الروح النقدية في فلسفة إلياس مرقص

تمهيد
أولًا: النزعة النقدية عند إلياس مرقص
ثانيًا: وحدة النظرية والممارسة
ثالثًا: منطق رأس المال في المنظور النقدي لمرقص
رابعًا: العقلانية بوصفها جوهر فكر إلياس مرقص

  1. ماهية العقل
  2. تموضع العقل في فلسفة إلياس مرقص
  3. الأسس العقلانية في فلسفة إلياس مرقص
  4. الديالكتيك في فكر إلياس مرقص
    خاتمة

تمهيد
انطلق المفكر إلياس مرقص من علاقة الفكر بالواقع، إذ جعل الواقع العربي موضوع معرفة، مؤكدًا أن هذه العلاقة المعقدة إنما هي علاقة ديالكتيكية، وسعى لنقض أفكار ومقولات ترسخت في ثقافتنا العربية، وفي رؤانا الفلسفية والسياسية، وفي الكتابات الماركسية (السائدة)، تلك المقولات التي بدت، تقدمية أو علمية أو ثورية، وتبين في أثناء تحليله لها أنها دوغمائية، جامدة، تؤكد سلطة النص، على حساب الفهم النقدي الخلاق للنص والواقع. كما تناول بالنقد ثنائيات: الأصالة والحداثة، الماضي والحاضر، التخلف والتقدم، الذاتي والموضوعي، المادة والروح، مبينًا أن هذه الثنائيات كانت تعكس جوهر فكر واحد يقيم التناقض بين طرفيه بجعلهما كليتين بسيطتين خاليتين من أي معنى، وفي ذلك انزياح عن التاريخية في تعقدها، وانزلاق نحو فهم يماثل بين طرفي التناقض، وأشار إلى أن أطروحة المعسكرين «الماديانية والمثالية، حملت من الشرور للماركسية، كفكر وكمعرفة وكعمل، أكثر كثيرًا مما حملت من خيرات، كانت جزءًا عضويًا من إلغاء عالم الفكر، لصالح علم الطبيعة وعلم المجتمع المزعومين تمامًا» ().
فقد استبدل بهذه الثنائيات الساذجة، جملةً من المفهومات والمقولات الماركسية التي أنتجها أو التي أعاد إنتاجها، بوصفها أدوات بحثية، فأصبحت لديه دليلًا لاستنباط منطق الواقع وحركة التاريخ مؤكدًا أنه «يجب أن نفحص المقولات، أن نضبطها، لا أن نعتبرها كلمات عادية معلومة، وأن نعمل بها من أجل المعرفة والكشف بوصفها خيرًا عامًا، إن المعرفة هي أولًا معرفة المقولات، ومعرفة المقولات هي معرفة علاقاتها، ولا سيما علاقاتها الضدّية» ().
من الصعب دراسة المقولات والمفهومات المعنية جميعها في هذا البحث، لذلك سننطلق من بعض المعايير التي تمكننا من استكشاف معالم رؤيته وسيرورة تطور فكره نحو آفاق معرفية وفلسفية تنويرية، من أهم هذه المعايير:
الروح النقدية التي جعلته يرفض ما هو سائد من أفكار وتصورات، ويحرص على العودة إلى الأصول الأولى للفلسفة الماركسية، وينابيعها الفلسفية، التي تعود إلى المرحلة اليونانية بكل ألمعيتها العقلية.
النزعة العقلانية، القائمة على فهم التراث الفلسفي وتمثله، هذا الفهم الذي يؤدي إلى إنشاء المقولات الفلسفية التي تعد أدواتٍ أساسيةً لصنع الكليات في فروع العلم جميعها بوصف الفلسفة هي الخلق والإبداع المستمران للمفهومات «وهي في حاجة إلى شخصيات مفهومية تساعد في ابتكارها» ().
وحدة النظرية والممارسة، فهو صاحب مشروع تنويري ليس تأمليًا فحسب، و(من أبرز رواد العقلانية النقدية، في الفكر العربي المعاصر، وضعه انتماؤه إلى الماركسية، في موضع بين الفلسفة ومشروع تحقيقها، فلا هو ذلك الفيلسوف المنقطع إلى التأمل، يحل الواقع في الفكر المجرد، وهو لا ذلك المتحزب، المتمذهب، المنصرف إلى النضال، يحل الواقع في الأيديولوجيا) ().
من خلال ذلك، ربما نستطيع مقاربة مشروع إلياس مرقص الفلسفي التنويري الناقد الذي كشف هشاشة الماركسية المعتقدية السائدة لدى الأحزاب الشيوعية المحلية، التي كانت بعض مؤلفات ستالين وخاصة الملخص الصادر عام 1924، مرجعها الفكري. إذ نظر ستالين – وهنا مكمن الخطر – إلى الطبيعة والمجتمع، على أنهما مادة للإرادة الثورية، تحكمهما معًا قوانين متماثلة، فقد أراد أن يخضع المجتمع لانضباط صارم كانضباط الطبيعة، وستالين هو سيد القانون، «هذا الاتجاه ينفي مقولة التقدم، التي ليست مقولة التطور، ولا مقولة التغيير، إنها مقولة إنسانية، ترتبط بالإنسان. الكائن القابل للتحسن بخلاف غيره من الكائنات، ستالين شطب مقولة التقدم، ومن ثم مقولة الإنسان» ().
كان مرقص ماركسيًا حرًّا، ناقدًا من خلال امتلاكه لأدواته المعرفية (انتسب إلى الحزب الشيوعي السوري 1955، وطرد منه عام 1957) () بعد خلافات مع قادة الحزب، مثله مثل أي فيلسوف آخر، كان يقض مضاجع الدوغمائيين والنصيين، وحسبنا أن نذكر في هذا السياق فلاسفة آخرين طردوا من أحزابهم: غرامشي، هنري لوفيفر، جورج لوكاتش … إلخ.
انتقد الماركسية السائدة التي كانت تقوم على تكرار الجمل والعبارات الواردة في الموجز، الذي استخلصه ستالين عام 1938 من بعض مؤلفات ماركس أنغلز ولينين، وشرحها وتبسيطها. وكان الطابع العام المسيطر على الفكر والعمل هو انفصال النظرية عن الممارسة وانفصال الممارسة عن النظرية. «الوجه الآخر للمأساة هو الرد على هذه الأيديولوجيا الماركسية الأرثوذكسية الدوغمائية، إنها تمثل النقيض الذي تجسد في ما يمكن أن نسميه (الفكر القومي) (). هذا الفكر الذي شن حربًا لا هوادة فيها على الفكر الماركسي، وعبر ذلك الفكر القومي، انتشرت أيديولوجيا انتقائية، مثالية، غيبية، تزدري الحياة المادية والاقتصاد السياسي، منحت نفسها صفة (الأصالة العربية). ولم يكن (الفكر القومي الأصيل) في رده وهجومه على (الفكر اللاقومي) إلا مزيجًا مفككًا من أفكار برغسون، نيتشيه، فشته…الخ. بينما الماركسية الخلاقة، المنفتحة على الحياة، لا الماركسية الجامدة، المتعصبة، المغلقة، المنفصلة عن الحياة، هي الماركسية التي ساهم في بلورتها المفكر إلياس مرقص، وهو يرى أنه ليس المطلوب تبني الماركسيّة قولًا وصراخًا، بل لا بد من فهمها وتمثلها، تمثل جوهرها الحي المتحرر من القيود والقشور.

أولًا: النزعة النقدية عند إلياس مرقص
احتلال نقد المنزلة الأهم لدى إلياس مرقص، ووسم مؤلفاته ()، وسجالاته الفكرية المتطورة، ما يدل على دينامية تفكيره وفعاليته النوعية. ومما لا شك فيه أن مشروعه النقدي كان مركبًا، إذ قرأ الماركسية استنادًا إلى حاجات الواقع العربي، ناقدًا الحركتين الشيوعية والقومية العربية من خلال إعادة إنتاج الماركسية في ضوء تطور الفكر الإنساني. فالنقد لدى إلياس مرقص نهج أساسي تتبلور من خلاله رؤيته الفكرية. وكان مدركًا تمامًا أن النقد الفلسفي جذري في الحقل النظري، وهو محض خطوة أولى نحو بناء العلم والفلسفة، كما إن الحد المعرفي العلمي لا يمكن أن يكون مرئيًا على مستوى التجربة المباشرة، وهو ليس معطى تجريبيًا، إنه حد نظري، مُنتج عبر فعالية معقدة، هذا يعني أن وجوده ليس سابقًا على إنتاج معرفته، بل إنه وليد سيرورة هذا الإنتاج، عبر العلاقة الخلاقة بين الممارسة والنظرية.
تتجلى نزعته النقدية في ارتيابه من عدّ القول النظري المحض هو القول الفصل في العلوم الاجتماعية التاريخية، بوصفه تجريدًا يميز الجوهري من العرضي، ويميز المهيمن في ظاهرة ما من التابع، ويميز كذلك الحركة الداخلية المتوارية من الحركة الظاهرة المدركة تجريبيًا. فقد رأى أن هذا الحد أو القول النظري، بمفرده، لا يمتلك القدرة على قراءة الواقع قراءة علمية، تؤسس لفكر نظري، يرتكز إلى الواقع العيني الملموس وينطلق منه. ففي عملية المعرفة يلعب التجريد دورًا أساسيًا، إذ بوساطته ينتقل الإنسان من الإدراك الحسي للحوادث المعزولة إلى تكثيف مجموعة من الحوادث وتعميمها، و(صوغ المفاهيم والمقولات والقوانين التي تعكس بصورة حية ديالكتيكية، العلاقات والروابط الجوهرية القائمة بين الظواهر) (). من هنا، لا بد للفلسفة الماركسية أن تتكلم بلغة المفهومات لا بلغة (القوانين)، وأن تعي أن العنصر الذي تعيش فيه ومنه، هو المطلق، كما عنصر السمكة هو الماء، على الفلسفة الماركسية، كي تكون فلسفة، أن تغادر يابسة الوضعانية (). المطلق والنسبي ليسا شيئين، بل مفهومان وحدان، المطلق حد يحد النسبي، هذه وظيفته الأولى، رسالته الأسمى، ومن ليس عنده، في روحه وفكره، المطلق، يحوّل نسبيته إلى مطلق، وذلك هو الاستبداد. نسبيَّة المطلق بسط لذاتوية المعالجة للعالم كـ (مادة) ().
الركيزة الأساسية هي الإنسان، صاحب اللغة، وصانع أصنامها، مع الأصنام الأخرى، يحتاج إلى كلمات، كي ينشئ في العالم الجدلي والصراعي والشيئي، قاموسًا وثنيًا (شيئيًا) هذا القاموس يختلف بين فئة وأخرى، لكن أسوأه، كقاموس وثني هو قاموس المثقف، فالإنسان العادي يشيِّئ الكلمات العادية بلا خطر حقيقي، صحيح أن كلمات من مثل طاولة كرسي ليست أشياء، لكنها على كل حال أسماء لأشياء، لأجسام مادية مدركة بالحواس، استخدام هذه الكلمات الشيئية لدى الإنسان العادي حاصل في حدود الحياة والعمل والمنفعة مباشرة ومن دون دعوى نظرية أو سياسية، أما المثقف في وثِّن كل ما تكبيرة وعالية: مادة، روح، قانون، قيمة، طبقة، ثورة، دين… إلخ (). والمعرفة الإنسانية ليست فعل انعكاس ميكانيكي بسيط للواقع في دماغ الإنسان، إنما هي عملية معقدة تقوم على إنشاء المفاهيم والمقولات والقوانين استنباطًا من الممارسة الإنسانية. فالمفهومات والمقولات (درجات متسلسلة) في عملية تقدم المعرفة الإنسانية، والمادية الديالكتيكية والتاريخية ترتكز على عدد من المقولات الأساسية، المادة والحركة، الزمان والمكان، التناقض، السببية، العلِّية، نمط الإنتاج… إلخ.
لم تكن هذه المقولات لدى مرقص نظامًا جامدًا مغلقًا من المفهومات الميتافيزيقية الستاتيكية، بل هي مقولات ديالكتيكية، مرنة، متحركة، متحولة، متداخلة، مترابطة، كظواهر الواقع والممارسة التي تعبر عنها. وإن كل مقولة تعكس لديه واحدًا من أوجه الواقع، على سبيل المثال، الممارسة هي البرهان الدائم على الطابع الموضوعي لمقولات المعرفة؛ وفكرة السببية مثلًا تتحقق في النشاط الإنتاجي والاجتماعي والسياسي للبشر، والممارسة هي مصدر المقولات ومعيار صحتها. ومن الجدير ذكره أن التوضيح الدائم للمفهومات والمقولات بوصفها أدوات المعرفة العلمية، أمر بالغ الأهمية، وهذا ما ألح عليه إلياس مرقص دومًا، نظريًا وعمليًا. وإنه ضروري للماركسية، ضرورة المنطق الصوري للمنطق الجدلي، ومن دون هذا التوضيح والتحديد والضبط تختلط المفهومات، بهذا المعنى فإن (التجريد إذا ما أهمل جوانب أساسية من الواقع، أي انفصل عن الممارسة، يفقد صفته العلمية، ويصبح تجريدًا مثاليًا ميتافيزيقيًا، يتحول من أداة ناجعة في معرفة الواقع وتوجيه العمل إلى أداة تبسيط للواقع وتخريب للعمل، إن الذي يحمي الفكر من الشطط هو الرجوع الدائم إلى الوقائع المشخصة، إلى الممارسة الحية) ().
لقد كان لمرقص دائمًا رأيه الخاص المستند إلى الأدوات المعرفية الماركسية، أي المادية الجدلية والتاريخية من جهة ونتائج البحوث العملية والإنسانية، التي كان ملمًا بها، من جهة أخرى. وكان يظن أن تطوير الماركسية تفرضه أخطاؤها ونقائصها، تأخر البروليتاريا في الغرب، قصور الماركسية الستالينية الجوهري في مجالات العمل والنظر، والحاجة الملحة إلى تكوين عدد من العلوم الماركسية: تاريخ الأيديولوجيات، تاريخ الفن، علم الجمال… (). بهذا، كشف التشويه الذي ألحقته الستالينية بالعلاقة بين الممارسة والنظرية، بتقديسها للنظرية، وما لحق ذلك من جرائم، فالنظرية بحسب المنطق الستاليني، جاهزة، ومنجزة بصورة نهائية، ووظيفة الممارسة هي إثباتها وتبريرها، ونتيجة لذلك فقد كانت الستالينية سببًا في ارتكاب جرائم كبرى باسم الالتزام بالنظرية العامة، وبهذا ابتعدت عن الواقع وديناميته. كما أن روح الماركسية الستالينية الشائعة تتجلى في التعريف والتحديد والتصنيف الحدي والنهائي، إذ (اخترعت مثالية من نوع جديد أركانها المادة والطبيعة والمجتمع والطبقة) ()، وإن مأثرة المادية التي لم تدركها الماركسية الستالينية هي تأكيدها الاختلاف والتنوع وأفرادية الواقع. وقد رأى مرقص أن الجدل هو الطريق الذي يوصلنا إلى العياني الملموس. من هنا يمكننا عد النظرية لا التعريفات مرشدًا للعمل، (إنه من الخطأ، أن نتصور الفلسفة شيئًا ما يحلق في الأعالي، ليس قائمًا في الأساس، مع الإنسان مع العمل والمعرفة. الفلسفة لا تتأمل، ولا تفكر ولا تتصل، مع أن عليها أن تخلق مفهومات لهذه النشاطات والأهواء، فالتأمل والتفكير والاتصال ليست فروع علم، بل أدوات لصنع الكليات في جميع فروع العلم. وإذا كانت الفلسفة لا تكف عن التغير، فالسؤال هو في معرفة أي وحدة تبقى للفلسفات؟ هل يحصل الشيء نفسه للعلوم، للفنون، التي لا تقوم على المفهومات؟ وماذا عن تاريخ كل منها؟ ما المفهومية كفكرة فلسفية، وما هي الأفكار الأخرى التي ليست مفهومات، والتي تعود إلى العلوم والفنون، ولها سيرورتها الخاصة، وعلاقاتها المتنوعة الخاصة في ما بينها وبين الفلسفة… لينين قدم أكبر شَرْح أو بيان لهذه الجذرية، هناك تيار أو تيارات في الماركسية الدولية (والعربية) الحاضرة تقطع الماركسية عن ريكاردو وآدم سميث، عن هيغل وفويرباخ على حد قول أصحاب هذه التيارات، الماركسية وضعت إشكالية جديدة، بينما مرقص يرى أنه، لا جديد بلا قديم، لينين يجابه أفلاطون، إشكاليتنا الأساسية مشتركة مع أفلاطون وأرسطو، ومع ما قبله، مع الإنسان وعمله وحياته)().
