مهما انغرست جذوره في العالم الاجتماعي، ثمة لحسة أيديولوجيا، أو شيء من حلم، بحسب عبارة لينين، هذا العنصر الأيديولوجي أو الحالم في المشروع الثوري يهدد في حال تضخمه وحجبه تضاريس الواقع، إلى تحويل الأخير إلى طوباوية مبتورة الجذور عن الواقع العياني، فإنَّ العقلانية في العمل الثوري تنطوي على الدوام على ضرب من توتر وتنابذ بين الأيديولوجي والواقعي، وبقدر ما يندرج هذا الأيديولوجي في الواقع ويخضع له تتزايد فرص المشروع الثوري، ومن ثمّ،، فإنَّ السياسية الثورية إما أن تتحول لتكون عقلانية تامة، أو أن تتحول إلى خيال سيكوزفروني تارة، أو لفظة ثورية تارة أخرى)().
مرحلة الفوضى الحالية، وتأجيجها المُتصاعد للاستقطاب مرة أخرى لجهة وحيدة، كما في نماذج السلطات الفردية، سواء أكان عبر المشاريع السياسية الضيقة التي لا ترقب الواقع السوري بمعادلاته: المحلية، والدولية، والإقليمية، أم بواقعه المجتمعي المُتأخر تاريخيًا، ومعاندته للسقوط في إشراك التقسيم وتذرير هويته الوطنية البكر، باتت موضوعات ملحة اليوم لحسم الجدل العابث في حناياها، حيث لا يمكن ادّعاء الوطنية لجهة ونفيها عن الأخرى، ولا يمكن لتجمع بمفرده العمل، وكأنه الوحيد في الساحة، ولا يمكن الركون إلى الحلول الدولية فحسب، بل ثمة ضرورة للحوار العلني بين السوريين، وتحديد أهدافهم وأولياتهم اليوم، والتفريق بين متطلبات الحاضر والمستقبل، هذا ما يمكن أن نسميه مرحلة انتقالية بين فورة الشعور الثوري والعقلانية المؤسسة للدولة، من التأخر إلى العصرية بحسب ياسين الحافظ، بكل أبعاده سواء أكان (التأخر المجتمعي كــ: الموقف من المرأة مثلًا، أم التأخر الثقافي كــ: الموقف من التراث والثقافة الليبرالية مثلًا، أو التأخر السياسي كــ: الموقف من سيادة الشعب، وبالتالي، الموقف من الديمقراطية))().
هذه المرحلة الانتقالية تبدو ميزتها الأهم أنها باتت ضرورة ملموسة في الواقع وفق قواعد المصلحة المشتركة ووحدة المصير التي قاربها توماس هوبز قبل قرون، بالانتقال من الفوضى، واحتراب الكل ضد الكل إلى ضرورة الوعي بالاستقرار والنظام، لكني أحاولها اليوم، ليس من بوابة الوعي كعملية معرفية وحسب، بقدر ما هو الوعي كعملية إدراكية مقارنة بالواقع والمساس بالمصلحة العامة وحجم المسؤولية الوطنية (الناس كلما أدركوا، عن وعي، النتائج السيئة المترتبة على حالة الفوضى والاضطراب، تمسكوا بالقانون، وتمسكوا بالنظام))().
المواطنة تَشكُّل وإرادة حرة
الحرية نموذج العقل، وموضوع الوجود، ومصدر أخلاقه وقيمه، هي تلك القافلة التي مضت، مع بدء الربيع العربي، في صحراء الاستبداد تهدم أركانه، وتضعضع بُناه المستقرة لعقود طويلة؛ لتعلي شأن: الإنسان، والعقل، والقانون، والروح، والقيمة الإنسانية والحضارية، أو هكذا حلمنا بها أو أردناها، فالحرية ليست ذلك الشعار الأجوف كما يردد إعلام السلطات الموجه، بل هي مبتغى الحياة ومصدر سعادة الإنسان، هي ذلك الفضاء الذي يتحرك به المواطن وفق مشروعية وجوده الأنطولوجية أولًا، والثقافية ثانيًا المنضوية تحت راية القانون والمسؤولية الأخلاقية والمدنية من خلال الوطنية والوطن الواحد والموحد والمتنوع والغني بكل أطيافه ثالثًا.
الحرية هي القدرة على القبول بالآخر وحقه السامي في المشاركة في صوغ القرار الوطني العام من دون إقصاء أو اغتصاب للرؤى والأفكار، فإذا كان الدستور هو ضرورة تاريخية للعقد الاجتماعي، فالحرية هي اللحظة السامية للقدرة على المشاركة فيه، وهذه ليست وصفة سحرية، بل هي المواطنة، وقد أخذت بالتشكل.
