النظرية، العقلانية والتاريخ في أعمال إلياس مُرقص

تقديم
أولًا: التأخر التاريخي والتقدم

  1. في نقد المشروع القومي التقليدي
  2. في نقد الماركسية الستالينية
  3. في التنوير والعلمانية
    ثانيًا: العقلانية والتقدم
  4. في سمات الكتابة المرقصية
  5. في نقد الوثوقية
  6. رفض صنمية النماذج في المعرفة والسياسة
  7. على سبيل الختم: فكر إلياس مرقص والراهن العربي

تقديم
ليس سهلًا الإحاطة بكتابة إلياس مرقص (1929-1991) في مختلف المجالات التي انخرط فيها مفكرًا وناقدًا، وساعيًا لرسم خط فكري واضح ومتماسك. فقد كانت الموضوعات التي خاض فيها متعددة ومتشابكة، وكانت مستوياتها المعرفية تجمع بين المقاربة السياسية المباشرة، وجملة من المبادئ المتصلة بالفلسفة السياسية، أي تجمع بين مجال السِّجال السياسي الظرفي، ومجال التنظير السياسي المغرق في التجريد والدقة المنطقية.
وإذا أضفنا إلى ما سبق، طابع انخراطه الفعلي في الصراعات السياسية في سورية، وفي عدد من الأقطار العربية، أدركنا الجدلية التاريخية المركَّبة التي وجَّهت كتابته، وحدّدت ملامحها وأبعادها. ويمكن أن نضيف إلى عمله السياسي، إسهامات عدة في العمل الثقافي المؤسسي، حيث ساهم في تأسيس مؤسسات تعنى بالشأن الثقافي العربي، وأصدر مجلات، وساهم في تحرير عدد من المجلات، الأمر الذي مكَّنه الجمع بين العمل السياسي والعمل الثقافي ().
لا يمكن قراءة الأثر المرقصي في تجلياته النصية الكثيرة والمتطورة () من دون اختيار زاوية محدَّدة من زواياه، فقد كان إلياس مرقص يتمتع بكثير من الحيوية والنشاط. ولهذا اخترنا العناية أساسًا ببعض همومه النظرية، وتوقفنا أساسًا أمام محورين اثنين، العقلانية والتاريخ، العقلانية بحكم خياراته الفلسفية، المناهضة للنزعة الوضعية والمنزع العلموي، والتاريخ لانحيازه لأسس الماركسية ومبادئها الكبرى، نقصد بذلك جدليات الصراع في التاريخ، حيث عمل على نقد النزعات الاقتصادوية والستالينية، ومختلف التوجهات التي حولت المادية التاريخية إلى محفوظات وشعارات. كما حاولنا في المحور الثاني من ورقتنا، تحديد السمات العامة لأنماط كتابته وتعقله للظواهر والقضايا التي شكَّلت محور اهتمامه وتجربته.
تضعنا زاوية النظر التي اخترنا في هذا العمل، أمام جهد فلسفي عربي، تَشْرِطُه سياقات في التاريخ لا ينبغي إغفالها، إنها تضعنا أمام الكتابة الفلسفية العربية في نهاية ستينيات القرن الماضي، حيث ساهم الخطاب الفلسفي في ركوب مغامرة البحث في سبل التقدم العربي. وقد لا نجانب الصواب إذا ما قلنا، إن الكتابة الفلسفية العربية قد عرفت مع إلياس مرقص وعبد الله العروي وياسين الحافظ (1930-1978) في نهاية الستينيات، تحولًا كيفيًا نقلها من التبعية الشارحة للتيارات الفلسفية الغربية، إلى مستوى المجادلة الخلاقة لتيارات الفكر الإنساني المعاصر، في ضوء شروط ومتطلبات اللحظة العربية التي انخرطوا في التفكير فيها، في كيفية تجاوز مظاهر تأخرنا التاريخي().
كان التعرف الذي أنجزه الفكر الفلسفي العربي إلى تاريخ الفلسفة قبل الستينيات، ينحصر في التعريف ببعض التيارات الفلسفية بصورة مدرسية. ولم يثمر التوجه الوضعي والشخصاني والوجودي، في الصورة التي تبلور بها في ثقافتنا، ما يؤثر في مظاهر الابتكار الفلسفي المؤشِّر على وعي بالذات، ووعي بالحاضر الكوني، على الرغم من أهمية منجزات هذه المدارس، في باب التمرس بالدرس الفلسفي في الفكر العربي().
تندرج آثار إلياس مرقص، سواء منها التي اتجهت صوب الفكر القومي، وحاولت إعادة النظر في مكوناته وأصوله، أم المؤلفات التي اعتنت بالفلسفة الماركسية، ساعية لبناء محاولات نقدية في سبيل تَبْيِئَة مفاهيمها في الواقع العربي، فكرًا وعملًا، مُسْتَهْدِفَةً في الآن نفسه، الحرص على إبعاد الصَّنَمِيَّة عن أطروحاتها الرئيسة. تندرج مختلف الآثار التي أشرنا إليها، في باب الانفتاح على النظر الفلسفي في الفكر العربي المعاصر، ومحاولة الاستعانة بآلياته في النظر إلى مواجهة أنماط الفكر البالية في ثقافتنا ومجتمعنا.
وقد شكَّل الجهد الفكري الذي تبلور في مؤلفاته النظرية، مثل نقد الفكر القومي: ساطع الحصري، ثم الماركسية في عصرنا، والماركسية والشرق، إسهامات نظرية تجاوزت الإرث الفلسفي العربي، فلم تكتفِ بعرض وتقديم بعض تيارات الفلسفة الغربية، أو إعادة قراءة المنتوج الفلسفي التراثي، وهما التقليدان السائدان في الكتابة الفلسفية العربية المعاصرة، قدر ما سعت إلى التفكير في القضايا الفلسفية بناء على أسئلة الحاضر العربي.
ولا شك في أن الحس التاريخي الذي كان يوجِّه هموم إلياس مرقص النظرية، دفعه إلى مباشرة حوار مجتهد مع تاريخ الفلسفة، وخاصة في الموضوعات والقضايا المرتبطة بإشكالات الوضع العربي، نقصد بذلك مشروع النهضة والتقدم العربيين. إنه لا يستعيد الأفكار الفلسفية بصورة تبسيطية ومبسطة، بل إنه يحرص على استعادتها في إطار جدل يتوخى إعادة النظر فيها، وتوظيفها في ضوء الخصوصية التاريخية العربية من دون تعالٍ ذاتي، ومن دون إحساس بالدونية. فتاريخ الفلسفة في نظره كان وسيظل تاريخًا كونيًا، وفي شواهد التراث الفلسفي العربي في الماضي والحاضر، ما يؤكد هذه المسألة.
ساهمت نصوص إلياس مرقص، كما ساهمت نصوص العروي، ثم نصوص هشام جعيط ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون على سبيل المثال لا الحصر، في تعميم المعرفة الفلسفية، وقد أجمع أصحابها على إعطاء الأولوية للعقلانية النقدية، كاختيار فلسفي ملائم لمقتضيات تطور الفكر والمجتمع العربيين.
لم يتجه الفكر الفلسفي في أعمال من أشرنا إليهم، للعناية بالقضايا الميتافيزيقية التقليدية في تاريخ الفلسفة. لقد كان محوره الأساس هو التاريخ. وداخل دائرة التاريخ، والنزعة التاريخية، اهتم إلياس مرقص بقضايا العقل والعقلانية والجدل والنسبية، كما اعتنى بمراجعة بعض مبادئ الفكر السياسي القومي، اعتمادًا على بعض مسلمات وفرضيات الفلسفة الماركسية، مُستعينًا بروحها ومنهجيتها، ومتجاوزًا كثيرًا من شواهدها النصية ذات الطابع المرحلي، أو الطابع الأوروبي. فقد ظن منذ بداية تعامله مع الفلسفة الماركسية بمحدودية المُعتقد ورَحَابة الفلسفة، نَصِّية العقيدة، ونقدية الفلسفات المفتوحة().
تثبت مراجعة سريعة لمجمل الآثار الفكرية التي تركها إلياس مرقص، انخراطه النقدي في مواجهة معضلات الفكر والواقع العربيين. وقد ساهمت هذه الآثار في تدعيم جبهة الفكر النقدي في دائرة الفكر العربي المعاصر، كما ساهمت في رسم الصورة الْمُرَكَّبَة لعمل الفكر العربي المعبِّر عن شؤون الفلسفة والسياسة والتاريخ().
لا يتجه الولع البارز في أعمال إلياس مرقص بالنظرية والمفهوم، صوب بناء الأنساق الفلسفية المجردة والمتعالية، قدر ما يتوخى الإمساك بمعضلات التاريخ بأدوات الوعي النقدي. ولهذا الغرض، وظف تكوينه الفلسفي لتعميق الوعي السياسي العربي، محاولًا تأسيسه على أرضية نظرية صلبة، تُمَكِّنُه من فهم مجرى التاريخ والإسهام في توجيه صيرورته، وفقًا للإرادة البشرية الواعية والمؤمنة بالتقدم وبالإنسان.