وصف ماركس مذهبه بأنه التصور المادي للتاريخ، التصور أي الفكر، وإن ماركس وأفلاطون أخوة في الفكر، أما ستالين فهو خارج الفكر، ألغى الفكر لحساب، المادة، الطبيعة، الوجود مبينًا أن الفكر انعكاس المادة وانعكاس الواقع في دماغ الإنسان وهو نتاج الدماغ، إن نتاج ما ذهب إليه ستالين كان تخفيضًا وتشويهًا للفكر وتنظيمًا (للمادة، الطبيعة) التي تحولت لديه إلى موضوعات طبيعية وظاهرات طبيعية، لاغيًا العمل البشري وفعالية الإنسان، ومن خلال تأكيده في المبدأ السابع «المادية بعكس المثالية، تؤمن بأن المعرفة ممكنة، وأن معرفتنا لقوانين الطبيعة صحيحة ويقينية، وتؤمن بأن كانط وبقية المثاليين مخطئون وضالون. هذا الكلام الذي أسنده ستالين إلى أنغلز مخالف لأنغلز نصًا وروحًا، أنغلز لم يقل إن كانط مثالي، ولم يقل إن المثاليين ينكرون إمكان المعرفة، بل على العكس، أكد أن المثاليين والماديين يؤكدون إمكان المعرفة. المعرفة التي تسقط في اليقينية المطلقة حماقة» ().
رأى مرقص أن الحقيقة قائمة في ما وراء المحسوس والمباشر؛ وكان يسعى من وراء المعرفة لنحت المفهومات؛ لأن الاشتراط الفلسفي الأول هو وعي أننا نعمل بالمفهومات؛ (كل البشر يعملون بالمفاهيم، هذه النقطة يجب أن ترتفع إلى وعي كامل وصارم، الديالكتيك ملازم لكل معرفة إنسانية) يجب تحويل هذا اللاوعي إلى وعي. الفكر الذي يتصور أنه هو الواقع وليس انعكاسه الصحيح أو الخاطئ أو الخيالي، الفكر الذي يرى أنه انعكاس عن الواقع من دون أن يرى أنه انعكاسه النوعي المفهومي؛ الذي يرى أنه انعكاس مباشر غير موسّط…إلخ ينتهي فورًا إلى الابتعاد عن الواقع والقطيعة معه. الفكر الذي لا يأخذ وعي أنه (الذاتي) (وأن الموضوعي مقابله) يعجز عن بناء لوحة الموضوعي، لا يقترب من الموضوعية، ينتهي إلى الذاتوية) (). بإنتاج المفهومات وإدراك العلاقات الضرورية يتم إنشاء صورة الواقع، مَفْهَمة الواقع. الكلمات المفهومات ليست أوثانًا، ليست أشباحًا مخيفة وليست بديلًا من الواقع، بل إنها مفاتيح لإنشاء المعرفة، فالمعرفة الحقة تُؤسّس بموقف ضد الوثنية والتشيؤ. (كانت المعرفة عنده هي العمل بالمفاهيم، تلك المفاهيم التي تقيم علمًا للواقع، يذهب في مسيرة متجددة ولانهائية نحو غنى الواقع لأنه يدرك أنه يعمل بالمفاهيم) (). وكان واضحًا في فلسفة مرقص، علاقة العام بالخاص، ووحدة الضدين (الخاص والعام)، (العام لا يوجد إلا في الخاص: سقراط إنسان)، هذا أبسط حكم أبسط قضية أبسط منطق= ديالكتيك ().
تتجلى روح الماركسية التي عبر عنها مرقص، وأنتج مفهوماتها، في دراسة الحركة والتحول والتفاعل والتناقض، ورأى أن المنهج الستاليني بالنسبة إلى المنهج الماركسي كالمنطق الصوري بالنسبة إلى المنطق الجدلي، كالرياضيات الابتدائية بالنسبة إلى الرياضيات العليا، لقد أهمل ستالين الجانب الأهم في الماركسية ألا وهو الديالكتيك، وهذا ما أدى إلى بتر وحدة الذات والموضوع.
ومن الجدير ذكره، أن العالم لم يكن في المنظور الماركسي النقدي لإلياس مرقص، بورجوازية وطبقة عاملة، وإنما أمم وقوميات وطوائف، ودول، العالم تشكيلات اجتماعية اقتصادية مختلفة على سلم التاريخ، مجتمعات متفاوتة، وبيئات مختلفة ().
تتجلى مشكلة العمل الإنساني بوصفه فاعلية واعية وهادفة في إدراك ماهية التاريخ؛ مع ظهور العمل البشري يظهر الهدف وفعله في العالم، النتائج البعيدة تتخطى الأهداف والعالم. والتاريخ غير ما أراده البشر. إن الافتراق بين الأهداف والنتائج، بين الوعي والواقع «هو الذي يفصل التصور المثالي عن التصور المادي للتاريخ الذي تحكمه النتائج غير المتوقعة لأفعال البشر، ويجوز القول الأهداف غير المقصودة، ماركس – أنغلز- فيبر» ().
إذًا، الواقع حافل بالتناقضات والإمكانات والعلاقات المعقدة، والإرادات والرغبات، وهو ليس كما يبدو لنا، وإنما ما يَحْبَلُ به على حد تعبير تروتسكي، فالبشر يصنعون تاريخهم لكن ليس بحسب رغباتهم، والتاريخ لا يمكن أن يتقدم على خط مستقيم معلوم مرسوم ومحدد مسبقًا، إن مبدأ التاريخ عملية تشكل وتكوّن، أي انحلال أشكال وقيام أشكال أخرى. إن فكرة التاريخ لدى مرقص ترتبط بفكرة المجتمع. الإنسان هو الكائن الاجتماعي، هو (مجموع العلاقات الاجتماعية)، وليس (تجريد الفرد المعزول) ().
ثمة كينونة اجتماعية، إنتاج المجتمع غير (إنجاب الأفراد) ثمة فرق بين (المجتمع) ومجموع الأفراد. (المجتمع) مفهوم، هوية كينونية وتاريخية. المجتمع ليس مقولة بديهية (). التاريخ أو التقدم تابع لواقع ومنطق واقع، وحركة التاريخ ليست حركة جسم يذهب من نقطة في المكان المحول ذهنيًا إلى زمان، في الوعي العربي الثوراني، كما يقول مرقص، (هناك ميل واضح إلى جوهرة (الشعب) وأقنمة (الجماهير). هذا الميل تابع جزئيًا لمنطق باطل، يضحي بالمعقولية لصالح المادة، الكم، الكتلة. وتابع جزئيًا للتسرع الديماغوجي. نظريًا، إنه يلغي فكرة التشكل، وحدة المنطق والتاريخ سياسيًا، إنه ارتداد على مئة سنة أو مئتي سنة من نهوضنا) ().
ومن خلال نقده للفكر والواقع والتيارات، فقد كان هاجسه النظري السياسي والفلسفي، هو البحث عن طرائق تجاوز التأخر التاريخي العربي، من هنا شكلت مقولة التقدم ركنًا أساسيًا من أركان مشروعه الفلسفي النقدي، وكان يرى أن فكرة التقدم تختلف عن الصيرورة، التغير، التحول، التطور. ليس كل تغير تقدمًا، وليس كل تحول تقدمًا، فكرة التقدم تفترض ذهابًا إلى أمام، تغيرًا نحو الأرقى، كلمة تحول تعني من حال إلى حال، كلمة تطور تعني من طور إلى طور من دون تضمين إضافي مفاده أن الحال الجديد أو الطور الجديد أرقى أو أفضل من القديم، وكل ثورة حقيقية تتضمن من بين تعييناتها فكرة عودة، رجوع. فالثورة الشيوعية عودة من فوق طبقية المجتمع إلى المجتمع اللاطبقي، (لكن في مستوى جديد وعلى أساس إدماج كل الإنجاز الحضاري والثقافي والاجتماعي الإيجابي للتاريخ الطبقي. الثورة الإيجابية فعلًا تضع أساسًا لتقدم، الثورة في هذه الحالة تكون درجة أساسية على سلم التاريخ الذاهب إلى أمام، فالثورة الواعية إذا هي التي تعي موقعها في مسار التاريخ كتقدم) () هذا التوجه هو مستقبل يطوي الماضي مستقبل ليس الماضي، الحاضر والماضي والمستقبل مفاهيم حقيقية في فلسفة ماركس لنرى كيف تجسدت هذه المفاهيم مطورة في فلسفة إلياس مرقص.

ثانيًا: وحدة النظرية والممارسة
العلاقة بين النظرية والواقع أو بين الفكر والممارسة، هي من بداهات الفكر الفلسفي النقدي، ومن أساسيات تراكم الخبرة البشرية، لكن خصوصية المفكر إلياس مرقص تكمن في أنه ابتكر صيغًا جديدة لهذه العلاقة، بعيدًا عن الماركسية الشائعة، واضعًا إياها في مركز فكره من ناحية، وهادفًا إلى إنتاج معرفة فلسفية نقدية وعملية بآن معًا، متجاوزة (الفكر المتكون) ومسلمات الماركسية السائدة في الوطن العربي، من ناحية أخرى، ساعيًا إلى ابتكار المفهومات والمقولات الفلسفية من أجل إماطة اللثام عن الحقائق الثابتة وراء كل المتغيرات الزائلة، إضافة إلى إسهامه في نقد الفلسفة الماركسيّة، وقراءته للماركسية في ضوء أسئلة الحاضر العربي، نقد نسخ النماذج وتقليدها في حقلي السياسة والتاريخ، وكذلك التأويل الاقتصادي للماركسية، وقد تمثلت قراءته الجديدة للماركسية بجهد عميق ومضن في ترجمة نصوص مؤسسي الفلسفة الماركسية؛ ماركس ولينين ولوكاتش، إضافة إلى فلسفة هيغل وغيره من مصادر الفلسفة الماركسية.
ومن الجدير ذكره أنه في هذه الترجمات لم يكن يكتفي بالنقد الدقيق، على الرغم من أهميته، بل إن ترجماته كانت تحفل بالتعليقات، والحواشي المهمة. فقد ربط تلك الترجمات بأسئلة الواقع الراهن، وبهذا كان يتحول النص بين يديه إلى نص جديد وحيوي، يعد مرجعًا مهمًا للدارسين، ودليلًا عمليًا للساعين إلى فهم العالم وفهم واقعهم وتغييره.
رأى مرقص أن ماركس قد وضع الأسس الأولى لفكر استلهمه من واقعه، وأراده مفتوحًا باستمرار على الواقع، يتطور بتطوره، ويتقدم، ويتعمق، ويتسع بالتجاوب مع مشكلات الواقع وحركيته الدائمة ومن ثم يساهم في إعادة تشكيل ذلك الواقع وتطويره، وتغييره.
يكاد يكون سؤال مرقص الأساسي، بحسب ما ألمح إلى ذلك الأستاذ أنطون مقدسي: (ما الذي يقوله لنا ماركس اليوم نحن أبناء القرن العشرين؟ كيف نقرا ماركس بحيث يتحدث إلينا مرة أخرى وقد يدلنا على ما يمكن أن تكون عليه الطريق التي نسلكها) ().
من هنا نظر مرقص إلى الماركسية على أنها (نظرية التطور المتطورة أبدًا) (). واستنادًا إلى هذه الرؤية الناقدة والمبدعة، سعى لتصحيح العرض التقليدي الدارج للمادية الجدلية، عبر إثارة مشكلا لممارسة والنظرية، وعلاقة العام بالخاص، مؤكدًا أنه يجب التذكير بمبادئ المادية، ولكن هذا التذكير بتلك المبادئ الذائعة الصيت من شأنه أن يؤدي إلى) ():
أن تكون محض تكرار للطروحات الكبرى (الكلاسيكية) وتكرار للمسألة الفلسفية الأولى، العليا، مسألة أولوية وأسبقية الكينونة، والفكر، الطبيعة والروح، وكأن لا شيء قبلها وبعدها، إنه تكرار أثبتت التجربة أنه لم يقم في أذهان المكررين والمستعملين المادية، بل المثالية (مثالية المقولات التي تجهل أنها مقولات) () التي تجهل أن (المادة) مقولة فلسفية، كلمة، فكر، وأن المادة الكائنة قائمة أمام المقولة والكلمة والفكر.
أن ينسف وحدة النظرية المادية للمعرفة والجدل والمنطق، أن ينسف جوهر الماركسية وروحها، حظ الفكر الماركسي أن يقيم (جمعًا) عاجزًا من مادية ناقصة (ليس في المآل فحسب، بل في المبدأ أيضًا) ومن ديالكتيك عاجز في المبدأ، أن يحذف الوجه الثالث في المنطق، أن يقيم مرة أخرى أو نتولوجيا، نظرية الكينونة خارج العمل والمعرفة، أن يقيم أو نتولوجيا بدلًا من الغنوصيولوجيا والديالكتيك في شطريه: ديالكتيك الكائن الموضوعي وديالكتيك المعرفة، والمنطق، المنطق الجدلي، آخذًا المنطق الآخر (الصوري) والشكلي بوصفه جدليًا في الأصل.
أن يضيع موضوعية، وموضوعوية ومادية المثالي هيغل (بما أنه مثالي ومثالي مطلق) () ويستطرد موضحًا والحال في سلسلة من النقاط البالغة الأهمية، هيغل هو المادي، والمادويون الماركسيون هم مثاليون مثالية لا رحمة فيها، لا شفقة، على حد تعبيره.
هذا أمر بالغ الوضوح في (الدفاتر الفلسفية) لـ لينين التي علق عليها مطولًا، هيغل هو المادي، وخلفاء بوغدانوف من العرب وأقرانهم في أوروبا وعلى امتداد العالم الثالث هم مثاليون ذاتيون حاملو المثالية الأسوأ، مثالية باركلي- باخ منكرة الأشياء، والمهيمنة على تجريبيات ووضعيات القرن العشرين البرجوازية (الحديثة الجديدة). فلسفة زمن انحطاط البرجوازية الإمبريالي، فلسفة البرجوازية المقاتلة بشراسة ضد المنعطف الأكبر في تاريخ النوع البشري منذ تكوينه، يؤكد المفكر إلياس مرقص، ألف مرة مثالية هيغل (المثالية الموضوعية أو المطلقة) ولا مرة واحدة (مادية). المثالية الذاتية التجريبية، الوضعية، التجريبية الدوغمائية، الميتافيزيقية والبراغماتية في صف الماركسية والماركسيين) ().
أيضًا جدلية المادي الميتافيزيقي فويرباخ الذي رمى مع مثالية هيغل جدله العظيم، هو ديالكتيكي مقارنة بـ (الديالكتيكيين الماركسيين) أي الماركسية الشائعة. إذًا، الماركسيون كما يرى إلياس مرقص كانوا دون مستوى الفهم الهيغلي المثالي، وذلك تحت تأثير (المادية) و(المادية التاريخية) لم يعوا جيدًا مبدأ هيغل، «كلما هو واقعي فهو عقلي، وكلما هو عقلي فهو واقعي»() ولم يتوقفوا جديًا عند تعليق أنغلز على هذا الموضوع الذي أكد أن اليسار الهيغلي (الهيغليون الشباب) تمسك بالشطر الثاني من الأطروحة الهيغلية، أي الشطر (المثالي): الأوضاع الألمانية مناقضة للعقل، إذا فهي غير واقعية، يجب أن تزول، واليمين الهيغلي تمسك بالشطر الأول، (المادي) الأوضاع الألمانية واقع إذا فهي معقولة وعقلية (). الفريقان لم يفهما هيغل ().
هناك نقطة مشتركة تجمع هيغل، وماركس وأنغلز ولينين وفويرباخ على الرغم من الفروق بينهم، وعلى الرغم من القصور الفويرباخي الجزئي عن النقطة المعينة، تضعهم في صف واحد، وتضع (الماديين الجدليين الماركسيين الرسميين في الصف المقابل، صف اللاجدل واللامادية واللامنطقية، إنها مسألة العام والخاص، يصف مرقص الماركسيين العرب بأنهم صورة (كاريكاتورية، مضخمة، نوعيه، جاهلة، شرقية) عن وضع دولي،() هذه النقطة، الخاص والعام، الطابع الثنائي المزدوج للمعرفة الإنسانية وإمكان المثالية وخلودها، بذرة المنطق والديالكتيك، ملازمة الديالكتيك لكل معرفة إنسانية…إلخ باهتة في العروض الموجزة والطويلة للفلسفة الماركسية للنظرية الماركسية، أو غائبة تمامًا عنها في العروض الموجزة وعمليًا محذوفة في الحالات كلها. يرى مرقص أن تلك حالة مؤلمة، سوغها الفكر الماركسي السائد، المستلهم من الستالينية، وألحق مقولة الممارسة بقانون معين من قوانين (المادية الفلسفية الماركسية) بعد أن أخرجها من الطريقة الديالكتيكية الماركسية، التي جعلها أربعة قوانين، من دون شطر الواحد إلى اثنين، من دون وحدة الضدين، من دون مفهوم البذرة، من دون مقالة لينين (حول الديالكتيك) أي إنه رأى الممارسة كحجة تثبت قدرتنا على المعرفة محكًا لصواب النظرية ضد كَنت، ولم ير وجهًا آخر فيها.
نظر مرقص إلى الممارسة بوصفها بذرة، أي إنها وحدة ضدين، تحوي تناقضًا، إذًا هي قابلة لنمو وانبساط، ولبسط المعرفة مثلها مثل السلعة في منطق (رأس المال) وكانت الماركسية لديه مرشدًا للعمل، ولم تكن عقيدة جامدة، كما إنها تعد النظرية والممارسة في ارتباط لا تنفصم عراه، إلا لتأكيد علاقتهما الدينامية المتفاعلة باستمرار في وحدة ديالكتيكية (جدلية) وهي تعطي الممارسة الدور الأول والحاسم، والممارسة لديه هي مجموع النشاط الإنساني الذي يشمل ثلاثة أشكال رئيسة: (الإنتاج الاقتصادي، النضال الطبقي والقومي، والتجربة العلمية)().
إذًا لا نظرية علمية من دون نشاط عملي، وهو بدوره يطرح مسائل يجب على النظرية أن تعطي حلولًا لها، والنظرية المرتبطة بالنشاط العملي والموضوعة في خدمة النشاط العملي والتي يجري تحقيقها (التحقق منها) في النشاط العملي، هي وحدها تستطيع أن تتقدم الممارسة وأن تغير طريقها، وأن مبدأ وحدة النظرية والممارسة هو المبدأ الذي يميز المادية الديالكتيكية عن المادية الميكانيكية وعن المثالية. إنه جوهر الثورة التي أحدثتها الماركسية في حقل الفكر، وإن هذا المفهوم الممارسة praxis هو محور مؤلفات ماركس بين عامي 1842-1846، إذ استخدمه في موضوعات عن فيورباخ عام 1845، وتُعبر عن انتقال ماركس الشاب من مادية، ومثالية فويرباخ إلى المذهب الجديد الذي يحمل اسمه، ويؤكد ماركس: (العيب الرئيس للمادية السابقة، بما فيها مادية فويرباخ، هو أن الشيء، الواقع، العالم المحسوس، لا ينظر إليه فيها إلا على شكل موضوع أو تأمل، وليس كفاعلية إنسانية مشخصة، ليس كممارسة، ليس ذاتيًا … إن المذهب المادي القائل إن الناس هم نتاج الظروف والتربية وإن الناس الذين تغيروا هم بالتالي نتاج ظروف أخرى وتربية تغيرت، إن هذا المذهب المادي ينسى أن الناس هم بالضبط الذين يغيرون الظروف وأن المربّي نفسه يحتاج إلى تربية …، إن توافق تغيير الظروف والفاعلية الإنسانية لا يمكن أن ينظر إليه وأن يفهم عقليًا إلا على أساس أنه ممارسة ثورية)().
تنطوي هذه الأطروحة على مشكلين: هل يريد ماركس القول إن الموضوع والواقع يجب ألا يفهما بوصفهما إدراكًا حسيًا للموضوعات فحسب، بل بوصفهما نشاطًا بشريًا، وممارسة أيضًا؟ أم هل ينبغي فهم نقد ماركس لفويرباخ وللمادية السابقة على النحو الآتي: (إن الواقع يجب أن يفهم على أنه نشاط بشري حصرًا ولا وجود للواقع في شكل مواضيع)؟
نستنتج أن ماركس في هذه الأطروحة، ومن خلال فهمه للواقع يعارض فهم فيورباخ للواقع () ولا يمكن فهم هذه الأطروحة بوصفها اختزال كل واقع إلى نشاط بشري، وإن خطأ فيورباخ، كما يرى ماركس، ليس عدم اعترافه بوجود المواضيع المتميزة عن مواضيع الفكر وعن النشاط الفكري، وإنما في معالجتها بأسلوب لا تاريخي، حيث حاول فويرباخ توضيح كل شيء بلغة الجوهر البشري الذي يفهمه بصورة لا تاريخية، وبوصفه مجرد صفات طبيعية للنوع، لكن ماركس يختلف معه ويشدد أن الجوهر البشري هو دائمًا نتاج تاريخي. التاريخ لدى ماركس لا تنتجه روح العالم ولا الإنسان، بل البشر كما هم في الحقيقة، وهذا يعني من منظور ماركس، البشر كما يعملون بصورة مادية وفكرية، وإننا نجد في كل مرحلة من التاريخ علاقة مع الطبيعة وعلاقة متبادلة بين أفراد البشر تولدت تاريخيًا، وكل جيل يرث هذه العلاقات من أسلافه. من جهة أخرى لا يمكننا تفسير هذه الأطروحة عن فيورباخ بوصفها اختزال كل الواقع الإنساني في النشاط البشري العملي.
فسر مرقص هذه الأطروحة على أن ماركس أكد دور الممارسة والفاعلية الذاتية، إذ أعاد الإنسان إلى المجتمع والتاريخ مبينًا (أن الجوهر الإنساني ليس تجريد الإنسان الفرد، بل هو في الواقع (مجموع العلاقات الاجتماعية) ().
تنشأ النظرية على أساس الممارسة، وأعظم مثال على ذلك كما يدلل مرقص، ظهور الماركسية، فقد ظهرت الماركسية -المادية الديالكتيكية والتاريخية والاقتصاد السياسي للمجتمع الرأسمالي – على أساس تقدم العلوم الطبيعية، ونشوء الإنتاج الرأسمالي، وممارسة الجماهير لنضال الطبقات، وقد اعتمد ماركس على أرقى ما توصل إليه الفكر الأوروبي من إنجازات علميَّة، فكرية، فلسفية، الفلسفة الكلاسيكية الألمانية (هيغل، الديالكتيك، فويرباخ). إضافة إلى الاقتصاد السياسي الإنكليزي (آدم سميث، ريكارودو، نظرية القيمة، إضافة إلى الاشتراكية الطوباوية الفرنسية (سان سيمون، فورييه، ونقد المجتمع البورجوازي والتبشير بمجتمع جديد). يعلق مرقص قائلًا:(كانت هذه الإنجازات نفسها صورة أولى، ناقصة مشوهة عن الممارسة الجديدة الآخذة في النمو في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ويؤكد أهمية الجدل الهيغلي في هذا السياق (إن ظهور الجدل الهيغلي، الشكل الأرقى للجدل المثالي لا يرتبط باكتشاف علوم الطبيعة فحسب، بل يرتبط أيضًا بصراع الطبقات وتزعزع النظام القديم شبه السرمدي وميله إلى الانحدار والسقوط، أي أنه يرتبط بالثورة الفرنسيَّة، وآثارها الاجتماعية والسياسية في أوروبا، يمكن القول إن الجدل كان ابن التحول الثوري لذا فهو (جبر الثورة)) ().
إذًا بإمكاننا قراءة الماركسية، تمثلًا لآراء مرقص، على أنها فلسفة جديدة أصيلة تفترق عن المادية الكلاسيكية، من خلال تأكيدها دور الممارسة، ودور الفاعلية الإنسانية، لأن المطلوب هو تغيير العالم، لا تفسيره فحسب، على الرغم من أنها تأخذ على المادية السابقة الاعتراف الجازم بموضوعية العالم المحسوس، استقلاليته عن الحواس والشعور، أسبقيته، ماديته، لكنها تضع في صلب مفهومها للعالم مبدأ وحدة الذات والموضوع المتمثلة في (الإنسان) نفسه، والماركسية تؤكد وحدة الإنسان الفاعل والعارف، الصانع والعالم، وفي أثناء حوار الإنسان الفعال مع الطبيعة، ومن خلال العمل الذي هو مصدر كل ثروة والشرط الأساسي لكل حياة إنسانية (وهو قد خلق الإنسان بالذات) ()، وإنه يصنع النوع الإنساني، بالمعنى البيولوجي، فكل خطوة بيولوجية، كل قفزة انتربولوجية حققتها الجماعات الإنسانية خلال مئات الألوف من السنين، إنسان جاوا، إنسان بكين، إنسان نياندرثال، الإنسان العاقل؛ قد تواكبت مع، ونتجت عن، وسببت، وتفاعلت مع درجات تقدم العلم الإنساني وأدواته الإنتاجية ().
عد مرقص هذا الجدل المركب بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والإنسان هو الفكرة الأولى في المفهوم الجدلي (الديالكتيكي). وإن الديالكتيك لا تقوم فقط في الجدل الفكري وتصادم الآراء، ولا تقوم فقط على علائق الطبيعة الموضوعية المادية، إنما هي قائمة بين الإنسان والطبيعة، وفي العلاقة بين الذات والموضوع، في العمل، فالعمل جوهر الديالكتيك ونقطة انطلاقها () (هكذا) ().
وقد عارض ماركس وأنغلز في بعض الآراء والمواقف، وبيّن بعقله الناقد والموسوعي تغير نظرتهما إلى بعض القضايا والأحداث، مثلما عارض النصوصية (الدوغماتية الستالينية). إن هذه الشجاعة المعرفية ترافقت مع شجاعة شخصية في عز سطوة الأحزاب الشيوعية والفكر الماركسي في العالم، وعن طريق هذا الفيلسوف الماركسي الحر بدأت تدخل إلى البلاد العربية ماركسية جديدة غير المعروفة رسميًا، غير التي تنشرها الأحزاب الشيوعية المعتمدة من قبل المركز والموافق عليها آنذاك.
من هنا لنا أن نعده مفكرًا رائدًا في كل ما كتب، وترجم، ولنا أن نختلف معه وننقده، لأن مناقشة فيلسوف، أو كاتب بما كتب يعني نقده لأهمية ما يكتب، شرط فهمه وتمثله بشكل خلاق، والقبض على أساسيات النص وتفاصيل النص الذي كتبه، فالعلم والعصمة لا يجتمعان، وهذا ما يؤكده تاريخ تطور العلم والفلسفة. وجوهر فكر إلياس مرقص نفسه.
لقد انتقد إلياس مرقص اللاهوتية الماركسية التي ذهبت إلى تقديس النظرية وتفصيل الواقع على مقاسها، وكان يرى أن الواقع العملي قد يخطِّئ الفكر النظري، وهذا ليس انتقاصًا من ذلك الفكر، ولا يمكن أن يكون الواقع العملي متوافقًا مع كل ما جاء في الفكر النظري، وهو يصرح، (لأننا أغفلنا ذلك زادت الهوة بين الواقع والفكر لدرجة التناقض، وتحولت الماركسية من نظرية الممارسة الإنسانية إلى لاهوت عاجز، تحولت من حافز للبحث والعمل إلى عائق يشل البحث ويخرب العمل) ()، وكثيرًا ما أكد أن (الماركسية ليست فلسفة للتاريخ، وإنما هي منهج لدراسة التاريخ ومنهج لدراسة العمل الإنساني الخلاق)().
وقد قرأ المادية التاريخية قراءة نقدية*، ووصل إلى نتيجة، بعد قراءته لماركس وتمثله الخلاق لكل ما قرأ خصوصًا في الجانب المتعلق بتحديد مراحل تاريخ التشكيل الاقتصادي، مفادها أن المادية التاريخية ليست مفتاحًا يفتح الأقفال كلها أو دواء يشفي العلل كلها (). ورأى نتيجة لرؤيته النقدية تلك (أن ماركس قد غير رأيه في العديد من القضايا النظرية بعد تكون المذهب الجديد، أي التغيير الذي حدث في نظرة ماركس إلى المجتمعات الإنسانية وتواريخها والمرتبط باكتشاف المشاعية) ()، وعندما كتب ماركس وأنغلز (البيان الشيوعي) لم يكونا على يقين بوجود المشاعية مرحلةً قديمة في التاريخ الأوروبي، ولا نمطًا لحياة عدد من المجتمعات البدائية المعاصرة، (وكان هذا مجهولًا تقريبًا عند علماء ذلك العصر) (). واستنادًا إلى المعطيات الجديدة، فقد صوب أنغلز البيان الشيوعي إلى:
(إن كل تاريخ الإنسانية، منذ انحلال المجتمع البدائي القبلي والملكية المشاعية للأرض، قد كان تاريخ النضال بين الطبقات المستثمِرة والمستثمَرة بين الطبقات الحاكمة والمحكومة) (). يرى مرقص أن الصراع الطبقي وجه واحد من وجوه التاريخ الإنساني الذي لا يمكن تفسيره بعامل واحد.
ينطلق إلياس مرقص في دراسته النقدية (الماركسية والشرق) من (أن الماركسية بنت الغرب -تلك حقيقة بديهية – وقد وصلت إلى الشرق وتفاعلت معه، وباتت تحرك الشرق، وتحرك العالم أجمع) ()، ويشير في الهامش: حماقتان لأنصاف الثوريين؛ الأولى ترفض الماركسية بوصفها أوروبية، ولا تنطبق على الشرق (والدليل خطأ نبوءة ماركس عن مستقبل الغرب والشرق، الخطأ الذائع الصيت. والثانية تريد تطبيق الماركسية على الشرق مؤكدة أنها كونية وتنسى عمليًا أنها بنت أوروبا، (وحين تتذكر ذلك، فلكي تلغيها وتحل محلها ستالينية محلية، قديمة (وجديدة)) ().
انتقد إلياس مرقص من قرأ المادية التاريخية، وفهم منها أن المجتمعات البشرية جميعها انتقلت وتنتقل في تطورها عبر اللوحة الخماسية من المشاعية إلى الرق فالإقطاعية إلى الرأسمالية ثم إلى الاشتراكية، ورأى أن هذا الذي يسمى (قالبًا عامًا أو نظرية عامة في التطور التاريخي ليس سوى تجريد لنشوء الرأسمالية في الغرب، ليس سوى تعميم علمي لهذا التاريخ، وليس من المنطق أن يتحول إلى تعميم موسع يتعدى حدود موضوعه) (). هو قالب التطور في بلدان أوروبا الغربية، (لا تفرضه الماركسية بأي حال على العالم غير الأوروبي)()، ويؤكد مرقص من خلال دراساته نصوص ماركس ذاتها، أن ماركس لم يعمم تاريخ الهند والصين والعرب وآسيا وأفريقيا ولا تاريخ روسيا في القالب العام للمادية التاريخية المستنبط من التاريخ الأوروبي الغربي، مشاعية، رق، إقطاعية، رأسمالية، بل على العكس صاغ (مفهوم الأسلوب أو النمط الآسيوي (الشرقي) للإنتاج، في محاولة مهمة لفهم تواريخ ومجتمعات عدد من البيئات الأخرى في خصائصها المميزة)()، في سياق وفي سبيل عرض فهمه الجديد هنا للماركسية عمومًا وللمادية التاريخية خصوصًا وتطبيقها على تاريخ الشرق والعرب بالأخص، يستعرض إلياس مرقص بشكل نقدي، ومبدع، كتابات ماركس وأنغلز حول الشرق وقضاياه المصيرية، كما يستعرض كتاباتهما في تسلسلها الزمني حول (نمط الإنتاج الآسيوي) فكان (أول مفكر عربي ينقل هذه النظرية إلى قراء العربية، وكان كتابه (الماركسية والشرق، أول ما كتب بالعربية عنها (صراحة وبالاسم) مع أن ماركس وأنغلز بدأا بتطوير نظريتهما هذه منذ عام 1853)().
(يرى إلياس مرقص أن الأسلوب الآسيوي للإنتاج هو مفتاح فهم المجتمعات الشرقية عند ماركس وأنغلز) ()، ويحدد ملامح هذا الأسلوب، كما بينها ماركس وأنغلز منذ عام 1853 في مجموعة المقالات والرسائل بما يأتي:
غياب الملكية الخاصة للأرض، وحياة جماعات قروية، تعيش في حالة اكتفاء ذاتي، تحت هيمنة دولة استبدادية، تقود الأشغال الكبرى العائدة بالنفع على الجماعات ()، ويضيف موضحًا (وهذا الأسلوب الذي كان عند ظهوره حيث أعقب المجتمع الشيوعي، القبلي، نمطًا اجتماعيًا متفوقًا… هو في تكوينه غير قابل لإطلاق دينامية تقدم جوهري لاحق، ولن يغير ماركس وأنغلز هذا التشخيص الأساسي) (). ويحدد على الضد من (يقينيات) الماركسية الشائعة، أن النموذج الآسيوي للإنتاج يسمح بفك ألغاز المجتمعات الشرقية، ويسمح بذلك على نحو أفضل من النماذج الأوروبية المعممة قسرًا)، ولكنه ليس أكثر ولا أقل من مخطط تجريدي، وهو لا يتطابق مع أي من المجتمعات الآسيوية) الواقعية (). وأشار إلى أن النمط الإقطاعي جرماني الأصل، قام مباشرة على أرضية المشاعية الريفية الجرمانية من دون المرور بالنمط العبودي، وإذا كان النمط، وما قد أصبح بعد انهياره إقطاعيًا، فذلك بتأثير الجرمان المنتصرين، ويبدو أن الكاتب عدل نظريته في ما بعد فذكر أنه (بخلاف ما ترويه الماركسية الشائعة، لم ينتقل أي مجتمع معين من (نظام الرق) إلى النظام (الإقطاعي) هذان النظامان هما درجتان على سلم منطق ومرحلتان ممكنتان في تاريخ الإنسان)().
صفوة القول، يرتسم خطان لتطور المجتمع البشري، خط أوروبي غربي هو خط الملكية الخاصة، وخط آسيوي (شرقي) () خط الملكية العامة والحيازة الخاصة، المتصف بالركود والاستبداد، ولم يكن ماركس وأنغلز قبل مراسلات 1853 يريان سوى خط واحد للتطور التاريخي، هو الخط الغربي نفسه، ذو المراحل الخمس، وهو الخط الذي اعتمدته الماركسية الشائعة والستالينية بوصفه خطًا وحيدًا شاملًا لكل البشرية.
ثم يأتي إلياس مرقص على (ذكر فصل الأشكال السابقة للإنتاج الرأسمالي الذي يحتويه مخطوط ماركس أسس نقد الاقتصاد السياسي (1857-1858) ويبين بعضًا مما تضمنه بخصوص المشاعية الآسيوية. رافضًا النظرية الأحادية، نتيجة لدراساته للعديد من أعمال ماركس وأنغلز في هذا الصدد، ويؤكد قائلًا، وهو العارف بالماركسية وحيثياتها: (لا نصادف نصًا واحدًا لماركس يمكن أن يوحي جديًا بأنه شمل عالم العرب والهنود والصينيين في نموذج إقطاعي واحد مع الفيودالية الغربية (أو في نموذج رق واحد مع المجتمع (القديم) الإغريقي -الروماني)() ومع ذلك يمكن الإشارة إلى نص يخفف فيه من حدة رفضه النظرية الأحادية: (في التاريخ الواقعي، تظهر المراحل الشهيرة (الأوروبية) بصورة خاص كَمَيل أو اتجاه في كل المجتمعات (بما فيها الآسيوية). في الشرق الأدنى القديم ونجد ميلًا إلى تعميم الرق في مدد معينة (جزئيًا، تحت تأثير العالم الإغريقي -الروماني، وفي إطار الإمبراطورية الرومانية، في المرحلة الأخيرة من تاريخ الشرق الأدنى القديم). في الصين والهند والشرق العربي… إلخ نجد في مراحل مختلفة من تاريخ هذه البلدان في العصر الوسيط والعصر القديم أيضًا، ميلًا إلى الإقطاعية، ونصادف أيضًا، في العصر الوسيط والحديث، ميلًا إلى ظهور بعض مقدمات الإنتاج الرأسمالي، غير أن هذا الميل الأخير لا يتحقق) ويتابع قائلًا بتعبير آخر: يمكن القول إن مجتمع الرق قانون عالمي، من حيث إنه احتمال ظهرت تباشيره أو قرائنه، فضلًا عن اليونان وروما، في الشرق الأدنى القديم…) (). هل يعني هذا أن نمط الإنتاج الآسيوي هو الاستثناء من القاعدة، أو الاستثناء الذي يثبت القاعدة، وأن بلدان هذا النمط هي التي توقفت عن مسيرة التاريخ العالمي الذي سارت عليه أوروبا الغربية؟
ويتساءل مرقص: هل انتهى ماركس فعلًا إلى إخراج الأسلوب الآسيوي، من حيث أنه أسلوب متكامل، من نموذج التاريخ الأوروبي، يجيب: (هذا ما نتصوره، وهو واضح عند أنغلز وبليخانوف، وإلا فما معنى عدّ صفة الركود مفتاحًا لا غنى عنه، ومعناها واضح بالتقابل مع (نموذج التطور = تعاقب الأنماط في أوروبا…)() ويستطرد مقارنًا بين النموذجين الآسيوي والغربي: وهذا النمط الاجتماعي لا يفسح في المجال لحركة نمو صاعدة كتلك التي عرفها نموذج الملكية الخاصة التي نقلته من نمط إلى نمط آخر، في حقبة زمنية قصيرة)() الحديث يجري إذًا حول نموذجين، لا حول أنماط عدة: (لقد اكتفى ماركس بمفهوم الأسلوب الآسيوي أو الشرقي كنموذج مخالف لنماذج الملكية الخاصة المهيمنة في التاريخ الأوروبي)(). ولكنه يشير في ما بعد إلى أن مفهوم نمط الإنتاج الآسيوي، كما صاغه ماركس وأنغلز، (لا يعبر تمامًا عن تاريخ العرب الاجتماعي الاقتصادي) () وأن ما كتبه مؤسسا الماركسية عن هذا التاريخ ليس كافيًا لتكوين تصور كامل متكامل).
ويستطرد محذرًا (لا يجوز أن نستنتج من نصوص ماركس وأنغلز، حول التاريخ العربي، إلا أن ماركس وأنغلز لم يقدما، في هذا المضمار سوى آراء قليلة، جزئية، معرضة في كل لحظة للنقد والقبول والرفض)()، و(من الخطأ أن نستنتج حلولًا للمجتمع العربي وتاريخه من هذه النصوص القليلة لأنغلز … ولكن من الممكن والواجب أن ندرس هذا المجتمع وتاريخه، بالارتكاز على المنهج الماركسي …)() وفي ما يتعلق بنمط الإنتاج العربي يرى أنه: ليس من الصحيح أن نقحم التاريخ العربي في إطار القالب المشهور للمادية التاريخية، وليس من الصحيح أن نحصر هذا التاريخ في إطار (الأسلوب الشرقي للإنتاج) بل الأفضل أن نجمع أدوات المنهجين اللذين هما من منهج واحد وأن (نتقيد بالوقائع، وأن نستقرئ كل الوقائع)(). وقد عبر عن هذه الوسطية للتشكيلات العربية (ما بين النمطين الأوروبي والآسيوي) بقوله: (الإنسان العربي والسامي لا يخالط الآلهة كما في ميثولوجيا الإغريق، ولا يراكم سابالا البقرة وهانومان القرد) ().
انسجامًا مع ذلك، ومع مبضعه النقدي، يُجري الكاتب على مفهوم النمط الآسيوي تعديلات وإضافات، رآها متفقة مع ما عرفه من التاريخ العربي الإسلامي من دون أن يخرج عن إطار كتابات ماركس وأنغلز إلى مصادر مغايرة (): (ثلاث خصائص كبيرة تبرز في هذا التاريخ، ليس من شأنها بالطبع أن تخرج هذا المجتمع كليًا ولا جذريًا من المفهوم الآسيوي (نظرًا إلى توافر العناصر الأساسية: الأشغال المائية الكبرى، نظام الملكية، حدود مبدأ التملك، ريع الأرض، طبيعة الدولة)، ولكن من شأنها أن تعدل النموذج، وقد أشار إليها ماركس وأنغلز:
أولًا؛ اجتماع البدو والحضر، اجتماع بيئات إنتاجية مختلفة (أودية وأراض مروية، هضاب مزروعة، سهوب وصحارى…)
ثانيًا؛ موقع العالم العربي بين أوروبا وآسيا (آسيا – أفريقيا)، واتساع القطاع التجاري ودوره الغامض الذي يوضح حتى الآن بشكل كاف، كدور ممكن في الحركة التاريخية) وتعرض العالم العربي لغزوات خارجية مدمرة.
ثالثًا: على أساس هذه العوامل ذاتها (الآسيوية) العامة (طبيعة الإنتاج والملكية والدولة) والعربية الخاصة (الموقع ونتائجه العسكرية، واجتماع البدو والحضر) تبلور (الظاهرة الدائرية) في حركة بسيطة من هبوط كبير أعقب ورافق صعودًا كبيرًا. إن حركة الصعود والهبوط قد أصابت وتركزت وتجسدت في تغيير الطاقة الإنتاجية وتعداد السكان، ولم تقتصر على السطح السياسي والأمجاد والنكبات العسكرية) ()
ثالثًا: منطق رأس المال في المنظور النقدي لمرقص
أشار ماركس في مقدمة كتاب رأس المال إلى أن المنهج method المطبق في رأس المال (لم يُفهم) إلا فهمًا ضئيلًا وإن البداية وعرة في كل العلوم) (). دليل ذلك التصورات المتضاربة التي تكونت عنه، في ذلك العهد، اتهمته المجلة الوضعية الباريسية بأنه يتناول الاقتصاد السياسي (تناولًا ميتافيزيقيًا)، ويكتفي بالتحليل والنقد (المعطى)، في حين يشخص البروفسور زيبر منهج ماركس بأنه (منهج استدلالي) جريًا على تقليد المدرسة الإنكليزية. أما موريس بلوك فيرى أن منهج ماركس تحليلي وأن ماركس (يتبوأ مكانة بارزة في أعظم العقول التحليلية) في المقابل اتهمه النقاد الألمانيون بـ (السفسطة الهيغلية).
(ولعل النقد الوحيد الذي أدرك ملامح منهج ماركس الديالكتيكي، هو النقد أو التقريض الذي نشرته مجلة (الرسول الأوروبي) الروسية، إذ ثمنت المجلة طريقة ماركس (الواقعية) في البحث، لكنها أخذت عليه (منهج الديالكتيك الألماني) بالمعنى السيِّئ، بعد ذلك تمتدح المجلة العرض، فتطري المنهج الديالكتيكي، من دون أن تدري، على غرار برجوازيِّ موليير النبيل، الذي لم يكن يعرف أنه ينطق (نثرًا) إلا بعد أن أخبروه بذلك) (). وعلى التباس المجلة الروسية يعلق ماركس: (تُرى أي شيء وصفه (كاتب المقالة في المجلة المذكورة) بتصوير ما يعتقد أن منهجي في البحث، بمثل هذه الدقة ومثل هذا اللطف، في ما يتعلق بتطبيقي له، أي شيء وصف غير المنهج الديالكتيكي) ().
هذا كله يقودنا إلى طرح سؤال، ما المنهج، وما المنطق المستخدم في رأس المال، وما مصادره؟ إن الاكتفاء بالقول إنه منهج ديالكتيكي، أو منطق ديالكتيكي، أو إنه ديالكتيك هيغل مقلوبًا …إلخ الاكتفاء بذلك، أظنه لا يقدم شيئًا جديًّا لفهم رأس المال).
ما ديالكتيك هيغل؟ وما طبيعة القلب الماركسي؟ هذه الأسئلة وسواها تفتح بدورها الأفق واسعًا لدراسة علاقة هيغل بماركس وأيضًا علاقة هيغل بأنغلز. وهنا أيضًا بإمكاننا دراسة علاقة ماركس لا بالمنطق فحسب، بل بنظرية المعرفة، وبتاريخ المادية الإنكليزية والفرنسية، وتاريخ المثالية الألمانية أيضًا.
وقد عرض لينين -كما هو معروف – موجزًا مهمًا (المصادر الثلاثة والأجزاء الثلاثة المكونة للماركسية، إن الماركسية ليس فيها ما يشبه (الانعزالية) بمعنى أنها، عقيدة منغلقة على نفسها. متحجرة. بل نشأت عن الطريق العظيم، طريق تطور الحضارة الكونية، وتكمن عبقرية ماركس في أنه أجاب عن الأسئلة التي كانت الإنسانية المتقدمة قد طرحتها قبله. لقد ولد مذهبه كالامتداد المباشر والفوري لمذهب ألمع ممثلي الفلسفة والاقتصاد السياسي والاشتراكية، وأن الماركسية هي الوارث الشرعي الأفضل، لما أنشأته الإنسانية في القرن التاسع عشر، الفلسفة الألمانية، الاقتصاد السياسي الإنكليزي، الاشتراكية الفرنسية) ().
ما أشكال المنطق التي كانت متبلورة في عهد ماركس؟، وما الجديد الذي فعله؟ وما المحتوى المنطقي لهذا الجديد؟
أسس أرسطو المنطق الصوري عبر صرح منطقي (الأورغانون) بقوانين صارمة، إنها ألف باء المنطق الصوري، إضافة إلى أشكال القياس، وصياغات صارمة للمقولات العشر التي حاول كانط اختزالها في ما بعد، ومن الجدير ذكره أن عمارة أرسطو المنطقية -المقولاتية لم تكن سوى جزء من سيرورة تطور الفكر الفلسفي المنطقي الذي تشكل على مدى تاريخ تطور الفلسفة اليونانية. ولا بد من الإشارة إلى إسهامات بيكون المنهجية (أطروحة في المنهج) إضافة إلى أعمال جون لوك التي وسعت كلها حدود نظرية المعرفة، ومن ثم وسعت بصورة أو بأخرى، آفاق المنطق الصوري الأرسطي، (تبرز هنا بيئة جديدة للمنطق، وهي بمنزلة أدوات قبلية لأي مفكر جديد يبرز على المسرح)()، وأن أعمال سبينوزا وكانط، على الرغم من لا أدريتها، (نقد العقل الخالص، نقد العقل العملي) يؤصلان لنظرية المعرفة، وبعد اجتياز حلقة وسيطة، فعالية الذات، أو الأنا في عملية المعرفة فيخته – شيلنغ، نصل إلى هيغل، علم المنطق، فينومينولوجيا الروح.
يستبدل هيغل في الفينومينولوجيا بالإنسان وعي الذات (الواقع الإنساني بكل ثروته يظهر كأحد أشكال، كصفة من صفات وعي الذات، ولكن هذه الصفة ليست إلا مقولة خالصة، أو فكرة محضة، وبهذا السبب يمكن أن تلغي نفسها في الفكر الخالص، ويمكن التغلب عليها بالفكر الخالص، في الفينومينولوجيا، إن الأسس المادية الحسية، الموضوعية، التي تقوم عليها مختلف أشكال الوعي الإنساني تبقى ماثلة تمامًا، لأن هيغل يتصور أنه قلب العالم الموضوعي، العالم الحسي والواقعي، بمجرد أنه حوله إلى كائن عقلي إلى كينونة للعقل، إلى محض صفة للوعي، ويستطيع أن يذوب خصمه الذي أصبح أثيريًا في أثير الفكر الخالص ولذا فإن الفينومينولوجيا تنتهي منطقيًا إلى أن تضع محل كل واقع إنساني العلم المطلق، والمعرفة)().
إن منطق ماركس في (رأس المال) يمد جذوره في هذه الشجرة المتشعبة، ولسوء الحظ «لم تقف الماركسية مطلقًا عند أرسطو وعند ثنائية المادة والشكل، وكان تجاهلها أو جهلها خسارة كبيرة للفلسفة الماركسيّة» ()، على الرغم من أن لينين استحضر موقف أرسطو عندما عرف المادة مقابل الشكل بأن المادة تتمتع بقابلية أن تحس، وأنغلز عرف المادة بقوله «المادة كمادة لا وجود لها في الواقع، المادة، كمادة، محض خلق من الفكر وتجريد محض» اختراع من الفكر، ومن خلال الفكر «التجريد نصل إلى اللامتعين القابل للتعيين والتشكل. هذا اللامتعين المادة، هو أساس المتعين وحده، هذا اللامتعين هو المطلق واللامتناهي أساس النسبي والمتناهي، تجاهل هذا الأساس وحذفه هو حذف للروحية والفكرية والمفهومية وسقوط في الشيئية الوثنية. المادة والروح كلاهما يقعان، بالتقابل، في دائرة المطلق واللامتناهي ويحدان النسبي المتناهي، هكذا يُؤسّس مفهوم الكينونة ومفهوم الإنسان. الإنسان هو وحده المتناهي (الفرد) واللامتناهي (النوع)» (). «إذن ماركس يرجع في (رأس المال) إلى اقتصادية أرسطو، التي يعلق عليها تعليقًا مهمًا» () كما يرجع إلى الاقتصاديين الإنكليز والفرنسيين، فلعله ينبغي البحث عن منابع رأس المال كلها بحثًا دقيقًا، لأجل التعليق عليه وتفسيره «وقد تكون هذه المنابع ليست منسجمة دومًا». مثالية هيغل وأفكار دارون على سبيل المثال.
إن حصر منطق ماركس في قلب (ديالكتيك هيغل) ينطوي على تبسيط لا علمي، كما ذكرت سابقًا إن هذه الشجرة ذاتها لا تكفي، إذا لم يضَف إليها إنجازات العلوم الطبيعية في القرنين 17-18، غاليليو–نيوتن. ونتائج هذه الإنجازات في الفلسفة وبالتحديد في نظرية المعرفة، والمنطق، إن ما سقته يشكل جوهر رؤية المفكر إلياس مرقص، لـ (رأس المال)، التي أسس من خلالها للعقلانية، عبر الروح النقدية التي امتاز بها، انطلاقًا من قراءة للواقع الملموس ووصولًا إلى ابتكار المفهومات، وهي بدورها العمدة الأساسية لكل فلسفة نقدية، بل لكل علم، موحدًا بين الممارسة والنظرية في مركب ديالكتيكي معقد.
بات من المعروف أن مرقص امتلك رؤية، ومشروعًا كان على الضد من التبسيط النظري السائد، والحائز على رواج وقبول واسعين، ضمن أطر معينة وأوضاع معينة، وكانت محاولاته مضنية، لأن ما قام به منفردًا، من نقد وتفنيد وشرح، ومجابهته السائد كموضوع للدراسة يحتاج إلى أن تقوم به مؤسسات بحثية كبرى. فقد كتب الكثير عن المنهج والمنطق في (رأس المال) من زوايا ورؤى مختلفة، مثل لوكاتش – غروش ـ التوسير هيبوليت… وغيرهم، وركز كل مؤلف الضوء على ما يظن أنه الجانب الأهم، مثلًا لوكاتش أكد علاقة أنطولوجيا ماركس بأنطولوجيا هيغل، وإلينكوف على تاريخ مفهومي (المجرد) و(الملموس) وعلاقتهما المتبادلة في منظومة هيغل ومنظومة ماركس، وغروشن على العلاقة بين (المنطقي) و(التاريخي).
من بين تنبهات لينين، إشارة يبدو لي أنها مهمة حول ضرورة الدراسة المنطقية (الدفاتر الفلسفية) التي ترجمها وعلق عليها باستفاضة المفكر إلياس مرقص، لكن هذا النص الأساسي الذي ترجمه بالغ الصعوبة، صعوبته ناجمة عن ثلاث نقاط:
أنه مخطوطة شخصية (دراسية)، ليست كتابًا ولا مسودة كتاب للنشر، لينين ينقل هيغل (بدقة كاملة، صفحة صفحة، مع ذكر أرقام الصفحات، في عملية جرد يلخص يعلق (يقلب ماديًا).
أسلوب هيغل بالغ الصعوبة، وهناك فرق كبير بين نص لينين ونص هيغل، في الأسلوب، لقد بعث ماركس ديالكتيك هيغل من بين ركام المثالية والصوفية والأسلوب، وهكذا فعل لينين.
مسألة المصطلحات، أي الاختلاف بين الألمانية والفرنسية والعربية في المصطلحات، الاختلاف يبدأ قبل العربية، بين الألمانية والفرنسية) ().
لقد أرسى ماركس نمطًا جديدًا للمنهج، إضافة إلى منهجه الديالكتيكي الجدلي، طبقه في رأس المال، هو (التحليل البنيوي التكويني) ()، وأرسى منهجًا فلسفيًا جديدًا لبحث المبادئ الأولى في المنطق، هو علم الممارسة الأنطولوجي، المنطقي، فالمنطق بوصفه علم أشكال الفكر الذي يؤدي بنا إلى إدراك الحقيقة الموضوعية لا يقتصر على قيود إجرائية قبلية في الذهن، بالمعنى الذي أراده كانط، بل يتعداه إلى الممارسة وسيطًا، وإلى علاقة الفكر بالوجود، ومن ثم فإن المنطق لا يكون غير جزء من مكونات عملية الإدراك.
ما من شك في أن ثمة صعوبة في قراءة إلياس مرقص لرأس المال أو أعمال ماركس أو نقده حتى، غير أن ثمة ثقة في أن القارئ الجاد يقبل التحدي وصولًا إلى المعرفة، وأنه ليس ثمة طريق ملكي إلى العلم على حد تعبير ماركس، ولبلوغ الذرى لا بد من اجتياز المسالك الوعرة.
يرتكز هذا المشروع؛ رأس المال، على تحليل المجتمع الرأسمالي، وكشف آليات سيره ونشوئه وسقوطه، ومن خلال هذه القراءة الملموسة استطاع ماركس فهم المجتمع الرأسمالي، كما أنه ابتكر عددًا من المفهومات والمقولات، التي تعد الرافعة الأساسية لهذا العلم.
وقد رأى مرقص في (رأس المال) أنه أعظم مؤلف في تراث الماركسية الذي قال عنه: ماركس أنه (مؤلف حياته) (). لكنه انطلق من بدهية أساسية، وهي الوحدة العضوية لتفكير ماركس الذي نما عبر مراحل تطور تفكيره، بدءًا من رسالة الدكتوراه، ومخطوطات 1844، وصولًا إلى رأس المال الذي كان تتويجًا لأعماله السابقة كلها، على الضد من موقف التوسير الذي أراد أن يقطع، بصورة تعسفية، رأس المال عما سبق. ويمضي مرقص شارحًا ومعلقًا على «رأس المال» برؤية نقدية عميقة عبر امتلاكه أدواته المعرفية، ومرونتها لديه. فالبضاعة هي شيء يلبي حاجة ما عند الإنسان، ومن ثم فإن لها قيمة انتفاعية، وهي شيء يمكن تبادله بشيء آخر، أي إن لها قيمة تبادلية، فما الشيء المشترك بين هذه القيم الانتفاعية المختلفة؟ إنه كونها نتاج العمل، والقيمة الانتفاعية هي نتاج العمل الشخصي والقيمة التبادلية (أو القيمة) هي نتاج العمل المجرد (). في مجتمع ما كل قوة العمل، التي مثلها، حاصل وقيم جميع البضائع تؤلف قوة عمل بشرية واحدة، إن القيمة تقررها كمية العمل، (زمن العمل) اللازم اجتماعيًا لإنتاج بضاعة معينة، إن القيمة ليست شيئًا ماديًا، بل هي علاقة بين الناس في الإنتاج، ترتدي غلافًا ماديًا، وتحددها كمية العمل اللازم لإنتاجها.
ويمضي ماركس إلى تحليل أشكال القيمة، فيدرس السير التاريخي لتطور التبادل، يبدا بالشكل البسيط أو العرضي للقيمة، مبادلة كمية محددة من بضاعة ما بكمية محددة من بضاعة أخرى، وينتقل إلى الشكل العام للقيمة، حيث يجري مبادلة مختلف البضائع ببضاعة واحدة معينة، (الذهب)، وينتهي إلى الشكل النقدي (النقد، العملة، المال) للقيمة، حيث يظهر الذهب كهذه البضاعة المعينة، كهذا المعادل العام. ويتحول المال، في درجة ما من تطور إنتاج البضائع إلى رأس مال، وأن رأس المال ليس شيئًا ماديًا، إنه علاقة اجتماعية في الإنتاج، إنه قيمة تجني فضل القيمة بوساطة استثمار العمل المأجور.
الشرط التاريخي الأول لظهور رأس المال هو تراكم مبلغ من المال في أيدي أفراد. والشرط الثاني هو وجود عمال (أحرار) قادرين ومجبرين على أن يبيعوا قوة عملهم، قادرين بمعنى أنه ليس من قيد يمنعهم من ذلك، (كالقنانة وغيرها من النظم والأوضاع الإقطاعية)، ومجبرين لأنهم لا يملكون شيئًا يعيشون منه سوى قوة عملهم. إن إنتاج فضل القيمة هو القانون الاقتصادي الرئيس لنمو الإنتاج الرأسمالي؟) () الأساسي لنمو القوى المنتجة في النظام الرأسمالي.
في هذا التحليل لبنية (رأس المال) استند مرقص إلى المنهج الديالكتيكي الجدلي، والمادية التاريخية فلم يتعامل مع المنهج على أنه نصوص ثابتة ومقدسة، بل كان مرنًا ومتطورًا عبر علاقة دينامية بين الوقائع والنص والباحث، وقد تعامل إلياس مرقص مع الجدل (الديالكتيك) على أنه أداة الترابط والشمول، والتغيير والنمو، والتناقض (صراع الضدين) وتحول الكم إلى كيف تحول التغيرات الكمية المتراكمة إلى تغيير في الكيف، القفزة أو الوثبة.
والمادية هي المذهب الذي يقول بالوجود الموضوعي المستقل للواقع المحسوس، المادة، وأسبقية هذا الواقع الموضوعي المادي وقدم الطبيعة، وقدرة الإنسان (العقل والتجربة، الممارسة) على معرفة الواقع وصوغه في قوانين العلم، وأن الوجود الاجتماعي للبشر هو الذي يحدد وعيهم الاجتماعي.
القاعدة التي يقوم عليها المجتمع الإنساني هي شروط الحياة المادية (الشروط الجغرافية، البشر وتناسلهم وكثافتهم وتوزيعهم، وأسلوب الإنتاج الاقتصادي، إن أسلوب أو نمط الإنتاج الاقتصادي يتضمن قوى الإنتاج. (البشر وأدوات الإنتاج) وعلاقة الإنتاج (نظام علاقات البشر في الإنتاج، ويجد تكثيفه أو تعبيره القانوني الحقوقي في نظام الملكية، وعلى أساس علاقات الإنتاج، يقوم بناء فوقي يشمل الأفكار والمؤسسات السياسية والاجتماعية والفنية والدينية، إن هذا البناء الفوقي يتولد من الأساس، لكنه في المقابل يفعل فعلًا كبيرًا في هذا الأساس ().
إن مفهوم القيمة الذي صاغه ماركس بوساطة تجريد علمي يعكس بدقة وعمق العلاقات الاجتماعية الواقعية في الإنتاج البضاعي) وقد لاحظ ماركس (أن تحليل الأشكال الاقتصادية لا يستطيع أن يستخدم المجهر في المواد الكيماوية الكاشفة، فالتجريد هو القوة التي يستطيع أن يتخذها أداة له) ().
هنا سؤال يفرض نفسه، لماذا يهتم ماركس، الفيلسوف، بالاقتصاد السياسي؟ ماذا يمكن أن يحسب أنه واجد فيه؟ منذ نقد فلسفة الحقوق لهيغل، وصل إلى نتيجة مفادها أن المجتمع هو مفتاح الدولة، وهذا المجتمع المدني هو نفسه يرتكز على جملة من العلاقات الاجتماعية هي نتيجة فاعلية البشر الاقتصادية. أراد ماركس الانطلاق من الوقائع الأساسية، فأي ميدان يمكن أن يكون أكثر كشفًا من الميدان الذي ينعكس فيه تعميم هذه الفاعلية اليومية التي تقرر العلاقات بين البشر؟ الاقتصاد السياسي هو علم الإنتاج، أي علم الممارسة الإنسانية المميزة، لأن الإنسان ينتج، لذا فهو يتميز عن الحيوان، هذا الإنتاج هو التجلي الموضوعي لطبيعته كإنسان. العالم الذي خلقه إذًا هو بالضرورة تعبير عن نفسه، وإن العالم يقدم صورة التناقضات، الصراع، التمزق، فهل سيكتشف الاقتصاد السياسي للفيلسوف ماركس أن حقيقة الإنسان حقيقة ممزقة؟ الاقتصاد السياسي هو فاعلية الإنسان المنتجة التي صارت واعية لأنها القادرة على الارتقاء إلى مقولاتها وقوانينها» () مرحلة الاقتصاد التي يتحدث عنها ماركس هي مرحلة الاقتصاد الرأسمالي أي المرحلة التي بلغت فيها الملكية الخاصة أشكالها الأكثر نضجًا وتقدمًا، المرحلة التي فيها تنفجر التناقضات لأقصى درجة، لنا أن نستنتج أن ما يكشفه الاقتصاد السياسي لماركس هو فعلًا تمزق الإنسان. ولكنه يتجاوز وجهة نظر هذا العلم من خلال نقده، وتبيان نواقصه. الاقتصاد السياسي البرجوازي يبدو لماركس، كما يبين إلياس مرقص، نوعًا من فينومينولوجيا لم تفصح عن حقيقة إنسانية، بل عن حقيقة واقع ضائع، «لقد رضي بحالة تكشف له، ولكن من دون أن يقوم بنقدها. إنه يتحرك داخل عالم تحكمه الملكية الخاصة من دون أن يتساءل ما هو أصل الملكية الخاصة. إنه العلم التاريخي بالذات، وضع نفسه خارج التاريخ، باتخاذه واقعًا خالدًا ما هو لحظة في التطور التاريخي» ().
نقد ماركس في هذا السياق، نقد أساسي يطرح من جديد مناهج هذا العلم ذاته، الذي لم يسع إلى تبرير أسسه النظرية، إنه لا يهتم بالإنسان، بل يعكس بشكل صحيح تمامًا إلى أي حد حلت العلاقات بين الأشياء محل العلاقات بين البشر. لقد اعتبر الاقتصاد السياسي الكلاسيكي أن العمل مصدر الثروة. ماركس لا يلج لعبة الاقتصاد السياسي، فالعرض الموضوعي شكلًا لا ينسي ماركس أنه يعلق التناقضات الأساسية ووضع العامل، ما يكرس ضياع الإنسان. وبرهن الاقتصاد لماركس أن المجتمع الماثل أمامه هو نتاج تطور ضروري كان على الإنسانية أن تمر فيه.
الاقتصاد السياسي يقول إن العمل هو مصدر الثروة، ماركس لا يقبل هذه الفكرة بهذا الشكل، العمل، كسب الخبرة، بتر لهذا المفهوم، الشكل الضائع الذي يرتديه في عصر الرأسمالية، الجوهر، العمل فاعلية مميزة للإنسان، إنه تجل لشخصيته وتمتع بالحياة، الشيء المنتج يعبر عن صفة الإنسان الفردية، إنه امتداده الموضوعي والملموس. العمل نابع من حاجة إنسانية، وفي الأصل، قبل وجود التبادل، كان الإنتاج يغطي الحاجة بالضبط، والتبادل في نظر ماركس هو الذي يدخل التغيير في الكيف.
إذًا عمل الإنسان وسيلة بقائه المباشرة، وأيضًا تثبيت وجوده الفردي. وبالمقايضة أصبح عمله في قسم منه مصدر كسب، ومع ظهور عالم السلع، تغير طابع العمل. ذلك كان بداية العمل الضائع، الاقتصاد السياسي لا يعتبر العمل إلا في شكل فاعلية ترمي إلى كسب. لا ريب أنه أعاد إلى العمل أصل الثروة، ولكنه لا يعتبره إلا في الشكل الذي يرتديه في مرحلة الضياع، إنه يفصح عن قوانين العمل الضائع» ().

رابعًا: العقلانية بوصفها جوهر فكر إلياس مرقص
1- ماهية العقل
العقل مفردة متعددة الأبعاد، لذا يبدو من الصعوبة بمكان التوصل إلى تعريف تام يستغرق بدقة كاملة طاقة التجريد هذه، وأنه لا يمكن إثارة التساؤل عن العقل، خارج العقل ذاته، وإن السؤالات جميعها تثار خارج العقل وداخله بوساطة العقل، لذلك يتزامن تطور مضامين العقل ومحتوياته المتعالية مع صيرورة المعرفة، (حتى إن اللاعقلانية تعبر عن نفسها بوسائل عقلانية وقد انتبهت الفلسفة الوجودية لذلك بوضوح، بذلك يبدو الهرب من العقل إلى الجنون إنما هو عودة إليه بمخيلة أخرى) ().
العقل في اللغة هو الربط والحجر والنهي منعًا للشرود والتسيب (لأنه يمنع صاحبه من العدول عن سواء السبيل) () بهذا يتجلى العقل العملي الذي (يعقل النفس ويمنعها عن التصرف على مقتضى الطباع) ()، فالعقل ضد الطبع أي التصرف غير العشوائي المترابط، إنها طاقة ربطية علائقية تقيد شرطًا دائرة السلوك وتحدد مجال الموضوعات عن طريق علاقاتها.
والعقل الفلسفي هو تجلّ يتجاوز المعرفة إلى الكينونة وظاهراتها من ظاهرة الإنسان إلى ظاهرة الكينونة ذاتها، لديه القدرة على إثارة السؤال عن معنى الوجود، والفلاسفة يطلقون العقل على معان عدة منها ():
(العقل جوهر بسيط مدرك للأشياء) الكندي في معجمه رسالة في حدود الأشياء ورسومها، والقوة العاقلة عند ابن سينا إنما هي الجوهر.
العقل هو (قوة الإصابة في الحكم) أي تميز الحق من الباطل، والخير من الشر، والحسن من القبيح (ديكارت، مقالة الطريقة، ت: جميل صليبا)
العقل مجموع المبادئ القبلية المنظمة للمعرفة من مثل مبدأ عدم التناقض، مبدأ السببية، مبدأ الغائية، تتميز هذه المبادئ بضرورتها واستقلالها عن التجربة، على حد تعبير ليبنتز؛ يتميز الإنسان عن الحيوان بإدراكه للحقائق الضرورية والأبدية.
والعقلانية هي الإقرار بأولوية العقل، وتطلق على معان عدة، منها القول إن كل موجود له علة في وجوده بحيث لا يحدث في العالم شيء إلا وله مرجع معقول. وهذا يقودنا إلى معنى آخر للعقلانية، هو القول إن وجود العقل شرط إمكان التجربة، فلا تكون التجربة ممكنة إلا إذا كان هنالك مبادئ عقلية تنظم معطيات الحس، مثال ذلك (المثل عند أفلاطون) و(المعاني النظرية عند ديكارت) و(الصورة القبلية عند كانط، التي تتقدم التجربة). وبحسب المنظور النقدي لإلياس مرقص فإن هيغل يعلن بقوة أن العقل غير (العقل السليم) وأن (العقل السليم) هو مجموعة الأحكام المسبقة لعصر من العصور، كوبرنيكوس ذهب ضد العقل السليم، أينشتاين كذلك، الفلسفة ليست بتاتًا العقل السليم. (الفلسفة اليونانية أرادت الحقيقة ضد الرأي opinion. الفلاسفة بالغوا، وغالوا، وتطرفوا، فأقاموا العلم، أي هذا الذي ليس الفكر العادي. 1- العلم أعداد (فيثاغورث). 2- بحسب الرأي الأشياء موجودة، بحسب الحقيقة، الموجود هو الذرات والفراغ والحركة، الفراغ موجود (ديموقريط) 3- الواقع الحق هو الأيدوس أي التصور، أو الشكل، المثال أو الفكرة ideeouforme 4- الكائنات المفردة ليست جوهرًا (ماهويًا بل هي مؤلفة من مادة وشكل (أرسطو) 5- سرعة الضوء هي 300000 كم في الثانية، هذا ليس للتمثيل الحسي بحسب هيغل. 6- الضوء بفضله نرى لكننا لا نراه هو، نرى الأجسام المضاءة لا الضوء.
إذًا هيغل يبرر التعارض بين عقل وعقل، بين الفهم والعقل، هل يمكن القول إن هذا الفرق هو جوهر ديالكتيك هيغل. هذا التمييز بالغ الأهمية لتحديد الفرق، والعلاقة بين الوضعية الإيجابية والعقلانية ومن ثم بين المذهب الوضعي والديالكتيك، مذهب العقل والعقلانية) (). وفي هذا السياق يؤكد إلياس مرقص أهمية دراسة وتمثل ونقد كتاب أنغلز جدل الطبيعة، لأن أنغلز متابع وشارح مهم لهيغل؛ ميزته السهولة، على الرغم من أن هذه السهولة هي أحيانًا تقليص، لكن إذا أردنا أن نعرف ما الفكر؟ ما الديالكتيك، ما العقل؟ وليس ما الطبيعة، لا بد من قراءة كتاب أنغلز قراءة متأنية ومنهجية، على الضد ممن لم يفهموا هذا الكتاب سواء أكانوا مع (جدل الطبيعة) أم ضده. ومن الضرورة بمكان الإشارة إلى أن أنغلز ميز بين الفهم والعقل لدى هيغل:
(إن هذا التمييز الهيغلي الذي بموجبه وحده الفكر الجدلي عقلي، له معنى ما. لنا كمشترك مع الحيوانات جميع أنماط فاعلية الفهم: الاستقراء، الاستنتاج، إذًا أيضًا التجريد: ذوات الأربعة أقدام وذوات القدمين، تحليل الموضوعات المعروفة، وإن كسر جوزة هو بداية التحليل، والتركيب في أمثلة حيل الحيوانات، وبمضافرة الاثنين الاختبار أمام حواجز جديدة وفي مواقف صعبة، بطبيعتها، إن هذه الأساليب، إذًا جميع وسائل البحث العلمي التي يتعرف إليها المنطق العادي، متماثلة تمامًا عند الإنسان والحيوانات العليا. إنها تختلف في الدرجة فحسب، درجة نمو أو بسط الطريقة في كل حالة متغيرة، إن الملامح الأساسية للطريقة واحدة وهي تقود إلى النتائج نفسها عند الإنسان وعند الحيوان، ما دام الاثنان يعملان أو يتدبران أمرهما بهذه الطرائق الابتدائية وحدها. في المقابل، إن الفكر الجدلي، بالضبط لأن له كشرط مسبق دراسة طبيعة المفاهيم نفسها، غير ممكن إلا للإنسان، بل إنه غير ممكن إلا عند مستوى من التطور مرتفع نسبيًا (البوذيون والإغريق)، وهو لا يبلغ تمام تطوره إلا بعد ذلك بكثير، مع الفلسفة الحديثة) ().
إذًا العقل أكثر من الفهم، الفكر الجدلي هو الفكر العقلي، حيث تتجلى أهمية دراسة طبيعة المفاهيم، التي كانت ثمرة تطور خلاق ومبدع بدءًا من فلسفة الطبيعة لدى طاليس، والفلسفة الأخلاقية عند سقراط والديالكتيك عند أفلاطون، وقد برزت فكرة المفهوم لدى كل من سقراط وأفلاطون، من خلال صراعهما، مستخدمين اللوغوس الفلسفي، ضد اللوغوس الهوميري، معركة الأيدوس ضد الإيكوس، وأفلاطون طرد الشعراء من المدينة انتصارًا للعقل. وقد وقف الإنسان منذ القديم مندهشًا أمام الكون، هذه الدهشة تطورت لدى الإنسان اليوناني إلى التساؤل وهنا بداية الفلسفة، فقد تقبل الشعب اليوناني الفلسفة باحثًا عن الحقيقة.
يتحدد الفرق بين العقل والفهم لدى هيغل بأن الفهم يعين، يحدد، وأن العقل ينفي، الفهم وضعي، العقل ديالكتي، الفهم لحظة لازمة في نموه وتطوره، الفهم ميدان الضرورة العقل ميدان الحرية وضمانتها، لكن لا عقل بلا فهم، وإن فلسفة هيغل تقوم على وحدة العقل والوجود. إذ الحياة والنظر لا يشكلان مجالين متميزين، إن حياة العقل هي عقل الحياة ().
لقد تشكلت الهيغلية بوصفها صورة مركبة عن العقلانية التي هي التفكير والعمل وفق المنهج الديالكتي، إذ تجلى العقل خالصًا في المنطق.
يتساءل إلياس مرقص ما المنطق: التعريفات كثيرة… المنطق علم الشروط الشكلية والمثالية للحقيقة، الشكلية والقطعية، فالمنطق الشكلي لا يُعنى بمحتوى المفهومات، بل ببنيتها وعلاقاتها فحسب. إنه يأخذ شكل المحاكمة وحده، إذًا الترتيب، التسلسل، العلاقات، مصطلح المنطق الصوري باطل كما يصفه مرقص، (علة الصورة أنها غنيّة الذين يقولون عن FORME صورة، ثم يقولون (تشكيل) و(تشكيلة) عن Formation، لا يفقهون ما يقولون…) (). المنطق العام ينكب على دراسة (الطريقة العلمية) الطريقة الاستقرائية والطريقة الاستنتاجية، هذا قول محدود كما يرى مرقص، فالمحاكمة استنتاج، استقراء الواقع، استنطاق الواقع، الواقع له منطق، هو منطق الواقع، كون العقل عقل الكون، الاستقراء ليس انتقالًا من الخاص إلى العام، بل هو رؤية العام في الخاص، الاستقراء حدس، بالنسبة إلى كانط (المنطق المتعالي) هو دراسة (الفهم الخالص والمعرفة -العقل التي بها نفكر موضوعات قبلية تمامًا، وبالنسبة إلى هيغل، المنطق هو العلم المطلق ويتوحد مع الميتافيزيقا: إنه علم الفكرة الخالصة، أي الفكرة في العنصر المجرد، عنصر الفكر، العقل له معارضات كثيرة، وكلمة عقل تفهم وتتحدد بمعارضاتها بعلاقاتها، في السياق، لكن السياق الأهم هو المعارضة، العقل إزاء الحس، التجربة أو الخبرة، وإزاء التجربة العلمية التي هي امتداد مباشر للعقل وسلاح الفكر.
العقل إزاء الشعر، العقل مع المنطق والرياضة، العقل إزاء الخيال، والعقل -الفكر هو نفسه خيال، لكن ليس الخيال الحسي الخرافي العجائبي، بل هو الخيال مكتشف علاقات الأشياء، لأن العلم هو مزيج من الخيال والواقع، يوجد في العصر الحديث، عقل ديكارتي، وعقل هيغلي، وعقل وضعاني، (الوضعانية ليست مع العقل ولا مع الحقيقة، بل مع (العلمية) ومع (الخصوصية). وهذا العقل الأسوأ أثر تأثيرًا سيئًا في فكر النهضة العربية، فكر عصرنا الليبرالي، هذا الفكر بوجه عام بعيد عن هيغل وعن الفلسفة) ().
يرى مرقص، أنه إذا أردنا أن نقيم العقل للفكر العربي، والشعب العربي، علينا أن نقيم معه مقولات كثيرة، ومن دون أن نعطيه مبدئيًا أي أفضلية عليها. من هذه المقولات: الفكر بالمعنى الواسع وبالمعنى الضيق، ولا سيما الفكر الفكري أو الفكر النظري، مع الفكرة والمفهوم، ومع الشكل، الروح، الشغل والعمل والعقل، الطبيعة، التاريخ… هذه المقولات، وغيرها، هي مبادئ -مسائل، ما دمنا مع مبادئ ليست هي مسائل، فنحن سنبقى في دوران عقيم وقاتل، المبادئ الحقة مسائل، أي إنها حية فعلًا ودومًا. غير (مسائل) يعني أنها جامدة.
إضافة إلى معنى آخر هو الثقة بالعقل، وبقدرته على إدراك الحقيقة، وسبب ذلك في نظر العقلانيين أن قوانين العقل مطابقة لقوانين الأشياء الخارجية، وأن كل موجود معقول، وكل معقول موجود، وأن كل ما هو موجود فهو مردود إلى مبادئ عقلية، هذا مذهب ديكارت، سبينوزا، ليبنز، هيغل.
نستنتج من هذه المعاني كلها للعقلانية، أن هذا المفهوم ينطوي على (الالتزام بمقاييس العاقلية، الالتزام الذي هو المطلب الجوهري لأي نظام فلسفي، وبهذا المعنى العام يبدو أن كل الفلاسفة من دون استثناء هم عقلانيون، …) (). لكن ينبغي الحذر، عند الانتقال من الإطار العام لمصطلح العقلانية، إلى المعنى الفلسفي الخاص. في فلسفة العصر الكلاسيكي في القرنين 17-18، العقلانية تعارض التجريبية، الأول: ديكارت مالبرانش، سبينوزا، لايبنتز، كانط. الثاني: بيكون، لوك، هيوم، باركلي.. هذان الخطان متكاملان يخدمان العقل ونقد العقل، إنهما يواصلان خطى (الواقعية) (الأفلاطونية).
(أشار لينين إلى صلة بركلي وجون لوك، مؤسس التجريببية. لكنه لا يعرف صلة باركلي المباشرة بماديانية العصر الوسيط، لينين لم يتوقف عند المناقضة بين الواقعية (الأفلاطونية) والإسمانية الماديانية التي هي إطار فلسفة أوروبا الوسطوية، من القرن 11 حتى القرن 14، مع أنها جزء طبيعي من همه الشاغل في سنوات 1914-1916، ملف الفكر واللغة، هذا الملف طوته الفلسفة الماركسية بعد لينين. عند لينين، المنطق، علم المنطق الكبير، المنشود والعتيد يبدأ من كلمة طاولة أو بيت) ().

2- تموضع العقل في فلسفة إلياس مرقص
ربما نستطيع من خلال مفهومه للفلسفة أن نستوضح معنى العقل، بحكم أن الفلسفة لديه (تنويعة كبيرة على العقل، إنها سيمفونية متناغمة ومتعارضة ومتناقضة على لحن العقل) ()، والفلسفة بالنسبة إليه شيئان:
1- طريقة فكر، طريق أوله الكلمة والمفهوم وغايته الواقع.
2- تصور للإنسان وتاريخه ومصائره، وهذا غير موجود لدى المفكرين معظمهم الذين كانوا محط نقد لديه، ليس عندهم تصور للتاريخ، للفكر، أي تصور معقول، مقبول، مع أنهم فلاسفة، ليس عندهم فلسفة، عندهم نتف صحيحة من الفلسفة عندهم الوجود، عندهم الطبيعة، عندهم الأمة، عندهم الجماهير، والثورة) ليس عندهم الإنسان والحقيقة.
لقد وضع مجموعة من الأسس العقلانية، من أجل إصلاح الفلسفة كي تأخذ دورها الحقيقي والفاعل في فهم الواقع العربي أولًا والعمل على تغييره ثانيًا ().
يجب الانتقال من الوجودية إلى الفكرية، من عنصر الوجود إلى عنصر الفكر، يجب على الفكر والوعي تبني مبدأ الـ (أنا أفكر). هذا المبدأ، كما يشير إلياس مرقص، ليس مبدأ ديكارت وحده، بل هو مبدأ فيثاغورث والخوارزمي، هيغل وابن خلدون، نيوتن وأينشتاين …إلخ. يقول لينين وراء هيغل وراء سقراط أفلاطون: (الكلي، أنه الفكر) في ساحة الفكر العربي يجب فتح وخوض هذه المعركة: معركة الفكرة والمفهوم والفكر ضد أشباح الحس والوجود والجوهر، الآتية إلينا من ماضٍ سحيق.
ومن الضروري الانتقال من الجوهر والماهية ومن المادة والكم إلى الشكل والعقل والروح، يجب إقامة الحد على ألفاظ محببة في قاموسنا المتداول، ضخمتها مدارس مختلفة، ومتخاصمة، لكنها التقت على تكوين ذهنية جوهرية واحدة، يجب الانتقال من (الصورة) إلى الشكل والمفهوم، من دون ذلك لا تاريخية ولا تقدمية. إنه ينتقد الماركسيين عمومًا، في خلطهم بين المفهومات، (إذا كان الماركسيون عندنا (وعند غيرنا) يركبون على (التشكيل) والتشكيلة Formation (التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية، ويجهلون مقولة الشكل Forme، ويجهلون مسألية الصورة– الشكل– الفكرة– المفهوم – المثال؟ فهذه مفارقة مهمة من مفارقات الوعي العربي المعاصر) ().
ضُحي في الفكر الماركسي، على مذبح (المادة) بمقولات مختلفة لا يمكن أن تنوب عنها المادة، أي مقولات الواقع، والطبيعة، والطبيعة/ التاريخ. يجب ردّ الاعتبار إلى وحدة عنصر المادة–الكتلة–الكم – الذرات الخ. ويجب أن يقام إزاء هذا العنصر عنصر مقابل هو: العلاقة العقل – الروح، بحيث يكون العنصر الأول تابعًا. أما مفهوم المادة (الفلسفي) فلا يمكن أن يعني سوى أن الواقع قائم بتمامه خارج رأسي، ولا يجوز أن يضمّن أي شيء آخر، لا يجوز أن يغطي أي مسلمة أو مصادرة ضمنية، ولا سيما مسلمة تلغي أو تخفض المنطق في حرب على (المثالية) باسم (مادية) ملتبسة وباطلة، وعلى الفكر العربي الانتقال من التجريبية – الدوغمائية إلى الجدل، فالطريق الأول (التجريبية – الدوغمائية) يبدأ أو يظن أنه يبدأ من الواقع، وينتهي إلى تبديده في مجردة أثيرية يسميها القانون أو الجوهر، بينما الطريق الثاني، (المعاكس) يبدأ من الصفر، بيني اللوحة، ينتهي إلى الكل أو الجملة tout, totalité إلى الواقع بوصفه عالمًا، لا جوهرًا أو قانونًا. بهذا المعنى، إن بلدًا من البلدان أو بيتًا من البيوت هو عالم. والوطن العربي والأمة العربية عالم، وهناك تعارض يجب وعيه بين الوضعوية والعلموية من جهة، والجدل من جهة أخرى:
الوضعوية positivisme: هي المذهب الوضعي أو الإيجابي، أما الجدل فهو (بحكم التعريف) جدل النفي négation. الوضعوية هي مذهب تقدم على خط مستقيم، مثلًا من الحالة اللاهوتية إلى الحالة الميتافيزيقية إلى الحالة الوضعية (أوغست كونت)، أما الجدل فهو يؤكد مع الخط المستقيم فكرة الدائرة، يؤكد وحدتهما. (العجلة تدور، العربة تتقدم)
الوضعوية، لا تكترث للمجردات، أي للحقيقة، المقولات الكبرى. في المقابل، إن علم آدم سميث، أو كارل ماركس، يتأسَّس على الشغل المجرد، أي المجرد عن موضوعاته المادية، ومنطق هيغل يبدأ بالكائن–العدم …إلخ. وإن الوضعوية، لا تكترث للفلسفة، الجدل يعني فلسفة، منطق، نظرية معرفة. والفكر العربي يجمع وضعوية أوغست كونت مع وضعوية تقليدية، إنه يتصور أنه مع العلم والعلمية، أنه كما يؤكد إلياس مرقص، مع (العلموية) مجردة أو مضافًا إليها المجاز، والخيال والشعر.
الميكانيكية أحد أهم أشكال الوضعوية والعلموية والتجريبية الدوغمائية، هذا المجموع الذهني مسخر بشكل طبيعي في خدمة الذاتوية subjectivisme، إذًا الإرادوية المثالية، هذه الذاتوية تتعامل مع الواقع بوصفه مادة للتحريك أو الملاعبة manipulation العمل الثوري يصبح كأنه مماثل لعمل الإسكافي في حانوته أو لعمل عالم الكيمياء في مخبره، ينسون أن الموضوع ذات) ().
ينتقد مرقص تصور الفكر العربي للعقل بأنه شيء في رأسه، إنه بعيد عن معقولية الواقع أو لا يتخذها مبدأ، وهو يخفض العقل إلى (العقل السليم) لا أكثر، إنه يجهل فكرة التناقض، يجهل مثلًا أن في اللغة لا يوجد سوى الكلي، وأن قولنا هذه طاولة عبر الإدراك الحسي إنما هو انفتاح نحو الكلي (طاولة – عام)، إذًا يجب على الفكر العربي الانتقال من (العقل السليم) و(العقل السليم المطور علميًا) إلى العقل وحسب، يجب عليه أن يسعى لفكرة العقل الأعلى الفلسفية والهيجيلية، اللوغوس والـ vernunft.
يجب الانتقال من توازن الأزلي والعابر إلى التاريخ والتاريخية، الأزلي والعابر وجهان لعنصر واحد يعيش فيه الذهن العربي، كثيرًا ما يبدو ثابت الذهن العربي هو الشعور وهو المادة، ويكون عالم الفكر والعلم والعقل هو العابر، الشبحي الذي ليس له قرار.
إن رؤيته إلى وحدة الفكر البشري مظهر من مظاهر وعيه التاريخي، وعيه بالتاريخ، بوصفه حركة الصيرورة والتقدم، التاريخ المؤسس على عقلانية الواقع وواقعية العقل، بوصفه ميدان الضرورة ().
لنا أن نستنتج أن فلسفة إلياس مرقص النقدية تشكلت عبر ثقافته الموسوعية، ارتباطًا بالعلوم، إضافة إلى ارتباطها المباشر بالعمل الإنساني مع الهموم السياسية اليومية، مع القضايا الراهنة، فلسفة هي نمو متدرج للحقيقة تقيم تماثلًا وتعادلًا بين الفكر والروح، وتقيم وحدة الكينونة والصيرورة، الذات والموضوع، الضرورة والحرية، المادية والديالكتيك، إن تلك الفلسفة تتشكل من عناصر فعالة، الطبيعة، العالم، الإنسان الفاعل، الهادف. إنها ثمرة العلاقة الخلاقة بين الذات والموضوع. الوعي هو وعي الموضوع، هو الوجود مدركًا، والحرية هي وعي الضرورة، فالذات التي لا تتسلح بوعي مطابق للموضوع لا تصل إلى أهدافها. لذلك فإن المثالية وهي الذاتوية والإرادوية تقابلها المادية التي هي الموضوعية والواقعية، الثورية الحقة هي الواقعية، الحقة والموضوعية الحقة.
إن تحقيق الذاتية، أي تحول الذاتي إلى موضوعي، تموضع الذاتي، مرهون دائمًا باتخاذ موقف مادي، موضوعي، إنه تحقيق هوية الهدف (الذاتي) والنتيجة (الموضوعي) (). وفي رؤيته، العقلانية هي الفكرية مع مقولة الممارسة (البراكسيس) بوصفها وحدة العمل والمعرفة، التوتر بين المثالي والواقعي، تحول المثالي إلى واقعي، والواقعي إلى مثالي، تقبع في أساس رؤيته الفلسفية التي دفعته إلى إعادة المكانة للمثالية الفلسفية العقلانية، من أفلاطون إلى هيغل، ومن هيراقليطس إلى ماركس، في معارضة القسمة التبسيطية للفلاسفة إلى ماديين ومثاليين، إلى معسكر الخير إزاء معسكر الشر، من دون أن تلغي أو تتجاهل بالطبع الفرق والاختلاف بين الفلاسفة في مسألة العلاقة بين الوعي والوجود، بين الفكر والواقع، بين الروح والمادة.
يجب الانتقال من توازن السرمدية وسرمدية التوازن إلى فكرة التقدم، لأنه في الواقع الذهني، الروحي والفكري، فكرة الثورة قتلت فكرة التقدم، تريد أن تعيش من دونها بدلًا من أن تقوم على أساسها، تريد أن تنوب عنها. وفي النتيجة، (إن ما يراد هو تحويل الأرض إلى سماء والدنيا إلى جنة، وهذه الإرادة تسمى (ثورة) هذه القفزة الشاقولية إلى السماء تحمل معها السقوط، حتميًا، هذا الموقع الذهني انتكاس كبير عما كنا عليه قبل ربع قرن، حيث جاءت الثورة امتدادًا للنهضة وتأسيسًا لنهضة أعمق وأشمل) ()، وانسجامًا مع رؤيته النقدية، الح على أنه يجب الانتقال من الليبرالية النخبوية ومن تنظير التلاعب بالبشر إلى الديمقراطية. ليست الليبرالية هي الشيطان، الشيطان لا يتجسد مباشرة في شيء، في قطعة، أو لنقل إنه قابل للتجسيد، جزئيًا أو نسبيًا، في شتى الأشياء وكل الأشياء، الليبرالية لها ما لها وعليها ما عليها، لنقل إنها مرحلة تاريخية ومنطقية، وهي كما يرى إلياس مرقص، ترتبط بالطبقة الوسطى الميسورة الديمقراطية ترتبط بالطبقة العوامية، plébéienne الشعبية، العمال والفلاحين… إلخ.
هذا ملف يضم مونتسكيو وروسو وتوكفيل، أنغلز ولينين، وبليخانوف… والمثقف العربي وأحزابه، المثقف العربي النموذجي لم يفهم هذه القضية في يوم من الأيام، لم يَفْكر تاريخنا الأخير. كأنه يريد ديمقراطية لنفسه، ديمقراطية من دون قاعدة جماهيرية، نهضته ليس أساسها مجموع الأمة، نهضته يكون أساسها شطرًا من الأمة هو (المجتمع الحديث) داخل كل قطر. (فعصر الإمبريالية والنهضة والحركة الوطنية و(الليبرالية) انتهى إلى شطر كل مجتمع عربي إلى مجتمعين؛ حديث وتقليدي، والليبرالي العربي يمكن أن يتحول إلى ما يشبه الفاشستي على القاعدة النخبوية ذاتها، والوعي العربي منشطر إلى باطلين: أما الحزب – الصنم، أو اللاأحزاب.. ويجب الانتقال من (شعار) (الديمقراطية) إلى (مطلب) الديمقراطية (دولة حق) Etatde, Rechtstaatdroit، دولة حق وقانون هذا هو الأساس المنطقي للديمقراطية، فلا دولة ديمقراطية إذا لم تكن أولًا (دولة حق)؛ لا ديمقراطية بلا دولة أو لا ديمقراطية مع اللادولة.
تتجلى عقلانيته في أن مثله الأعلى ليس (العلمية) بل (الحقيقة)، الحقيقة مع الفكر والكلي، مع الروح والإنسان، (لحني لحن) سقراط، وليس بتاتًا لحن أوغست كونت والماركسية الستالينية ولوي التوسير والسوربون، ولا سيما سربنة العرب، أقيم موقفي ضد جوامع السوربون وموسكو والأزهر، بلا فرق، سقراط مخترع الفلسفة الأخلاقية، مثلما طاليس مخترع فلسفة الطبيعة، وأفلاطون مخترع الديالكتيك، لكن سقراط وأفلاطون (لا ينفصلان)، كلاهما يمثلان معركة المفهوم، معركة اللوغوس الفلسفي ضد اللوغوس الهوميري، (الفكرة مع الشكل والمفهوم) ضد (الصورة) وأرسطو أقام (المادة والشكل) ضد عقيدة (الجوهر) الشعبية وأعلن أن الصورة هي الشكل الأخير، فيثاغورث وديموقريط دشنا خط العدد والذرة، هؤلاء أهم ألف مرة من كل ما تنتجه السوربون، إضافة إلى هيراقليط وبارمنيدس، وغورغياس سكستوس، أمبيريقوس، بروتاغوراس مع الإنسان والحقيقة الذاتية، لا سقراط بلا بروتاغوراس، ولا هيغل بلا عمانوئيل كنط…)().
أكد مرقص دومًا أنه مع الجدلانية ضد الوضعانية، مع هيغل ضد أوغست كونت؛ الجدلانية هي التي تنصف العقل الوضعي الإيجابي، الجدلانية، جدل النفي، العامل بأكبر المجردات، كما أنه مع الماركسية ضد الاقتصادوية، مع الديمقراطية ضد الليبرالوية، لأن الديمقراطية لديه ليست غاية ومبدأ وأسلوب عمل وتنظيم فحسب بل هي فلسفة، هي تصور للعالم، إنه مع الديمقراطية، مع شعب الكدح والشغل، مع (الفعل – العمل البراكسيس – الإنتاج)، كبند مهم في صلب نظرية المعرفة ومسألة حقيقة الفكر. وهو يصر استنادًا إلى الأطروحة الأولى لماركس عن فيورباخ، أن هذا العالم الموضوع المائل أمام البشر هو من صنع البشر، ولا بد من تغييره، ومن أجل ذلك، يجب وعيه ومعرفته.
يرى مرقص ضرورة تفكيك سؤال ما العقل؟ أي فحص هذا المصطلح نقديًا، من أجل مقاربة بأي محك نريد أن نعرف (العقلانية العربية) وأن نعرف الفكر العربي والواقع العربي. ويرى أن إنتاجنا للوجود ضعيف سيكون لدينا بعد عقود، 400 مليون إنسان عربي، هم جميعهم أجسام وأفواه، لكن ليسوا جميعًا شغيلة منتجين على الرغم من وجود الدماغ واليد، وهم أنفس محطمة. ما عدد الشباب الذين يخرجون يوميًا من الوطن؟! وكان يؤرقه دومًا أننا نحتل المرتبة الأولى في عدد من الأمور غير الإيجابية بتاتًا، التبعية الغذائية للخارج، الإنفاق على التسلح، خروج الأموال، الإقفار، فقد الهوية واستفحال عقدة الهوية، تقلص حقوق الإنسان. (صراع الوجود والعدم، الحق والباطل، العقل واللاعقل، على الصعيدين العالمي والعربي، كان يلاحظ نمو العدم وهو عدم معين، عدم مساواة، عدم أمن وأمان، عدم حرية، عدم استقلال وعدم شفافية، وعربدة الباطل، وطغيان اللاعقل، ما دفعه إلى رفع راية الفكر والاستقواء بالعقل) (). إذًا كيف يمكن أن نستوضح تجليات العقل لدى مرقص؟

3- الأسس العقلانية في فلسفة إلياس مرقص
تمثّل هاجسه الرئيس تمثل في إعادة تأسيس العقلانية في الفكر العربي، وإعادة بناء الوعي العربي كي يرقى إلى مستوى العصر الحديث، باحثًا بعقله الفلسفي النقدي، وأدواته المعرفية المتجددة دومًا، عن أسباب عجز محاولات التأسيس السابقة وضمورها، غيابها عن الثقافة العربية الحديثة، (لعل من بين تلك الأسباب: افتقارها إلى الجذرية أو الراديكالية، العقلانية الكافية لمواجهة التأخر التاريخي الذي يتركز في المستوى الأيديولوجي السياسي، وعجزها بالتالي عن إنجاز قطيعة منهجية من التقليد لمحاصرة تلك المحاولات إضافة إلى مفاعيل الاستبداد السياسي)().
ومما لا شك فيه أن فكر إلياس مرقص ينتمي بجملته إلى التراث العقلاني العربي قديمه وحديثه، وإلى التراث الغربي قديمه وحديثه أيضًا، وإن كان أثر الثاني أكثر بروزًا، وإن ما يميز مشروع إلياس مرقص العقلاني، هو الراديكالية العقلانية والحزم المنهجي والقطيعة مع التقليد وجاء فكره محاولة جادة لمعرفة العالم، الواقع بأبعاده الثلاثة: التاريخي، الكوني، العقلي. من أجل معرفة الواقع بهذه الأبعاد ذاتها. ومن أجل هذه المعرفة، اتكأ على فلسفة نقدية، تعود جذورها إلى البذور العقلانية الأولى للفكر البشري، وظن أنه يمكن عرض تاريخ الفلسفة، بوصفها أداة معرفية نقدية، من خلال مقولات شتى، الشيء أو الأشياء، الواقع، الوجود أو الكون، الفكر، الفكرة والمفهوم، الشكل والصورة، الكلمة أو الكلام والعقل، الفرق أو الاختلاف أو المغايرة، الإنسان والعمل والتاريخ، يمكن عرض الفكر النظري أي المعرفة البشرية الأساسية تحت أي من المقولات الآنفة، مفردة أن صح القول، على أن نذهب معها في جميع الاتجاهات، مسترجعين المقولات الأخرى جميعها، وهنا تتجلى موسوعيته، حيث نجد في فلسفته، عناصر عقلانية مستمدة من الفلسفة اليونانية، والعربية الإسلامية، والأوروبية الوسيطة والحديثة والمعاصرة، وملامح ديالكتية كانطية، هيغلية وماركسية، وتكمن أصالته، في فهم وتمثُّل هذه العناصر، ونقدها استنادًا إلى معايير العقل لديه، من أجل إعادة بنائها ودمجها في بنية فكرية دينامية حيوية، كي تشكل نسيجًا عقليًا متماسكًا على صعيدي الرؤية والمنهج، مثلما كان يفعل ماركس عندما كان ينهل من منابع غير منسجمة دومًا، على سيبل المثال، هيغل ودارون، والاقتصاد الكلاسيكي، حيث كان يشكل من كل هذه المصادر مركبًا جديدًا وحيويًا قابلًا للتطور باستمرار وبهذا يتم التمثل والتجاوز والانطلاق لأفق فكرية وعقلية جديدة دومًا.
تكمن فرادة الفيلسوف إلياس مرقص أيضًا في دراسته النقدية لحقول يقيمها المنطق، الرياضيات، الفيزياء، الاقتصاد، … من خلال ثقافته الموسوعية وسعيه الدائم للبحث عن الحقيقة، مسترشدًا بمنهج اختطه لنفسه في النظرية والممارسة، (وجعل كل واحد من هذه المناطق (جمع منطق) شاهدًا على الآخرين من أجل معرفة أوثق بالمنطق العقلي الكلي الشامل… ففي نظرة المنطق العقلي العام، الديالكتيك هو الماهية الحقيقية لسائر المناطق وإلا فلا عقل ولا منطق) (). من هنا نستنتج أهمية معارضة الوضعانية بالعقلانية وهي أهم ما يميز تصوره للعقلانية والأدق معارضته الوضعانية بالديالكتيك، ومعارضته الليبرالية بالديمقراطية.
لقد كان مرقص فيلسوفًا أصيلًا ومجددًا عبر انتمائه للفلسفة كلها، وللفكر الإنساني برمته، وإلى العمل الإنساني كله، هذا الانتماء الأصيل تجسد أيضًا في انتمائه إلى أمته العربية انتماء فعالًا عبر انخراطه في مشروع تقدمها ووحدتها وتحديثها وتجديد بناها، وكان مدركًا أن الهوية القومية لا تعني (الخصوصية) والانغلاق، ومجرد التمايز والاختلاف. (الهوية ليست خصوصية قومية، أو محلية، أو دينية، أو طبقية، أو حزبية الخ، بل هي رابطة مع الكون، والعالم، مع الإنسان والتاريخ، كتقدم وكمسائل، رابطة محددة دائمًا ومعينة، ومفتوحة على اللانهاية) ().

4- الديالكتيك في فكر إلياس مرقص
يتجلى فكره الديالكتيكي من خلال رؤيته للفكر البشري في وحدته التي تنطوي على التعدد والتعارض، والاختلاف، إضافة إلى قدرته على تحديد عناصر العقلانية في نموها وتطورها الجدليين، ورؤيته للماركسية عبر أصولها ومصادرها والعناصر التي كونتها، تلك لعناصر التي تعود بجذورها إلى أعماق الفكر البشري من هيراقليطس وديمقرطيس وأفلاطون وأرسطو إلى كانت وهيغل وفويرباخ وكل الفلسفة الكلاسيكية الألمانية والاقتصاد السياسي الإنكليزي والاشتراكية الفرنسية، إضافة إلى رؤيته للوحدة العضوية التي تشكل جوهر فلسفة ماركس منتقدًا كل الذين قالوا بالقطيعة بين ماركس الشاب وماركس الناضج، وماركس، وهيغل، مثل التوسير لأن تصنيف أعمال ماركس وفقًا لمراحل تطوره الفكري، هي إشكالية اختلف الدارسون في شأنها، فقد يكون ماركس الشاب هو ماركس (المخطوطات) أو ماركس حتى كتاب الأيديولوجيا الألمانية 1844، أو (البيان الشيوعي 1847) وقد ذهب بعضهم إلى أنه من الأجدى البحث عن جوهر فلسفة ماركس بدلًا من الاهتمام بتسميات مثل (ماركس الشاب) أو (ماركس الناضج)، (من الصحيح أن ماركس كأنغلز، خلال مجرى الحياة قد غير بعضًا من أفكاره ومفاهيمه، … إلا أنه على الرغم من بعض التغيرات المحددة في المفهومات، واللغة، فإن جوهر الفلسفة التي قام بتطويرها ماركس الشاب، لم يتغير أبدًا، كما أنه من المستحيل فهم مفهومه للاشتراكية، ونقده للرأسمالية كما تم تطويره في أعوامه الأخيرة إلا على قاعدة مفهومه للإنسان، الذي قام بتطويره في كتاباته المبكرة)().
عند إلياس مرقص، إن تلك القراءات التي تعارض بين ماركس الناضج وماركس الشاب، إنما تنطوي على مضامين أيديولوجية سياسية، أما عن المخطوطات التي قام بترجمتها والتعليق عليها، فإن أهميتها تكمن في موضوعها بالذات حيث طرح ماركس فيها قضية الاغتراب التي بقيت محط اهتمام لديه حتى في أعماله المتأخرة، وهناك العديد من النصوص لدى ماركس الشاب وماركس الناضج تؤكد فكرة التواصل في فلسفته، وهذا ما عبر عنه إلياس مرقص في دراساته وترجماته لمعظم أعمال ماركس (الشيء الذي ينتجه العمل، نتاجه يقف الآن في مواجهة العمل، ككائن مغرب كقوة مستقلة عن المنتج، إن إنتاج العمل هو العمل الذي تجسد في موضوع وتحول إلى شيء مادي، إن هذا النتاج هو تموضع العمل، إن تنفيذ العمل هو أيضًا، تموضع له، فتنفيذ العمل يظهر في ميدان الاقتصاد السياسي بوصفه إبطالًا للعامل، كتموضع في شكل ضياع وعبودية للموضوع، وكاستيلاء في صورة اغتراب)(). وهذا ما كان واضحًا أيضًا في (رأس المال): (في النظام الرأسمالي، تتم كل ترقية الإنتاج الاجتماعي للعمل، على حساب العامل الفرد، وكل وسائل تطوير الإنتاج تتحول بذاتها إلى وسائل للهيمنة على المنتجين واستغلالهم، إنها تشوه العامل بتحويله إلى جزء من إنسان، وتخفيضه إلى مستوى ملحق بالآلة، وتقوم بتدمير كل بقية من جمال في عمله وذلك بتحويله إلى كدح مكروه) ().
إن قضية الاغتراب التي عالجها ماركس في مخطوطات 1844، الاقتصاد السياسي والفلسفة، ظلت موضع بحث لديه حتى في عمله الأخير (رأس المال)، وإن ماركس الناضج لا يرمي مسألية ماركس الشاب، وإنما يضبطها ويؤسس جوانبها تأسيسًا نهائيًا (مدخل 1857، مقدمة 1859، رأس المال…) إن فكرة المجتمع المدني- البرجوازي butgerlische، (المدني أي البرجوازي) التي تحتل مكانًا مركزيًا في المسألة اليهودية لماركس، ماركس الناضج لا يرميها فكرة، بالعكس إنه يبسط وينمي ويعدل المضامين. لعل الفكرة لم تصل إلى مستوى مفهوم مضبوط، شكلي قطعي، ونهائي (وإذا قلنا مضت في المادية التاريخية وفي رأس المال، يجب أن نفهم معنى (مضت)، يجب أن نتذكر أن المادية التاريخية هي التصور المادي للتاريخ) ().
قرأ إلياس مرقص ماركس من دون افتراض قطيعة إبستمولوجية، من دون فكرة الانقطاع أو القطيعة، بل من خلال تطور فكره وفلسفته، بخلاف التوسير، ومنهجه البنيوي الذي أفضى إلى التضحية بالفرد والتاريخ على حساب البنية، وهذا لا يؤدي إلى الكشف عن الماركسية الحقة. وإن الماركسية عند مرقص، لا تنفصل عن أصولها ومصادرها وعناصر تكوينها، كما مر معنا. على الرغم من أن دراسة أعمال ماركس بوصفها كلًّا، وإشكالية أعماله الباكرة، ولا سيما (مخطوطات 1844، الاقتصاد السياسي والفلسفي، و(الأيديولوجيا الألمانية) والربط بينهما وبين الأعمال المتأخرة، وخاصة (رأس المال)، ظلت مثار جدل عند عدد من دارسي الماركسية، على سبيل المثال ذهب موريس غودلييه إلى أن صدور الجزء الثالث من عمل أوغست كورنو (ماركس أنغلز) يعد فرصة لمعاودة البحث بين الفلسفة والاقتصاد من خلال مخطوطات 1844)()، وقد ذهب أوغست كورنو في عمله (ماركس أنغلز) إلى أن (المخطوطات مع الأيديولوجيا الألمانية تشغل موقعًا أوليًا في كتابات ماركس الشاب)(). بينما نرى أن أرنست فشر في كتابه (هكذا تكلم ماركس حقًا، حيث بحث في موضوع العلاقة بين الفلسفة والاقتصاد، وذهب إلى أن إشكالية الاغتراب إشكالية رئيسة عند ماركس الشاب، وليست فكرة رومانسية كما اعتقد بعضهم، وظلت تشغل فكر ماركس في معظم أعماله ولم تختف إلا في الجزء الثالث من (رأس المال) (). أما جورج لوكاتش فقد رأى أن ماركس الناضج هو ماركس (بؤس الفلسفة) وما تلاه من مؤلفات، وظن أن كتاب (بؤس الفلسفة) هو أول مؤلف مكتمل لماركس الناضج (). وعند بول ريكور، إن ماركس الشاب هو ماركس (نقد فلسفة الحق عند هيغل) و)مخطوطات 1844: الاقتصاد السياسي والفلسفة) و(الأيديولوجيا الألمانية) حيث شُغل ماركس في تحديد ما هو الواقعي، الأمر الذي أثر في ضبط مفهوم الأيديولوجيا ما دامت الأيديولوجيا هي كل ما ليس بواقع()، فالتقابل في فكر ماركس حصل، بحسب ريكور، بين الأيديولوجيا والواقع، وإن كتاب (الأيديولوجيا الألمانية) يمثل ذروة التقدم الذي أحرزه ماركس في هذا الموضوع، حيث أصبح يعرف الواقع في هذا الكتاب عبر الممارسة للفعالية الإنسانية المنتجة، وبذلك فإنه يعرف الأيديولوجيا من خلال معارضتها بالممارسة، والأيديولوجيا الألمانية التي يعارضها ماركس هي أيديولوجيا فيورباخ والهيغليين الشباب كون الفعالية البشرية لدى فيورباخ بقيت أسيرة أو نتاج الوعي أو الفكر، بينما عد ماركس أن المصدر الواقعي للفعالية البشرية هو الممارسة وليس الوعي، (مؤكدًا في الأيديولوجيا الألمانية في سياق نقده للهيغليين الشباب، تأكيدهم اعتبار الوعي مركزًا للفعالية البشرية، والنقطة المركزية للوجود موضحًا أن تشكيل الوعي ينطلق من الفرد المتعين الملموس وليس مجرد الوجود في الذهن فحسب، فاكتشاف ماركس، الذي سيترك الأثر الكبير في (الأيديولوجيا الألمانية)، هو الفكرة المعقدة المتعلقة بالأفراد ضمن أحوالهم المادية، إذ يتم الربط بين الأفراد الواعيين والأحوال المادية ().
من الملاحظ أن لغة الحياة الواقعية هي خطاب الممارسة، بينما الأيديولوجيا في منظور ماركس هي ما ليس واقعًا أي الوعي المزيف، وهي تشويه، أي إنها التقابل بين الأشياء كما تبدو في الأفكار، لا كما هي في الواقع، بينما درس التوسير الأيديولوجيا بوصفها مقابلًا للعلم، مشددًا على دور الماركسية بوصفها علمًا، مقابل اللاعلم، مؤكدًا أن العلم يفسر الواقع على أساس قوى غير متعينة ولا شخصية، وإن دور العوامل البشرية هي بحد ذاتها ضرب من الأيديولوجيا، وإن العلم من المنظور الماركسي يؤكد وجود علاقة سببية بين القاعدة، أو البنية التحتية (القوى غير المتعينة) والبنية الفوقية (الثقافة، الفن، الدين…) هذه البنية الفوقية هي أيديولوجيا، وتتضح القطيعة بين ماركس الشاب وماركس الناضج، لدى التوسير من خلال رفضه مفهوم الاستلاب الذي طوره ماركس في شبابه، بوصفه مفهومًا لا علميًا كما يرى، مؤكدًا أن أهم ثمرات الماركسية هي إمكان المعرفة العلمية، وكان هاجسه قراءة الماركسية بوصفها فلسفة للعلم، لذلك دعا إلى قراءتها من خلال المنطق الإبستمولوجي الذي استلهمه من باشلار، ودعا بشكل حازم إلى الفصل بين الأيديولوجيا والعلم مقترحًا قراءة بنيوية لكتاب (رأس المال)، خالية من أي نزعة أنثربولوجية أيديولوجية للإنسان الاجتماعي – الاقتصادي، مبينًا أن المفهومات التي صاغها ماركس في كتابه يجب ألا تفهم إلا بوصفها علاقات أو عناصر من نسق system تشكل هي بعضًا منه. ومن نتائج قراءة التوسير للماركسية (الرفض القاطع للنزعة الإنسانية عند ماركس، والتشديد على ضرورة إلغائها كما ظهرت عند ماركس (الشاب، لأنها، كما يزعم التوسير، مفهوم أيديولوجي غير علمي، يتضمن تصورًا مثاليًا عن التاريخ، من شأنه أن يطمس المحرك الأساسي لهذا التاريخ، يعني بذلك الصراع الطبقي، وبنياته الموضوعية من جهة ثانية) ().
يبالغ التوسير عندما يظن أن الماركسية يمكن أن تتحول إلى نظرية علمية، عندما تُطهر من المفهومات، الأيديولوجية، عندئذ بإمكان تلك النظرية العملية إرشادنا إلى معرفة القوانين التي تتحكم في حياة البشر، وفي صراعهم الملموس. ويشير أيضًا إلى أن المشكل الإنسانوية في فكر ماركس هي في حدود نص مخطوطات 1844، أما في الأيديولوجيا الألمانية، فإنه يتحدث عن الأفراد الواقعيين والأفراد الفاعلين ضمن أوضاع معينة، بينما نرى من خلال قراءة إلياس مرقص النقدية العقلانية للماركسية، أن جوهر الفلسفة التي طورها ماركس الشاب واحدة لم تتغير أبدًا، إلا تطورًا وعمقًا. وإننا لا نستطيع فهم مفهوم ماركس لتطور المجتمعات ونقده للرأسمالية إلا من خلال مفهومه للإنسان الذي قام بدراسته في الكتابات الباكرة، ومن المجحف القول بوجود مشكلة إنسانوية في فكر ماركس لأن جهده الفكري كله انصب على قضية جوهرية هي قضية الإنسان وشروط تحرره والارتقاء به نحو تحقيق إنسانيته، وإن نظرة ماركس إلى الإنسان بوصفه كائنًا تاريخيًا يحول نفسه بنفسه ويخلق لنفسه حاجات جديدة، إنما تنشأ في مجرى التاريخ تصبح طبيعة ثانية، فالمذهب الإنساني لدى ماركس يتضح بوصفه مذهبًا كفاحيًا عندما يؤكد أن الإنسان كائن تاريخي اجتماعي يفترض أن نحدد بالنسبة إلى كل عصر تاريخي معطى الشروط الموضوعية لتفتحه. (وبمثل هذه الرؤيا يمكن دحض وهم مذهب إنساني محض يزعم أنه يشيد بالإنسان ويتغنى به من دون أن يعمل من أجل خلق الشروط التاريخية والاجتماعية لتفتحه، وهكذا تتضح المقولة المركزية في فكر ماركس حول الإنسان التي تؤكد أن الإنسان إنما يتحول في التاريخ، وتصاغ ماهيته عبر المراحل التاريخية، بمعنى أن ماهيته ليست محددة مسبقًا) (). والإنسان بوصفه كائنًا طبيعيًا، يعيش بادئ ذي بدء وجوده محدودًا ومؤلمًا، لأن موضوعات حاجاته ورغباته تظهر بوصفها موضوعات مستقلة وغريبة، هذه المحدودية وهذا العذاب يلعبان، مع ذلك، دورًا جوهريًا في تطور حياة الإنسان، لأنهما بالنسبة إليه حوافز تحثه على تطوير الطاقات والقوى التي تمكنه من تحويل الطبيعة من أجل تكيفها مع حاجاته. لكن، بخلاف الحيوان، ليس الإنسان كائنًا طبيعيًا فحسب، إنه كائن طبيعي إنساني قادر على استخدام كل ملكاته، في سبيل تحقيق غاياته بوساطة فاعلية واعية. (من هنا تأتي الدلالة المختلفة التي تتخذها الطبيعة بالنسبة إلى الحيوان وبالنسبة إلى الإنسان، والفرق الأساسي في موقفهما وسلوكهما إزاءها، حيث إن الحيوان لا يدرك ما يجعله مختلفًا عن بيئته لأنه محروم من العقل، ولأنه كذلك، فإنه متطابق في الهوية مع فاعليته الغريزية، المتكيفة سلفًا مع وجوده الخاص) (). إنه بهذه الفاعلية مندمج بكيفية مباشرة في الطبيعة التي لا يملك شروط تحويلها والسيطرة عليها، وحتى حين تستطيع الحيوانات بناء مساكنها بطريقة مميزة فإنها غالبًا تبقى ضمن حدود وأشكال ضيقة من التكيف وعدد محدود من الموضوعات، بحسب حاجة النوع الذي تنتمي إليه، تحت سلطان الضرورة، فلا ترقى إلى مستوى قدرة الإنسان الذي يخضع فاعليته لعقله وإرادته، إنه يخلق بتحويله الطبيعة، عالمه الخاص به، ويحول الطبيعة، بفضل المعرفة التي يكتسبها عنها، وبفضل تطور التقنية المؤسس على هذه المعرفة، التي تتيح للإنسان أن يفعل فيها بصورة مجدية.

خاتمة
يمكننا أن نستنتج من خلال هذا البحث أن إلياس مرقص قد شكل تجربة فلسفية، فكرية، وعملية غنية، عبر كل ما أنتج ومن خلال وحدة الممارستين النظرية والعملية، وكان هاجسه، بوصفه فيلسوفًا ماركسيًا، مجددًا وناقدًا هو تغيير العالم، هذا الهاجس الذي يستدعي السعي الدائم لفهم الواقع ونقده، وفهم مختلف المنظومات الفكرية ونقدها. وشكل جهده الفكري إسهامات نظرية مهمة تجاوزت التقليد الفلسفي المعتاد، وكانت ماركسيته تتويجًا لتجربة فكرية عميقة بينت أهمية العقل ودافعت عنه وعن التقدم والحرية، من خلال إعمال مهارة النقد والنقد الدائم لهذه المهارة، ومن خلال هذه المهارة، مهارة النقد، عمل على الشك في الثوابت والنهائيات، لذلك وثق مرقص بالفكر النقدي الذي عليه أن يساجل التيارات الفكرية على محاور متعددة ما يتطلب أساسًا فكريًا متينًا فكانت لديه المعرفة والعقل والجدل، كلها تحيل على الواقع، وعبر عن ذلك بقوله: (ثمة نوع من إجماع على أن العقل قائم في الإنسان ورأسه، وهذا صحيح ومهم شرط أن الإنسان هو الحيوان العاقل، هذا العقل يرتبط بالعمل أو الشغل في الإنسان: الإنسان يد ورأس … غير أن هذا الموقف ناقص من جهة أخرى، فالعقل كلمة يجب أن يحيل مباشرة على الواقع، العالم، على هذا المجموع الذي خارج الرأس، ثمة للعالم عقل معقولية، عقالة، لذلك فثمة للإنسان عقل. من الأفضل أن نقول لأنفسنا ما في رأسنا ليس العقل، بل الذهن، وهذا الذهن يصير عقلًا بقدر ما يقترب من عقل الواقع) () والجدل هو مذهب العقل، قائم على مسلمة أولية وهي أن للعالم عقلًا وللواقع منطقًا ولذلك يوجد تاريخ قد يراه مبدأ مثاليًا لأن كلمة العقل قد تكون مرادفة لمقولة الروح أو الفكر بالمعنى الواسع ومن هنا فإن انحيازه للعقل والعقلانية، يتجنب الذاتوية وطغيان النفسي أو الوجداني، والوضعوية والعلموية لأنها تعارض الجدل أو الصيرورة والتاريخ، أي التكون أو التقدم. وانتقد الفلسفة الوضعية لأنها عنيت بالظواهر وأغفلت تقصي ما وراء الظواهر مؤكدًا أن حقيقة الأشياء لا تدرك إلا بتجاوز عالم التشيؤ، وهو عالم الظواهر، إلى ما ورائه، وانتقد الوضعية لأنها تنتهي إلى ثبات الجوهر القائم بذاته. إن روحه النقدية جعلته متمردًا على كل ما هو سائد، ومنحازًا للفلسفة بمضمونها العقلي، فالفلسفة كما يرى هي (أولًا وقبل كل شيء علم القول، علم الكلام، علم الكلمات بما أنها حدود وكيفيات، إدراك، ومفاهيم فُكرت، مفردات ضبطت، مصطلحات، وأكد دومًا، إما أن نريد الفكر وإما ألا نريده، إذا كنا نريده فأهلًا وسهلًا بالخطأ، وأهلًا وسهلًا بالباطل، ولننفه بالدحض من أساسه، منهجيًا، بالتناصت والتجابه والمتابعة، ومن حق أي إنسان أن يخطئ) () واجب كل منا أن يدحض الخطأ، ويدحض الباطل، باطل الفكر. كان هذا هو مشروعه الحياتي عبر كل ما أنتج، ولأنه فيلسوف ماركسي مختلف، فإن ماركسيته لم تحمل طابع التبعية، حتى لماركس نفسه مؤكدًا دومًا أنه لا بد من التمييز بين الحقيقة وماركس، فالحقيقة كما يرى مرقص، فوق ماركس مثلما هي فوق سقراط، الحقيقة فوق أي إنسان وكل علم وكل حركة أو حزب، أو دولة، أو أمة، الحقيقة فوق كل العلوم وفوق العلوم جميعها، وفوق الجنس البشري دومًا.
وقد شكل الجهد الفكري لمرقص إسهامات نظرية وفلسفية مهمة تجاوزت التقليد الفلسفي المعتاد من خلال فهم التيارات الفلسفية الغربية ونقدها في ضوء أسئلة الحاضر وبمنظومة فلسفية مفهومية رفيعة، فقد لاحظنا في خطابه الفلسفي عمق تكوينه الفلسفي، حيث إنه أعاد النظر في الأفكار الفلسفية التي كان يعالجها في إطار جدل هدفه إعادة النظر في تلك المفهومات والتيارات وتوظيفها في ضوء الخصوصية التاريخية العربية كما إنه تعامل مع تاريخ الفلسفة على أنه تاريخ كوني، ومن الجدير ذكره أن تجربته الغنية قد ساهمت في تعميم المعرفة الفلسفية بعيدًا عن الحوادث السياسية الآنية المتغيرة، ومن خلال إعطاء الأولية للعقلانية النقدية بوصفها الخيار المثل لتطور الفكر العربي.

هيثم توفيق العطواني

كاتب سوري، إجازة في الفلسفة (1991) كلية الآداب-جامعة دمشق، ماجستير في الفلسفة الحديثة (الحرية والتقدم عند ماركس) 2016، طالب دكتوراه في الفلسفة الحديثة والمعاصرة (المقاربة البنيوية لفلسفة ماركس عند آلتوسير)، حائز على جائزة المزرعة للإبداع الثقافي عام 1998، مدرس لمادة الفلسفة، وعضو مشارك في لجان التأليف في وزارة التربية لتغيير المناهج للمرحلة الثانوية في مادة الفلسفة، محاضر في جامعة دمشق-كلية التربية (إشراف علمي)، عضو هيئة فنية في جامعة الرشيد الخاصة. من أبحاثه المنشورة: إشكالية النقد التاريخي عند ابن خلدون (بحث محكم في مجلة جامعة تشرين، 2015)؛ الماركسية في منظور إلياس مرقص النقدي (بحث محكم في مجلة جامعة دمشق، 2017)؛ الشك الفلسفي بين المذهب والمنهج (بحث محكم في مجلة جامعة تشرين، 2018)؛ تطور مفهوم الصيرورة من هيراقليطس إلى ماركس (بحث محكم في مجلة بيت الحكمة – العراق، 2018)؛ كتاب بعنوان (كارل ماركس – قراءة معاصرة في اشكالية العلاقة بين الحرية والتقدم)، الهيئة السورية للكتاب، 2020.