إنَّ مرتكزات الدولة الحديثة بجذرها: الفكري، والقيمي، والوضعي ما زالت لليوم تعبر عن الصلة الوثيقة بين الوطنية كشعور وجداني يرتبط بشكل فعلي بحاجات الاستقرار الأولى فرديًا وجماعيًا، ولا تكتفي بها وحسب، بل تتجاوزها واقعيًا وجدليًا للمساواة القانونية وارتباطها العضوي أيضا مع الحرية الكفيلة بشرطي الاختلاف والتنوع والمسؤولية معًا، وبالتالي، فالمواطنة:
تنفي التوجه الاستقطابي وحيد الاتجاه سياسيًا، وتحافظ في الوقت ذاته على شروط الوطنية الأولى من دون إخضاع أو إكراه، لتصبح مقولة التعاقد الرضائي شرط أساس لتحقيق الحرية، والإرادة الجمعية الحرة.
تحقق التوزيع المتساوي قيمة وحقوقًا، فالبشر متساوون قيمة، ولكنهم مختلفون: رأيًا، وفكرًا، وعلمًا، وأداءً، ووظيفيًا، بحسب الإمكانات والرغبات أيضًا، ولا ميزة لأحد قانونيًا على الآخر وفقها، بقدر التزامه المسؤول عن الوطنية والحرية معًا.
تغييب وتنحية الهيمنة المركزية سواء أكانت فردية الطابع أم كتلية الحالة كــ: الطبقة وغيرها، أو غيبية المنشأ كــ: تعاليم ونصوص مقدسة، وما ينتج منها من مفاهيم: الولاء، والتضحية، والأضحيات المجانية، وإيلاء الأدوار الوظيفية المختصة للجيش الوطني في الحماية، كما الاستقرار للعلم والبنى الاقتصادية والاجتماعية مع أحقية التنافس، وإثبات: القدرة، والجدوى، والكفاءة، كما تحقيق الذات سواء أكان على مستوى الفرد أم الجماعة.
قابلية الانفتاح المتحركة للحوار مع الخارج، واستبعاد فكرة التخوين كنقيض للوطنية المتقوقعة، بحيث يصبح المحيط الإنساني العام غاية التفاهمات الإنسانية العامة على حقوق إنسانية عامة تتجاوز محيط الدول بذاتها، وصولًا إلى المبادئ الدولية لحقوق الإنسان.
انتفاء العبودية القبلية لحكم مبني على موروث قبلي ذي اتجاه مغاير لحركة الواقع العصري، وبالضرورة انتفاء أنماط: الهيمنة، والاستعباد، واسترخاص القيم الإنسانية، بحيث أصبحت ضرورة تحقيق المصير والهوية الوطنية المهددة بالتشظي بجذرها الأول حمايةً وانتماءً واستقرارًا ضرورة واقعية تقتضيها طبيعة الواقع والأخطار السياسية والمجتمعية والدولية المحيقة فيه، بعد الفشل الذريع لهذا الاستقطاب المغاير للوطنية الأولى، وفطرتها الطبيعية التي قوضتها أنظمة الحكم القَبْلية هذه، وموجة الصراع الدامي العنيفة بعدها على سلطة من دون غيرها.
هنا تصبح مفاهيم كالديمقراطية والمدنية مفاهيم غير ملتبسة، وغير قابلة للتأويل أو الاستثمار، عندما تتمثل بتطبيق حكم القانون على نحو يحمي المساواة الكاملة بين كل السوريات والسوريين، وفي التأسيس لمدنية الدولة والحياة السياسية، وفي تداول السلطة على المستويين الوطني والمحلي عبر صناديق الانتخابات من دون استئثار فردي أو جماعي وحيد اللون، وفي التوافق على ضمانات قانونية وسياسية تمنع تحوّل صندوق الانتخاب إلى مصدر لتسلط الأغلبية على الأقلية، وفي الرقابة المتبادلة بين السلطات: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية؛ لمنع التعسف في ممارسة السلطة، وتصحيح أخطاء الحياة السياسية ذاتيًا، وفي الانتقال من البناء المركزي للدولة إلى اللامركزية، وفي تمكين المواطنين كــ: ناخبين، ومراقبين، ومرشحين من المشاركة الكاملة والمستمرة في إدارة الشأن العام والسياسي بكامل: الأهلية، والأحقية، والحرية، والمسؤولية أيضًا.

استنتاجات ختامية
لم أرد لهذه الدراسة الأولية أن تأخذ قالبًا منهجيًا محددًا وفق الطرائق المعروفة المعمول بها بحثيًا، بقدر طرح أسئلة حوارية متعددة الاتجاهات، حيث يمكن الكتابة بكل موضوع منها الكثير من: الأبحاث، والكتب، والدراسات، وهذه ضرورة مستقبلية، وذلك لغاية أولية في الطرح مفادها: لم تعد تكفي الأطر النظرية والفكرية وحدها لاستيعاب متغيرات الحركة المجتمعية العريضة في المنطقة العربية، فإن كانت هذه المجتمعات اليوم تعاند التغيير وإمكان التحول الديمقراطي والحر سلطويًا وأيديولوجيًا بتداخلات دولية متعددة، لدولة عصرية تعتمد المواطنة والحريات العامة والخاصة شرعيًا ودستوريًا، فإنَّ الميزة الأهم لهذا الزمن الحالي المضطرب هي إمكان الحوار الجماعي والعلني، وعدم الاكتفاء بدور المثقف وحيدًا في تحميله مسؤولية نقل الوعي لمجتمع خامل أو مفوت تاريخيًا.
باتت المصلحة المجتمعية التي تمس جذور الوطنية من حيث: الاستقرار، والانتماء، والحماية، والهوية الوطنية، بالعمق اليوم على محكات الواقع الفعلية والقاسية، ما يدعو للمشاركة المجتمعية العريضة والواسعة على قاعدة المسؤولية التاريخية والوطنية.
اليوم ثمة ضرورة لكي تصحو النخبة السياسية السورية، وتعيد معاينة الواقع المرّ لهزيمتها الأيديولوجية ذاتها، النخبة التي غرقت في نزاعاتها البينية الكتلية، والمزيد المزيد من المنصات والكتل والتجمعات، وتقسيم المقسم، وتشتيت قوى المجتمع والثورة، وربطها بمحاور متنازعة أيديولوجيًا في ما بينها، وكأن السلطة قاب قوسين أو أدنى من سقوطها، بينما الفرد السوري يُسقط بيده خذلانًا وتهجيرًا وتشتيتًا، ليجد ملاذه في من يوهمه بالحماية بسياسة الأمر الواقع أو قوى التدخل الخارجي، ليصبح بديلًا عما يُفترض بالنخبة السياسية الوطنية مليئًا مؤسساتيًا وانتماءً وفعلًا.
لم تزل فطرة الناس ومكنونها الوطني الخير وجذوة تحركها لـ: الحرية، والكرامة، والعدالة، عوامل مهمة ورئيسة من روافع الوطنية السورية، ويتطلب الارتقاء بها بالإرادة الحرة لمصاف المواطنة، والانتقال من مشروع الوطنية إلى مشروع الدولة، دولة الحق والقانون، دولة المواطنة.
لقد غرقت “النخب السياسية” في فوضى التفاصيل والاجتهاد والرأي، وظلال الرأي والرأي المضاد، في دوامة الإفحام بالمقولة، أو الرد بالمثل، أو غلو إثبات هوية وطنية ما من خلال تخفيض مستوى خلافها لدى المختلف: سياسيًا، أو فكريًا، أو دينيًا، أو مجتمعيًا، ويدخل الجميع في فوضى الصراخ واستعطاف الدول الكبرى للتدخل، ويحدث التدخل، ولكن بالطريقة التي تهزم الجميع مرة أخرى.
ليبقى السؤال المُعاد طرحه اليوم: هل يمكن التوافق والتعاقد الوطني على موضوع أنَّ المواطنة توزع متساوية للحقوق المدنية والسياسية والدينية أيضًا؟ وهل يمكن أن يتشكل هذا التعاقد بالإرادة الجمعية الحرة التي توجهها فورة الربيع العربي عامة والسوري خاصة ببدايتها مرة أخرى؟ وهل يمكن الاتفاق على مقومات وحدود هذا التعاقد بشكل أولي على جملة من الأسس العملية؟
ليس هناك معيار يحدد تفوق مواطن على آخر بوطنيته، ولا يمكن لأي جهة أن تصادر وطنية فرد إلا وفق الحقوق الدستورية والقانونية العاقدة للهوية.
نفي تفوق أي سلطة، أو نظام حكم أرضي، أو إلهي، أو أي أيديولوجيا سياسية أو دينية، وبالضرورة نفي تهمة الخيانة عن المختلفين: سياسيًا، أو دينًا، أو فكريًا.
ممارسة السلطة لا تعني أبدًا امتلاك أو حيازة كلية للحقوق، بل هي العمل وفق هذه الحقوق زمنيًا ومرحليًا، ما يحيل على تداول السلطة سلميًا ديمقراطيًا، وبالاقتراع العام.
المواطنة هي ممارسة الحقوق العامة والوطنية جذرها الطبيعي الأول الذي من غير الممكن تأطيره على أنَّه مشروع دولة إلا بالحرية وقواعد دستورية لصيانتها.
الوطنية تساوٍ في الوجود الأول الطبيعي، والطبيعي هنا قياسًا لمرحلتها وظرفها الزمني والتاريخي، وهي الاختلاف أيضًا مع تقدم العصر والقدرة على: كشفه، وإثباته، وممارسته كمواطنة.
التساوي الأول يحيل على التساوي الحقوقي في أي زمن أو تاريخ، والثاني يحيل على الاختلاف بالرأي والتوجه، ويمكن جمعهما معًا في سياق الدولة والعقد العام على المواطنة التي تعني تمامًا التساوي الحقوقي والاختلاف في ما عداه: فكريًا، ورأيًا، وسياسيًا، ودينيًا، ويبدو الاختلاف الأخير هو الأكثر مساواة ووطنية بين البشر، خلاف ما تدعيه سلطات الشرق القهرية، والأيديولوجيات الشمولية المستلبة للفرد هويةً وانتماءً وحُريَّةً.
هذه الموجة اليوم من الحوارات الشاقة والأليمة يجب أن تفضي إلى مشروع عمل وطني مختلف عما ألفناه أيديولوجيًا ومارسناه شعارتيًا، ولنجيز القول: إنه “مشروع المواطنة وطنيةً وحريةً” قيد التشكل والتحقق بإرادتنا الحرة والعاقلة، فهل سنكون على قدر المسؤولية التاريخية هذه؟

المراجع:
فوكوياما، فرانسيس، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، ط 1، (القاهرة: مركز الأهرام للترجمة، 1993).
موسوعة ستانفورد الفلسفية (Stanford Encyclopedia of Philosophe)، الوطنية (The Patriotism)، Igor Primoratz، 2017.
الموسوعة العربية العالمية، ط 1، (الرياض: مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، 1996).
أفلاطون، جمهورية أفلاطون، إعداد: أحمد المنياوي، ط 1، (القاهرة: دار الكتب المصرية، 2010).
عدوان، ممدوح، حيونة الإنسان، ط 2، (دمشق: دار ممدوح عدوان، 2007).
الجباعي، جاد الكريم، حرية الآخر: نحو رؤية ديمقراطية للمسألة القومية، ط 1، (دمشق: دار التنوير، دمشق، 1995).
النقيب، خلدون حسن، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، ط 1، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991).
لوك، جون، في الحكم المدني، ترجمة ماجد فخري، (بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع، 1959).
نورا عبه جي، مفهوم المواطنة، الموسوعة السياسية، https://political-encyclopedia.org/dictionary
روسو، جان جاك، في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، ترجمة عبد العزيز لبيب، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، 2011).
العروي، عبد الله، مفهوم الدولة، ط 10، (المغرب: المركز الثقافي العربي، 2014م).
هوبزباوم، إيريك، عصر الثورة: أوروبا بين 1789م و1848م، ترجمة فايز الصباع، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة،، 2007).
الحافظ، ياسين، الهزيمة والأيديولوجية المهزومة، ط 1، (بيروت: دار الطليعة، 1987م).
إمام، عبد الفتاح، 1985، توماس هوبز فيلسوف العقلانية، (القاهرة: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1985).

جمال الشوفي

كاتب وباحث سوري، دكتوراه في الفيزياء النووية من جامعة القاهرة 2008، له العديد من الأبحاث العلمية حول الوقاية الإشعاعية والطب النووي نشرت في مجلات متخصصة، مدرس محاضر في جامعة الاتحاد الخاصة، كلية الهندسة المعلوماتية من 2012 حتى الآن، مدرس محاضر في جامعة دمشق-كلية الهندسة الميكانيكية والهندسية من 2012 إلى 2015. وله نشاطه أيضًا في الحقل الفكري السياسي، إذ نشر عددًا من الدراسات مثل “المعارضة السورية بين بذور الحرية وطعوم الاستبداد- دراسة نقدية بنيوية” المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام، 2016؛ و”المجتمع المدني السوري بين الرؤية والواقع/ مخاض تجربة وهوية تتشكل” في العدد الأول من مجلة (قلمون) للدراسات والأبحاث – أيار 2017، وله العديد من المقالات المنشورة في صحف ومواقع عديدة، نال الدرجة الثالثة في جائزة ياسين الحافظ في الفكر السياسي للعام 2017.