أولًا: التأخر التاريخي والتقدم
نريد أن نؤكد أن الخيارات الفلسفية التي بلورتها كتابة إلياس مرقص، حاولت فهم متطلبات المرحلة التي عاصر. فقد كان همه النظري السياسي الأكبر، يتمثل ببحثه عن سبل تجاوز التأخر التاريخي العربي. وضمن هذا الإطار، حدّد أُفُقُ التقدم جزءًا من مشروعه الفلسفي، وبرز ذلك في أبحاثه المتعلقة بنقد الفكر القومي التقليدي، وبرز في نقده الخيارات السياسية الستالينية التي كانت توجّه أغلب الأحزاب الشيوعية العربية في الخمسينيات والستينيات.
يستقطب الحاضر العربي بمختلف تناقضاته وعي إلياس مرقص، ويحاول تسخير هذا الوعي للإمساك بأهم القضايا التي تَحُول بين العرب وامتلاك ما يحقق تقدمهم، ويجعلهم يتجاوزون مظاهر التأخر التاريخي في مجتمعاتهم. وفي ضوء ما سبق، ركَّب جهدًا نظريًا حاول فيه بناء أطروحات مهمة، في موضوع القومية العربية والوحدة العربية. كما حاول بناء أطروحات فلسفية في باب إعادة صوغ المسألة الاجتماعية، ومسألة الثورة وصراع الطبقات، والعدالة الاجتماعية، في الوطن العربي. بل إنه ذهب بعيدًا في هذا المجال بالذات، وذلك بسعيه المتواصل لتشخيص القضايا الفكرية، وعدم إغفال أبعادها السياسية العينية، فهو عندما يفكر مثلًا في معضلة الحركة العربية الثورية، يفكر في الحزب الثوري والحركة الثورية الاشتراكية الوحدوية. وكانت هذه الطريقة في التفكير، تمنح فكره في بعض الأحيان، طابعًا برنامجيًا– إذا صَحَّ هذا التعبير -، حيث يتأسس على مطالب وحاجات اللحظة التاريخية المؤطرة لحياته().
نفهم ضمن هذا التصوُّر، تثمينه للناصرية، ودفاعه عنها بوصفها ممارسة واعية بالطموح العربي، المتمثل في الوحدة والاستقلال والتقدم، هذا على الرغم من أن بعض شطحاته الفكرية في مجال النظرية العربية الثورية، والحركة الثورية الوحدوية الاشتراكية، تعكس جوانب طوباوية في فكره، وذلك بحكم العناد الشديد الذي يبديه الواقع أمام الفكر في بعض مراحل التاريخ.

في نقد المشروع القومي التقليدي
اقتنع إلياس بجدوى العمل الفكري والسياسي، وأنتج جملة من النصوص النظرية، في مسائل ذات طبيعة سياسية خالصة. وكان يؤمن بأن النظرية مرشد موجِّه للتاريخ، وهذه المسألة ليست سهلة، وليس بمستطاع أي كان أن يجد لها الصيغة الملائمة، التي لا تفقر الفكر ولا تُسَيِّبُ الممارسة. وقد وُفق إلياس مرقص في نظرنا، في ابتكار صيغة من صيغ الجمع بين النظرية والممارسة، تتمثل ملامحها بالآثار والأفعال التي ترك، في النصوص والحركات السياسية، التي تَدِينُ له بوضوح الرؤية ونجاعة السبل، التي اختارت في كفاحها السياسي().
لقد أدرك إلياس مرقص أن المطلب القومي المصحوب بوعي اجتماعي تاريخي، والمُسْتَوْعِب في الآن نفسه، لأهم منجزات درس تاريخ الفلسفة، يُعَدُّ مطلبًا مركزيًا في الحاضر العربي. وأدرك أن واقع التأخر والتجزئة في الوطن العربي، يدخل ضمن محصلات الزمن الإمبريالي في حاضرنا. وفي هذا الإطار، دافع بقوة عن ضرورة الوحدة القومية لتحرير كل الأجزاء التي ما تزال مستعمَرة. ووضَّح أن الصراع بين حركة التحرر العربية وبين الصهيونية الإمبريالية، الصراع بين الأمتين أو الشعبين العربي واليهودي على فلسطين، وطن العرب القومي، له من العمر ما يفوق المئة سنة، وقد يستمر قرنًا آخر. ذلك أنه لا مكان في نظره لأمتين، لسيادتين على أرض العرب القومية.. العرب يمكن أن يتنازلوا عن مئة حق، ومائة سخافة، ما دام هذا الحق غير سخيف، سيادة الأمة العربية على أرضها القومية ().
يعبر المنحى النقدي الذي اتخذه الأثر النظري المُرقصي عن لحظة نفي إيجابية في سياق تطور الفكر العربي المعاصر. نتبين ذلك في مجال نقده الأيديولوجيا القومية التقليدية، حيث حاول الوقوف ضد ميتافيزيقا الهوية الثابتة والجواهر الأصلية، مبينًا أن مسألة تشكل الأمة مسألة تاريخية، فلا يمكن مقاربة الوجود التاريخي القومي للأمة بآليات فكرية سكونية لا تاريخية، بل يجب أن يشكل المبضع التاريخي السياسي والجدلي، الأداة الملائمة لمراجعة المنظومة القومية، وإعادة تأسيسها في سبيل بلورة وعي وحدوي ديمقراطي. وفي هذا السياق، ساهم إلياس مرقص في تأسيس (مجلة الواقع)، ثم مجلة (الوحدة) لسان حال المجلس القومي للثقافة العربية، من أجل إيجاد الأداة الفكرية المساعدة في توسيع الإسهام في تأصيل الفكر القومي وتنويعه، انطلاقًا من قناعته الراسخة كما وضحنا، بدور الفكر في توجيه العمل، إلى جانب إسهامه كما أشرنا ونؤكد، في تأسيس عدد من المنابر الفكرية والمؤسسات السياسية والثقافية.

في نقد الماركسية الستالينية
نرجح أن كثيرًا من انتقادات إلياس للفكر القومي التقليدي في ثقافتنا العربية، يقدم جملة من المبادئ الصالحة للتفكير مجددًا في العروبة ومستقبلها، العروبة المؤمنة بالتعدُّد، والمتصالحة مع تاريخ وثقافة تتجاوز الأعراق وأشجار النسب الوهمية، عروبةٍ مؤسسة على المصالح التاريخية، ومنفتحة على عالم لا يرفض التنوع، وقد جاءت ملاحظاته النقدية في صورة تؤسس فعلًا لعروبة مقبلة().
أما إسهاماته في مجال نقد الفلسفة الماركسية، فقد تمثلت في قراءته الماركسية في ضوء أسئلة الحاضر العربي. وكان من نتائج هذه القراءة رفضه مبدأ نسخ النماذج وتقليدها في مجالي السياسة والتاريخ، وكذلك نقده الشديد للتأويل الاقتصادي للماركسية. إضافة إلى إلحاحه على ضرورة التمييز بين ما كان يسميه ماركسية عصر صعود البرجوازية، وماركسية الزمن الإمبريالي التي تتميز بسيادة الاستغلال على الصعيد العالمي.
اتسمت قراءته الجديدة للماركسية بجهد كبير في ترجمة بعض نصوص مؤسسي الفلسفة الماركسية، ماركس، لينين، لوكاش وألتوسير وغيرهم. وفي هذه الترجمات لم يكن إلياس مرقص يكتفي بالنقل الدقيق، بل إنه كان يُطَعِّم مترجماته بكتابة حواشٍ وتعليقات، تدل على درجة تعلُّقه بالنص المترجم، وتدل على رغبته في تحسين محتواه، وذلك عن طريق ربطه بأسئلة الحاضر العربي، وهو أمر كان يساهم في تحويل النص المترجم إلى نص جديد.
كُتبت أعمال إلياس مرقص في نقد الماركسية والمشروع القومي تحت ضغط هاجسين أساسيين، هاجس التأسيس النظري بتعبيراته، وهاجس تجاوز التأخر التاريخي العربي. تحت إلحاح الهاجس الأول، تدخل أعماله المتعلقة بنقد الأيديولوجيا القومية التقليدية، ونقد الماركسية الستالينية، وتحت ضغط الهاجس الثاني، تبرز مواقفه النضالية من أجل الوحدة والتقدم.
لم يكن تعامل إلياس مرقص مع الماركسية مماثلًا للتعامل التقليدي الذي بلورته أغلب التيارات الماركسية التي كانت موالية للاتحاد السوفياتي، بل إنه حاول باستمرار تجاوز الطابع القطعي والنصي، في تعامله مع النصوص الماركسية وفي مقاربته للتجربة الاشتراكية السوفياتية. وقد حاول أن يوضح أن قوانين التاريخ الماركسية ليست معادلات جبرية، فجاءت كتابته مليئة بصيغ من قبيل «لا يكفي أن نقول كما قال ستالين في سنة 1925: المسألة القومية صارت مسألة الجماهير الشعبية، ومسألة الفلاحين، وأن نقول كما قال لينين في 1916 و1921: الرأسمالية تحولت إلى إمبريالية، والحركة القومية ستتحول ضد الإمبريالية والرأسمالية (…) بل يجب أن نستنتج من ذلك ما يجب استنتاجه، وأن نضع الوحدة القومية العربية في مركز النضال ضد الاستعمار والإمبريالية»().
تُبْرز هذه الصيغ أمرين اثنين، يتمثَّل الأول بتجنب إلياس مرقص النصية في التعامل مع الماركسية على الرغم من أهمية الشواهد، وتعبيرها المرحلي عن تشكل النظرية وتطورها. والأمر الثاني، وعيه بالحدود المعرفية النسبية، المؤطرة لماركسية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. وفي هذا الإطار، تندرج متابعته للقراءات الجديدة لأعمال ماركس، ومن بينها ما كتبه عن ماركسية ألتوسير على الرغم من مآخذه الكثيرة عليها().
لم تتشكَّل الماركسية في نصوصه بوصفها معتقدًا، فقد كانت الهموم الوحدوية القومية وهموم الصراع الاجتماعي المحلي، تدفعانه لتكييف عُدَّتِه الفلسفية وجعلها قادرة على معرفة مقتضيات اللحظة العربية التي عاصر، وقد ساهمت هذه المسألة في إضفاء كثير من القوة على صُوَّر تعامله مع المفهومات الفلسفية الماركسية.

في التنوير والعلمانية
كثفنا جهد إلياس النظري في مسعاه الهادف إلى إعادة بناء المشروع القومي العربي، في علاقة لا يمكن فصلها عن المنجز النظري والماركسي، وذلك من زاوية حرصه الدائم على خيار العدالة في التاريخ وفي المجتمع. وقد احتاز هذا الجهد بنوعية الالتزامات والخيارات السياسية التي ظل وفيًا لمبادئها طوال حياته. ولأنه كان يدرك جيدًا أن التاريخ أوسع مما نتصوَّر ونريد، فإنه لم يتردد في تعزيز مساره النضالي في جبهة الفكر والعمل الثقافيين، حيث فتح في قلب سجالاته الفكرية موضوع التنوير ودوره في تعزيز المسارات والدروب الفكرية التي انخرط طوال عمره في العمل من أجلها.
وقد لا نتردد في القول إن كثيرًا من نصوصه، يمكن أن تقرأ بوصفها إسهامًا في التنوير، ونقد كثير من أوجه وبنيات التقليد المهيمنة على الثقافة العربية. صحيح أن جهده السجالي، كان يباشر التفكير في مشكلات نظرية كبرى، ويواجه مشكلات تاريخية وسياسية معقَّدة، إلا أن كثيرًا من خلاصاته ونتائج أعماله تلتقي في نهاية التحليل بأفق التنوير، أفق تعزيز الخيارات العقلانية في دوائر الفكر العربي.
إن المقالات التي كان يواظب على نشرها في الأعداد الأولى من مجلة الوحدة في منتصف الثمانينيات، أبرزت الدور الذي يمكن أن تلعبه مكتسبات فلسفة الأنوار في تقليص هيمنة النصية الدينية على العقل العربي. ومن خلال هذه المقالات، دافع إلياس مرقص عن أهمية الوعي بنسبية المعرفة والتاريخ في الحاضر العربي. وفي مقدمات كثير من مترجماته، نلاحظ أيضًا حماسته الشديدة لدرس الأنوار في العقل وفي الضمير الإنساني. كما أن دفاعه عن العلمانية، وحواره المهم مع الأستاذ طارق البشري في ندوة (القومية العربية والإسلام) ()، يُبرزان بصورة جلية المنحى التنويري الذي التزمه، ودافع عنه بوصفها جزءًا من دفاعه عن درس الماركسية في تاريخ الفلسفة المعاصرة.
أتاحت الندوة المذكورة لإلياس مرقص، فرصة ملائمة لبلورة جملة من المعطيات النظرية المهمة، في مجال التدقيق في كثير من أبعاد مفهوم العلمانية. ونظرًا إلى أن الطرف الذي كان يحاوره، وضع يده على إشكالات فكرية مهمة، في باب التفكير في العلمانية وحدودها في مجال الفكر السياسي العربي، فقد أثمر حوارهما الإيجابي، كثيرًا من الخلاصات التي لم يتمّ تجاوزها في مشاريع الحوار القومي الديني، التي تتابعت الدعوة إليها بعد ذلك، بحكم تصاعد مَدِّ الإسلام السياسي في كثير من الأقطار العربية ().
ولا جدال في كون اهتمام إلياس مرقص بالعياني – مجال تمظهر الفاعلية الإنسانية – وهو ما يشكِّل في نظره روح الماركسية ()، ما يبرز عمق إدراكه لما لا يمكن تجاوزه في الفلسفة الماركسية، حتى عندما ينهار نموذجها السياسي تاريخيًا، وتنحل تجربتها في سياق الصراع السياسي العالمي. وقد منحه حرصه على العياني بوصفه أهم نقط الارتكاز التي تعتمدها الفلسفة الماركسية في مجال التحليل التاريخي، القدرة على إبراز دور الإمبريالية في تمزيق الواقع العربي، وفي مزيد من تجزئته وَشَلِّ طاقاته وقدراته، لمصلحة استمرارها أخطبوطًا قادرًا على إحباط كل المبادرات التاريخية، الرامية إلى تجاوز التأخر العربي، إنجاز الوحدة القومية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، طريق التحرير والتقدم ().
كان إلياس مرقص ينفر من العمل السياسي الأعمى، ولم يكتف طوال حياته باحتلال مقعد المْنَظِّر القابع في برجه العاجي، بل دافع على ضرورة الجمع بين وجهي العملة، ضرورة النظر إلى العمل السياسي القومي الملتزم، ولزوم الفعل السياسي القومي المنظَّم، لتجاوز عوائق التقدم في الواقع العربي. وعلى الرغم من صعوبات لَمِّ طرفي المعادلة المذكورة، فقد تمكَّن تقديم صيغة من صيغ الجمع الممكنة بينهما، وهي صيغة اتسمت بدفاعها المتواصل عن ضرورة الحوار (والتناصت)، لتعميق النظر وتيسير سُبل العمل، وقد حققت هذه الصيغة في نظرنا، جهدًا مهمًا في باب تطوير النظرية والممارسة، في فكرنا المعاصر.

ثانيًا: العقلانية والتقدم

في سمات الكتابة المرقصية
قدمنا في المحور الأول من ورقتنا وبصورة مختزلة، مجملًا يُوجِز أهم التوجهات الفكرية التي تعكس جوانب من اهتمامات إلياس مرقص النظرية والسياسية. وسنتجه في المحور الثاني إلى مقاربة أمرين، يتعلق أولهما بسمات الكتابة المرقصية، لنبرز نقده دوغمائيات الفكر القومي والفكر الماركسي، ثم نوضح في لحظة ثانية نقده صنمية النماذج المعرفية. ونختم الورقة بمساءلة الأثر المرقصي في ضوء الراهن العربي، حيث نفترض أن مفعول خطابه ومواقفه في ثقافتنا العربية، يواكب ويكمِّل بأسلوبه الخاص استمرار وفاء طلائعنا الحية اليوم، لقيم التحرُّر والتنوير والعدالة، وهي القيم التي صنع منها إلياس روح خياراته في الفلسفة وفي التاريخ والحياة.

في نقد الوثوقية
واجه إلياس مرقص في مجمل كتاباته ومواقفه السياسية سؤال التأخُّر التاريخي العربي، واختار مطرقة النقد لمواجهته، مستلهمًا بعض دروس تاريخ الفلسفة والفلسفة الماركسية. وقبل توضيح حدود النقد وأبعاده، نتجه لتقديم بعض سمات كتابته الفلسفية، حيث نسجل حضور خاصيّة التوتر بشكل متواتر في كثير من نصوصه. ونقصد بالتوتر هنا، ظاهرة تداخل الكتابات داخل الكتاب الواحد، حيث يشكل الاستطراد، وضبط المفاهيم، والإمساك بجذور القضايا المفكَّر فيها، ونحت المفردات الملائمة للصور والقضايا والأحكام، وسائل ملازمة لعملية بناء النص الفلسفي في آثاره() لكن الدلالة البعيدة لتوتر النص المرقصي تكمن في حرارة معاناته، فهو لا يقارب الإشكالات الفكرية، التي تدخل في دائرة اهتمامه بالبحث من الخارج، بل إنه يسعى لبنائها بحميمية تنعكس في تعابيره ومفرداته، وتبرز في بنائه الجمل والفقرات، ثم تركيبه في مستوى آخر من البناء المفهومات والأطروحات. ففي كتابه نقد الفكر القومي: ساطع الحصري وهو من مؤلفاته التنظيرية الأولى، يمكن ملاحظة الطابع الصوفي في التناول والمقاربة. يتجلى ذلك، في انشداد الكاتب إلى نصوص الحصري، وسعيه لإعادة بنائها، والتفكير في ما لم تفكر فيه، ثم نقدها، ومحاولة تجاوزها، وذلك ببناء بديل يعمل على ملء بعض ثغراتها، مع هاجس تاريخي بارز وموجه لمختلف المواقف التي يفكر فيها. فقد كان التاريخ في نظره، كما كان في نظر كل من استوعب درس الفلسفة الماركسية، هو مركز الفاعلية البشرية، موطنها ومَلاذُها.
ولن نجازف إذا ما قلنا، إن هذا الكتاب يتضمن أطروحة إلياس مرقص الرئيسة في مجال تجديد الفكر القومي، هذا التجديد الذي حوَّل المنظومة القومية إلى مشروع تاريخي منفتح وقابل للتحقيق. ونحن نرى اليوم، في ظل التمزُّق التي تعرفه أغلب المجتمعات العربية، أن التفكير في تحيين واستحضار المنظومة القومية في حاضرنا، لا يمكن أن يُغْفِل مكاسب الآثار التي بلورتها أعمال إلياس مرقص. ولا يمكنه إغفال جهد كل من عبد الله العروي وياسين الحافظ.
يقف إلياس مرقص في هذا الكتاب ضد ميتافيزيقا الهوية الثابتة، والجواهر الأصلية، مبينًا أن مسألة تشكل الأمة مسألة تاريخية، ولا يمكن مقاربة الوجود التاريخي للأمة بآليات فكرية سكونية لاتاريخية، بل يجب أن يشكل المبضع التاريخي السياسي والجدلي، الأداة الملائمة لمراجعة المنظومة الفكرية القومية وإعادة تأسيسها، في سبيل بلورة وعي وحدوي ديمقراطي. يقول إلياس مرقص: «فإما أن تكون أمة العرب أمة مدنية ديمقراطية حرة أو لا تكون، إما أن تكون أمة مواطنين في دولة حق، أو أن تكون ممالك مملوكة في عصر الإمبريالية والنفط»().
أَمَّا أهم نواقص الفكر القومي التقليدي في نظره، فتتمثل بالتراجع الذي لحق هذا الفكر، بعد فشل الوحدة السورية المصرية، ثم في عجزه عن تجاوز أسر النظرة العقائدية لمعطى القومية، وأخيرًا لاتاريخية ولاجدلية الخطابات القومية. وبديل هذه النواقص، يتمثل الأثر المرقصي الهادف إلى إعادة بناء المنظومة القومية. ويمكننا أن نشير على سبيل التمثيل المختزل إلى بعض الخلاصات والحدوس التي نعثر عليها في بعض أعماله، حيث يكتب:
«فالقومية العربية لا يمكن أن تكون (إمبراطورية أوراق) أو (قبيلة عامة معمَّمة) على امتداد جغرافي واحد، بل لا بد لها أن تكون شيئًا معاكسًا لفكرة القبيلة».
«فكرة الأمة هي فكرة أرض وإنتاج، إنتاج حقيقي، فكرة عقل، فكرة علاقات مليئة بين الناس، صناعة بشرية متقدمة. ولا يمكن أن يستولي مفهوم الأمة العربية مثلًا على شعوب مصر وتونس والجزائر والمغرب إلخ.. ما لم يكف عن كونه فكرة عربية شامية وعراقية، صحراوية (…) وما لم يأخذ التمايزات في الحسبان، التمايزات التي بدونها يفقر مفهوم الأمة»().
وهناك خاصية ثانية تبرز في جهده الفلسفي، وتتجلى في الطابع الحواري الذي كون سمة من السمات البارزة في كتابته وحضوره. ونحن هنا لا نقصد بالحوار السجال الذي طغى على كتابته ومواقفه السياسية طوال حياته، بل نقصد الحوار بوصفه عملية بناء ملازمة لاستمرار الخلق في الكتابة الفلسفية، وذلك بالمعنى الذي بلورته السوفسطائية وسقراط وأثمر المحاورات الأفلاطونية، الحوار الذي بلورته الديكارتية بنقدها الأرسطية، وساهم كانط في بناء نصوصه الفلسفية انطلاقًا منه، وذلك بمحاورته ونقده للنزعات العقلية والتجريبية، في خطابه في نظرية المعرفة وفي أثناء نقده العقل النظري الخالص، وقد قدم إلياس مرقص في الثقافة العربية، نموذجًا للفكر المُحَاوِر، ففي أطروحته في نقد الفكر القومي التي أشرنا إليها في المحور الأول من ورقتنا، لاحظنا أنه يمارس عملية استماع طويلة النفس، للمشروع القومي كما بلوره ساطع الحصري، مع متابعة نقدية موجَّهة بالهاجس التاريخي المؤمن بواحدية التاريخ البشري، والداعي إلى الاستفادة الإيجابية من دروس العقلانية النقدية، كما تبلورت وتطورت في تاريخ الفلسفة.

رفض صنمية النماذج في المعرفة والسياسة
أما في مجال محاورته النظرية الماركسية، فإننا نلاحظ أن جهده في هذا المجال تميزت بنفوره من النزعة الوثوقية، وكل نزعة تتجه إلى تحويل الماركسية إلى عقيدة جامدة. الأمر الذي يكشف أن ماركسية مرقص لم تكتف بتجنب نصية الشواهد، بل اتجهت أيضًا إلى محاولة بلورة جهد فكري يروم مواجهة مشكلات الحاضر العربي وأسئلته، جهد في القراءة، يتوخى تحيين بعض الأطروحات الماركسية، وتعميق بعضها الآخر()، مع حرص بارز على الانكباب على العياني في المجتمع العربي().
رفض إلياس مرقص مبدأ نسخ النماذج، مبدأ وثنية النماذج سياسية كانت أم معرفية، ففي الفكر تظل المعارك مفتوحة، والأسئلة مطروحة باستمرار، وهناك فرق كبير بين التوظيف السياسي لنظرية ما، والنظرية بوصفها نظامًا في الفكر، نسق من المفهومات والأطروحات وسلاسل الاستدلال والتمثيل والبرهنة، فلا يمكن لماركسية معينة أن تتحول إلى وصفة سحرية، نموذج جاهز، صالح لكل زمان ومكان. إن فاعلية الماركسية تكمن في نظر إلياس مرقص في انفتاحها وتاريخيتها، أي في مرونتها النظرية. ونحن هنا نميز كما كان مرقص يميز بين النظرية الماركسية بوصفها جزءًا من صيرورة تاريخ الفلسفة المتواصل، والصورة التي اتخذتها في تجارب التاريخ والسياسة، وهو الجانب المتعلق بتوظيف النظرية في الصراع التاريخي.
وما يبرز أيضًا رفض إلياس مرقص الوثوقية في مجال قراءته الماركسية، نقده الشديد للستالينية، ونقده للتأويل الاقتصادي للماركسية(). ومن المعروف أن القراءة الاقتصادية للماركسية عملت على تشويه رؤيتها للتاريخ، عن طريق بلورة مبادئ عامة أبعدت التاريخ عن جدلية الصراع، وحولته إلى نوع من الجبرية الآلية، حيث يشكل الاقتصاد العامل الأساس في الحركية الاجتماعية. وقد تَمّ بناء هذا المبدأ، من دون أي اهتمام بأبعاده السببية كما تُحَدِّدُها معطيات التاريخ، فشكَّل في نظر بعض الماركسيين، القاعدة المغلقة للفهم الماركسي للتاريخ، على الرغم من التحفظات والاحترازات النظرية الكثيرة التي نجدها في نصوص ماركس في هذا الباب(). وقد حاول إلياس مرقص أن يبرز في سياق نقده لهذا المبدأ، أن النظرية الماركسية في التاريخ لا يمكن أن تصاغ في قالب نهائي، يحصر مختلف أبعادها الحاصلة والممكنة. فلا شك في أهمية العامل الاقتصادي، وخاصة في بعض مراحل سير التاريخ، إلا أن العوامل التاريخية الأخرى، المُشَكِّلة لبناء الصيرورة المجتمعية والتاريخية تتبادل الأدوار في ما بينها، في سياق آليات الصراع اللامتناهية، والتي ما فتئت تحصل في التاريخ().
وبناء على ما سبق، انصب اهتمامه على اللحظة الإمبريالية، محاولًا إنجاز قراءة ماركسية لها، وذلك في ضوء استفادته من بعض جهد لينين في هذا المجال. وضمن هذا السياق، وضّح مفهوم الاستغلال على الصعيد العالمي، من خلال تمييزه بين ماركسية عصر الرأسمالية، وماركسية الزمن الإمبريالي().
نتصوَّر أن رفض إلياس مرقص للنصية والقطعية في قراءته للماركسية، يتوخى الاتجاه نحو العيانية، أي نحو جذور الأشياء والوقائع والمعطيات؛ إنه يَعْنِي أولًا وأخيرًا، تشبثه بالروح النقدية، جذر كل فلسفة حية، وقد شَكَّل هاجس النقد واحدًا من أهم هواجسه في الفكر وفي التعامل مع القضايا النظرية. وفي الإطار نفسه، كان يتحدث عن مهمات المرحلة التي عاصر، فيقول: «ضد الذين يقولون: دين، إسلام، مسيحية، ماركسية، عروبة، علمانية، تقدم، جماعة، مجتمع، إلخ، نسأل: أي دين؟ أي إسلام؟ … هذا الاستفهام هو قضيتنا وسنتابعها»().
الجذر إذًا هو السؤال، والجذر هو العيانية، إنه الروح النقدية التي تُحَايِثُ منطق الماركسية لا شواهدها المرتبطة بمعطيات تاريخية غير عربية زمن تبلورها. فعيب الماركسيين العرب في نظره، أنهم «لم يتكونوا كماركسيين عرب»، بل إنهم مارسوا أنواعًا من التماهي الأعمى مع تاريخ مغاير، وقاموا بنسخه من دون مراعاة التمايزات التاريخية الموضوعية.

على سبيل الختم: فكر إلياس مرقص والراهن العربي
حاولنا في الصفحات السابقات الاقتراب من المنجز النظري والسياسي لإلياس مرقص من زاوية محدَّدة، مع تركيز بارز على القضايا النظرية والسياسية التي وظف حياته كاملة من أجلها. ونتجه في خاتمة عملنا إلى فتح ورقتنا على جانب آخر، حيث نتجه إلى مساءلة آثاره في علاقتها بالقضايا التاريخية المستجدة، داخل مساحة التأخُّر التاريخي العربي المتواصل في حاضرنا. وإذا كنا نتفق كليًا أو جزئيًا مع بعض خيارات إلياس الكبرى في الفكر وفي السياسية، فإننا نستطيع ملامسة نوعيات الجدل التي أقامتها وما تزال تقيمها آثاره وتركته الفكرية مع الثوابت والمتغيرات التي تجتاح عالمنا بعد ربع قرن من غيابه المادي الذي لم يمنع حضوره الرمزي عن مجتمعنا وعن أسئلته في السياسة والتاريخ، واللقاء الذي نقدم في إطاره ورقتنا، يشكل دليلًا قاطعًا على استمرار حاجة مجتمعنا إلى آثاره ومنجزاته، لتشكل منطلقات جديدة لمواجهة التحديات التي ما تزال تَحُول بيننا وبين تحديث مجتمعاتنا.
وقبل الإجابة عن سؤالنا، لا بدّ من التذكير أولًا بطبيعة التنوُّع الذي طبع مساره الفكري. ولعل المتابعين لمسيرته الفكرية، يدركون أن مصدر التنوُّع والتعدُّد في عطائه، يعود إلى إدراكه العميق للتركيب الذي يصنع ملامح تأخُّرنا التاريخي المتواصل. وضمن هذا الأفق بالذات، اقتربنا في بداية المحور الثاني لورقتنا، من نوعية اهتمامه بالتنوير والأنوار والفكر النقدي، وأشرنا إلى دفاعه القوي عن العلمانية وما يرتبط بها من مواقف، تتوخى تقليص هيمنة المقدس على نظرتنا إلى المجتمع والتاريخ.
وإذا كانت الانفجارات التي حصلت في كثير من المجتمعات العربية سنة 2011، قد أنتجت تداعيات أعادت إلى الأذهان سؤال تحديث مجتمعاتنا، أي سؤال التنوير والعقلانية، فإن من يتابع بعناية جهد إلياس مرقص الفكري والسياسي، يدرك أن الرجل بحس المفكر الذي لا يغفل أهمية التاريخ والصراع التاريخي، في بناء مشروع النهوض العربي، مشروع التحرُّر والعدالة، الوحدة والاشتراكية بتعابيره، كان يعرف أن التنوير سيظل من أولويات الفكر العربي، وكل إغفال له لا يلغيه، بقدر ما يكشف عن حاجتنا المتواصلة إلى تحقيقه، ويؤكدها، لمواجهة صلابة التقليد المهيمنة على العقول والقلوب في مجتمعاتنا.
ومن هذه الزاوية بالذات، يمكن أن نقف على نوعية العلاقة التي نسجت نصوص وكتابات إلياس مع زمنه، ومع الزمن الذي قبله، والزمن الذي يتواصل اليوم جريانه، مُرَكِّبًا من جهد المفكرين جُسورًا من التراكم الذي يتيح في زمن آخر لا أحد يعرف موعده، بناءَ التحولات النوعية القادرة على تطوير مجتمعاتنا. ويحق لنا أن نوضح أن ربع قرن من غياب إلياس من مشهدنا الثقافي زادتنا قربًا منه، كما مَكَّنَتْنَا مواصلة الجهد الذي كان متحمسًا له، من قَبِيل دفاعه عن الفلسفة والعقلانية النقدية، وتمسكه بالتاريخ في تقلباته وصراعاته، أي في عيانيته، ثم في احتفائه بالتنوير وأخلاق التنوير.
نعرف أن تَعَثُّر الإصلاح الديمقراطي العربي، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، يعود إلى جملة من العوامل، أبرزها هيمنة الثقافة التقليدية المختلطة بتأويلات نصية محافظة للدين. كما فُسِّر التعثُّر المذكور، بالعوامل الاقتصادية ومتغيرات الصراع الدولي في المشرق العربي، وذلك من دون أن نغفل العوامل الأخرى، المتمثلة في سيادة أنظمة الحزب الواحد، والعائلة الحاكمة والمسيطرة على دواليب الاقتصاد. وإذا كانت هذه التفسيرات تجد شرعيتها في الأدوار الكابحة للثقافة السائدة، وطبيعة العوائق الاقتصادية والاجتماعية البارزة، والمؤدية إلى استفحال الظواهر، التي تعكس عجز الأنظمة السائدة، عن تحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم لمجتمعاتها، فإنه يجب ألا ننسى أن انخراط المجتمعات العربية، في تمثل أسس ومقدمات التحديث السياسي، الذي نفترض أنه يكفل إمكان الانتقال الديمقراطي في مستوى الوعي، أدركنا سمك الصعوبات التي كانت تواجهها قوى الإصلاح وثقلها، وهي تناهض أنظمة الاستبداد.
وإذا ما سلمنا، بأن الانفجار الكبير الذي عمت تجلياته كثيرًا من الأقطار العربية سنة 2011، قَدَّم رسالة واضحة في موضوع البحث عن شرعية ديمقراطية مناهضة لشرعيات القهر السائدة، فإن روح هذه الرسالة ستظل عنوانًا ملازمًا له، على الرغم مما يمكن أن يشوب كيفيات إجراءاتها، من عوائق قديمها ومستجداتها.
إن التكلفة الغالية التي دُفعت أمس، في معاركنا من أجل رفع الاستبداد، والثمن الباهظ الذي يدفع في معارك اليوم المتواصلة، يشكلان مواثيق جديدة، في مسلسل نحت الطريق العربي نحو الديمقراطية(). ونحن نرى أن الرسالة التي حملتها أعمال إلياس مرقص، يمكن أن تساهم بأدواتها وآلياتها في عملية البحث عن مخارج من الخراب الذي يملأ الديار العربية.
واجه إلياس مرقص استبداد الأنظمة السياسية العربية، كما واجه منظومة الفكر القومي، واجه الاثنين في آن معًا بكثير من النقد الهادف إلى تجاوز الاستبداد، وتجاوز أدبيات التيار القومي العقائدي التي تتغنَّى بروابط الدم والعرق والقبيلة، وعلى الرغم من الجهد الذي بذله بعض القوميين في موضوع الأصول التي ذكرنا، فقد ظل الفهم المتداول في موضوع المشروع القومي يدور حول أمة قائمة على الرغم من تربص الأعداء بها. ظل فكرة شامية عراقية صحراوية بعبارة إلياس مرقص(). وظل التاريخ في قلبها، ينبئ بوجود معطيات أخرى تحتاج إلى أنماط من التعقل، تتجاوز المفهومات التي استقرت في الأذهان، لتمنع المشروع القومي من إعادة بناء أولياته في ضوء المتغيرات التاريخية الجديدة().
يَعكس الموقف المشار إليه في الفقرة السابقة، ما يمكن عده تصورات سياسية قوية، في موضوع إعادة بناء المشروع السياسي القومي في فكرنا، ونحن نتصوَّر أن المشروع القومي اليوم، تواجهه جملة من التحديات الجديدة، فرضتها تيارات الإسلام السياسي التي تصنع اليوم في عدد من الأقطار العربية مؤشرات جديدة، تدفع القوميين بمختلف تياراتهم إلى التصدي لها.
تكشف التحديات الجديدة طبيعة التوترات والتناقضات التي ينبغي مقاومتها بالنظر النقدي، قصد بناء ما يمكن تسميته نقط اللاعودة إلى أنظمة في الفكر وفي السياسة، لم تعد ملائمة لمقتضيات الزمن، أي بناء مرتكزات نظرية وتاريخية تمنح مشروعنا في النهوض الأسسَ والقواعد الملائمة له. ولا مفر لنا في هذا الطريق من الاستعانة بجوانب من خيارات ومواقف الآثار المرقصية.
يحتاج المشروع القومي اليوم إلى نظام جديد في المعرفة ليتمكن تجاوز أحكامه القبلية، ومواقفه المرتبطة بتصورات ومبادئ لم تعد منسجمة مع ثورة المعرفة وتحولات القيم في عالمنا وفي العالم. إنه في حاجة إلى سد ثغراته الكثيرة، في المعرفة والتاريخ وفي النظر إلى المستقبل وفي المنجز المرقصي ما يساعد في ذلك().
وإذا كانت تجارب حكم بعض الأحزاب القومية في المشرق العربي، قد عملت على تحويل العروبة إلى منظومة شمولية معادية للديمقراطية، وما تستوعبه من مفهومات من قبيل الحرية والتداول والمواطنة وحقوق الإنسان، أدركنا مآزق العروبة في التاريخ، وأدركنا في الوقت نفسه أن الانفجارات الاجتماعية التي تلاحقت في المجتمعات العربية مستهدفة تحرير العربي من الاستبداد، تساهم في الوقت نفسه في تحرير العروبيين الجدد من الأنظمة التي ترفع راية العروبة، وتخاصم الحرية ملحقة عطبًا كبيرًا بمشروع العروبة الديمقراطي، المنفتح على المكاسب الكبرى لعصرنا في المعرفة والسياسة.


اتجهنا في هذا العمل إلى تقديم الخطوط العريضة لبعض أعمال إلياس مرقص، مصحوبة بتقديم جملة من الملاحظات حول السمات العامة التي ميزت خطابه ومواقفه في الإصلاح والتقدُّم. ولم تكن الغاية من وراء هذه الورقة الإحاطة الشاملة بجهده المتنوع في مجال الفكر الفلسفي والفكر السياسي العربي المعاصر، قدر ما توخينا منها إنجاز مدخل عام يساعد في نوع من التأطير الملائم في تصوُّرنا لجهده الفكري والسياسي.
حاولنا في ورقتنا، التأكيد على الطابع النقدي لكتابته الفلسفية، وأبرزنا ذلك في المراجعات التي أنجز للماركسية ولمقدمات المشروع القومي العربي. وكنا نروم من وراء هذا الموقف، توضيح الطابع المنفتح لمعتقداته ومواقفه الفلسفية. صحيح أنه التزم، في أغلب مراحله الفكرية، أهم مبادئ الفلسفة الماركسية، والتزم الدفاع عن الوحدة العربية الاشتراكية، إلا أن هذا الالتزام تغذَّى في نظرنا بروح لا تستكين للأفكار الجاهزة، قدر ما تغامر بمحاولات متواصلة في إعادة بناء الفكر والنظر، مؤمنةً أولًا وقبل كل شيء بالقيمة العليا للفكر وللتاريخ، أي القيمة العليا للإنسان.

كمال عبد اللطيف

أستاذ الفلسفة السياسية والفكر العربي المعاصر في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، شغل مناصب عدة من بينها عضو تحرير مجلة الثقافة المغربية، ومسؤول التحرير في مجلة “الوحدة”، ومحاضر في عديد من الجامعات ومؤسسات البحث داخل المغرب وخارجه، عضو مؤسس للجمعية الفلسفية العربية 1983، عضو اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم 2003، خبير في بعض الجامعات ومؤسسات البحث العلمي العربية والدولية. لكمال عبد اللطيف عدة مؤلفات في التاريخ والفكر العربي المعاصر من بينها “التراث والنهضة.. قراءات في أعمال محمد عابد الجابري”، و”أسئلة النهضة العربية، التاريخ – الحداثة- التواصل” و”أسئلة الفكر الفلسفي في المغرب” و”درس العروي في الدفاع عن الفكر التاريخي” و”العرب والحداثة السياسية” و”قراءات في الفلسفة العربية المعاصرة” و”مفاهيم ملتبسة في الفكر العربي المعاصر”، و”الإصلاح السياسي في المغرب، التحديث الممكن، التحديث الصعب”، و”أسئلة الحداثة في الفكر العربي، من إدراك الفارق إلى وعي الذات”، و”العرب في مواجهة حرب الصور”.

مشاركة: