الهوية الوطنية السورية

مقدمة
كشفت المحطات التاريخية المهمة لواقعنا العربي المعاصر، مدى هشاشة وعفوية وتأخر البنى المجتمعية فيه، الثقافية والفكرية والاقتصادية والسياسية. فعلى سبيل المثال، بيّنت الدراسات والأبحاث العقلانية التي تناولت هزيمة حزيران/ يونيو 1967، مدى التأخر الموجود في مل جزء أو ركن من واقعنا العربي، ابتداءً بأصول التربية في العائلة، وانتهاءً بأصول الفكر السياسي الخاص بنا، الأمر الذي جعل من تلك الهزيمة نتيجة منطقية وطبيعية.
ساهم التشريح المقدّم من قبل مفكرين عديدين أمثال إلياس مرقص وياسين الحافظ وهشام شرابي وجورج طرابيشي وعلي زيعور ومحمد شحرور وغيرهم، في تشخيص واقعنا وتفنيد إشكالياته “الذاتية والموضوعية”، منذ نحو نصف قرن، واليوم، نصل إلى نتيجة مهمة، حين نطّلع على الأسباب التي وقفت وراء عجزنا عن إنجاز دولتنا خلال المرحلة الذهبية المواتية لذلك، والتي أعقبت مرحلة الاستعمار الغربي المباشر، في مطلع القرن العشرين المنصرم، هذه النتيجة مفادها: إن المعطيات أو المقدمات التي منعت إنجاز الكيان السياسي العربي ما بعد الاستقلال، هي ذاتها المقدمات التي أفضت إلى نكبة 1948 وهزيمة حزيران/ يونيو 1967، ولنصل باستنتاجاتنا إلى مرحلة الذهول واللامعقولية، حين ندرك أيضًا أن مقدمات العجز والهزائم ذاتها، كانت حاضرة في ثنايا الربيع العربي، وأنتجت الكوارث التي واكبته.
حين التحدث عن واقع عربي معاصر، يمتد من مطلع القرن العشرين المنصرم -إعلان استقلال سورية وتأسيس أول دولة سورية- وحتى زمن الربيع العربي، فإننا نتحدث عن قرن كامل من الزمن، قرن عنوانه الرئيس “التأخر والعجز عن تجاوزه”، وهذا ما اصطلح عليه تسمية “مأزق تاريخي” قائم على دائرة مغلقة ومتكررة، أركانها “تأخر، عجز، هزيمة”.
أعتقد أننا، وفي محاولة كسر هذه الدائرة في سبيل تجاوز مأزقنا التاريخي، لم نتناول الإشكاليات الرئيسة التي منعتنا وتمنعنا من كسرها حقًا. بل تناولنا آثارها الجانبية -الكارثية أيضًا- وهذا ما أدى إلى بقائنا أسيري تلك الدائرة، وبقينا نراوح في المكان تجاه مأزقنا التاريخي.
تحاول هذه الدراسة طرح وتناول تلك الإشكاليات، وأعتقد جازمًا، بأن أيّ محاولة نهضوية وطنية، لن يكتب لها النجاح ما لم تأخذ هذه الإشكاليات في الحسبان، وأيضًا أن تشكل مقدمات حلّها نهجًا نؤسسه ونؤصله ونرسّخه في واقعنا، فكرًا وممارسةً. وتأتي -باعتقادي- إشكالية “الهوية” على رأس جميع الإشكاليات المعنية، ومفرزة لها. هذه الإشكالية المرتبطة بوعي الذات ووعي الآخر “الوعي الموضوعي”. لذا ستحاول هذه الدراسة، رصد وتتبع مسألة الهوية الوطنية في سورية، كنموذج يعبر عن المسألة ذاتها في الواقع العربي ككل.
امتثالًا للموضوعية، وتقصيًا للحقيقة، ونزوعًا للنقد، علينا الإقرار بأننا وبحكم سيرورة واقعنا العربي التاريخية، ندفع اليوم أثمانًا باهظة، ضريبة تأخرنا، وصلت حدّ الدماء والدمار، حال فلسطين والعراق وسورية وليبيا واليمن وغيرها. ذاك التأخر الذي أُبعدنا عبره عن الوجود بالمعنى الحضاري والإنساني، فنحن خارج إطار العمل والإنتاج، والتفاعل والتأثر والتأثير، منذ قرون. فمنذ الانحطاط في أواخر العهد العباسي ومرورًا بالدويلات والملكيات المتشظية، والوجود العثماني، وما بعده من استعمار غربي مباشر، محمّل بحربين عالميتين، وسايكس بيكو، وإنشاء “إسرائيل”، ومن ثمّ حقبة الاستبداد في مرحلة ما بعد الاستقلال والتي امتدت إلى يومنا هذا.
ومن باب عزاء الذات وتفاديًا لجلدها، نقول: إن تلك هي المقدمات المساهمة في تشكيل مُخرج التأخر، الذي نترنح اليوم بين حبائله. فبينما توقفت عجلة التاريخ عن الدوران عندنا خلال الحقب المذكورة آنفًا، كانت عجلة العمل والإنتاج التاريخية في الغرب في أوج ديناميتها، فقد توّج عصر النهضة في أوروبا 1400-1600، بحراكه الثقافي والفكري والمعرفي، مرحلة انتقالية بين العصور الوسطى وعصر الحداثة، ومثّل ذاك الحراك، اللبنات الأولى لتجسيد الحداثة، والتي شكّلت وبلّورت بدورها دولًا حديثة قائمة على عقد اجتماعي ودستور ومجتمع مدني. وبالطبع، لا يلغي هذا “العزاء” مسؤوليتنا تجاه ديمومة التأخر واستمرارية العجز عن تداركه. والمسؤولية هذه، تعود بداية إلى الفرصة التي أُتيحت لنا في مطلع القرن العشرين للبدء بإنجاز دولتنا الحديثة، ولتمتد المسؤولية لتطاول محطات النكبات والهزائم التي تعرضنا لها، بوصفها فرصًا للتحول والتبدل نحو الأفضل، ودوافع للوعي والنهوض، لتصل المسؤولية ذاتها إلى واقعنا اليوم، واقع الربيع العربي، بنزعته النهضوية وبوصفه الفرصة الأكبر لاستدراك الوعي واستئناف تجارب الخلاص. فالربيع العربي كساحة فعل وإنتاج حقيقية، عليه كي يثمر، أن يؤصّل بين ثناياه ما يفتقر له واقعنا من مفاهيم تؤدي إلى وعي الذات، وإلى وعي الهوية الجامعة، كي لا يصل بنتائجه إلى النهاية ذاتها المتكررة، وأعني هنا، الهزيمة أو إعادة إنتاجها. إن خروجنا من دائرتنا المغلقة لن يتم بإشعال الشموع والتوسل إلى السماء، بل بتأصيل مفاهيم الوعي والحداثة نظريًا، وتجسيدها عيانيًا داخل ساحة عملنا وإنتاجنا، ولعلّ أوّل هذه المفاهيم: مفهوم الهوية.

1- حول مفهوم الهوية
للهوية تعريفات عديدة، الأمر الذي يجعلها عرضة للالتباس، أو لنقل إن ماهيتها لا تزال ضبابية، كما لم تساعد التعريفات والتحديدات الأكاديمية، والتي تملأ حقول السوسيولوجيا، في إيجاد أو استنتاج تعريف جامع مانع لها، وهذا الأمر طبيعي، لما للهوية من مساحات تعيين واسعة، تتقاطع وتتداخل مع مفاهيم أخرى، كالثقافة والانتماء وغيرهما، كما تختلف دلالات مفهوم الهوية بالانتقال من حيزها الفردي إلى الحيز الجماعي، وتختلف دلالات مفهومها -أيضًا- باختلاف الحقل المعني، كأن نقول: الهوية الوطنية، الهوية الثقافية، الهوية القومية، الهوية الشخصية.. إلخ. لذا، يُقدم تعريف الهوية تارةً بوصفه مجمل السمات التي تميز شيئًا عن غيره، أو شخصًا عن غيره أو مجموعة عن غيرها. وتارة تُعرّف بأنها: مصطلح مشّتق من الضمير “هو”، ومعناها صفات الإنسان وحقيقته، كما تستخدم للإشارة إلى المعالم والخصائص التي تتميز بها الشخصية الفردية. أما اصطلاحًا، فتعرّف الهوية بأنها مجموعة من المميزات التي يمتلكها الأفراد، وتساهم في جعلهم يحققون صفة التفرد عن غيرهم، وقد تكون هذه المميزات مشتركة بين جماعة من الناس، سواء ضمن المجتمع أو الدولة.
ومن التعريفات الأخرى لمفهوم الهوية: إنها كلّ شيء مشترك بين أفراد مجموعة محددة، أو شريحة اجتماعية تساهم في بناء محيط عام لدولة ما، ويتم التعامل مع أولئك الأفراد وفقًا للهوية الخاصة بهم. وكما أردفنا سابقًا، هناك العشرات من تعاريف الهوية، تصب جميعها في معنى محدد، هو مميزات وقواسم مشتركة تشترك بها مجموعة ما وتميزها عن مجموعات أخرى. هذه المميزات والقواسم المشتركة تأتي نتيجة عوامل تتعلق باللغة والتاريخ والثقافة والجغرافية والمصلحة أيضًا. وتبعًا لتلك المميزات والقواسم يتم تحديد “من نحن؟ من نكون؟” و”ماذا نريد؟” وإجابة السؤال الأول تفيد الوعي. أما إجابة السؤال الثاني فتفيد الهدف. ويجب أيضًا إضافة سؤال ثالث “كيف نحقق ما نريد؟” والإجابة هنا معنية بالوسائل والآليات والأدوات.
حين نسأل شخصًا فرنسيًا أو ألمانيًا، من أنت؟ فإن إجابته ستكون: أنا فرنسي أو ألماني، وبهذا يكون الشخص قد حدد هويته، والتي على أساسها ووفقًا لها أصبح هناك دولة/أمة اسمها فرنسا أو ألمانيا. فتحديد الهوية هذا ينطوي على تحديد جذري وأولي لمآلات تلك الهوية، فهذه الهوية هي القاعدة والمرتكز بل القِبلة لكل ما ينتج من هذا الشخص ويوجهه تجاه أو لصالح الشأن العام (الفرنسي أو الألماني)، وبناء على هذا الوعي أو التحديد للهوية، تبنى الاتجاهات والمواقف والمصلحة العامة، كما تنشأ الأحزاب وتحدد إطارات الصراع السياسي وما يلف لفيفه، وبعبارة واحدة: من الهوية تتكون دول/أمم، ولها يكون الانتماء والولاء.
بالعودة إلى سؤال (من نحن؟) نرى أن تحديد الإجابة بـ فرنسي أو ألماني مثلًا، ينطوي على استبعاد -وليس إلغاء- ما يجعل كلّ ما دون ذلك أن يأخذ صفة الهوية. كأن تكون الإجابة: مسيحي، كاثوليكي، أرثوذكسي، باريسي… إلخ. فالأمة/الدولة -حداثيًا- هي المعبر عن الهوية، والتي تحددت نتيجة وعي، ونتيجة قواسم ومميزات مشتركة. ليبقى كل ما دونها، عبارة عن انتماءات وولاءات لما قبل دولة (طائفة، عشيرة، مذهب، إثنية.. إلخ) ومن ثمّ، ما دون حداثة. ونراها -في المقابل- تتجسد في المجتمعات التقليدية، مجتمعات ما دون مدنية. وتشكل فيه هويات متحاجزة ومتناحرة. ولهذه الهويات المتأخرة ماهيتها ومآلاتها أيضًا.
الهويات المتأخرة مضادة للوعي الجمعي الذاتي ولوعي الهوية الجمعية، ومناهضة للنهضة. وفي سبيل تعميق المعرفة بمفهوم الهوية وترسيخه (ماهيةً ومآلًا) سنورد مثالًا معاكسًا للمثال السابق. لو استوقفنا عينةً عشوائيةً من واقعنا العربي الراهن، وطرحنا عليه السؤال ذاته: من أنت؟ من تكون؟ (لقد طرح هذا السؤال في منطقة بلاد الشام في مطلع القرن العشرين خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي لها، وشكّلت الإجابات -كما سنرى لاحقًا- مؤشرات مهمة اتخذتها السياسة الاستعمارية الفرنسية محددًا أساسيًا في سياستها تجاه المنطقة) سنكون أمام إجابات متعددة، كل إجابة منها تحدد “هوية” مختلفة. كما ستعكس تلك الإجابات، درجة الوعي الذاتي وستعبر حقيقة عن أولوية الانتماء والولاء بالنسبة إلى المجيب. ووفقًا لها ستترتب -كما ترتبت- أوضاع ومواقف وسلوكيات وصراعات لاحقة، تشكّل في ما بينها واقعًا بأكمله، فالإجابات التي سنحصل عليها من العينة العشوائية، ستكون على الشكل الآتي: بدوي من العشيرة الفلانية، درزي من المنطقة العلّانية، علوي، سني، دمشقي، قبطي، بغدادي.. إلخ.
وهذا يدل على أن ذاتنا لم تعِ هوية جمعيّة بعد، وهي تعكس حالة اللادولة الموجودة في واقعنا الراهن، حتى لو قامت طغمة ما بتقديم نفسها على أن هناك دولة تحكمها، فلا دولة بلا هوية جامعة، ولا دولة حديثة ضمن انتماءات ما قبل دولة/حداثة. وكما في المثال السابق، تحدد الإجابات -جذريًا- الانتماء والولاء كقاعدة ومرتكز، لكل ما يُنتج ويوجَّه ويصب في الشأن العام، لذا فإن البدائل المتوافرة في هذه الحالة، هي تقديم المصلحة الخاصة لكل هوية متأخرة -على حدة- على المصلحة العامة للهوية الجامعة، وتكون إطارات الصراع السياسي وما يلف لفيفه منشئة في الحصيلة لكيانات وكانتونات متناحرة، بدل الدول/الأمم.
الإجابات الواردة في كلا المثالين، ليست افترائية، أو افتراضية/ تكهنية، بل إجابات صحيحة بضرورة الواقع المعبر عنها، والتي أفرزته، أو نشأ عنها، وهنا يجب التنويه بوجود نسبة ضئيلة جدًا جدًا، ممن سيجيب اعتمادًا على هوية وطنية/قومية جامعة، ومترفعة عمّا دونها من هويات متأخرة.
أمام الهويات المتأخرة، نجد واقعًا مترتبًا عليها، بقعة جغرافية لكل هوية منها، لها عاداتها وتقاليدها وأعرافها الخاصة، وسنجد أحزابًا مذهبية بقشرة وطنية/قومية، وأيديولوجيات مسيطرة مستقاة منها، وسنجد تمثيلًا برلمانيًا قائمًا على المحاصصات الطائفية والمناطقية والأقوامية والأقلوية، وسنجد دستورًا متماهيًا مع هذا التشظي، أو مُصادر لمصلحتها، كما سنجد قانونًا فُصّلت مقاساته بما يناسب ذاك التعدد من الهويات المتأخرة.
لقد عبّرت الهويات المتأخرة وانتماءاتها وولاءاتها ومصفوفتها الفكرية، عن مواقفها تجاه قضايانا الكبرى خلال تاريخنا المعاصر، مواقف متصارعة ومتنازعة “وقد تجلّت أيضًا خلال الربيع العربي اليوم”. ورأينا -ونرى- كيف تم توظيف هذا التنازع من قبل أعدائنا من مستعمرين ومستبدين، ودول “عظمى” في إفشال إنجاز تلك القضايا. أي إن الانتماءات والولاءات للهويات المتأخرة، هي في منزلة قنابل موقوتة موجودة في رحم أي مشروع وطني/قومي نهضوي. وهي من ثمّ، أدوات لا وطنية، ومعيقات لوعي الذات، بيد كل من يقف في وجهه. وما الحجم الهائل للسياسات والمنهجيات المطبقة في تعزيز وترسيخ تلك الانتماءات، إلا تعبير عن الحجم الهائل لأهمية الواقع -المآل- الذي سنغدو عليه في حال ظفرنا بوعينا الذاتي وتحقيقنا لنهضتنا المنشودة، وصولًا إلى مشروعنا والذي يعبر عنه ذاك الوعي الذاتي الجمعي.
إذًا، لا يمكن لانتماءات الهويات المتأخرة أن تكون ذات تطلع وطني/قومي، بل هي على النقيض من ذلك، أي ذات طبيعة تناحرية تحاجزية معه، فحين تتضارب أو تتفاضل مصالحها الخاصة والمصالح العامة، فستختار الأولى، كون الطائفة أو العشيرة أو المذهب أو الملّة -بحسبها- أهم وأولى من الوطنية ودولتها، هذه الدولة والتي تعني بمفهومها الحديث، تجريدًا للعموم ودولة الكل الاجتماعي. فالدولة بمفهومها الحديث، هي الفضاء العام المعبر عن مصالح جميع أفرادها، والذين يجمعهم عقد اجتماعي، ويؤطرهم دستور، ويتساوى جميعهم أمام القانون. ووفقًا لمفهوم الحداثة أيضًا، فإن مجموع “الجماعات الهوياتية المتأخرة” لا يؤلف شعبًا، ومجموع مصالحهم لا يمكن التعبير عنه إلا عبر مجتمع تقليدي متأخر، والذي لا يُفرز بدوره إلا طغمًا دينية أو أيديولوجيا تقليدية بالضرورة.

سردية (الهوية الوطنية السورية)
خلال المرحلة العثمانية، يُجمع المؤرخون على أن سورية الطبيعية قد سميت ببلاد الشام بعد الفتوحات الإسلامية، ثم عادت في المرحلة العثمانية للدلالة على الولايات الثلاثة: دمشق، حلب، وصيدا. وعلى أن أول ظهور لاسم سورية في العصر الحديث ورد في المراسلات بين محمد علي باشا والباب العالي، وجاء ذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
دخل العثمانيون إلى سورية عام 1516 بعد انتصارهم على المماليك في معركة مرج دابق، فسيطروا على حلب ثم باقي بلاد الشام، وتوالى دخولهم البلاد العربية تباعًا. وقد أبقى العثمانيون على التقسيمات الإدارية التي كانت في عهد المماليك، حيث كانت حلب وتتبعها ثمانية سناجق، وولاية دمشق وتتبعها تسعة سناجق، وولاية طرابلس وتتبعها سبعة سناجق، ثم استُحدثت ولاية صيدا. وكان “جان بردي الغزالي” أول والٍ على سورية -وهو القائد الذي خان ملكه قنصوه الغوري- وهو أول من ثار على السلطان العثماني من الولاة، وهذا ما دفع العثمانيين إلى تقسيم سورية -آنذاك- إلى ثلاث ولايات لتسهيل السيطرة عليها، وحتى لا تكون كّلها بيد والٍ واحد. أما “رأفت بك” فكان آخر الولاة العثمانيين على دمشق، والذي انسحب منها بعد دخول القوات العربية والبريطانية إليها عام 1918.
خلال تلك الحقبة، شهد القرن الثامن عشر نزعات استقلالية وأشهرها: حركة ظاهر العمر، حركة أحمد باشا الجزار، وحركة فخر الدين المعني الثاني. إلى أن دخلت “بلاد الشام” في حكم محمد علي باشا عام 1831 والذي استطاع السلطان عبد المجيد الأول، وبدعم كامل ومباشر من روسيا القيصرية وبريطانيا وفرنسا والنمسا، من استعادة “بلاد الشام” للحوزة العثمانية عام 1840.
بين عامي 1840 و1918، شهدت “بلاد الشام” ازدهارًا اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا، أفرز هذا الازدهار “نهضة عربية” والتي من أسباب ظهورها أيضًا، الرد على سياسة التتريك التي انتهجتها حكومة الاتحاد والترقي من جهة، وبروز النزعة القومية العربية من جهة أخرى. ومن خلال رصد وتتبع مسار نشأة وتطور “الهوية الوطنية السورية” نجد أن مراجع عديدة اعتبرت مرحلة حكم الأمير بشير الثاني 1788-1840 نقلة مهمة على طريق تكوّن “الهوية السورية”، ففي هذه المرحلة التاريخية غدا جبل لبنان مركز الثقل الاقتصادي في إقليم سورية، وظهرت فيه طبقة وسطى متعلمة. فقد شجع الأمير بشير التعليم والنشاط الثقافي والعلمي في الإمارة، والذي اعتمد العربية لغة للتعليم، كما استحدثت في عهده مدرسة “عين ورقة” والذي كان من خريجيها بطرس البستاني وفارس الشدياق، وهما من أعلام النهضة العربية. وأن اسم سورية، وقبيل القانون العثماني القاضي بإحداث ولاية سورية، قد بدأ بالتداول من خلال تلك الطبقة الوسطى، فالعديد من الأندية الثقافية التي أُسِّست في بيروت، تداولت اسم سورية لتأطير أعمالهم ونشاطهم مثل: الجمعية السورية لاكتساب العلوم والفنون (1847-1852) والجمعية العلمية السورية (1858-1860).
بعد اعتماد العثمانيين تنظيم علاقة الإمبراطورية مع الرعايا بناءً على قانون “العثمنة”، أتيح مناخ من الحرية النسبية، ظهرت خلاله صحف ودوريات كثيرة، شرعت في الترويج للهوية السورية والوطنية السورية مثل (صحيفة حديقة الأخبار 1858)، كما أسس بطرس البستاني (نفير سورية 1860-1861) والذي لم ير تعارضًا بين “العثمنة” و”الهوية السورية”.
عام 1865، طُبّق على سورية قانون الولاية، وقد ضمّت ولاية سورية ولايتي دمشق وصيدا، وتمتد الولاية من جنوبي حلب وصولًا إلى شبه جزيرة سيناء، أي سورية الطبيعية تقريبًا، وتشمل: سورية الحالية، شرق الأردن، فلسطين ولبنان (باستثناء حلب ودير الزور ومتصرفية لبنان) واختيرت دمشق عاصمة الولاية. وهذا ما ساعد في ترسيخ التصورات الأولية للهوية الوطنية السورية. ليبدأ المثقفون في بداية ستينيات القرن التاسع عشر بالدعوة إلى الوطنية السورية كجزء من الإمبراطورية العثمانية، وتجلىّ ذلك في ما روّج له بطرس البستاني في صحيفة الجنان “الإمبراطورية وطننا، وسورية بلدنا”.
في مرحلة محمد رشيد باشا 1866-1871، سُمح بإصدار الصحف الخاصة في دمشق وبيروت، وتبنت توجهًا وطنيًا حادًا موجهة خطابها إلى “الأمة السورية” و”الوطن السوري”. ومن الأمثلة على تلك الصحف، صحيفة “حديقة الأخبار”. كما أصدر محمد رشيد باشا قرارًا بتأسيس الجمعية السورية العلمية، والتي أصبحت ملتقى مهما لأفراد الطبقة الوسطى من المثقفين وللدعوة إلى الوطنية السورية.
كما لعب مدحت باشا الذي تولى حكم سورية بين عامي 1878-1880 دورًا كبيرًا في تطور الوطنية السورية، وكان نموذجه المحتذى الفدرالية الألمانية، كما أحيا فكرة اللامركزية في المادة 108 من دستور 1876، فقد رغب مدحت باشا في تحويل سورية إلى كيان قوي موحد، ومنح سكان الولاية حكمًا ذاتيًا، إلا أن السلطان عبد الحميد قام بعزله.
وعلى صعيد آخر، شكلت الصحافة، وعلم التأريخ الجديد، والروايات التاريخية -آنذاك- ميدانًا أساسيًا للتعبير عن “الهوية الوطنية السورية”، فالصحف الأكثر شهرة في زمانها “حديقة الأخبار، الجنان، نفير سورية، وثمرات الفنون” منحت حيزًا واسعًا للترويج للأفكار عن الوطن الجديد والهوية الجديدة، حيث توسعت هذا الصحف بالحديث عن الحدود الجغرافية لسورية الطبيعية، والتأكيد على مصطلحات مثل “أبناء الوطن” “الحقوق الوطنية” وشعار “حب الوطن من الإيمان” الذي أطلقه بطرس البستاني. كما برزت كتابات حاولت بدورها تناول الوطن الجديد وهويته.
لا بدّ من التنويه إلى أن تناول مسألة “الهوية الوطنية السورية” خلال المرحلة العثمانية، لا يتعدى كثيرًا ما تم تناوله في هذه الدراسة -وأعتقد- أن لهذا أسبابه المتعلقة بطبيعة واقع تلك المرحلة، فمسألة الهوية الوطنية، هي مسألة مرتبطة عضويًا بمستوى الوعي، بشقيه الذاتي والموضوعي. وهذا ما كان غائبًا في تلك المرحلة، على حساب غرق البلاد العربية كلها في بحر من الجهل، والانعزال، والفوضى، والفقر من جهة، والتأثير المباشر للتجاذبات السياسية للقوى الدولية السائدة في تلك المرحلة. فبروز مفردتي: سورية، سوري، ضمن هذه المرحلة، اتخذ طابعًا تمييزيًا عن الآخر، العثماني، ومن دون دلالات هوياتية.

في مرحلة الاستعمار الفرنسي
في بداية الحرب العالمية الأولى، أدركت بريطانيا أن انضمام الدولة العثمانية إلى صفوف تحالف أعدائها “ألمانيا وحلفائها” سيكون له تأثيرات كبيرة في سير الحرب ونتائجها، فقوة السلطان العثماني كخليفة للمسلمين، لها أثرها القوي في ما لو أعلن الجهاد ضدّ الحلفاء “بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين”، وهذا ما ستستثمره ألمانيا. وبناءً على ذلك، ارتأت بريطانيا أن بإمكانها الاستفادة من قوة العرب، في سبيل الحدّ من القوة التي نالها الألمان نتيجة تحالفهم مع الدولة العثمانية.
ومن خلال عدة مراجع تاريخية، وعلى رأسها كتاب “يوم ميسلون، صفحة من تاريخ العرب الحديث”، لساطع الحصري نقرأ: بريطانيا، كانت على علم، أيضًا، بأن النزعة القومية قد وجدت طريقها في التغلغل بين صفوف العرب، وأن سورية كانت من البؤر الرئيسة لتلك النزعة. لكنها كانت تدرك أيضًا، أن الثورة العربية لا يمكن أن تبدأ بنجاح من سورية أو العراق، بل لا بدّ لها من أن تبدأ من الحجاز، لأن الولايات السورية والعراقية كانت من مراكز احتشاد الجيوش العثمانية، فكان لا بدّ من التوجه نحو الحجاز، والاتفاق مع أمير مكّة لإثارة الثورة. كانت بريطانيا تعرف جيدًا أن ضمان مساعدة العرب لها كان يتطلب حثّهم على الثورة في سبيل الاستقلال، وذلك كان يستلزم مساعدتهم على تأسيس دولة مستقلة، وشرع الإنكليز يفاوضون الشريف حسين، ويفاوضون روسيا وفرنسا لتقرير اقتسام ميراث الدولة العثمانية. بذلت فرنسا جهدًا لمنع هذه المفاوضات مع الشريف حسين، ولكنها لم تجد مجالًا لتوقيفها، فأخذت تحاول أن تحصل على وعد صريح من بريطانيا تؤكد لها فيه عدم مساس حقوق فرنسا ومصالحها خلال المفاوضات التي تجري مع أمير مكة.
تخلل ذلك كله، مفاوضات بين إنكلترا وفرنسا، وشملت: تثبيت حدود سورية والاحتفاظ بحقوق فرنسا على سورية، وكيليكيا، ولبنان، واسكندرونة، وأضنة. ومن خلال هذه المفاوضات وسّعت فرنسا من حصتها بإدخال كيليكيا والموصل لحصتها، وإيصال سيطرتها إلى ديار بكر. ومع هذا، فإن فرنسا لم تتنازل عما كانت تدعيه من حقوق في سورية الداخلية نفسها، ونجحت في إدخال هذا القسم من سورية أيضًا في منطقة نفوذها. تمخض عن ذلك اتفاقيات أُبرمت بين فرنسا وانكلترا وروسيا، كان بموجبها تعيين مناطق نفوذ كل دولة من هذه الدول الثلاثة، وإقرار تأسيس حكومة إسلامية مستقلة في الجزيرة العربية، وتتولى إنكلترا مراقبتها. وانحصرت منطقة نفوذ روسيا في شرق آسيا الصغرى وجنوبها، ولم تشمل أي من البلاد العربية. وكانت منطقة نفوذ فرنسا قد شملت السواحل السورية من الناقورة إلى اسكندرونة مع جبل لبنان وكيليكيا. أما مناطق نفوذ بريطانيا فقد شملت السواحل السورية الممتدة من الحدود المصرية إلى الناقورة، والعراق الجنوبي، من بغداد إلى البصرة، والسواحل الممتدة من خليج البصرة إلى نهاية البحر الأحمر. وأما البلاد الكائنة بين منطقتي النفوذ الفرنسي والبريطاني، فقد تقرر أن تقام فيها دولة عربية مستقلة “لمقابلة تأثير الأتراك وتحالفهم مع الألمان”. أما فلسطين فقد تقرر وضعها تحت إدارة خاصة.
قيام الثورة العربية 10حزيران/ يونيو 1916: كان ساسة فرنسا يدركون أن الحركة العربية ستؤثر تأثيرًا ضارًا فيهم، ليس في البلاد العربية التي يطمعون بالسيطرة عليها في المستقبل، بل في البلاد العربية التي يسيطرون عليها منذ عقود، وحين قامت الثورة العربية فعلًا، رأت فرنسا أنه من الواجب عليها أن تؤسس صلات ودية مع زعيم هذه الثورة، للاستفادة منها في إشغال الجيوش التركية مع الحيلولة دون تطور الثورة إلى شكل يضرّ بمصالح فرنسا في سورية، وارتأت لتحقيق هذين المطلبين أن تحصر الثورة في الحجاز، وعدم ترك المجال لها للتقدم نحو الشمال. يقول رئيس البعثة العسكرية الفرنسية التي أوفدت إلى الحجاز “بريمون”: الحجاز عبارة عن مجمعًا لأحرار العرب الوافدين من مختلف الأقطار العربية، وكان بينهم العديد من السوريين والعراقيين، وإذا نجحت الثورة فيها، فإنها من الطبيعي أن تسري إلى سورية والعراق أيضًا، فيجب على الحلفاء أن يعلموا علم اليقين أن نجاح الثورة في الحجاز يضرّ بمصالحهم هم أيضًا، وعليهم أن يعملوا على تحديد نجاح الثورة في الحجاز نفسها.
تقدمت جيوش الثورة نحو الشمال بقيادة فيصل، ودخلت دمشق، في 1 تشرين الأول/ أكتوبر 1918، ويعين علي رضا الركابي رئيسًا لحكومة موقّتة على بلاد الشام. ليتبعه بعد يومين دخول فيصل، وترافق ذلك مع جلاء العثمانيين عن سائر بلاد الشام، وحررت سورية بأجمعها، فعندما اضطرت تركيا إلى عقد هدنة مع الحلفاء في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1918، كانت جميع البلاد العربية قد خرجت من حوزة الدولة العثمانية، ففلسطين والعراق كانتا قد حررتا من قبل الجيوش البريطانية، أما سورية، فحررتها حركات الجيوش العربية والبريطانية مشتركة.
في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، اصطدم رجال الثورة العربية باتفاقية سايكس بيكو، فقد تمسكت فرنسا بنصوصها وطالبت الإنكليز بتنفيذ أحكامها، وأصرّت فرنسا على بسط سيطرتها على سورية الداخلية، مقابل موافقتها على وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني وحده. وعقدت هدنة مع الأتراك تتخلى بموجبها عن كيليكيا، وضمنت بذلك تفردها بسورية.
داخليًا، قوبل وصول جيوش الثورة إلى دمشق بحماسة كبيرة في جميع أنحاء سورية، في الوقت الذي انهارت فيه الجبهة البلقانية واستسلام البلغار، وأدرك الألمان عجزهم عن معالجة الوضع وقطعوا أملهم في النصر، كما علمت فرنسا بمساعي الألمان لعقد هدنة، وشعرت بزوال الخطر عن بلادها، وسارعت إلى الاحتجاج لدى الإنكليز على تغلغل جيوش الثورة العربية في سورية وطالبت باحتلال حصتها، وأمرت إنكلترا الأمير فيصل بترك السواحل الفرنسية إلى الجيوش الفرنسية، وهذا يعني الشروع في تطبيق سايكس بيكو، ونزلت الجيوش الفرنسية في بيروت في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 1918 ثم نزلت في سائر الموانئ من صور إلى الاسكندرونة، وقسّمت البلاد العربية إلى ثلاث مناطق عسكرية، وعهدت بإدارة المنطقة الشرقية إلى قيادة الجيوش العربية، وإدارة المنطقة الغربية إلى فرنسا، وإدارة المنطقة الجنوبية إلى الإنكليز، وكانت المنطقة الشرقية تتألف من سورية الحالية باستثناء محافظة اللاذقية، مضافًا إليها شرق الأردن وحاصبيا وراشيا والبقاع.
في خضم هذه الظروف، كان على رجال الثورة أن يؤسسوا “دولة جديدة” وصار الوطنيون يشعرون ألّا سبيل إلى مقاومة الفرنسيين وإخراجهم من البلاد بقوة السياسة وحدها، بل لا بدّ لذلك من ثورة مسلحة. وبدأت فعلًا تلك الثورة. فوضع الجيش والحكومة كان غريبًا، فالجيش العربي -قانونيًا- كان لا يزال جزءًا من جيوش الحلفاء، شأنه في ذلك شأن جميع الجيوش المرابطة في الشرق الأدنى، والحكومة السورية -قانونيًا- لا تزال إدارة عسكرية تدير البلاد وفقًا للقواعد المقررة في حقوق الدول لإدارة “بلاد العدو المحتلة” ومن ثمّ، فإن إعلان الاستقلال كان الوسيلة الوحيدة للتخلص من هذه العراقيل. واستقر الرأي على إعلان استقلال سورية وتعيين الأمير فيصل ملكًا دستوريًا عليها في 8 آذار/ مارس 1920. وقد شمل إعلان الاستقلال هذا المنطقة الشرقية التي كانت تحت إدارة الدولة السورية بصورة فعلية، والمنطقة الغربية التي كانت تحت إدارة الجيش الفرنسي، والمنطقة الجنوبية التي كانت تحت إدارة الجيش البريطاني. فقرار المؤتمر السوري العام بالاستقلال، يُعلن استقلال سورية بحدودها الطبيعية.
لم يعترف الحلفاء بالاستقلال، واستمروا في عدّ الملك فيصل “أميرًا هاشميًا” يدير البلاد بصفته قائدًا للجيوش الشمالية.
الدولة الجديدة، سورية، امتدت زمنيًا نحو خمسة أشهر، فإعلان استقلالها الرسمي جاء في 8 آذار/ مارس 1920، وانتهت باحتلال الفرنسيين لعاصمتها دمشق يوم ميسلون في 24 تموز/ يوليو 1920. أما جغرافيًا فقد شملت حدودها “بلاد الشام” وكانت ملكية دستورية مدنية، لامركزية الإدارة، وقد كفلت الحريات السياسية والاقتصادية، وحقوق الأقليات، وحقوق المواطنة. فسياسة فيصل كانت تركز على تأسيس سلطة تشريعية للدولة السورية، وقرر بالاتفاق مع الوجهاء السياسيين والمثقفين على إجراء انتخابات “بالإمكانات المتاحة” لاستحالة تنظيم انتخابات بالمعنى الكامل للكلمة. حيث كان النظام الديمقراطي المعتمد آنذاك، هو النظام المعتمد عثمانيًا، “ديمقراطية تمثيلية” أو ما يعرف بنظام الدرجتين، ويقوم على أساس انتخاب الشعب على أساس الدوائر الصغرى لناخبين يقومون بانتخاب النواب على أساس الدائرة الكبرى، وبناءً عليه، انتُخب نواب المجلس “المؤتمر السوري العام” برئاسة محمد فوزي العظم. لقد شكّل الوطنيون السوريون والمحسوبون على “جمعية العربية الفتاة” أكثرية ذاك المؤتمر، وانتُخب هاشم الأتاسي رئيسًا لأول سلطة تشريعية سورية، في حزيران/ يونيو 1919، وبعد إعلان قيام المملكة السورية العربية، كلف الأتاسي برئاسة لجنة صوغ دستور المملكة، والذي أقر في حزيران/ يونيو 1920، وعمل به أشهرًا فحسب بسبب انتهاء المملكة بدخول “غورو” لدمشق. وتشكلت حكومة برئاسة علاء الدين الدروبي، ونفي فيصل.
على الرغم من أهمية التأريخ في تتبع مسار ظاهرة ما بهدف دراستها، إلا أن هناك أهمية موازية له، تكمن في سبر واقع التشظي والتفتت الهوياتي، وكيفية استفادة كلٍّ من الاستعمار وما تلاه من استبداد، من هذا الواقع الهشّ وطنيًا، واستثمارهما له في تحقيق واقع جغرافي وسياسي يتكئان عليه، ويغذيانه ضمانًا لوجودهما وديمومتها. ونقرأ للباحث وجيه كوثراني في كتابه “بلاد الشام في مطلع القرن العشرين السكان والاقتصاد وفلسطين والمشروع الصهيوني قراءة في وثائق الدبلوماسية الفرنسية”.
إن المهم في هذه الوثائق هو ما تُنبئ به في تبرير عملية “تنظيم سورية” بعد الاحتلال، وهي عبارة عن مشاريع تراوح بين الحفاظ على تمامية ووحدة سورية من زاوية جيو-اقتصادية، أي وحدتها على امتداد المصالح الفرنسية من كيليكية حتى مرافئ فلسطين، وبين الحفاظ على قدرة فرنسا في التحكم والضبط والسيطرة على المجتمع من زاوية سياسية وثقافية أمنية. كانت مسألة ضبط المجتمع عبر التجزئة الجيوسياسية القائمة على خصوصيات الطوائف، هي الغالبة في الوثائق الدبلوماسية، والتي اختزلت وشوهت مفهوم “الأمة” ليعني كيانات إثنية وطائفية مرشحة لإقامة دويلات أو كانتونات عليها، وهذا ما يتضح في مراسلات غورو-ميلران السرية عام 1920، والأهم، هو ما تُنبئ به بعض الوثائق من صفة “الفوضى” في توصيف واقع وتاريخ بلاد الشام، حيث لا “أمة” ولا “دولة” عاشتها شعوب المنطقة. فالمستقبل مفتوح على تشكيل “أمم” وفقًا للإدارة الفرنسية.
وحول مسألة البحث عن “الدولة البديلة” بين الاجتماعي والسياسي، يقول كوثراني: “تكوّن الملكيات انطلاقًا من موقع سلطة الأعيان والتجار في المدينة تبيانًا لطبيعة الفئات الاجتماعية والقوى السياسية المدينية التي سيطرت على الريف، هذه القوى، وبسبب موقعها السياسي–الإداري في النظام العثماني، هي المؤهلة للعمل السياسي في مرحلة انهيار الدولة العثمانية، والبحث عن بديل في إطار الصراعات الدولية بين الإمبرياليات، وتصطدم أهليتها في أن تشكل السلطة البديلة بعد زوال “اسطنبول” في عدم تمثيلها مصالح جمهور واسع، فهي تشكل مجموعة عائلات ولكلّ عائلة جمهورها، وهذا الجمهور عبارة عن شبكة من الأتباع في الأحياء والقرى، والعائلة ذاتها تدخل في صراعات مع عائلات أخرى حول توسيع شبكة الأتباع وتوسيع الملكيات في الريف وحجم المناصب السياسية والإدارية والعسكرية في الدولة. تلك هي طبيعة هذه القوى التي أفرزت في سياق تأزم العلاقة بين العرب والأتراك في العهد الدستوري، أشكال العمل السياسي وأيديولوجياته المختلفة، وهي التي برزت في مواجهة العمل السياسي في العهد الفيصلي في سورية (1918-1920)، وضمن أشكال واتجاهات متضاربة، بعضها يراهن على الإنكليز وبعضها يراهن على الفرنسيين وبعض آخر على الأميركيين، وكذلك، بعضها ذو أيديولوجيا عروبية وحدوية، وبعضها الآخر يحمل اتجاهات إقليمية، وهذا بدوره يتقاطع مع الانتماءات إلى الطوائف ومراكز المدن وما يحوطها من مصالح (ملكيات وأسواق). هذه القوى لم تنخرط في طبقة واحدة ولم تنتج أيديولوجيا قومية واحدة، وأن الأيديولوجيات الأقوامية–الإقليمية والطوائفية الدينية- كانت تعكس اتجاهات فئوية في رؤية “الدولة البديلة” وتصورها. لذلك اختلفت مشاريع الدولة البديلة تبعًا لعوامل مختلفة: الطائفة، العائلة، الثقافة المحصلة”، ويضيف: “إن طبيعة السلطة وتوزعها على أعيان المدن وعلى (عائلات) متنافسة على (المناصب) وعلى أعيان (طوائف) دينية متفاوتي الثروة، هي التي شكّلت الطرف الذي تعاملت معه، منذ طرحت (مشاريع تقسيم السلطة العثمانية) السياسات الأوروبية المختلفة، وكان تعامل هذه السياسات، ولا سيما السياسة الفرنسية، ينبع من رصد خصوصيات هذا الواقع (عبر تقارير رجالها وخبرائها وقناصلها آنذاك) وتجسيمها بمنظار أوروبي”. ورأي الباحثين الأكاديميين الفرنسيين أمثال ووليرس هو أن تكون سياسة الانتداب إلى جانب الفلاح، والسياسة الفرنسية الفعلية اعتمدت بشكل أساس على صراعات الأعيان في ما بينهم، ومنافسات المدن في ما بينها (حلب-دمشق) وتضارب اتجاهات زعماء الطوائف و(مثقفيها) من المسائل السياسية المطروحة، بدءًا من الموقف من الدولة العثمانية إلى الموقف من مشروع الخلافة العربية إلى مشروع الشريف حسين إلى مشروع فيصل. إضافة إلى أن “خصوصيات” بعض الطوائف الدينية في الأرياف الجبلية التي اتخذت منها السياسة الفرنسية مبررًا لمشاريعها التجزيئية في سورية (الموارنة، العلويون، الدروز) تشكّل جانبًا آخر إلى جانب طبيعة القوى والفئات المدينية، تجار وأعيان، من جوانب المأزق التي مرت به الحركة العربية في “مشروعها التوحيدي القومي” الأول.
كما تناولت الوثائق المذكورة، رؤية المستعمر الفرنسي لاحتمالية تجسد مفاهيم الدولة/ الأمة في واقعنا العربي آنذاك، ومما أورده “كوثراني” حول ذلك: يقول “ووليرس”: إن ظاهرة “الأمة– الدولة” هي ظاهرة أوروبية، وإن الشرق لم يعرفها. وتنطلق وجهة نظره من مفهوم أوروبي لظاهرة “الدولة– الأمة”، وهي إذ تقارن تكوّن هذه الظاهرة بواقع الشرق العربي والإسلامي، تكشف أن أوالية هذا التكون التاريخي خاصة بالغرب، وأن طبيعة السلطة والدولة في الشرق العربي والإسلامي لا يمكن أن تنتج هذه الظاهرة. إن الوصف المقارن لمفهوم “الدولة” الذي يقدمه “ووليرس” يستحق وقفة نقدية وجدية. فهو من جهة يمثل وجهة نظر أكاديمية فرنسية في تبرير مشاريع التجزئة التي لجأت إليها فرنسا، وهو من جهة ثانية يقدم ملاحظات دقيقة عيانية: “لم يحصل في الشرق هذا التدامج والتماثل التدريجي بين العناصر الثلاثة المكوّنة: الأرض، الأمة، الهيئة السياسية، التي أدّت إلى تكوّن بلدان أوروبا الغربية، التي تعتبر فرنسا أكثرها نضجًا واكتمالًا. ففي الشرق بقيت الدول ترتبط بالأمير، والدولة–الأرض هي مجرد تجاور، مقاطعات تعود للأمير نفسه، وهذا التعريف يبقى هو ذاته إن كانت الدولة عبارة عن إمبراطورية امتدت إلى القارات الثلاث (عباسيين وأمويين) أو كانت عبارة عن تكوين أصغر كما هو الحال مع المماليك، أو اقتصرت على مدينة واحدة وضواحيها، خليفة كان أم سلطانًا، باشا أم أميرًا، يبقى المبدأ واحدًا: الأمير وحده من يمثل حقيقة الدولة، والتبعية للأمير وقومه تشكل المنطلق. والدولة في الشرق برأيه هي لحمة اصطناعية لم تنبثق من السكان والأرض، هي ركام غير متجانس من الطوائف المتفرقة غير قادرة على إفراز مواطنية محلية. وإطاراتها السياسية لا تترجم الحياة الحقيقية للسكان، ولا سيما للفلاحين منهم، هذه هي الحقيقة التي يجب البحث عنها خارج هذه الأطر، في الطوائف المختلفة: القبائل، الطوائف الدينية، الطوائف المدينية أو المهنية، فداخل هذه الطوائف تجري حركة الأملاك والناس والأفكار، من دون اعتبار للحدود الإدارية والسياسية. ويضيف: “يطرح (ووليرس) مشكلة الانتماء الوطني في مرحلة ما بعد التقسيم الإمبريالي للمشرق العربي بهذه الصيغة: إذا ما سألت فلاحًا من الجزيرة أو من المناطق الشرقية في لبنان، أو من عجلون، من يكون؟ يجيبك أنه من هذه القبيلة أو تلك، أو من تلك القرية، يجيبك أنه مسلم، أرثوذكسي، أو درزي، لكن أبدًا لا يجيبك بعفوية أنه عراقي، أو سوري أو أردني. ويضيف: قد يقال إن هذه الدول حديثة وكيانات اصطناعية، هذا لا شك فيه، لكن أليس من المؤكد أننا نحصل على النتيجة نفسها في حال ملاحظتنا للفلاح المصري؟ هو أيضًا يجهل وطنه على الرغم من أن مصر هي أكثر بلاد العالم استعدادًا لإنتاج هوية وطنية”.
دروز الجبل في حوران وبسبب تمركزهم في منطقة جغرافية واحدة، شأنهم في ذلك شأن العلويين، شغلوا في السياسة الفرنسية حيزًا كبيرًا، إن من ناحية دخول الفرنسي إلى الجبل، أو من ناحية مراهنة فرنسا على “خصوصيتهم” المذهبية والاجتماعية، ومحاولتها جعل هذه “الخصوصية” ركيزة إنشاء دولة أو “حكومة مستقلة” في إطار تجزئة سورية. يقول قنصل فرنسا العام في بيروت “كوجيه”: إن المسلمين يخشون في حال سيطرت فرنسا على البلاد أن تؤدي تقاليد هذه الأخيرة في حمايتها للمسيحيين إلى إضعاف المسلمين، ولذلك يطلبون من بريطانيا أن يكون على رأسهم “أمير” من دينهم، كما الحال في مصر، ويدعو القنصل الفرنسي إلى بلورة موقف فرنسي واضح من “المسألة السورية” وفي ضوء التوجهين السياسيين: المسيحي والإسلامي، فيقول: من الملحّ أن نحدد مدى حجم المسألة، وأن نرسم خطًا واضحًا لسياستنا، فإذا كنا نرغب فحسب في الحدود الواقعة بين طرابلس وصيدا، يمكننا وبحق، أن نبادر بالمطالبة بذلك باسم حمايتنا للمسيحيين، أما إذا كان يجب أن تضمّ الحدود التي نرغب فيها مناطق أوسع، فكلّ شيء يتغير، ويجب أن نتقرب من الرأي العام المسلم الذي تشكل دمشق مركزًا له. أما نائب قنصل فرنسا في طرابلس فيقترح على وزارة الخارجية أن تتبنى فرنسا سياسة إسلامية واضحة، إلى درجة مساعدة المسلمين في اختيار (خليفة) لهم، منطلقًا في ذلك من رؤيته أن (الانتماء الديني) يبقى غالبًا لدى العربي– المسلم. وإن “الروابط الدينية بين العرب والأتراك تضعف، والعربي يطالب اليوم بحقوقه في الخلافة، لكنه يعرف أنه عاجز عن التصرف وحيدًا، لهذا يوجه نظره نحو (النصراني) الغريب. ويستنتج نائب القنصل: فرنسا يمكن أن تكون أكيدة من حسن استقبال المسلمين لها إذا وعدت باحترام عقائدهم وبمساعدتهم، وفي الحالة التي ذكرناها في اختيار خليفة لهم”. يقول (أندريه ديبوسك) مستشار وزارة الخارجية الفرنسية آنذاك والذي جاء إلى سورية في مهمة استطلاعية، وكتب تقريرًا حول موضوع (الحركة العربية): يجب أن نتجنب تعظيم الوقائع لأننا نعرف ما تقتصر عليه، بالتأكيد لا شيء يسمح بإنكار إمكان حصول حركة عربية في المستقبل، واستبعد حصولها قريبًا، فاختلاف الطوائف ليس الأمر الوحيد الذي يشق صفوف العرب. إن البلاد التي يسكنها العرب مثل الحجاز وسورية واليمن ونجد وبلاد ما بين النهرين تكشف عن مظاهر شديدة التباين، لا يمكن اجتيازها إلا بصعوبة، ولا يعيش فيها السكان إلا جماعات صغيرة منفصلة الواحدة عن الأخرى، ولا تشكل مجموعة وطنية، إن الأشخاص الذين اتحدوا لإنشاء هذه الحركة يشكلون في ما بينهم صورة مختصرة لهذه التجزئة. ويضيف: إن العرب لم يصلوا بعد إلى تلك الدرجة من الرقي، حيث العواطف والطموحات تذوب في طموح واحد مشترك هو خلاص البلد، إن ثمة كبرياء هائلة جدًا هي الخط المميز للأخلاق العربية تدفع كل واحد منهم إلى عدّ نفسه متفوقًا على أقرانه، وتجعل كل تحرك مشترك أمرًا مستحيلًا. وإلى جانب الكبرياء الفردية هناك عند العرب كبرياء جماعية، كبرياء العائلة والقبيلة. وإذا ما نظرنا عن قرب إلى الحركات التي حصلت حتى الآن في البلاد العربية للاحظنا أنها لا تتطابق في أي نقطة، فالأسباب التي أدت إلى نشوئها متنوعة جدًا، ونجهد من دون جدوى لإعطائها طابعًا وحدويًا ليس فيها. “ويكتشف قنصل فرنسا في سورية من خلال الملاحظة والمراقبة للسلوك السياسي، أن طبيعة العمل السياسي الشرقي، مسلمًا كان أم مسيحيًا، أن الدين هو الأهم لا بوصفه عنصر إيمان، إنما بوصفه عنصر انتماء اجتماعي– سياسي. ويقول: “يتزايد في اعتقادي بأن الدين في الشرق هو حقًا أساس كل شيء. وفي رأيي ينبغي ألا يغيب الدين عن بالنا أبدًا عندما نحكم على الأحداث والمشاعر والتيارات. طبعًا يجب أخذ المصالح المادية في الحسبان لكن الدين يتدخل دائمًا. ويبدو أن المحافظ الأكثر تخلفًا، والثوري الأكثر تقدمًا، والموظف المدني والموظف العسكري الذي درس في باريس، كما الذي تثقف في برلين، يتصرفون جميعهم، سواء أكانوا مؤمنين أم أحرار التفكير، كما لم يعرفوا قط أي شيء آخر غير الكتب المنزلة.”
كثيرة هي الوثائق والتقارير والكتب التي تحدثت عن العلاقة التاريخية بين فرنسا ومسيحيي الشرق من كاثوليك وموارنة، والعكس ينطبق على العلاقة بين فرنسا والطوائف الأخرى، كالدروز والعلويين والشيعة. وفرنسا بدأت بالاهتمام بخصوصيات هذه الطوائف للبحث عن مرتكزات أخرى لها غير المسيحيين. وما خلصت إليه الدبلوماسية الفرنسية في هذا الشأن، الاستفادة من انعزال الطوائف والجماعات “الأقوامية” في مناطقها وتماسك علاقاتها الاجتماعية الداخلية من جهة، وتوظيف الصراعات “السلطوية” الداخلية بين العشائر والعائلات، وحتى “بيوتات” الزعامة العشائرية الواحدة من جهة ثانية، لتوظيفها في إقامة “سلطات محلية” ممثلة لـ “سلطة مركزية” أي لسلطة الانتداب.
يكمل غورو مركّزًا على أهمية (الخصوصيات) الإقليمية والطائفية في ضرب (الوحدة القومية): “أفيدكم بهذا الصدد أن النصيريين الذين يستيقظ حسهم (الإقليمي الذاتي) منذ أن لم يعد هناك الأتراك لتذويبهم مع المسلمين، ساعدوني كثيرًا في قمع “الفتنة” التي أثارها الشريف في منطقة تل كلخ. وأن 73 زعيمًا نصيريًا، يتحدثون باسم جميع القبائل، يطالبون بإنشاء اتحاد نصيري مستقل تحت حمايتنا المطلقة. إن انقسامات سورية التي يجب أن تساعدنا في تنظيم البلاد بشكل عملي وملائم لسلطتنا، هي الآن ذات فائدة كبيرة لنا من أجل احتواء الحركة المنظمة ضدنا. وسيكون من المؤسف طمس هذه الانقسامات في وحدة السلطة الشريفية”.
ومن الأمثلة الواقعية التاريخية التي يتطرق لها كوثراني، والممعنة في استغلال واقع عربي هش، بلغ التناحر المذهبي والطائفي والأقوامي فيه حد التفسخ، الهندسة التجزيئية التي تعاملت معها فرنسا في بلاد الشام، وإنشاء (دول) على أرضية ذلك التناحر الهوياتي وذلك التفسخ، فيقول: يقترح ميلران صيغة بديلة عن “الملكية القومية” وهي سلسلة دول مستقلة جمهورية الشكل، تتناسب مع تنوع الأعراف والديانات والحضارات، وتتحد في فدرالية تحت السلطة العليا للمفوض السامي. وبذلك لا تكون الوحدة وحدة إدارة مركزية، بل وحدة اقتصادية (جمركية ومالية). يرى غورو أن تكون بيروت عاصمة لدولة لبنان الكبير، وأن تقسيم سورية إلى 8 أو 9 مجموعات (كما يقترح ميلران) سيترتب عليه نتائج خطرة: “فمن وجهة النظر السياسية، قد يخدم هذا التدبير فكرة الوحدة بدلًا من القضاء عليها، فإنشاء عدة دويلات صغيرة لا تستطيع تأمين وجودها بنفسها سيجعلها تتكاتف وتتقارب بدافع وحدة المصالح”. ويقترح أن تنحصر التجزئة في ثلاث أو أربع دول: “من السهل الإبقاء على التوازن بينها، ويساعدنا عند الحاجة في تأليب بعضها على البعض الآخر”.
الانغلاق الاقتصادي بين الطوائف الذي تميز به المجتمع السوري، و(الاختصاصات الجماعية) في النشاط الاقتصادي، وقفا حائلًا دون وجود منافسة حرة، وتوزع العمل لا يتم على أساس فردي، بل على أساس طائفي (الزراعة تخص المسلمين) والتجارة بقسم كبير منها تخص المسيحيين. وهناك مهن معينة لا يوجد فيها إلا مسلمون ومهن أخرى إلا مسيحيون أو يهود، إضافة إلى تفاوت الثروة والغنى بين المناطق والمدن، فحلب (الغنية) كان مطلبها أن تكون مستقلة عن دمشق، شعار هؤلاء: ثروة حلب للحلبيين. فكأن دمشق وبقية أنحاء سورية هي بلاد غريبة، ووطنهم يقتصر على مدينة حلب، ومُثلهم القومية تقتصر على تبليط شوارع حلب وتنظيف أحيائها من الغبار.
يقول يوسف الحكيم، وهو نائب الرئيس في المؤتمر السوري: تنبه الفرنسيون إلى وضع العلويين المضطهدين في متصرفية اللاذقية، فضموا إليها صافيتا والحصن وتلكلخ وطرطوس والعمرانية وجسر الشغور وهي مسكونة بأكثرية علوية، وأطلقوا عليها اسم (بلاد العلويين) وشملت حكومة اللاذقية برئاسة قائد فرنسي العلويين بالعناية والعدالة والمساواة بينهم وبين مواطنيهم المسلمين والمسيحيين في الحقوق والواجبات، فأخلص العلويون للانتداب الفرنسي، ولم يبعثوا بنائب عنهم إلى المؤتمر السوري. كذلك الدروز، فقد عبّر موقفهم المعادي للأتراك ثم للفرنسيين عن (تطلب ذاتي) يرفض الالتحاق بسلطة مركزية تتناقض امتداداتها وأجهزتها وممارساتها مع الأعراف والتقاليد وأشكال العلاقات الاجتماعية السائدة، والمؤتمر الدرزي المنعقد في السويداء عام 1920 أكد صيغة (استقلال حكومة جبل الدروز) وجعل من (الاستقلال) هذا شرطًا لقبول الانتداب الفرنسي: الانتفاضة الدرزية ضد الانتداب الفرنسي، ولا سيما انتفاضة 1925، نعتقد أن أسبابها الأساسية والمفجّرة تكمن في مخالفة السلطة الفرنسية لنص الاتفاق المعقود من حيث: التدخل الإداري والعسكري الفرنسي المباشر في الجبل، فرض الضرائب، الدخول في نزاعات السلطات المحلية بين العشائر و”البيتوتات” المتنافسة داخل العشيرة الواحدة.

من الاستقلال إلى الاستبداد
الاستعمار والاستبداد اللذان لم يعرف الواقع السوري غيرهما في تاريخه الحديث، جهدا واستثمرا في (لعبة الأقليات والأكثرية)، وحالا دون إذابتهم في هوية وطنية جامعة، فبذريعة هذه (اللعبة) أُنشئت (دول)، ووضع لها كلاب حراسة حرصت على مدى عقود على توسيع الهوة ما بين “مكوناتها” ورسخت الكره والخوف في ما بينهم، حتى تجاوزت تلك الممارسات بوصفها (أدوات ووسائل سلطة) واقعها، وأمست ثقافة مجتمعية، ليس من اليسير تجاوزها. في هذا الإطار، وضمن دراسة وتشريح الحالة الطائفية المحضة من جهة، واستثمارها السياسي لخلق وديموية استبداد ينعم باستبداده، ويحافظ على وظيفته في تعميق الشروخ المجتمعية وتحويل المجتمع إلى جزر هوياتية ضيقة ومعزولة، تضمن له البقاء، كما تضمن تعزيزًا لما خلفه الاستعمار من واقع يصب في جوهر مصالحه، استأمنها بيد أدواته في المنطقة العربية ومنهم سورية، وعمل جاهدًا لحمايتهم واستمات في الدفاع عنهم.
يورد الكاتب (تورشتين وورن) في كتابه “العلويون الخوف والمقاومة، كيف بنى العلويون هويتهم الجماعية في سورية؟” أمثلة عميقة حول حالة التشظي الهوياتي في واقعنا، وعن مدى (أصالة) هذه الحالة في مأزقنا التاريخي، وكيفية وقوفها في وجه المحاولات النهضوية لواقعنا، كون المحاولات ذاتها قفزت من فوق الهويات المتأخرة وولاءاتها من دون معالجة مسألة الهوية ببعدها الجمعي وطني/ قومي. وكما يرينا الواقع بشقيه (المعاصر والراهن) أنه مهما بلغ سمو الأهداف ونبلها، فإن الجوهر واليقين والحقيقة والنتيجة تكمن على الدوام في الرؤى الفكرية الموجهة لسلوكنا، وأن على حَمَلة النهضة أن يكونوا على المستوى المعرفي لمطالبهم، فالنيات الحسنة لا تكفي وحدها، بل كما يقولون: الطريق إلى جهنم معبدة بها.
ننتقل هنا إلى ما تناوله الباحث (تورشتين وورن) وتسليطه الضوء على الهويات الطائفية ببعدها الحيوي (ماهيتها- تأثرها وتأثيرها- خصوصيتها- علاقتها وعلائقيتها بالطوائف الأخرى. إلخ)، وتناوله الخصوصية المجتمعية للطائفة العلوية، كالخصوصية التي تمتلك كل طائفة أو أقلية نصيب منها، والتي جرى التكتم عليها إما خوفًا من (الآخر) أو كسبيل من سبل مقاومة الفناء أو بغية استثمارها سياسيًا. كما يُشغل الكاتب في البحث عن المآلات الممكنة والاحتمالات الواردة لهذه الهويّات، ويبيّن خطر جهل كل طائفة بأخرى وانعكاسات ذلك على بنيتها أو هويتها بكونها معيقًا من معيقات تشكل الهوية الوطنية. كل هذا وغيره، يجعلنا نقرأ عن العلويين “كأنموذج” للهويات الطائفية، وتناولها فحسب ضمن سياقها التاريخي والمجتمعي والسياسي. ليظهر لنا أن ما ينطبق على العلويين -هنا- يندرج على الهويات الدينية والأقوامية الأخرى.
ما أورده الباحث (تورشتين):
“لم تحظ الأقليات المسلمة غير السنية في عهد العثمانيين بالاعتراف كملّة، وكانت تتعرض لاضطهاد منتظم، وخاصة المسلمين الشيعة، بما في ذلك العلويون”. “شجع الفرنسيون في ظل الانتداب تمكين الأقليات، بما في ذلك العلويون والدروز والمسيحيون. وبحكم أن الطوائف الإسلامية غير السنية كانت الأكثر حرمانًا، فقد كانت -نسبيًا- الأكثر استفادة من سياسية الفرنسيين. فاضطلع أتباعها بدور متميز في القوات المسلحة وارتقوا في سلك الضباط، وكونها رأت مستقبلها داخل سورية موحدة، ألقت الأقليات بثقلها وراء القومية العربية التي وعدت بالمساواة والاندماج على أساس وحدة اللغة والعلمانية. ولاقى هذا تشجيعًا أيضًا من النخب التي كانت تحتاج إلى خلق هوية موحدة بدلًا من الولاءات القبلية والطائفية”. “فأحد أسباب تعرضهم للاضطهاد والمعاملة السيئة حتى العصر الحديث هو التصورات السائدة عنهم لدى السّنة المهيمنين الذين ينعتون معتقدات العلويين بالكفر بالإسلام، وكان هذا الحال عندما توجه زعماء الدولة العلوية تحت الانتداب الفرنسي برجاء عدم إدماجها في الجمهورية السورية، فالعلويون يرفضون أن يلحقوا بسورية المسلمة، وحسب رسالة العلويين إلى فرنسا خلال الانتداب “فالدين الرسمي للدولة هو الإسلام ووفقًا للإسلام فإن العلويين كفار. والدين الإسلامي رعى دومًا روح الكراهية والتعصب الراسخة في قلوب العرب المسلمين ضد كل ما هو غير مسلم. ما من أمل بأن يتغير الوضع بتاتًا. لذلك فإن إلغاء الانتداب سيعرّض الأقليات في سورية لمخاطر الموت والفناء. كما سيبيد حرية الفكر والمعتقد”.
عن المفرز السياسي، واستثمار خصوصية هذا الواقع من جانب الاستبداد، يقول (تورشتين): “أدرك حافظ الأسد أن عندما جاء إلى السلطة أن تحقيق الاستقرار في البلاد يعيّن عليه تقديم تنازلات للسّنة (..) وللحد من نفوذ رجال الدين في المجال السياسي، حيدهم من خلال منحهم سلطة متزايدة في المجال الاجتماعي (..) فأصبحت سورية دولة علمانية على السطح، بدلًا من بناء مجتمع علماني حقيقي، وبقيت مسائل الأسرة وقانون الأحوال الشخصية تحكم من خلال التشريعات الدينية لكل طائفة دينية على حِدة. فالمسلمون تحكمهم الشريعة الإسلامية والمسيحيين تحكمهم القواعد الدينية لكنائسهم. وحين تعززت قوة الإسلام السياسي، كانت ردة الفعل الفوري للنظام هي تضييق الخناق عليه. وجاءت أقسى ردات فعل النظام تطرفًا خلال انتفاضة الإخوان المسلمين أواخر سبعينيات القرن العشرين. وذروتها الدموية الختامية عام 1982. ولجأ الأسد إلى تعزيز قوة رجال الدين السّنة المعتدلين بغية القطع مع العناصر المتطرفة، ووضع المساجد والمدارس القرآنية جميعها تحت السيطرة والمراقبة. فسيطر على أهل السنة من خلال توجيههم إلى أشكال مقبولة من الإسلام السني لا تتعارض معه ولا مع العلويين”.

3- خلاصات
إن أهم عوامل قيام ثورة 1916 تحالف مصالح فرنسا وإنكلترة ضد السلطنة العثمانية، وحين اندثر الخطر العثماني، قامت فرنسا وانكلترة بتقاسم سورية، وخلال مرحلة الاحتلال الفرنسي، شكّل التشظي السوري المادة الأولية لتقسيم سورية، وبقاء فرنسا كمحتل حتى عام 1946، وعلى الرغم من عدم قدرة أي عاقل على نفي دور المقاومة في خروج الفرنسيين من سورية إلا أن السبب الرئيس في الاستقلال يبقى مسارات الحرب العالمية الثانية وتأثيرها في فرنسا. خصوصًا عندما نعلم أن الثورة التي انطلقت في السويداء ضد الاحتلال الفرنسي، امتدت إلى حلب ودمشق وجنوب لبنان، لكنها لم تشمل كل الجغرافية السورية، حالها حال الثورة السورية خلال الربيع العربي.
حين نتناول (الوطنية السورية)، الآن، علينا معرفة أننا نتناول الهوية الوطنية لسورية المتبقية، فسورية الحالية، قد نشأت بتوافقات استعمارية، ولم تصل إلى ما عليه اليوم، إلا بعد مسار طويل من الاقتطاعات الجغرافية والمجتمعية، ففي واقع الحال، إن دلالات مصطلح (الهوية الوطنية السورية) اليوم، يخدم دلالات مغايرة لسورية ما قبل قرن، كما له دلالة مغايرة عما قبل قرابة السبعون عامًا، وهكذا. لقد مرت سورية من حالة اللاوطن، إلى وطن مجتزأ، ثم وطن مجتزأ منه. وفي هذا المنحى، يمكننا أن نسأل أنفسنا عن إمكان الحديث عن الهوية الوطنية السورية في حال اقتطاع جديد (محتمل) من سورية الحالية، على غرار الاقتطاعات السابقة. ونجد أن معضلة التغير الجغرافي والمجتمعي، هي إحدى معضلات تشوه الهوية الوطنية السورية. كما كان للعديد من المسائل دورها في تشويهها أو مصادرتها، كأن نقول مثلًا: هل سورية عربية أم مسلمة، وهو سؤال هوياتي أيضًا.
في صدد تناول الهوية الوطنية السورية، يصادفنا العديد من الحالات الواجب التوقف عندها، من مثل: ألا يشكل الرابط بين عشائر الجنوب قرابة أوثق مع عشائر الأردن منه إلى محافظة حمص مثلًا؟ ومع توخي التعميم، أليس ارتباط كرد سورية بكرد العراق أكثر صلابة من علاقتهم بسكان ريف دمشق على سبيل المثال؟ وفي المقابل، أليس انتماء (القوميين) لمصر أكبر من انتمائهم لسورية، وقس على ذلك الإسلامويين والشيوعيين والماركسيين.
الهوية الوطنية السورية، حالة انفعالية، غير مؤصلة، وهذا بديهي حين نرى أن سورية ما بعد الاستقلال عن فرنسا، أصبح لها كيانًا سياسيًا، كدولة، ولكنها في الحقل الاجتماعي، لم تشكل مجتمعًا سياسيًا، أي أنها لم تكوّن شعبًا واحدًا، وهذا ما أمعن نظام الأسد في تفعيله أكثر فأكثر. كما علينا الإقرار بأن السوريين لم يعرفوا ويخبروا بعضهم بعضًا ما قبل 2011، وهذا ما دفع حناجر السوريين في بداية ثورتهم إلى إطلاق هتاف “الشعب السوري واحد” كمطلب/هدف، وليس كتعبير عن حقيقة واقعية موجودة.
(الهوية الوطنية السورية) لم تُشكَل يومًا، وبقيت غائبة في الوعي الجمعي السوري، على حساب هويات أخرى، ما دون وطنية أو ما فوق وطنية، فالمجتمع السوري، مجتمع بلا هوية.
يُفترض، في سبيل معرفة ماهية (الهوية الوطنية السورية)، تحديد معايير الوطنية كمفهوم، والانتقال منه إلى معرفة ماهية الوطنية السورية. وهنا سنجد أنه لا سبيل إلى إعادة اكتشاف مفهوم الوطنية، ومنه مفهوم الهوية الوطنية، إلا عن طريق الديمقراطية وحقوق الإنسان، فبهما يتأصل انتماء الفرد لوطنه، وبهما يتأصل انتماء المجتمع إلى دولته، فمعيار الوطنية هو الدولة الوطنية، دولة الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهذا ما لم يشهده السوريون، وهذا ما يجب عليهم استهدافه والعمل والنضال في سبيله.

فادي كحلوس

مدير تنفيذي لمؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، من مواليد 1979، خريج كلية الإعلام بجامعة دمشق، ناشط سياسي واعلامي، من مؤسسي (تجمع أحرار دمشق وريفها للتغيير السلمي – لجان التنسيق المحلية – تجمع أحرار ثورة الكرامة) 2011، له عديد من المقالات والقراءات النقدية منشورة في عدد من الصحف المطبوعة والإلكترونية.