السلطة الروحية للتصوّف في مواجهة العنف والتطرّف

The spiritual authority of sufism against violence and extremism

من الشائع النظر إلى التصوف في أصله وجوهره بوصفه تجربة ذاتيّة، فهو انكفاءٌ على الذّات واستبطانٌ للنّفس وهروبٌ من الواقع وفرارٌ من النّاس. إن كان كذلك، فمن المفارقة إذًا أن يكون له دورٌ في مواجهة مظاهر العنف وأدواء التطرّف، كونه ليس إلا انغماسًا في شؤون الذات واستجابةً لأشواق الروح؛ فهمّ المتصوّف مُنْجَمِعٌ في ذاته وهمّته متّجهةٌ إلى خالقه، فكيف يمكن تصوّر أن تكون له سلطة على الأرواح تنافس سلطة الحكّام على الأبدان؟ وهل يكون منه التفاتٌ إلى المجتمع لتخفيف همومه وعلاج أمراضه، ومقاومة مظاهر العنف الذي استشرت فيه، وأخطرها الإرهاب، هذا الداء العَيَاء الذي عمّ وطمّ واتّسع نطاقه حتى صار عالميًا لم يسلم الناس من ويْلاته شرقًا وغربًا؟ وهل يمكن أن يكون للتصوف اليوم -بما له من أبعاد إنسانيةٍ وجوانب أخلاقيةٍ وسلطةٍ روحيةٍ- أثرٌ في مقاومة مدّ العنف والغلوّ والتعصّب والتطرّف الذي اجتاح العالم عامّةً والعالم الإسلامي خاصةً؟
سيكون هذا البحث في مجمله محاولةً للاستدلال على وجاهة هذا الإمكان والإقناع بهذا الدور المنشود، ومحاولةً للإبانة عن وجوهٍ من السلطة الروحية للتصوف تؤهّله لمقاومة العنف والتطرّف، على سبيل التمثيل والتقريب، عبْر مسارٍ متدرّجٍ من العام إلى الخاص ثم الأخص، وذلك ببيان قيمة التصوف وعظيم منزلته، وأنّه ليس كما يظنّ كثيرٌ من الناس عزوفًا عن الدنيا وفرارًا من أهلها واعتزالًا لشؤونها، وعنوان جهلٍ وتخلّفٍ وخرافةٍ ودَرْوشة. ثم نستعرض على سبيل الإجمال أظهر الوجوه التي نراها من أخص خصائص التصوّف ومن أجلى ملامح قدرته على مقاومة نزعات الغلوّ والتعصّب والعنف والتطرف، وهي بعده الإنساني وعماده الأخلاقي وعمقه الروحاني.
أولًا: في منزلة التصوف
التصوف بحرٌ واسعٌ لا ساحل له، غزير التراث، عميق التجارب، ثريّ المدارس، متنوّع الروافد، متراكم المعارف، مشعّب الموارد والمصادر، كثير الأعلام، مختلف الأطوار، غنيّ الأنظار، طريف الأفكار، لطيف الأسرار، بعيد الغَوْرِ، متّسع المدى. وحسب القارئ أن ينظر في تراث ابن عربي (تـ 638ه/ 1240م) الملقّب بـ”الشيخ الأكبر” ليتبيّن أن كلامنا أبعد ما يكون عن المبالغة.
ويمكن أن نقسّم التصوف –على اتساعه وغناه- منهجيًا وإجرائيًا إلى ضربين: أحدهما التصوّف النظري وهو التراث الصوفي الـمُخصّص لوصف التجربة الصوفية: مقدّماتها ومكوّناتها ومراحلها وتطوّراتها ونتائجها وثمراتها. وهو تراثٌ غزيرٌ، تعدّدت نصوصه، وتراكمت على مدى القرون، يتعيّن الاعتناء بها تحقيقًا وفحصًا وتدقيقًا ونقدًا.
والثاني: التصوّف العملي وهو الذي عُنِي برصد سلوك المتصوّفة، ورواية أخبارهم وتسجيل مناقبهم وتدوين كراماتهم، ويندرج في هذا التراث نصوص التراجم والطبقات والمناقب الصوفية، وقد صارت اليوم حقلًا مهمًا من حقول البحث انتبه إلى أهميتها المؤرّخون، لِما وجدوه فيها من معطياتٍ مهمّةٍ تفيد في مجال التاريخ الاجتماعي وتاريخ الذهنيات.
والظاهرة الصوفية في غاية الأهمية، لما نلاحظه اليوم من انتعاش التصوّف، وتعاظم الإقبال عليه وانتشاره في أقطار الأرض، وامتداد الاهتمام به إلى غير مريديه من المسلمين وغير المسلمين، على الرغم مما يشهده العالم من ثورةٍ معلوماتيةٍ وتكنولوجيةٍ وطغيانٍ للقيم المادية والنفعية. يشهد لذلك الكمّ الهائل من الدراسات بشتّى اللغات وقد اتّخذت من التصوّف موضوعًا أثيرًا لديها، وهو ما يُؤْذِن بتعاظم الاهتمام بهذا الميدان.
ونحسب أنّ هذا الإقبال المتزايد على التصوّف ورموزه لا يُعزى إلى ما له من سحرٍ يأخذ الألباب، وجمالٍ يستهوي النفوس، ويغري بالبحث عن درّه المكنون فحسب، بل إلى استجابة التصوّف لحاجةٍ في قرارة النفس الإنسانية تجد إشباعها في روحانيته العميقة التي أضفت عليه صبغةً كونيةً، لذلك لم يكن عجبًا إقبال كثيرٍ من الناس على التصوّف يتدبّرون قيمه الروحية، ويبحثون فيه عن رؤيةٍ للكون والحياة والإنسان مغايرةٍ للسائد، قوامها الرجوع إلى الأغوار البعيدة للنفس البشرية والمنابع العميقة للوجدان الذي يجتذبه الحبّ الإلهي، فمدار التجربة الصوفية على اليقين بإمكان قيام علاقةٍ شخصيةٍ مع الله ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وأنّ تلك العلاقة تسمو على ما سواها من علائق الدنيا ومُتَعِها.
وربما وجد المستشرقون خصوصًا والغربيون عمومًا في التصوّف بسموّه وتعاليه وقيمه الأخلاقية والروحية علاجًا لأدواء الحياة المعاصرة، لما انطوى عليه من روحانيةٍ عاليةٍ وأبعادٍ إنسانيةٍ ساميةٍ، وقيمٍ أخلاقيةٍ راقيةٍ تؤمن بالاختلاف والتعدّد، وتؤصّله عقيدةً وسلوكًا، وتدعو إلى نشر المحبّة بين الناس على اختلاف أديانهم وأوطانهم وألوانهم، فيمّموا وجوههم شطْر التراث الصوفي ينشرون مؤلّفاته ويتدبّرون نصوصه ويدرسون آثاره بكلّ شغفٍ.
وهذا من الدواعي الموضوعية التي تحملنا على الاهتمام بهذا الميدان، وتوقظ فينا الشعور بالمسؤولية الفكرية والعلمية، فإذا كان هؤلاء قد اهتمّوا بتراثنا الصوفي هذا الاهتمام المتعاظم، فأحرى بنا أن نشتغل به قبل غيرنا، كيف لا وهو من مقوّمات هويّتنا الحضارية، ضاربٌ بجذوره في أعماق تاريخنا، موصولٌ بمشاغل عصرنا.
ثانيًا: البعد الإنسانيّ في التصوف
لا يخفى على المتأمّل في التجربة الصوفية، والناظر في أصولها ومقوّماتها وفي طبيعتها وخصائصها نظر تحقيقٍ وتدبّرٍ، أنّها أبعد ما تكون عن التعصب والغلوّ، وأنها بمنأىً عن أيّ ميْسمٍ من مَياسم العنف والتطرّف، كيف لا وقد تجاوزت في جانبها الإنساني فكرة القبول بالآخر والتعايش معه والتسامح مع اختلافه في الملّة، إلى محبّته ورحمته والإحسان إليه، ونفي أيّ شعورٍ بالتفوّق عليه. فالصوفية المحبة روح الكون وقد اعتبر جلال الدين الرومي (تـ 673ه/ 1273م) الطريق الصوفيّ كلّه مُضْمَرًا في المحبّة، ودعا إلى أن يكون المرْء ثَـمِـلًا بالعـشـق لأنّ الوجـود كلَّـُه عِـشْـقٌ، فكان الحبّ جوهر فلسفته ودعامة مذهبه ومعراجه إلى الله.
ويمكن أن نتّخذ من ابن عربي مثالًا على ما بلغه البعد الإنساني في التصوف من سموٍّ، ففضلًا عن منزلة الإنسان في ميتافيزيقا ابن عربي بوصفه كَوْنًا جامعًا صغيرًا يحوي الكون الجامع الأكبر، وبرْزخًا بين الله والعالم، فإنّ فكر ابن عربي لا يخلو من إشاراتٍ مهمّةٍ إلى القيمة الإنسانية عمومًا وكرامة الإنسان عند الله، وفيه دعوة حارّة إلى الإبقاء على النوع الإنساني وصوْنه، وتحذيرًا قويًّا من هدْم النشأة الإنسانية، لأنّ في هدمها قضاءٌ على أكمل صورةٍ لله في الوجود، فهو يقول: “واعلم أنّ الشفقة على عباد الله أحق بالرعاية من الغيرة في الله”، وهل شعور الشفقة على الناس إلا امتدادٌ لشعور التسامح وثمرةٌ من ثمراته، فلولا التسامح مع الناس لما كانت رأفةٌ بهم ولا شفقةٌ عليهم، بل إنّ “الشيخ الأكبر” يقدم “الشفقة على عباد الله” على الشؤون الروحية الصرف فتلك الشفقة على الناس مقدَّمةٌ على “الغيرة في الله”، وهي شعورٌ قلبيٌ بين العارف وربه. ولا تفوتنا الإشارة إلى أنّ عبارة “عباد الله” تشمل الناس جميعًا، بغضّ النظر عن الدين والعقيدة، ولا تجعل المسلمين أوْلى بالشفقة من غيرهم، بل هم وغيرهم من مخالفيهم في الديانة سواءٌ في استحقاق الرعاية والعناية والرحمة والشفقة. فـ”ما دام الإنسان حيًّا يُرْجَى له تحصيل صفة الكمال الذي خُلق له، ومن سعى في هدْمه فقد سعى في منْع وصوله لما خُلِق له”.
وفي ميتافيزيقا ابن عربي من الاحترام والإجلال ما يتجاوز الإنسان إلى موجودات العالم كلّه، حيث يدعو إلى احترامها وتقديرها، ويحذّر من الاستهانة بها وتحقيرها، لأنّها في اعتقاده ذات أصلٍ إلهيٍ، وفي ذلك قوله: “وأمّا عند أهل الكشف والوجود، فكلّ جزءٍ في العالم، بل كلّ شيءٍ في العالم أوجده الله لا بدّ أن يكون مستندًا في وجوده إلى حقيقةٍ إلهيّةٍ، فمن حقَره أو استهان به فإنّما حقَر خالقَه واستهان به”.
إنّ تدبّر ابن عربي منزلة الإنسان في الوجود قد حمَله إلى ارتياد آفاقٍ في النظر لم يُسبق إليها، ودخول مناطق في التفكير لم يقتحمها أحدٌ قبله، ودفعه إلى إعلان مواقف جريئةٍ بالقياس إلى الأفق الفكري في عصره. كيف لا وقد تفتّق فكره عن إقامة الدليل في تناسقٍ تامٍ مع نظريته الميتافيزقية على المساواة بين الرجل والمرأة، حيث يقول: “ولسنا نريد الإنسان بما هو إنسانٌ حيوانٌ فقط، بل بما هو إنسانٌ وخليفةٌ. وبالإنسانية والخلافة صحّت له الصورة على الكمال. وما كلّ إنسانٍ خليفة، فإنّ الإنسان الحيوان ليس بخليفةٍ عندنا. وليس المخصوص بها أيضًا الذّكورية فقط، فكلامنا إذًا في صورة الإنسان الكامل من الرجال والنساء. فإنّ الإنسانية تجمع الذكر والأنثى”. والذكوريّة والأنوثيّة إنّما هما عَرَضان ليْسَا من حقائق الإنسانية لـِمُشاركة الحيوان في ذلك. وقد شهد رسول الله صلى الله عليه سلم بالكمال للنساء كما شهد به للرجال”. وتبَعًا لذلك أفتى ابن عربي بجواز إمامة المرأة وخصّص لذلك فصلًا في الفتوحات المكية سماه:”فصْلٌ بل وصْلٌ في إمامة المرأة”، قال فيه: “فمن النّاس من أجاز إمامة المرأة على الإطلاق بالرجال والنساء وبه أقول”. إنّ هذه المنزلة الرفيعة الفريدة التي تتبوّؤها المرأة في فكر الشيخ الأكبر خصوصًا، وفي فكر المتصوّفة عمومًا، لتدعو إلى الإعجاب وتغري بالدراسة.
ومن أفكاره التي نراها صالحةً لحوار الحضارات وتعايش العقائد وتسامح الأديان ما شاع على ألسنة الدارسين من قوله بـ “وحدة الأديان”، والعبارة الأدق -في تقديرنا- هي “وحدة المعبود”، وقد أفصح عنها بصريح اللفظ في قوله: “ورأيت فيها أن الله هو المعبود في كلّ معبودٍ من خلف حجاب الصورة” وقوله: “المعبود بكلّ لسانٍ وفي كل حالٍ وزمانٍ إنّما هو الواحد”. ودعْمه هذه المقولة بمفهوم “الإله المخلوق في الاعتقادات”، فكلّ عبْدٍ يعرف الله في صورة معتقده الخاص، وينكره في صورة معتقدات الآخرين، وهذا -في رأيه- عيْنُ الحِجاب، لأنّ الذوق والكشف يؤيّدان أنّ الحقّ هو الظاهر في صور المعتقدات جميعًا.
وذاك ما تفضي إليه عقيدته في وحدة الوجود، فمن مقتضياتها تنوّع التجلّي الإلهي في صُوَر الوجود وفي صُوَر الاعتقادات أيضًا. والكامل في نظر ابن عربي هو الذي يرى الله في المعتقدات كلّها، لأنّها جميعًا تستند إلى حقيقةٍ إلهيةٍ من تجلّي الله في الصور المختلفة وجوديةً أكانت أم معرفيةً اعتقاديةً. ولذلك يتوجّه إلى قارئه ناصحا بقوله: فاجْعَلْ بالك لما ذكرناه واعْمَل عليه تعْطِ الألوهية حقّها، وتكون ممّن أنْصَف ربّه في العلم به، فإنّ الله يتعالى أنْ يدخل تحت التقييد، أو تضبطه صورة دون غيرها. ومن هنا تعرف عموم السعادة لجميع خلق الله واتّساع الرّحمة التي وَسِعت كل شيءٍ”. وما من شك في أن مثل هذه الأفكار التي تخرج من ضيق التصورات الدينية التي تفرّق بين الناس بحسب الانتماء إلى الملّة والمذهب من شأنها أن تُسْهم في تحقيق التعايش السلمي بين الناس، وتشجّع على التعارف والتحاور وتبعدهم عن كلّ منازع التعصب الديني المفضي إلى التباغض والتدابر. وتبَعًا لهذا التصوّر يتأصّل التسامح مع الناس جميعًا مهما اختلفت مِلَلُهم وتنوّعت نِحَلهم وتباينت اعتقاداتهم. وكيف لا يكون الأمر كذلك والسعادة هي مصير الجميع ومآلهم.
إنّ هذا التصور لرحمة الله الشاملة في النهاية يقوم على نزعةٍ تفاؤليةٍ عامةٍ لا ترى في الوجود شرًا ولا جهلًا ولا نقصًا، إذ الوجود وإن تكثّرت مظاهره، فإنّه يرتدّ إلى مبدأ واحدٍ هو الله، وهو الخير المطلق والكمال المطلق والجمال المطلق. ومن هذا التصوّر الوجودي يتّسع قلب العارف ليَسَع المعتقدات كلّها لأنّه يدين بدين الحبّ، ولا عجب أن يكون ذلك كذلك، لأنّ الوجود عنده حبٌّ. يقول: [من الطويل]
لَقَدْ صَارَ قَلْبِي قَابِلًا كُلَّ صُورَةٍ فَمَرْعًى لِغِزْلاَنٍ وَدَيْرٌ لِرُهْبَـانِ
وَبَيْتٌ لأَوْثَانٍ وَكَعْبَــــــــــــةُ طَائِــفٍ وَأَلْوَاحُ تَوْرَاةٍ وَمُصْحَفُ قُرْآنِ
أَدِينُ بِدِينِ الْحُبِّ أَنَّى تَوَجَّهْـتْ ركَائِبُهُ فَالْحُبُّ دِينِي وَإِيمَانِي

والحبّ الذي يتغنى به ابن عربي في هذه الأبيات يتجاوز -فيما نرى- المفهوم الضيّق للاعتراف بالآخر المخالف والتسامح مع اختلافه في الديانة، بما يعنيه التسامح من مِنّةٍ وتكرُّمٍ على الطّرف المعتَرَف به المتسامَح معه إلى شعورٍ أجلّ وأسمى وإحساسٍ أعمق وأصفى، فالحبّ شعورٌ إنسانيٌ نبيلٌ لا يتضمّن أي معنىً للتفضّل والتفوّق وإنّما ينطوي على شعورٍ فياضٍ بالاحترام الكامل والتقدير الوافر والإجلال الفائق. 

والحقّ أن هذه الفكرة عريقةٌ في التصوف، فقد ورثها ابن عربي عن الحلاّج (قتل309ه/ 922م) عندما صدع برأيٍ في الأديان خارجٍ عن مألوف الفكر الديني التقليدي، كامتدادٍ لموقفه الدّاعي إلى الاعتبار بوحدة أصلها ومصدرها، فالمقصود منها واحدٌ رغم تغايرها واختلافها، يقول: “الأديان كلّها لله عزّ وجلّ شغَل بكلّ دينٍ طائفة لا اختيارًا منهم، بل اختيارًا عليهم، فمن لام أحدًا ببُطلان ما هو عليه، فقد حكم أنّه اختار ذلك لنفسه، وهذا مذهب القدَريّة، والقدريّة مَجوس هذه الأمّة، واعلم أنّ اليهوديّة والنصرانيّة والإسلام وغير ذلك من الأديان، هي ألْقابٌ مختلفةٌ وأسامٍ متغايرةٌ، والمقصود منها لا يتغيّر ولا يختلف، ثمّ قال: ]من الطويل[
تفكّرت في الأديانِ جدًّا مُحقّقا فألفيتها أصلًا لـــــــــــــه شُعَبٌ جمّا
فلا تَطْلُبَنْ للمَرْء دينًـــــــــــــــــــــا فإنَّهُ يَصُدُّه عن الوَصْـــــلِ الوثيقِ وإنّما
يُطالِبُـــــــــه أَصْــــــــــــــلٌ يُعبِّرُ عِنْـــــــــدهُ جَميعُ المعالِي والمعــــاني فيفْهما
ولقد تولّدت عن فكرة وحدة المعبود رغم تعدُّد المعبودات، نتيجةٌ أخرى لا تقلّ عن الأولى خروجًا عن مألوف الفكر الديني التقليدي، وهي الرحمة الإلهية الشاملة، بوصفها المصير النهائي للناس جميعًا. فمآلهم -بصريح لفظه- إلى السعادة، مهما كانت عقائدهم، ومصيرهم إلى النعيم في الدار الآخرة مهما كانت أفعالهم.
وما من شكٍ في أن مثل هذه الأفكار التي تخرج من ضيق التصورات الدينية التي تفرق بين الناس بحسب الانتماء إلى الملّة والمذهب من شأنها أن تُسْهم في تحقيق التعايش السلمي بين الناس وتشجّع على التعارف والتحاور بينهم مهما اختلفت أديانهم ومذاهبهم، وتصرفهم عن كلّ منازع التطرف الديني المفضي إلى التباغض والاحتراب.
ثالثًا: العِماد الأخلاقي للتصوّف
إنّ في التصوف ما يمكن أن يساعد على تقديم العلاج الشافي لأدواء العصر–نعني التصوف في جوهره النقي الصافي- والرأي عندنا أنّ أزمة عصرنا الحاضر أزمةٌ أخلاقيةٌ في صميمها. فإذا علمنا أن التصوف أخلاقٌ أو لا يكون، أدركنا عظيم دور التصوف في إصلاح واقعنا المأزوم، وإذا كانت رسالة النبي الأكرم إتمام مكارم الأخلاق، فإنّ التصوف بهذا الوصف “قلب الإسلام”. كيف لا والأخلاق هي دعامة التصوّف ومناط اهتمام المتصوفة، بل لقد لخّصوا الطريق الصوفي في “التخلية والتحلية”. فالتصوف استقامةٌ في السّلوك قبل كلّ شيءٍ، ولا تحصل تلك الاستقامة إلاّ بالتخلّي عن مرذول الصفات وقبيح الأفعال والتحلّي بحَميدها، ولا يبلغ الصوفي الكمال في السلوك إلاّ إذا حسُنت أخلاقه وتسامَتْ نفسه وتميّز بالصلاح والفضل والتّقى والورع. ومقياس التفاضل الأخلاقي قولًا وفعلًا هو المثل الأعلى النبوي. قال الجنيد شيخ الطائفة الصوفية (تـ 298ه/ 910م): “الطرق كلّها مسدودةٌ على الخلق إلاّ من اقتفى أثر الرّسول وتبع ولزم طريقته، فإنّ طرق الخيرات كلّها مفتوحةٌ عليه”.
فالأخلاق هي جوهر التصوّف عندهم علمًا وعملًا، يلخص ذلك قول ابن قيم الجوزية (تـ 751ه/ 1350م): “واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم: أنّ التصوّف هو الخلُق”. وقد عدّ الصوفية النفس منبت الشرور ومنبع الأخلاق الدنيئة والأفعال الذميمة، أي المعاصي وسيّئ العادات ومرذول الصّفات مثل الكِبْر والحسد والبخل والغضب والحقد والطمع وأمثالها، وأوجبوا ترويضها بالتوبة لترك المعصية، وبالمجاهدة لإزالة الأوصاف الرديئة. فقالوا: “التصوّف خلُق فمن زاد عليك في الخلُق فقد زاد عليك في الصفاء” وقالوا: “التصوف هو الدخول في كلّ خلُقٍ سنيٍّ والخروج من كل خلُقٍ دنيٍّ”.
ومّا يدلّ على أنّ الأخلاق هي قُطب التصوف هو أنّ سبيل الوصول إلى الله عند القوم- كما يقول الغزالي (تـ 505ه/1111م): “هو العلم بكيفيّة تطهير القلب من الخبائث والمكدّرات بالكفّ عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء صلوات الله عليهم في جميع أحوالهم. فبقدْر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطْر الحقّ تتلألأ فيه حقائق الوجود”، وهذه هي المجاهدة، وهي أخلاقيّةٌ في جوهرها.
لذلك وجدنا أعلام الصوفية قد أشبعوا الجانب الأخلاقي بحثًا ودرسًا وتأليفًا وأفردوا له أبوابًا وفصولًا وكتبًا، وانصبّ اهتمام مؤلّفيهم منذ بدايات التصوّف على التأليف في عيوب النفس وأهوائها كالكِبْر والعُجْب والرّياء والتصنّع والطمَع والحرص وغيرها، وفي محامد أخلاقها كالإخلاص والتواضع والجود والإيثار وما إليها، وصار ذلك سمةً مميّزةً للتصوف. وبذلك تراكمت في تراثنا الصوفي ثروةٌ أخلاقيةٌ عظيمةٌ توغلت في بواطن النفس الإنسانية وعالجت عيوبها الأخلاقية وأمراضها النفسية فيما كان يصطلح عليه شيوخ التصوف بـ “أعمال القلوب” و”أعمال الجوارح”.
فلا نُبْعِد إن زعمنا أنّ المتصوّفة أسّسوا “فقه الباطن” مثلما أسّس الفقهاء “فقه الظاهر”. فكان فقه المتصوفة منشغلًا بأخلاق النفس ووسائل تربيتها، وهو بذلك يجري موازيًا لأحكام فقه الجوارح مكمّلًا لها. ونجد هذا المظهر الأخلاقي شديد البروز في كتب الطبقات والمناقب الصوفيّة، فما أكثر ما فيها من إشاراتٍ تحضّ على التحلّي بمكارم الأخلاق، سواء في الأقوال المنسوبة إلى الصوفيّة أو في أفعالهم وممارساتهم في حياتهم اليوميّة. وهذا التمسّك بمحامد الأخلاق يوضح مدى تشبّث المتصوفة بالمثل الأعلى الأخلاقي في تعاملهم مع الخاصّة والعامّة. ذاك ما يجعلنا لا نملك غير الإقرار من دون مبالغةٍ بأنّ الصوفيّة قد ساهموا مساهمةً عظيمةً في بناء المثل الإسلامي الأعلى.
ما من شكٍ في أن فيما ذكرنا آنفًا من قيم التصوف وأخلاقه ما يقي من مخاطر التعصب ونوازع الغلو والتطرف، وما يصحب ذلك من آفات العنف والإرهاب وما يخلفه من فسادٍ في الأرض عريضٍ. وإذا كان الناس ينأون عن التصوّف متأثرين بما شاع عندهم من أنّه انكفاءٌ على الذّات وهروبٌ من الواقع وفرارٌ من النّاس واستبطانٌ للنّفس، أو أنّه عنوان جهلٍ وتخلفٍ ودَرْوَشةٍ، فإنّ تصحيح هذا التصور من شأنه – في تقديرنا- أن يصْرف الذين سلكوا في الدين مسلك التشدد والعنف عن غلوائهم وينبّههم إلى ما فيه من ثروةٍ أخلاقيةٍ وقيميّةٍ من شأنها إذا آمنوا بها وعملوا بمقتضاها أن تصلح من شأنهم وتحسن أحوالهم وترقى به إلى الأسمى والأقوم. ويمكن أن نمثل لذلك بنماذج من سلوك الصوفية بعد أن تمثلنا ببعض أفكارهم وعقائدهم.
لقد بدأ ظهور هذه النماذج منذ الحركة الزهديّة التي كانت بمنزلة صيحة نقدٍ للفئة الحاكمة التي تنامى فسادها وإفسادها، وهي وإن كانت حركةٌ ترتدّ إلى الذات تبتغي إصلاحها وتقويمها، فقد قامت بطريقٍ غير مباشرٍ بإصلاح الواقع المتردّي والعودة بالمجتمع إلى قيَمه النبيلة ومُثُله العليا. فعبّرت عن ضربٍ من الشعور بالمسؤوليّة عن المجتمع ولكنّها مسؤوليّةٌ سلبيّةٌ غير فاعلةٍ، ستتطوّر إلى مسؤوليّةٍ إيجابيّةٍ في الأطوار اللاحقة عندما بدأ الصوفيّة يخرجون من عُزلتهم ويحاولون التأثير في مجتمعهم بالسلوك الرشيد والقدوة الحسنة والكلمة الطيّبة والوعظ المؤثّر، وبدأ يظهر فيهم المشاهير وتُرْوَى عنهم الأخبار التي ترسم لهم سِيَرًا أنموذجيّةً تُنتقى أخبارها بعنايةٍ لتكون موافقةً للصورة الأنموذجيّة التي استقرّت معالمها في الـمُتَخَيَّل الجمْعي. ومع التقدّم في الزمان امتلأت كتب الطّبقات والمناقب بالأخبار التي تمجّدهم، وربّما عبّرت عن تمثّل المتأخّرين لِسِيَرِ الأوّلين أكثر من تعبيرها عن حقيقة سيرتهم في واقع الحال.
فكان سلوكهم الاجتماعي نزّاعًا إلى المثاليّة، غير مألوفٍ صدوره عن المسلمين العاديّين، يستبطن إلى حدٍّ بعيدٍ شعورًا بالمسؤوليّة لا عن المسلمين فحسب، بل عن الخلق أجمعين، يستلهم الأنموذج المثالي للكمال البشري مجسّدًا في شخصيّة الرسول الأكرم، وكثيرًا ما يتمّ التماهي معه.
ومن الأقوال المؤكّدة لمكانة النموذج المحمّدي عندهم ما جاء منسوبًا إلى الجنيد من قوله: “الطرق كلّها مسدودةٌ على الخلق إلاّ من اقتفى أثر الرسول وتبعه ولزم طريقته، فإنّ طرق الخيرات كلّها مفتوحةٌ عليه”. ولذلك تجلّت لنا شخصيّة الصوفي في كتب الطبقات شديدة الحرص على مراقبة سلوكها مراقبةً صارمةً، لا خوفًا من انفلاته من الضوابط الشرعيّة فحسب، وإنّما من أجل أن يكون على الدوام المثال الحريّ بالاقتداء، المجسّم للقيم الأخلاقيّة الإسلاميّة العليا، الناظر دومًا للقدوة النبويّة الحسنة، المحاول التماهي معها.
ومن ثمّ ألْفَيْنا كتب الطبقات تنهض بصُنع النّماذج السلوكيّة الحسنة وإشهارها وإظهارها بمظهر القدوة الأخلاقيّة والقيميّة والسلوكيّة المشدودة إلى الـمُثُل العليا من جهةٍ، المجسّمة في أرض الواقع من جهةٍ أخرى. فنهض كتّاب الطبقات بوظيفة تحرير الفضائل المميّزة لهؤلاء الأعلام وتدوين شمائلهم وتقييد محاسن أخبارهم تشكيلًا للنموذج الأسمى. فما كان للأنموذج القيمي والسلوكي الأمثل أن يتمحّض للوجود إلاّ من خلالهم بوصفهم أهل الصلاح والخير ومحلّ القدوة الحسنة. وفي ذلك تعبيرٌ عن شعورهم بالمسؤوليّة الأخلاقية عن إصلاح مجتمعهم والرقيّ به، وذلك بعَطْف القلوب على القِيَم، وتجسيم نماذج الكمال في الرّجال.
ولذلك ألفينا النماذج الصوفيّة التي رسمتها لنا تلك الكتب غير منعزلةٍ عن مجتمعها، إذ يكاد يكون تدخّلها في سائر ميادين الحياة الاجتماعيّة شاملًا، ولها فيه تأثيرٌ ينزع دومًا إلى تجسيم ذلك المثل الأعلى الإسلامي، ففي علاقة المتصوّف بإخوانه من المتصوّفة يتميّز سلوكه بحسن المعاشرة وترك الخصومة وملازمة الإيثار والمعاونة في أمر الدنيا والدين. وما الإيثار إلاّ مظهرٌ مجسّمٌ لتناهي الشعور بالمسؤوليّة الغيريّة إذ هو تفضيل الآخر على الذات لا لمصلحةٍ مرغوبةٍ، وإنّما طلبًا للأجر والمثوبة.
وفي علاقة المتصوّف بالناس يبدو رحيمًا بهم، ليّن العريكة في التعامل معهم، مُشفقًا عليهم، متسامحًا معهم، متحلّيًا بخصلة نكران الذات، وما أكثر الأخبار التي تروى عن مساعدة الصوفي للفقراء، ونصرته للضعفاء، فالصوفي يسعى إلى نفع الناس، وفناؤه في الله يوازيه فناؤه في الخلق.
ومن التقسيمات المستوعبة لعلاقات الصوفي ما ذكره ذو النون المصري (تـ 245ه/ 859م)، من أن الصوفي عوْنٌ للغريب، أبٌ لليتيم، بَعْلٌ للأرملة، حَفِيٌّ بأهل المسكنة، مَرْجُوٌّ لكلّ كربةٍ، وهو في معاملته اليوميّة مع الناس هشّاشٌ بشّاشٌ. فكونه بعلًا للأرملة يعني أنّه يغنيها عن فقدان زوجها بمساعدتها حتى لا تحتاج إلى معيلٍ، أمّا الهشاشة والبشاشة فهما عنوان شخصيّته السمحة الخالية من الكبر والعُجب والتعالي، وهي صفاتٌ ذميمةٌ معهودةٌ عند ذوي الجاه والسلطان والمال في تعاملهم مع العامّة. ومن القيم الأخلاقيّة المطلوبة في الصوفيّ أن يتلطّف بالنّاس ولا يبغي عليهم، روى أبو القاسم القشيري عن الجنيد قوله: “لا يكون العارف عارفًا حتى يكون كالأرض يطؤه البَرّ والفاجر، وكالسحاب يظلّ كلّ شيءٍ، وكالمطر يسقي ما ينبت وما لا ينبت” بمعنى أنّه يتعامل بلطافةٍ وسماحةٍ فائقتين مع الصالح وغير الصالح من عامّة الناس، إنّه يعمّ بخدمته الجميع بغضّ النظر عن أديانهم ومعتقداتهم، ويشمل بمعروفه من يستحقّه ومن لا يستحقّه.
يعالج الصوفي أيّ خللٍ يراه في الناس من دون تشهيرٍ بهم أو تشنيعٍ عليهم أو فضحٍ لعيوبهم، بل إنّه يروم إصلاحهم بإسبال الستر على نقائصهم وإخفائها عن الناس، وفي هذا المعنى يُروى عن أحد الصوفية أنه قال: “إذا رأيت سكران فَتَمَايَلْ لئلاّ تبغيَ عليه، فَتُبتَلَى بمثل ذلك”، ومقتضى هذا التوجيه أن تُظهِرَ من نفسك العيب الذي تراه في غيرك، حتى لا تعتقد أنّك أفضل منه، وحتى تكون له عونًا على مواجهة تعيير الناس له أو سخريّتهم منه، والمتصوّفة يصدرون عن حساسيّةٍ حرجةٍ تجاه هذه الأمور، لحرصهم على عدم إلحاق الأذى بالناس بسبب ما قد يَبْدُرُ منهم من أخطاء أو هفوات”.
وكانت صِلتهم في الحياة اليوميّة مع الفقراء على غاية من الوثاقة، فكانوا يختلطون بهم للاطّلاع على أحوالهم وتقديم العون لهم، فقد رُوِي عن سفيان الثوري أنّ الفقراء كانوا في مجلسه كالسلاطين، وإذا بلغهم عن أحد الأغنياء أنّه متعبّدٌ سخروا منه، ذلك أنّ عبادة الغنيّ عندهم توزيع ما زاد عن حاجته من الأموال على الناس، أمّا الصلاة والصّوم فلا يجديانه شيئًا ما لم يؤدّ زكاة ماله، وقد ذكر الشعراني أنّ من أخلاق الصوفيّة تقديم إنفاق الدراهم والدنانير في طعام الجائع وكسوة العريان وقضاء الديون التي لا يقدر أصحابها على الوفاء بها على بناء الزوايا والمساجد. ونُقل عن عبد الله بن المبارك (تـ 181ه/ 797م): “لقمةٌ في بطن جائعٍ أرجح في ميزاني من عمارة مسجدٍ”.
إنّ لهذا المنحى الاجتماعي حضورًا بارزًا حتى عند أقطاب الصوفيّة ممّن انصبّ اهتمامهم على الجانب العرفاني من التصوّف، فالبسطامي (تـ261ه/ 874م) يرجع في بعض شطحاته إلى حقوق الخلق فعبّر عن همّه بهمٍ في الدنيا وفي الآخرة. وعن حقوقهم في الدنيا تأتي هذه الحكاية التي تتضمّن حكمًا بإيفاء حقوق الفقراء بدلًا من إنفاق المال في الحجّ، قال: “خرجتُ إلى الحج فاستقبلني رجلٌ في بعض المتاهات فقال: أبا يزيد إلى أين؟ فقلت: إلى الحجّ، فقال: كم معك من الدراهم؟ قلت: معي مئتا درهمٍ، فقال: فَطُفْ حولي سبع مرّاتٍ، ونَاوِلْنِي المئتي درهمٍ، فإنّ لي عيالًا. فطفت حوله وناولته المئتي درهم”. ولعلّ هذه الحكاية من صنعه هو، لتثبيت مبدأ تفضيل الإنفاق على الفقراء بدلًا من الحجّ، وقد ساقها بمنطق الصوفيّة ولغتهم، فجعل الرجل الفقير بمنزلة الكعبة، وطاف حوله ثمّ سلّمه المال.
وفي سيرة الحلاّج من الأخبار ما يدلّ على تسامحه المطلق واستعداده لافتداء الناس أجمعين، فكان يزور المرضى والبؤساء لا من المسلمين فحسب، بل من النصارى واليهود والوثنيّين أيضًا. لقد عبّر أمام الجمهور عن رغبته الغريبة في الموت منبوذًا من أجل نجاة الآخرين، وهو ما يدلّ على رغبةٍ جامحةٍ في أن يجود بنفسه لله قربانًا يفتدي جميع الخلائق.
ولا يقتصر مثل هذا السلوك الاجتماعي الإنساني على صوفية المشرق، بل إنّنا نجد له أشباهًا ونظائر وشواهد كثيرة عند صوفية المغرب الإسلامي تدلّ على أنّ الصوفيّ غَيْريّ المنزع، لا تعنيه ذاته الفرديّة ومصلحتها ونفعها، وإنّما همّه مساعدة غيره ولا سيما الفقراء والمستضعفون وذوو الحاجة، فقد روى أبو العرب القيرواني أنّ رباح بن يزيد كان إذا سمع الخادم من جيرانه بالليل تطْحَنُ، تسَوّر الجدران ليكفيها مؤونة الطحين، وأنّ أبا خالد عبد الخالق وهو من زهّاد القيروان رأى رجلًا من أهل البادية وقد بدا عليه أثر البؤس، فهو “يقْضِم الشعير كما تقضم الدوابّ”، فإذا به يؤْثِره بما حمله إلى زوجته المريضة من لحْمٍ وخُبْز، بعد أن أفلح في إقناعها أنّ الله يضاعف لها الأجر في الآخرة.
والبهلول بن راشد يعمد إلى بيع طعامه عندما غلا السعر ثمّ يشتري منه، وعندما سئل عن هذا السلوك المستغرب في مألوف العادة قال: “نفرح إلى فرح الناس ونحزن إذا حزنوا”. وفي هذا القول تعبيرٌ عن نكران الذات والتغلّب على شهواتها الذاتيّة، ومصالحها الآنية، من أجل إسعاد الجماعة.
ويعبّر سلوك الشخصيّة الصوفيّة في مجتمعها من خلال الأحداث المتّصلة بها والوقائع التي تنقلها كتب الطبقات بوصفها ومضاتٍ لافتةً للنّظر في سيرتها عمّا يعتمل في دخائل المجموعة التي تنتمي إليها من آلام ٍومعاناةٍ، وما تستبْطنه من مخاوف وهواجس وما تصبو إليه من آمالٍ وطموحاتٍ.
وإذا رمنا مثلًا على عظيم الدور الذي نهضت به الطرق الصوفيّة في تاريخ الإسلام تكفينا الإشارة إلى أنّها هي التي استطاعت أن تحافظ على نوعٍ من الوحدة بين المسلمين في المناطق الشرقيّة من العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة. فالعالم الفارسي إنّما حافظ على بقائه بعد المذبحة المغوليّة بفضل الثقافة الروحيّة التي كانت تُسَاكِنُه، حتّى أنّ كثيرًا من أمراء المغول الذين حكموا آسيا الوسطى والشرق الأوسط اعتنقوا الإسلام تأثّرًا بشيوخ التصوّف.
لقد كان ظهور الطرق الصوفيّة استجابةً لحاجة البناء الروحي والاجتماعي في آنٍ. ولم يكن العلماء مؤهلين لسدّ هذه الحاجة، فقد انغلق الفقهاء في دور حفَظة الشريعة وضعف تأثيرهم في المؤمنين. أمّا المتكلّمون فلا أثر لخطابهم في علاج أدواء النفس. ومن هنا برز شيوخ المتصوّفة ليحدثوا هذا التحوّل العميق الذي شهده التصوّف، أي تطويره إلى مؤسسةٍ تستجيب لحاجاتٍ جديدةٍ للمجتمعات الإسلاميّة. فجعلوا نُصب أعينهم تمكين النّاس من بناء علاقةٍ شخصيّةٍ حميمةٍ مع الله، واستطاعوا أن يوسّعوا دائرة المنتمين إلى جماعاتهم، فصار التصوّف منذ ذلك الحين قطبًا للإدماج الاجتماعي لا نظير له، حتّى أنه جاء زمنٌ قلّما تجد فيه شخصًا في أَيٍّ من البلاد الإسلاميّة لا ينتمي إلى طريقةٍ من الطرق الصوفيّة أو يخضع لسلطتها بشكلٍ أو بآخر.
ومن أبرز المؤسسات الصوفية ذات الطابع الاجتماعي مؤسسة الزاوية وهي مؤسسةٌ دينيةٌ اجتماعيّةٌ بسيطة البناء والمتطلبات. ولكنّها تقوم بأدوارٍ في غاية الأهميّة، حسْبنا منها مواجهة مشكلة الجوع بفضل تنظيم عمليّة التضامن وحماية النّاس الذين يلجؤون إليها من شطط السلطة وأعوانها في المستوى الرمزي على الأقل، وتوطيد العلاقة بين النّاس الملتفّين حولها وتوثيقها من خلال مبدأ الأخوّة في الطائفة الصوفيّة. وربّما نهضت بوظيفةٍ تحكيميّةٍ تحلّ المشاكل الناجمة عن التعامل بين النّاس وتعمل على المصالحة بينهم.
لقد نهضت الطرق الصوفيّة منذ ظهورها إلى اليوم بأدوارٍ مهمةٍ جدًّا، وكان لها عظيم الأثر في شتّى المجالات، وهو ما يدلّ على خطورة المهام التي مارستها وعلى وثاقة ارتباطها بالمجتمع وشواغله.
تُفهم الوظيفة الاجتماعيّة للطّرق الصوفيّة انطلاقًا من تصوّرٍ رُسخ في التصوّف الطرقي، فحواه أنّ الشيخ الصوفي يأخذ على عاتقه مسؤولية تلبية حاجات الجماعة، فذلك من مقتضيات الولاية قبل كلّ شيءٍ. ولا يُتاح له ذلك إلاّ إذا تميّز بمجموعةٍ من الصفات، أهمها حماية النّاس وتحمّل أعبائهم وحلّ مشكلاتهم ورعاية مصالحهم. وإنّما أنيطت به هذه المهام لاعتقادهم بقربه من الله، فالولاية بهذا الاعتبار تقتضي الرعاية والعناية والحماية.
ولذلك ألفينا الخطاب المنْقَبي مجالًا ملائمًا لبناء صرح ذاكرة الاجتماع والتضامن. إنّه يغذّي خطاب الانسجام والأخوّة، ويمكّن المنتمين إليه من هويّةٍ عامّةٍ أكثر مرونةً وقابليّةً للتغيير. فالخطاب المنقبيّ يبدو “خطاب توحيدٍ يتكلّم بلغة الإدماج”. وما كان له أن ينهض بهذا الدور المهم ويستمرّ في القيام به قرونًا عديدةً لولا سماحته، وبعده عن أي ميْسمٍ من مَياسم الغلوّ والتعصب والتطرف، ذلك أن التاريخ يشهد أن الجماعات المغالية سرعان ما آل أمرها إلى الزوال والاندثار، ففرقة الخوارج مثلًا -وهي أولى الفرق ظهورًا في تاريخ الإسلام- انقسمت إلى عديد الفرق الفرعية كالأزارقة والصفرية والنجدات، ولكن سرعان ما ذهب ريحها وانطفأت مصابيحها واندثرت جميعها ولم تستمر في البقاء إلا فرقة الإباضية لأنها تشبثت بأذيال الاعتدال ولم تجار غيرها في وجوه الغلو والتطرف.
ويلاحظ دارس الطرائق الصوفية أنّ بعضها كالتيجانية وفروعها استطاعت أن تبني في محيطها المحلّي الذي مارست فيه نشاطها وحداتٍ اجتماعيّةً واسعةً تجاوزت الحدود القبليّة والإثنيّة، وتمكّنت من تكوين جماعاتٍ واسعةٍ جدًّا تحتوي القبائل والإثنيّات والأنواع الاجتماعيّة المنفصل بعضها عن بعضٍ في العادة، بل المتعارضة أحيانًا. ففي أفريقيا السوداء مثلًا استمرت الطرائق الصوفية في النهوض بدورٍ أساسيٍ في التوفيق بين العادات المحلية والإسلام. وما من شكٍ في أن نجاحها في ذلك من أظهر الدلائل على اعتدال خطابها وسماحته وقدرته على الجمع والتوحيد.
هكذا يتبين لنا أنّ التصوّف سواء أكان ممارسةً فرديّةً أم مؤسّسةً جماعيّةً لم يكن بمعزلٍ عن المجتمع، وأنّ الصوفيّ لم يكن منقبضًا عن الناس منفصلًا عنهم، بل كان يحيا بين ظهرانيهم مسكونًا بهمومهم مشغولًا بمشكلاتهم، يبذل جهده للتخفيف من معاناتهم، ومساعدتهم على سدّ حوائجهم، مُسديًا النصح لهم، منتصرًا لفئة الفقراء والمستضعفين على وجه الخصوص. فكان التصوف الطُّرقي انغماسًا في الناس وحمْلًا لأعبائهم ونهوضًا بما يتقاصرون عنه ومقاسمتهم آلامهم والاستجابة لآمالهم.
رابعًا: العمق الروحي للتصوف
إنّ التصوف هو قلب الإسلام، لأنّه إذا ذهب منه البعد الروحي لم يبْق تصوّفًا. وينبغي أن نؤكّد أنّ القرآن الكريم هو المعين الذي استقى منه المتصوفة مكوّنات تجاربهم، إذ اشتمل على آياتٍ أغرتهم بتصوّر درجةٍ من القرب بين العبد وربّه تتجاوز ما كان متعارفًا في الإسلام المبكّر، من ذلك قوله تعالى: ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ ﴿وَهْوَ مَعَكُمْ أيْنَمَا كُنْتُمْ﴾، ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وأنّ التصوّف الإسلامي في أصله وتطوّره صدر عن إدامة تلاوة القرآن وتدبّره والتخلّق بأخلاقه، ومنه استمدّ خصائصه المميّزة. فإذا انتقلنا إلى المصدر الثاني من مصادر الإسلام وجدنا المتصوّفة يؤسّسون مذهبهم على التأسّي بأخلاق النبيّ ويقتدون بسلوكه ويتّخذونه مَثَلَهم الأعلى ويجعلون ذلـك شـرطًا من شروط الانتمـاء إلـى مذهـب التصـوّف.
وقد أوجب الصوفية الاقتداء بشيخٍ سالكٍ يتخذه المريد هاديًا ومرشدًا. ويكون هذا الشيخ رجلًا محنّكًا ذا تجربةٍ، عميق المعرفة، بصيرًا بعيوب النفس، مطّلعًا على خفايا آفاتها، قد خَبِرَ المجاهدات وقطع بها الطريق إلى الله وارتفع له الحجاب، وتجلّت له الأنوار، فهو يعرف أحوالها، ويساعد المريد على تخطّي عقباتها. ولا يزال الصوفي السالك المتأدّب بأدب الشيخ يرقى من مقامٍ إلى مقامٍ آخر، بدْءًا بالتوبة وانتهاءً بالمشاهدة، حتى يعبر جميع المقامات مكمّلًا نفسه بكلّ مقامٍ قبل أن يُدعى إلى المقام التالي. وهي كما نرى وثيقة الصلة بالبعد الأخلاقي الأصيل في التصوّف. فالطريق إلى الله مجاهدةٌ أخلاقيّةٌ في جوهرها، وهي خطواتٌ تَطَهُّر متعاقبةً، وتزكيةٌ مستمرّةٌ وسموٌّ روحيٌ متصاعدٌ، يقول أبو حفص الحدّاد (تـ 260هـ/ 874م): “التصوّف كلّه أدبٌ: لكلّ وقتٍ أدبٌ، ولكلّ مقامٍ أدبٌ، ولكلّ حالٍ أدبٌ. فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال، ومن ضيّع الآداب فهو بعيدٌ من حيث يظنّ القرب، ومردودٌ من حيث يظنّ القبول”. فالتصوّف في جملته نظامٌ من السلوك لكل شيءٍ، فيه واجبِاتٌ مفروضةٌ وآداب مرعيّةٌ، ولا قيمة لهذا السلوك ما لم تحصل للمريد منه فوائده، وما لم يتّصف بصفاته، فالتصوّف أخلاقٌ تؤثّر في النفس وتبعث على العمل. ولا تنال ثمراته الروحية إلا من خلال التزكية الأخلاقية والاستقامة السلوكية.
إنّ هذا المعراج الروحي الذي يتّخذ من المعراج النبويّ النموذج الذي يحاكيه، هو أخصّ خصائص التصوف وعماده والأصل الكبير الذي يبنى عليه، وهو ما أطلق عليه المتصوّفة تسمياتٍ مختلفةً، فهو السفر والطريق والسّير والسّلوك، إذ لا يمكن الحديث عن تصوّفٍ من دون سيرٍ وسلوكٍ ومنازل ومقاماتٍ وأحوالٍ، وبذلك أمكن أن نعرّف التصوف بأنّه الطّريق إلى الله، والصوفي بأنّه السائر إلى ربّه. وهذه المسيرة إلى الله تلخّص التصوّف برمّته من أوّله إلى آخره.
ذلك أنّ هذا المعراج هو السّبيل إلى تحقيق الهدف الذي يصبون إليه ويسخّرون حياتهم له وهو الوصول إلى الحقّ والقرب منه عن طريق حالةٍ روحيّةٍ خاصّةٍ يدركونه فيها إدراكًا ذوقيًّا مباشرًا. في هذا المطلب تتمثّل الحياة عندهم ومن أجله يبذلون كلّ عزيزٍ لديهم بما في ذلك أرواحهم.
ولذلك كان التصوف في جوهره “حالًا” أو تجربةً روحيّةً خاصّةً يعانيها الصوفي. ولتلك الحال من الصفات والخصائص ما يكفي لتمييزها من غيرها ممّا تعانيه النّفس الإنسانيّة من أحوالٍ أخرى. وإنّما ذهبنا إلى أنّ “المعراج الروحي” يلخّص التصوّف بدءًا ومنتهىً، لأنّه ينطوي على جانبي الحياة الصوفيّة المختلفَين المتمايزَين المتكاملَين في آنٍ: الجانب العملي والجانب العرفاني أو جانب المجاهدة أو تطهير النفس وجانب الكشف والعرفان والمشاهدة والإشراق، الأوّل بمنزلة المقدّمات والثاني بمنزلة النتائج المترتّبة عن تلك المقدّمات. الأول شجرة يتعهّدها السّالك إلى الله، ويغذّيها بكلّ ما أوتي من غذاءٍ روحيٍّ، والثاني بمنزلة الثّمرة التي يجنيها من تلك الشّجرة، وما بين المقدّمات والنّتائج تكون الوسائط، وهي المقامات والأحوال أو هي “منازل السائرين” بعبارة الهروي الأنصاري (تـ 482هـ/ 1089م) الواردة في عنوان كتابه الذي خصصه لشرح تلك المقامات.
إنّ المجاهدة في جوهرها ترويض للنّفس المتمرّدة، وهي التي تُدخل السّالك إلى الطّريق الموصل إلى الله، وقد أطْبق أئمّة التصوّف على أنّه لا سبيل إلى ولوج عالم السّير والسّلوك والصّفاء والروحانيّة من دون ترويض النّفس، وعماد رياضة النّفس منعها عن كلّ ما تتوق إليه وتشتهيه، ولا سيما الأشياء التي اعتادت عليها. كلّ ذلك يدعم القول إنّ المتصوّفة يتمثّلون الإسلام في جانبه الرّوحي. فإذا به يستحيل عندهم إلى نشاطٍ روحيٍّ خاصٍّ يعلن عن نفسه في صورة ما نسمّيه “التجربة الصوفيّة”. وهذا النشاط الرّوحي ليس أحد أضرب النشاط العقلي المعروفة، ولكنّه شيءٌ فوق الوعي العقلي، يمكن تسْميته وعْيًا متعاليًا.
يبدأ هذا الوعي في الوقت الذي تستيقظ فيه النفس، أي في الوقت الذي تخرج فيه عن مألوف عادتها، أي عن الحال العقليّة الطبيعيّة، ثمّ يتحوّل تبعًا لذلك مركز الاهتمام من “الذّات” إلى موضوعٍ جديدٍ تَجِدُّ النّفس في الوصول إليه واللّحاق به، وهذا التحوّل في مجرى الحياة الروحيّة هو الذي اصطلح متصوّفة الإسلام على تسميته “بالتّوبة”، ولكنّهم لا يقصدون به الإقلاع عن الذّنوب فحسب، أو التحوّل المفاجئ من دينٍ إلى دين، وإنّما يقصدون شيئًا آخر أبعد و أعمق من هذا كلّه، بل شيئًا هو أساس هذا كلّه، وهو التجرّد عن النّفس أو التخلّص منها، -والنفس هنا مرادف لجميع الشهوات– والإنابة التامّة إلى الله والإقبال بكنه الهمّة عليه.
وإذا كان خروج الإنسان إلى العالم يسمّى ميلادًا طبيعيًّا، فإنّ خروج الصّوفي إلى العالم الرّوحي الذي يتحكّم فيه وعيه المتعالي يسمّى ميلادًا روحيًّا. ومن خصائص التوبة الصوفيّة أن تصحبها حالةٌ وجدانيّةٌ عنيفةٌ يرافقها شوقٌ ملحٌّ نحو الله وشعورٌ دينيٌ عميقٌ قويٌّ فيّاض.
وبقدر مجاهدة النّفس تصفو مرآة القلب، ولا تزال موجّهةً إلى النّفحات الروحيّة. فالصّوفي بهذا الشأن في شغلٍ دائمٍ لتهيئة أسباب الصّفاء بتجلية مرآة القلب، يحاسب نفسه في كلّ لحظةٍ ويتلمّس مواقع النّفحات الإلهيّة في كلّ حينٍ.
إن الجانب الروحي هو لبّ التصوف وجوهره وهو الغاية التي يجري إليها. فالتصوّف في صميمه تجربةٌ روحيّةٌ تقوم على مجاهدةٍ تفضي إلى صفاء القلب وانجلائه، فيتلقّى النفحات الإلهية والمعارف اللّدُنية، وهي معارف ذوقيةٌ وجدانيّةٌ، فتتكشّف للقلب بعض الحقائق الكونية والأعمال الحسنة والقبيحة والحقائق الإلهية المتعلقة بالذات والصفات، وعلى وجه الخصوص الشؤون المتعلقة بالمعاملة بين الله والعبد، ويلقي الله في قلب العبد علومًا غريبةً ومعارف قلبيّةً ووَارِدَاتٍ عجيبةً ووجدانياتٍ مختلفةً من شوقٍ وذوقٍ وحبٍّ وأنسٍ ومهابةٍ، ويبيّن له على سبيل الإلهام أسرارها وأحكامها، وكيف يمكن تقوية الصّلة بين الله وبينه، وما إلى ذلك ممّا تتضاءل أمام متعته الدنيا وما فيها، ويسمّي الصوفيّة هذه الشؤون أحوالًا، ويسمّونها كشفًا إلهيًا لا نظير له في اللذة والمتعة، وتنهض بعظيم الأثر في مزيد تقرّب العبد من ربّه. إنّ المعرفة عند الصوفية هي غاية الغايات من رحلتهم الشاقّة المضنية، وهي خلاصة الـمَذاقات الرائقة التي أتيحت لهم بعد أن صقلوا بالمجاهدة والرياضة إرادتهم. وهي لا تحصل إلاّ إذا امتلأ القلب تمامًا بنور الله.
إنّ التصوف في هذا المجال ذو ثراءٍ روحيٍ استثنائيٍ، فإنّما كانت مجاهدات الصوفية الشاقة ورياضاتهم الخشنة وطول تدبرهم للقرآن وغوصهم فيه، وإمعانهم في الذكر من أجل التمتع بالقرب من محبوبهم الأسمى، والرجوع إلى أصلهم الإلهي. ولعل هذا الجانب هو الذي يبرر الحاجة إلى التصوف في حياتنا المعاصرة، فإذا كان للإنسان وهو يواجه صعوبات الحياة المتزايدة وضغوطها المتكاثرة وسائل تمكّنه من الرجوع إلى أصله ومركزه، فإنّ ذلك سيجعله آمنًا مطمئنًّا، وسيدرك المظهر الزائل لكل شيءٍ سواء أكان باعثًا على البهجة والسرور أم الحزن والألم.
إن تلك العلاقة التي يبنيها مع أصل وجوده ومركز كينونته تجلب له الشعور بالأمان والاطمئنان، وتدفعه إلى التقلّل من متاع الدنيا والتزهّد في كثيرٍ من مباهجها، فلا يأسى على ما فاته منها، ولا يأْلم لفقدان ما لا يدوم إلا لحظةً، لأنه يشعر أن الأبدية تنعشه، فيستشعر قوةً روحيةً يحدّد بها هدفه ويوجّه سلوكه ويحيا بقلبٍ مطمئنٍ سعيدٍ.
لقد اجتهدنا في الإبانة على سبيل الإجمال عن بعض وجوه السلطة الروحية للتصوف كونها صالحة -في تقديرنا- لأن تكون من منابع الاستلهام لمقاومة نوازع العنف والتطرف التي باتت تنذر البشرية بخطرٍ كبيرٍ وشرٍ مستطيرٍ ففي بعده الإنساني تجاوز فكرة القبول بالآخر والتعايش معه والتسامح مع اختلافه في الملّة إلى محبّته ورحمته والإحسان إليه ونفي أيّ شعورٍ بالتفوّق عليه، وقال بوحدة المعبود ودين المحبة وبالرحمة الإلهية الشاملة.
وما من شكٍ في أن مثل هذه الأفكار التي تخرج من ضيق التصورات الدينية التي تفرّق بين الناس بحسب الانتماء إلى الملّة، والمذهب من شأنها أن تسهم في تحقيق السلام بين الناس وتشجع على التعارف والتحاور وتنأى بهم عن التعصب الديني المفضي إلى التباغض والتدابر.
وقد أظهرنا ما في التصوف من ثروةٍ أخلاقيةٍ يمكن أن تساعد على تقديم العلاج الشافي لأدواء العصر الذي يعاني أزمةً أخلاقيةً كبرى.
يعيش الصوفي الحياة المادية ولكنّه دائم التعبّد والتفكّر والذكر، يقبل على العبادة أكثر من الآخرين، ويحاول أن يكون أكثر استقامةً وأكثر إحسانًا وتسامحًا. ولا يكتفي بمجاهدة نفسه بل عليه أن يخدم الإنسانية، وأن يكون شاهدًا على الحقيقة الربانية. إنّ الطاقة التي تحركه هي المحبّة ولا يمكن أن تكون معرفةٌ إلهيةٌ بلا محبّةٍ، فالطاقة الوحيدة التي تسمح للكائن البشري أن يصل إلى هذا الطريق ويترقّى فيه هي المحبة. وما أحوج الناس في هذه الأيام إلى أن يتبادلوا المحبة. ولا شك عندنا أنّ هذا من روح الإسلام، ألم يقل الله في القرآن الكريم ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.

قائمة المصادر
ابن عربي. محيي الدين، الإسرا إلى المقام الأسرى، تحقيق: سعاد الحكيم، ط.1، (بيروت، دندرة للطباعة والنشر، 1988).
ابن عربي، التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانيّة، تحقيق: هـ.س نيبرغ (محقق)، (ليدن: بريل، 1919).
ابن عربي، الفتوحات المكية، (بيروت: دار الفكر، 1994).
ابن عربي، الفتوحات المكية، عثمان يحيى (محقق)، (القاهرة: الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، 1985-1990).
ابن عربي، إنشاء الدوائر، هـ.س نيبرغ (محقق)، (ليدن-: بريل، 1919).
ابن عربي، ترجمان الأشواق، (بيروت: دار صادر، 1966).
ابن عربي، رسائل ابن عربي، ضبط: محمد شهاب الدين العربي (ضبط)، (بيروت، دار صادر، 1997).
ابن عربي، شجرة الكون، (القاهرة: مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1968).
ابن عربي، فصوص الحكم، تحقيق: أبي العلا عفيفي (محقق)، ط.2، (بيروت، دار الكتاب العربي، 1980).
أبو العرب القيرواني، طبقات علماء أفريقية وتونس، علي الشابي (محقق)، تونس: الدار التونسيّة للنشر، 1968
الأصفهاني. أبو نعيم، أحمد بن عبد الله، حلية الأولياء القاهرة، مكتبة الخانجي، (بيروت: دار الفكر، 1996).
الأنصاري. أبو إسماعيل عبد الله الهروي، منازل السائرين إلى الحقّ المبين، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1988).
السلمي. أبو عبد الرحمن، طبقات الصوفية، عبد القادر أحمد عطا (محقق)، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998).
السهروردي. شهاب الدين، عوارف المعارف، (القاهرة: دار المعارف، د.ت).
السهلجي، النور من كلمات أبي طيفور، تحقيق: عبد الرحمان بدوي، (الكويت: وكالة المطبوعات، 1978).
الشعراني. عبد الوهاب، الطبقات الكبرى، (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2005).
الغزالي. أبو حامد، إحياء علوم الدين، (بيروت، دار المعرفة، د. ت).
القشيري. عبد الكريم، الرسالة القشيريّة، معروف زريق وعلي عبد الحميد بلطه جي (محققان)، (بيروت: دار الجيل، 1990).
المحاسبي. الحارث، الرعاية لحقوق الله، عبد القادر أحمد عطا (محقق)، ط4، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط. 4، د. ت).
المكي. أبو طالب، قوت القلوب في معاملة المحبوب، محمد بن علي بن عطية الحارثي (محقق)، (القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2017).
هـ.س نيبرغ، ليدن-بريل، 1919.

المراجع باللغة العربية
الحكيم. سعاد، المعجم الصوفي، الحكمة في حدود الكلمة، (بيروت: دندرة للطباعة والنشر، 1981).
العلوي. هادي، مدارات صوفيّة، (دمشق: دار المدى، 1997).
فتاح. عرفان عبد الحميد، نشأة الفلسفة الصوفيّة وتطوّرها، (بيروت: دار الجيل، 1993).
الندوي. عبد الباري، بين التصوّف والحياة، ط.1، (دمشق: 1963).
نيكولسون. رينولد، في التصوف الإسلامي وتاريخه، تعريب: أبي العلا عفيفي، (القاهرة: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1956).

المراجع باللغات الأجنبية

  • (Ben Miled) Emna, « Le Féminin, le Masculin: La dialecte en Amour chez Ibn cArabī », in: Actes du Colloque: L’Homme, La Femme et les relations amoureuses dans l’Imaginaire Arabo-Musulman, Tunis, cahier du C.E.R.E.S serie psychologie n°8, 1995.
  • Baunand (Cristian), Le Soufisme et la spiritualité islamique, Paris, Maisonneuve et Larose, institut de Monde Arabe, 1991.
  • Bentonnès K., Le soufisme cœur de l’Islam, Paris, 1996.
  • Chih R., Le soufisme au quotidien, Confréries d’Egypte au XXè siècle, Paris, 2000.
  • Dakhlia J., « De la sainteté universelle au modèle « Maraboutique », Hagiographie et Parenté dans une société maghrébine », in : Mode de transmission de la culture religieux en Islam, Travaux publiés sous la direction de Hassan El-Boudrari, Le Caire, I.F.A.O., 1993, p. 181-198.
  • Jeffer (Arthur), « Ibn Al-cArabī’s Shajarat Al-Kawn”, in: Studia Islamica, vol. 10.
  • John (T.little), “Al Insân al- Kamil: The perfect man According to Ibn cArabī”, in: The Muslim World, vol.77, n°1, January 1987.
  • Lewishon (L.), The legacy of medieval persian sufism, London-New York, 1992.
  • Louis Massignon, La passion de Hallaj, paris, éd. Gallimard, 1978, Tome III, p.p.224-225.
  • Nasr (Seyyed Hossein), Essai sur le soufisme, Traduit par: Jean Hubert, Paris, éd. Albin Michel, 1980
  • Popovic A. et Veinstein G., (sous la direction), Les voies d’Allah : les ordres mystiques dans l’Islam d’origines à aujourd’hui, Paris, 1996.
  • Ruspoli (Stephane), Le livre des théophanies d’Ibn cArabī, Introduction philosophique, Commentaire et Traduction annotée de Kitâb al-Tajalliāt, Paris, éd. du CERF, 2000.
  • Schimmel (Annemarie), L’incendie de l’âme, L’aventure spirituelle de Rūmī, Paris, éd. Albin Michel,1998
  • Takashata (Masataka), «The theory of the perfect man, in Ibn cArabi’s fusūs al Hikam », in: Orient, Japan), vol XIX, 1983.
  • Zarcone T, Miracle et Karama : Hagiographies médiévales comparées, Paris, 2000.
    -Nicholson (R. A), al-Insān al-Kāmil, in: Shorter, Encyclopedia of Islam, leiden, 1974.
    -Yahia (Osman), Histoire et Classification de l’œuvre d’Ibn cArabī, 2 vol, Damas, 1964.

محمد بن الطيب

أستاذ التصوف والحضارة العربية الإسلامية بكلية الآداب والفنون والإنسانيات، جامعة منوبة. ومدير مخبر بحث الظاهرة الدينية بها. من أهم مؤلفاته: إسـلام المتصوّفة (2007)، وحدة الوجود في التصوّف الإسلامي في ضوء وحدة التصوّف وتاريخيته (2008)، فقه التصوّف (2010)، السلفية في تونس: الأسس والخطاب (إشراف وتنسيق ومراجعة) (2019).

مشاركة: