الصراع السوري الإسرائيلي: تطبيع أم حقوق وحرية وديمقراطية للجميع؟

مدخل
يُحال كل بحث في تاريخ الدول والمجتمعات إلى صوره المتواضع عليها بين الناس، سواء أكانوا علماء، أو أيديولوجيين، أو جمهورًا، بحسب الموضوع ودائرة المؤثرين فيه. هذا يعني استحالة الوصول إلى الحقيقة المطلقة، تلك التي ما عادت موجودة بنفسها، وجل ما نقوم به هو البحث في صورها التي تتفاوت في نسب مقاربتها لها، والبحث في آثارها التي ربما كانت ساعدت في إنتاج هذه الصور و/ أو تساعدنا في نقدها وبناء واحدة جديدة. ولكن لأن للبحث عن الحقيقة التاريخية، أو ادعائه، وظيفةً مرتبطةً بحياة الناس المستمرّة، ولأن للعلم ضرورات حتى يصير علمًا، ومنها أن يضع السعي للحقيقة هدفًا له، ولكونه يفيض عن وظيفته فيحول البحث إلى غاية للباحث، فإن مساءلة الصورة، وإعادة تشكيلها، هي العمل التراكمي المستمر للباحثين في التاريخ. أما القفزات على هذا الصعيد، التي تجري حين تكتمل دائرة عصر فينتقل الناس إلى عصر جديد، فتتهاوى فيه صور وتنهض أخرى وكأنها من دون أسبقيات، فإن الجهد البحثي المُدقِّق فيها يكشف أننا إزاء استمرارية في عملية تراكمية لا تنفيها الانقطاعات، ولا القفزات، ولا التعرجات، ولا الانتكاسات؛ وأن التغير النوعي الذي نعيشه حقًّا هو تعاملنا مع هذه السيرورة بروح العصر الجديد، أي هو تغير لدينا أكثر مما هو تغير فيها. وإذ نجد أن تصورنا للواقع، وإحساسنا فيه، هما اللذان جرى عليهما تغير، ينفتح أمامنا فهم أن جانبًا كبيرًا من التغير في الواقع قد جرى عندما ارتكزنا على معرفة جديدة لإعادة النظر فيه، وإعادة تمثله في عقولنا، فتغيرت، إلى هذا الحد أو ذاك، مراكز اهتمامنا به، فتغير، إلى هذا الحد أو ذاك، فعلنا فيه.
وإذا كان هذا في نطاق العلم فالوضع في نطاق السياسة مشكوك فيه أنه أقل تقصدًا للحقيقة. فإلى حد بعيد يجري الصراع في نطاق السياسة على الصور التي ترسمها الأطراف، وحتى ضمن نطاق التصور الواحد يدافع المتخاصمون عن تمييزاتهم فيه وتفسيراتهم له. وهذا يفسر أن يحرص كل طرف على روايته لتاريخ الصراع، فهي الصورة التي صنعها لما جرى ويجري بتفسيره الذي يتقصد الدفاع به عن مصالحه. والفرق بين أن نرسم صور الواقع ونحن نتقصد تحريفها وبين أننا سننتجها منحرفة إلى حد ما مهما حرصنا على ألا نفعل هي الفرق بين السياسة والعلم، ونقصد هنا العلم الذي يستحق أن يسمى علمًا بنجاحه بالتحرر من قيود السياسة عليه وهو يبحث في السياسة. وفي الحالتين يبقى الضامن الرئيس لضبط العملية هو حرية مراجعتها ونقدها، ومن ذلك حرية الجرح والتعديل.

في الصراع والسلام
ورثت سورية بحدودها الحالية قلب “سورية التاريخية”، وهي المجال الحيوي لحضارات تجاورت، وتعاقبت، عبر قرون، مولدة كتلة سكانية متنوعة يجمعها مجالٌ اقتصادي وثقافي واجتماعي واحد يمتاز بتعدده ضمن هذه الوحدة. مجال واحديته هي تداخله، وتكامله، وتبادل التأثير بين مكوناته، عبر زمن طويل. وكان لهذا المجال السكاني أن يشكل دولة فدرالية لولا التدخلات الخارجية، ولقد حاول السوريون فعلًا من عام 1918 إلى عام 1920 إنشاء دولتهم، وفي عام 1920 أعلن “المؤتمر السوري العام” المملكة السورية العربية بحدودها الطبيعية (فلسطين ولبنان والأردن ولواء اسكندرون والأقاليم السورية الشمالية)، وأقر المؤتمر أن “ليس ثمة انفصال للجزء الجنوبي من سورية والمعروف باسم فلسطين، ولا للمنطقة الساحلية الغربية والتي تشمل لبنان عن البلاد السورية”. وهو ما شدد عليه دستور عام 1920؛ حيث نصّت المادة الثانية منه على أنّ: “المملكة السورية تتألف من مقاطعات تشكل وحدة سياسية لا تقبل التجزئة”. إلا أن فرنسا، بالاتفاق مع بريطانيا، قامت بتدمير كل ذلك وفتت السوريين، ووهبت تركيا مناطق سورية، واقتطعت منطقة وأطلقت عليها اسم لبنان الكبير، وتركت المنطقة الجنوبية (فلسطين وشرق نهر الأردن) لبريطانيا لتقوم الأخيرة بإنشاء إمارة في شرق الأردن، وإعطاء فلسطين للصهيونية.
وعرفت البلاد السورية ردات فعل ضد تمزيقها، لكن تفاوت القوة الكبير، وضعف التشكل السياسي للسكان وعمل الاحتلال على عوامل الانقسام، وميل معظم القادة التقليديين إلى التكيف مع الوقائع، سمح للاحتلالين الفرنسي والبريطاني بتثبيت وقائع أصبحت عصية على التغيير وذات بعد اقتصادي إفقاري للسكان. فترافق عدم الرضى عن الأوضاع القائمة مع إحباط عميق، ما سهل تسيد مزاج راديكالي لدى قطاع عريض من السكان.
وجرت، بعد الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، محاولات للتأقلم مع حدود الدولة المتبقية، ولكن فشل النخب السورية السياسية بإقناع السوريين، بمن فيهم موظفو دولتهم، بوعي مطابق لحدودها كان سببًا رئيسًا من أسباب هشاشة النظام السياسي القائم آنذاك، طبعًا إضافة إلى مشكلة الفلاحين الفقراء، ومشكلات أخرى. ففي مواجهة الصعوبات والتحديات كان السوريون يفسرون ضعفهم بتقسيمهم الذي حصل، ويبحثون عن قوتهم باستعادة وحدتهم مباشرة، وبعضهم أخذ يفكر في استعادتها عبر المرور بوحدة أخرى. وفي هذا السياق كانت إسرائيل تحديًا وتهديدًا لا يمكن تجاوزه، تمتاز عن بقية مشكلات التقسيم بدورها الوظيفي سابق الذكر المستمر، ولقد ظهرت بشكل سافر قاعدة للإمبريالية منذ العدوان الثلاثي على مصر.
على صعيد الوعي كان تنوير السوريين الذي يجري عبر إصرار صفوة أبنائهم وبناتهم على التعلم، يؤدي إلى شحذ وعيهم بواقعهم وإجرائهم مقارنة بينه وبين الحضارة الأوروبية المعاصرة لهم وتاريخهم الحضاري الذي جرت أحداث كثيرة منه في الأجزاء التي اقتُطعت منهم. في المقابل كان بناء وعي مطابق لحدود الدولة التي تحققت يتطلب إنجاز أسطورة وطنية جديدة، ومسح ذاكرة السوريين، ما وضع ضرورات سياسة التكيف هذه في تعارض مع الوعي الناتج من التنوير من جهة، ومع الوعي المحافظ الذي لا يميز أصحابه بين ماضيهم وحاضرهم من جهة أخرى، فيعيشون راهنهم باستحضار ماضيهم ومحاولة إعادة إنتاجه. وكان لاختلاق البعثيين أسطورة قومية، كمهرب من إعاقة الوطنية السورية وما تحيله من مشكلات، عبر استخدامهم آليات الاستحضار (حيث عالجوا معضلة الضعف السوري الذي عاصروه باستحضار التاريخ الإمبراطوري لدولة المسلمين محتكرينه، من دون وجه حق، للعرب وحدهم) دور حاسم في نجاحهم في بناء نظام سياسي جديد.
ولاحقًا، تكفل حافظ الأسد بانقلابه بالتخلص من كل من اعتقد بالقومية العربية وعمل من أجلها من البعثيين، فأكمل خطابًا سياسيًّا استبداديًّا يخفف من وطأة مشكلات سورية الوطنية عبر إحالتها إلى مشكلات عربية تخص أمة تخيلية من المحيط إلى الخليج، مستخدمًا “القومية العربية” مهربًا خطابيًّا ونفسيًّا بينما يعيش الدولة السورية المحققة في الواقع كدولة نهائية ويطمئن الدول الإمبريالية بأنه معنيٌّ باستقرار الدول التي خلقتها وتربطها بها علاقات وطيدة مع محاولة مدّ نفوذه فيها.
إلا أن استمرار الفلسطينيين في نضالهم من أجل حقوقهم، وانتشار الاهتمام بالقضية الفلسطينية في أرجاء المنطقة، وتحولها إلى صدع في الصراعات الإقليمية والدولية لأسباب أهمها الدور الإمبريالي الوظيفي لإسرائيل بإعاقة أي تلاقٍ عربي يخالف المصالح الإمبريالية، وضرب تنامي أي قوة إقليمية متعارضة مع الإمبريالية متحالفة مع المنظومة الاشتراكية، وتشابك هذا الدور مع المصلحة الإسرائيلية الخاصة بإضعاف سورية كمركز الإقليم الذي احتلت جزءًا منه بالضد من مصلحة سكان الإقليم وعبر هزمهم وقهرهم وإخضاعهم، جعل إسرائيل مشكلة لسورية تتعدى إعاقة وطنيتها إلى تهديد استقلالها ومصالحها بإقليمها. المصلحة الاسرائيلية الخاصة التي تبين مع الوقت أنها معنية بإضعاف أي قوة إقليمية ذات شخصية وطنية، وإضعاف أي نمو ديمقراطي في المنطقة يمكّن سكانها من المشاركة السياسية والتعبير عن مصالحهم ورفض العنصرية والاحتلال.
لكن التناقض السياسي مع دولة احتلال عنصرية في غياب دول ديمقراطية، أو ما ينوب عنها من حركة تحرر تقدمية ديمقراطية، لا يأخذ شكلًا مثاليًّا كما يكون بين قوة عنصرية وقوى تحرر ديمقراطية؛ فاستبداد حافظ الأسد كان يجد نفسه موضوعيًّا متوافقًا مع عداء إسرائيل الاحتلالية العنصرية مع الديمقراطية، ومرتاحًا لمساهمتها في إفشال نمو قوى إقليمية منافسة (مصر والعراق) في الوقت الذي كان يصارعها على استقلال سورية التي يريدها إقطاعية خاصة لا ينافسه أحد عليها، وينافسها على النفوذ على دول الإقليم فيعقد الاتفاقات عبر الولايات المتحدة الأميركية على تقسيم لبنان إلى منطقة نفوذ بينهما. وتكفل حافظ الأسد بتطوير الوعي الزائف الذي رفع سقف القضية الفلسطينية فيه إلى موقع القضية القومية العربية للتهرب من استحقاقاتها في الوقت الذي حاول استغلالها لتشريع حكمه وتأبيده وللاستثمار فيها ولاستغلالها ليصل إلى تسوية مع إسرائيل يستعيد من خلالها الجولان ويضمن استقلاله وقدرته على المنافسة الإقليمية. وعلى الرغم من أن كل ذلك كان في عيون كثيرين خيانة للقضية الفلسطينية واستغلالًا انتهازيًّا لها، إلا أن إسرائيل كانت ترفضه. كانت ترفض إعادة الجولان، وترفض استقلال سورية، وترفض نفوذًا إقليميًّا لها، وان كانت تفاوضه على كل ذلك وتقبل بعض الوقائع بشكل موقّت إلى الوقت الذي تستطيع فيه تغييرها.
هذا التلاقي المسكوت عنه بين سلطة الاستبداد الأسدية وإسرائيل على العداء مع الديمقراطية ومشاركة الشعوب في تقرير مصيرها ومقاومة نشوء قوة إقليمية عربية، كان الدافع خلف تصريح رامي مخلوف، ابن عم الرئيس السوري، والقابض على الاقتصاد السوري آنذاك، وأحد رموز تغول السلطة، بأن أمن سورية (ويقصد أمن سلطتهم) من أمن إسرائيل، في تحايل للقول إن إسرائيل لن تسمح بسقوط حكمهم. وهي فعلًا عارضت سقوطه، ولكنها كانت راضية عن تدمير سورية، وتفكك دولتها الذي ضمنه تصلب سلطة الأسد ورفضها لأي حل ديمقراطي تحت شعار “الأسد أو نحرق البلد”؛ لقد كان إحراق البلد خيار سلطة الأسد الذي حمت إسرائيل استمرارها في الحكم الوقت الكافي لضمان نجاحها في تحقيقه.
فعلى الرغم من أن بعض الدور الوظيفي الإسرائيلي جرى عليه تغير كبير نتيجة انتهاء الحرب الباردة، إلا أن إسرائيل بقيت تبحث في الصراعات الدولية والإقليمية عن وظائف لها تمكنها من تقوية وجودها مدفوعة بمصالحها وطموحها للتحول إلى المركز الاقتصادي للمنطقة، وإلى القوة العسكرية المهيمنة فيه، ومدفوعة في الوقت نفسه بهواجسها بزوالها نتيجة إدراكها أنها وجود مصطنع غير مرغوب فيه من أغلبية سكان المنطقة. وكان لها أن تجد صيدًا ثمينًا في الحرب في سورية وعليها، فهذه الحرب التي دمرت قوة أهم خصومها، ومنافسيها على النفوذ الإقليمي، هد أمامها جدار إعلان علاقاتها مع بعض الدول العربية التي أصبحت في حاجة إليها من أجل مواجهة التدخل الإيراني العدواني في المنطقة، التدخل الذي فتح أمام إسرائيل فرصة ذهبية بتغيير تحديد من هو العدو بالنسبة إلى الكثير من سكان المنطقة.
هذا يقودنا إلى أنّ مشروع إسرائيل القائم على العداء والعنصرية لا ينتج سلامًا، بل ينتج مزيدًا من الحروب والصراعات بين إسرائيل وحلفائها المشابهين لها في عنصريتها وعدائها للعدالة والديمقراطية للشعوب من طرف وسلطات استبدادية منافسة لها تشبهها في عنصريتها وعدائها للديمقراطية للجميع ومطامعها التوسعية من طرف آخر، وكذلك ينتج جُدُر فصل تعمق الانعزالية؛ فها هي إسرائيل اليوم توسع أسوارها لتحوط بالنخب المالية العربية (حكام الإمارات نموذجًا) ليكونوا معًا أسياد المنطقة المفصولين عنها والمسيطرين على ثرواتها.
هذا يعني أن ما هو معروض على شعوب المنطقة الآن ليس سلامًا للشعوب، انما استسلام لاحتلال عنصري معادٍ للديمقراطية يسعى للهيمنة والسيطرة وتحويل سكان المنطقة إلى جموع استهلاكية يديرهم وشركائه من خلف أسوار العزل العنصري. وكان من الطبيعي أن يظهر أن حلفاءه في المنطقة هم الدوائر الأكثر يمينيًّا وتمييزية ضد أغلبية السكان وأكثرهم عداء للديمقراطية. وهو ما يستوجب طرح سلام عادل يكون جزءًا من سياق تقدمي ينهي العنصرية والقهر والاستغلال، وهو ما يمثل مصلحة للوطنية الديمقراطية السورية صاحبة المصلحة بالدولة الديمقراطية الفدرالية في سورية، بحيث تطرحها كحل لكل المنطقة من أجل تحقيق سلام الشعوب.

ختامًا
في صراع مركب مثل الصراع السوري الإسرائيلي لا مجال إلى حلول قائمة على تزييف الوعي، ولا القفز فوق المصالح الإستراتيجية، فواقع الصراع يعود ليجرف ما هو زائف، ويعيد تسخين الأجواء. وبينما أشاع حافظ الأسد صورة زائفة لموقع نظامه من الصراع، واستغلها لتكريس استبداده، فإنه أيضًا استغلها لضمان استقلال سورية عن النفوذ الإسرائيلي لتبقى إقطاعية خاصة. وإذ كان هذا يعني أن المستبد أحل نفسه مكان الدولة السورية، فهو يعني أيضًا أنه فهم مصلحة هذه الدولة، وطبيعة إسرائيل العنصرية ووظيفتها الإقليمية. في المقابل عجزت المعارضات السورية عن تعميم أي صورة وطنية ديمقراطية بديلة، توازن بين ما يمكن فعله من أجل استقلال سورية واستعادتها حقوقها، وقدرتها على التضامن مع جوارها وضمان نفوذ سورية، وبين الحريات والديمقراطية والعدالة للشعب السوري وشعوب المنطقة.
وإذ تتعامل الوطنية السورية الديمقراطية مع الواقع وممكناته، فهي معنية ببناء تصور لما يجب عليها العمل عليه راهنًا ومستقبلًا. تصور يحدد المجال السوري، مع احترام إرادة سكانه سياسيًّا، بما في ذلك خارج حدود “الجمهورية العربية السورية” احترام دولهم التي يختارونها، ويقدم في سبل ديمقراطية للتكامل والتعاون وإدارة المصالح بين مجتمعاته وكياناته السياسية، ويدعم حرية ومشاركة افراده، بما يتوافق مع الدولة السورية الديمقراطية التي تسعى لبنائها. هكذا يظهر أن الساعين للجمهورية السورية الديمقراطية الفدرالية، القائمة على المواطنة وحقوق الإنسان، عليهم طرح سلام يشبهها إلى أن تصبح واقعًا فتقوم بإدارة عملية سياسية من أجل هذا السلام. وهذا أوضح ما يكون بالنسبة إلى السلام مع إسرائيل الذي يجب أن يكون عادلًا وديمقراطيًّا، وقائمًا على الحقوق الجماعية والفردية، ومعاديًا للعنصرية والتمييز، ويحقق لسورية استقلالها ودورها الريادي؛ فسورية المنشودة من الوطنية الديمقراطية السورية هي حاملة لواء دخول المنطقة أخيرًا في التنوير، وفضاء الحقوق، والمساواة، والمشاركة السياسية، والتكامل الاقتصادي القائم على رفاهية السكان، والتفاعل الثقافي.