السلطة والعنف في الفكر الغربي نماذج من المرحلة المعاصرة: فوكو وبورديو

ملخّص البحث
يهدف البحث إلى تتبّع مسار التناول الفكري النقدي لموضوعة العنف والسلطة في الفلسفة الغربية المعاصرة، سواء أكانت فلسفةً سياسيةً أم اجتماعيةً، باعتبار أن إشكالية السلطة قادرة على التمددٌ في الميادين الحياتية كافةً، لذا فهي مؤثرةٌ في مختلف أوجه نشاط البشر ومجالات تفاعلهم. وتصير هذه الإشكالية أكثر إلحاحًا وتطلّبًا للمعاينة البحثية حين تلتصق بالعنف الذي اتخذ هو الآخر تمظهراتٍ كثيرةً وتلوّن بصنوفٍ منها الفج والمباشر، ومنها الخفي والمقنّع. ويتوخّى البحث بصورة رئيسة إظهار علاقة التلازم والوحدة بين السلطة والعنف عبر التاريخ، وتوضيح صيغ العنف اللامرئية التي فصّلت فيها النماذج الفكرية والفلسفية التي ارتكزنا عليها كنماذج للتحليل، وهي كما قدّمها كل من ميشيل فوكو المفتتِح لقارةٍ تنظيريةٍ مرموقةٍ في موضوعة السلطة، وبيير بورديو المنظّر الريادي في ظاهرة العنف الرمزي. وقد سبق أن تطرقنا إلى هذين الفيلسوفين وعالمَي الاجتماع، وعرضنا أهم الأفكار عن السلطة والعنف في الفكر الغربي، راصدين تطوّر مسار العلاقة بين الطرفين، مقتنعين أنّ دراسة أي ظاهرةٍ في سياقاتها التاريخية يساهم في توضيحها وإجلاء الغموض عنها. وهذا ما نحتاجه في عالمنا العربي الذي تتآكله السلطة، وتمعن في توهينه من خلال فرض أنماط عنفها التي ينوء الفرد العربي بثقلها.
ملخّص باللغة الفرنسية
La recherche vise a étudier de manière critique la question de la violence et du pouvoir dans la philosophie occidentale contemporaine. Ce sujet a été exploré en philosophie politique et sociale, ce sujet mérite d’être étudier car le pouvoir est présent dans tous les domaines de la vie, et dans les diverses activités des êtres humains. Le problème du pouvoir nécessite des recherches, surtout lorsqu’il est associé a la violence qui apparaît sous de nombreuses formes; directes et cachées. La recherche vise a montrer l’unité entre la violence et le pouvoir a travers l’histoire, et d’éclairer les violences invisibles auxquelles font référence les modèles sur lesquels nous sommes appuyés, comme Michèl Foucault et Pierre Bourdieu. Avant de nous plonger dans les idées de ces deux philosophes et socilogues, nous présentons brièvement les idées les plus importants de pouvoir et de violence dans la pensée occidentale. Ainsi, nous sommes convaincus que l’étude de tout phénomène dans son contexte historique permet de le clarifier et de lever son ambiguïté. Et c’est ce dont nous avons besoin dans notre monde arabe qui est envahi par l’autorité, qui ne cesse de l’affaiblir en imposant ses schémas violents qui restreignent l’individu arabe.

كلمات مفتاحية
السلطة Le pouvoir، العنف La violence، الدولة L’état، العنف الرمزي La violence symbolique، الشرعية Légitimité، النقد Critique.
مقدمة
يعدّ النقد من سمات العقل الغربي الرئيسة. وقد تسلّحت روح الحداثة بالفكر النقدي للقطع معرفيًا مع ما قبلها، مبشّرةً بفتوحاتٍ تنويريةٍ ذات منحىً تحرّريٍ وإنسانيٍ، يرتكز على قيم الليبرالية والديمقراطية والفردية والعدالة والمساواة. هذه الأطاريح التي هدفت إلى تحسين حال الإنسان والمجتمع، ترافقت مع تحوّلاتٍ عميقةٍ لمفهوم الدولة وشكلها، وصاغت فهمًا جديدًا للسلطة والحكم والسياسة بشكلٍ عام، يتناسب مع روحية القيم الحداثية التحررية. لكن واقع أوروبا لم يتوافق مع الأمنيات الكبيرة لمنطلقات الحداثة. فقد شهد القرن العشرون حربين كونيّتين، حيث اتّخذ العنف صورًا متمادية تمثلت بالقتل الجماعي، التطهير العرقي، التمييز العنصري على أسس إثنية وقومية ودينية، واستخدام أسلحةٍ مفرطةٍ في العنف والوحشية، وسيطرة أنظمةٍ شموليةٍ توتاليتارية مستبدة، وغير ذلك. شكّل هذا القرن المفرط في عنفه صدمةً للمفكر الحداثي الذي اختزن موروث التنوير الأوروبي وآمن به، فانكمش خائبًا يراجع مآلات المشروع الحداثي، متقصّيًا عن أسباب انحرافه، فقاده الفحص النقدي إلى موضوعة السلطة. ولم يكن القرن الواحد والعشرون بأحسن حال، إذ استمر العنف يستفحل في دمويته على مستوىً عالميٍ هذه المرّة، مؤرّخًا له بمحطاتٍ متنقلةٍ عابرةٍ للقارات والحدود، ينشره الإرهاب كأحد أكثر تجليات العنف تطرّفًا. إضافةً إلى العنف الإرهابي الصارخ، عرفت الدول -حتى الدول ذات الأنظمة الديمقراطية العريقة- حوادث عنفٍ وأعمال شغبٍ واعتداءٍ على المتظاهرين (فرنسا مثلًا). وإن كانت وضعية العنف أقل حضورًا في المجتمعات الغربية، إلا أنها فائقة الحضور في عالمنا العربي الذي يعاني صنوفًا شتّى من العنف السياسي والمجتمعي والنفسي والفردي والديني، عدا عن الحروب وممارسات الأنظمة العربية القمعية ضد شعوبها. هذا العالم المتورّم بكثافة العنف، اقتضى من الفلاسفة والمفكرين الغربيين في الحقول المعرفية المختلفة إعادة النظر في ظاهرة العنف لتأصيلها والبحث عن مسبّباتها، فنظروا في علاقتها مع السلطة والدولة والمشروعية والقداسة والسيادة والمواطنة والعدالة الاجتماعية، الأمر الذي تطلّب مراجعةً مشكّكة ومعاينة لمضمون قيم الديمقراطية والحريات عامّة، ووضعها على منضدة التشريح النقدي. إن ملاحقة خيوط العنف تعيدنا إلى مربّع السلطة، إذ يبقى العنف الوسيلة والأداة والطريقة والآلية التي ترسّخ السلطة من خلاله سيطرتها. لذا فإن التقصّي وراء ظاهرة العنف يضعنا أمام إشكالية السلطة.
تلوّنت السلطة عبر تاريخها بصنوفٍ من اللبوسات التي شكّلت براديغمات تتالت في كلّ العصور. هذه البراديغمات هي ما يمكن أن نسميها البنية الدلالية الكبرى الطاغية في حقبةٍ تاريخيةٍ ما، وهي ما أطلق عليها ميشيل فوكو Michel Foucault (1926-1984)، مصطلح الإبستيمة. فقد أجادت السلطة دائمًا التحكّم في وجهة المعرفة وتطويعها وتوظيفها، وأتقنت كيفية استعمالها. فكما يعدّ العلم (العلوم كافةً بما فيها العلوم الإنسانية) والتكنولوجيا اليوم معرفةً مستثمَرةً ومؤازرةً للسلطة لتحقيق مصلحتها، بحسب رأي يورغن هابرماس Habermas Jűrgen (1929) في كتابه المعرفة والمصلحة، كذلك كان السحر واللاهوت والدين في مراحل سابقة. تتضلّع السلطة في التجنيد الحاذق لكل شيٍء ضمن ترسانتها. والعنف هو أكثر ما أتقنت استعماله، فكان رديفها الذي لازمها وآزرها لتمتين دعائمها، وتفنّنت في تنويع أشكاله وتلاوينه، لتخفّف من فظاظته وشراسته، ولا سيّما بعد أن عقلنته وقوننته ومأسسته.
سنعرض عمومًا تاريخ تلازمٍ لا انفكاك فيه بين العنف والسلطة، مشيرين إلى سيميائيات العنف المختلفة التي أنضجتها وضعيات السلطة وتموضعاتها الكثيرة ومتطلّباتها بحسب تشكّلاتها التاريخية. وسنقف مطوّلّا عند مرحلة الحداثة الغربية، أي عند منعطفٍ شهد تحوّلاتٍ ملحوظةً في مفهوم السلطة وتجذّرها، ومن ثم في كيفية فعلها وحضورها وتأثيرها، وكيف غيّرت هذه التحوّلات في استعمالية العنف السلطوي، مستفيدين من إغناءات كلٍ من بيير بورديو Pierre Bourdieu (1930-2002)، وميشيل فوكو في التقصّي عن المكامن الخفية للسلطة ومن ثم للعنف المتمكّن من نفس الفرد والجماعة. وسننتهج في عرضنا بحسب مقتضيات سياقات المحاولة البحثية، المنهج المقارن تارةً والمنهج التحليلي تارةً أخرى.
السلطة والعنف، عجالة تاريخية
تعصّت السلطة على التأطير الماهوي الذي يجمّدها ضمن مفهومٍ دوغمائي جامد. ويمكن القول إن السلطة ديناميّة تاريخيةٌ ومحرّكٌ فاعلٌ لعجلة التاريخ، لذا فهي مفهوم تاريخيٌ راكم -ولا يزال- تكوينه المفاهيمي المتعالق والمتشابك مع مفاهيم أخرى كثيرة، كالسيطرة والحكم والحروب والعنف والدولة والشرعية والدين والقداسة والأيديولوجيا والمجتمع والمعرفة والإنتاج الاقتصادي وغيرها. هذا التخالط، الذي ولّدته الممارسة العملية السياسية والاجتماعية والثقافية، جنّب السلطة أن تكون محطّ دراسةٍ معمّقةٍ، فرأى ألفين توفلر أنّ:” السلطة بقيت حتى أمدٍ قريبٍ أقل جوانب حياتنا حظًّا من الفهم، مع أنها من أكثر الأمور أهميةً وحيويةً في حياة الإنسان، بل وتتدخّل بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ في تفصيلات الحياة”. فالسلطة ملازمةٌ للفرد والجماعة، ولا أحد خارج دائرة ممارستها، ليكون الفرد فيها إما حاكمًا أو محكومًا. وربّما يكون العنف من بين هذه المفاهيم كلها الأكثر التصاقًا بالسلطة أو كما تقول حنا أرندت Hanna Arendt (1906- 1975) في كتابها “في العنف”: “العنف هو التجلي الأكثر بروزًا للسلطة”. ولكنّها تردف مضيفة: “السلطة والعنف ليسا الشيء نفسه”. فالعنف هو على الدوام وسيلة الحكم والضبط والتسيّد والإخضاع التي تستعملها السلطة لتثبيت سيطرتها.
لقد اتخذ “تجلّي” العنف تمظهراتٍ شتّى. فمن التمظهرات الفجّة والأكثر حدّةً وغلظةً التي تبرز في الحروب والإبادات والدمار والقمع الواضح وتعذيب الجسد، مرورًا بالعنف المقونن المغلّف بالشرعية المؤسسية المحمية من جهة أجهزة الدولة، وصولًا إلى العنف الرمزي الذي حدّده بيير بورديو قائلًا: “ذلك العنف الناعم واللامحسوس واللامرئي من ضحاياه أنفسهم، والذي يمارَس في جوهره بالطرائق الرمزية الصّرفة للاتصال والمعرفة، أو أكثر تحديدًا بالجهل والاعتراف، أو بالعاطفة حدًّا أدنى. هذه العلاقة العادية بشكلٍ غير عادي، تمنح إذًا مناسبةً مميّزةً لالتقاط منطق الهيمنة الممارسَة باسم مبدأ رمزي معروف ومعتَرَف به، من قبل المهيمِن والمهيمَن عليه، أو باسم لغة أو لفظ”. وهو الذي عبّر عنه سلافوي جيجيك في كتابه العنف، تأمّلات في وجوهه الستة بالقول: “عنفٌ رمزيٌ متجسّد في اللغة والأشكال، ما يطلق عليه هايدغر “بيت وجودنا” […] إن هذا العنف ليس فاعلًا في العلن فحسب، وليس مدروسًا على نطاقٍ واسعٍ على صعيد حالات التحريض وعلاقات الهيمنة الاجتماعية التي يعاد إنتاجها في صيغ كلامنا المألوف، بل ثمّة شكلٌ من العنف أكثر تجذّرًا لا يزال ملتصقًا باللغة”. هذا العنف الرمزي الذي يلتف على الذات ويطبق عليها ليصير بحسب جيجيك “عنفًا ذاتيًا”، هو الذي يشكّل مركز ثقلٍ في اشتغالنا، والذي يبدو أنّه يستدعي تحليلًا لسانيًا لخطابات العنف الكثيفة والسيّالة التي تتدفّق علينا من كل حدبٍ وصوبٍ، كما أن تحوّل العنف إلى ظاهرةٍ اجتماعيةٍ طاغيةٍ في حضورها يقتضي إحالته إلى مبضع الدراسة الأنثروبولوجية التي تتمعّن في البحث عن أصول أو نسابة، بمعنى تنسيب العنف من خلال ربطه بجذوره وبالأسباب المولّدة له في مجتمعٍ ما، وتتقصّى تقاطعاته في ميادين السياسة والاجتماع والدين والثقافة وجميع عناصر البيئة الحاضنة له. إنّ التعمّق الطامح إلى تأصيل ظاهرة العنف، بغية الإلمام والإحاطة قدر الإمكان بكل ما يتعلّق بها، يضعها في موضع البينية التقاطعية لأكثر من علمٍ: علم النفس، الاجتماع، الأنثروبولوجيا، إلا أن ارتباطها الأساس والوثيق يجعلها منشدّةً إلى علم السياسة، بسبب التحامها بالسلطة، إذ تبرع هذه الأخيرة في تعبيد المسالك التي تنفذ منها إلى هوامش المجتمع، لتعشّش في كل زاويةٍ فيه حتى تلك التي تبدو في مأمنٍ من فعالها، فهي تمكن حتى في الحواشي المهملة والمقصية، التي تنكّب عنها الفكر البشري موليًا وجهة اهتمامه للسرديات الكبرى والبارزة. وبحسب بورديو في تقسيمه الكيان المجتمعي إلى حقولٍ كثيرةٍ، فإن حقل السلطة هو الذي يطغى على المحيط الاجتماعي العام، “فكلّ حقلٍ يدلي بمنطقه الجوانيّ الحمّال لرهاناته وقواعده وتناقضاته، لينتهي آخر المطاف إلى الانصياع إلى منطق الحقل الاجتماعي العام، أي حقل السّلطة”. هذا يعني مقامات العنف وتشكّلاته ووجوهه ومصدره، إذ لا يكون العنف بالضرورة صادرًا عن الجهة الحاكمة، ففي حال الثورات والانقلابات والحراكات الاجتماعية، ينجم العنف عن المحكوم، لكن حتى في هذه الوضعية، فإن العمل العنيف أيًّا كانت درجته ومقاديره ومستوياته هو رد فعلٍ تولّد من الفعل الأساس المنبعث من السلّطة، ينبوع العنف ومحرّك إيقاعه والضابط لوظيفته، والمشرّع له.
السلطة والعنف وتحوّلات الحداثة
خضعت جدلية السلطة والعنف لتحوّلاتٍ وانعطافاتٍ في الشكل، ومن ثمّ في المفهوم، وبخاصةٍ مع المتغيّرات التي عصفت ببنية المجتمعات الأوروبية في مرحلة الحداثة، ولا سيّما مع التبدّلات التي طالت طرق الحكم في الدولة الحديثة، وما رافق ذلك أساسًا من انقلابٍ لنمط الإنتاج في العصر الصناعي. ولقد عاين الفلاسفة والمفكرون موضوعة السلطة في المرحلة ما قبل الحداثية فحاول توماس هوبز Thomas Hobbes (1588- 1679) تأويل ارتباط السلطة بالعنف، فردّه إلى حالةٍ طبيعيةٍ تتمثّل بميلٍ فرديٍ إلى إشباع نوازع فطريةٍ كامنةٍ في الطبيعة البشرية. فأصل العنف استعدادٌ متأصّلٌ في الفرد المدفوع إلى تحقيق منفعته المتحصّلة باستتباب أمنه وحمايته اللذين ما أن ينالهما حتى تكتمل تطلّعاته إلى السيادة والغلبة. ويرافق العنف هذه المستويات الثلاثة من الميول الملازمة للجبلّة الطبيعية، فلا تستوي وتسود ثلاثية المنفعة، الأمن، السيادة إلا بمؤازرة العنف المتمظهر من خلال المهاجمة بحسب تعبير هوبز في مؤلفه الشهير اللفيتان Léviathan إذ يقول: “فأوّل هذه الأشياء يضمن للناس المهاجمة بقصد منفعتهم، وثانيها من أجل أمنهم، وثالثهما بقصد سمعتهم […] ليصبحوا أسيادًا على أشخاص آخرين وعلى زوجاتهم وأبنائهم وممتلكاتهم”. وبالطبع لا يمكننا أن نسقط نيقولا مكيافيللي Nicolas Machiavel (1469-1527) من ريادة قائمة من أسدوا رأيًا مبرّزًا في مسألة كيفية ممارسة الحكم والسياسة في كتابه الشهير Le Prince “الأمير” (1532). ففي هذا الكتاب يولي مكيافيللي النصح للأمير في كيفية المحافظة على ملكه، وعلى الرّغم من منسوب البراغماتية والانتهازية الطافح في النص، إضافةً إلى الواقعية السياسية التي اتسمت بها الرؤية المكيافيلية والتي فضحت حقيقة الفعل السياسي، إلا أنّ صاحب الحنكة والدهاء حرص على تثبيت المُلك من خلال الموازاة الحذقة بين دوام السلطة وكمّية العنف ولزومياته ومواقيته والحاجة إليه، جازمًا للأمير أنه لن “يضمن ولاء الناس إلا بالعنف”. وفي هذا السياق يقول روبير رديكر: “إنّ أصالة مكيافيللي تكمن في حدود تقديرها (السلطة والعنف) بأكبر قدرٍ ممكنٍ من الدقة، وفي التقدير الجيّد لكمية كل واحدٍ منهما. إنّ عمل مكيافيللي نوعٌ من الصناعة الصيدلانية الكيماوية العبقرية في الفكر السياسي الذي يبحث داخل كل حالة عن القدر الصحيح من العنف الذي يتّضح أنه ضروريٌ من أجل إنقاذ السلطة، علمًا أنه يأخذ في الحسبان أنّ تداخلهما أمر حتمي”. حاكى مكيافيللي في تصوّره للسياسة ومن ورائها السلطة راهن عصره، وعلى الرّغم من جدّة الطرح الذي سعى فيه صاحبه للتصوير الواقعي، فتجنّب الانزلاق إلى المعيارية التي تسارع في تقديم نموذجٍ قبليٍ عن الحكم والسياسة، إلا أنه صبّ هدفه في التوجيه إلى كيفية تركيز السلطة وتدعيمها وإدامتها أكثر من انشغاله بالتفكير في طبيعة السلطة وتأثيراتها الاجتماعية.
لا شكّ أن تدرّج التفكير الزمني بالسلطة وعنفها والنظر فيهما خارج منطق الماهيات والمتعاليات، والنزول بهما إلى شعاب التاريخ، والتحرّي عن ظلالهما في أماكن المجتمع الغائرة، لم يحصل دفعةً واحدةً، بل احتاج إلى الانغماس في إرهاصات حقبةٍ تاريخيةٍ عاصفة التحوّلات، توّجت بافتتاح مرحلةٍ حديثةٍ، حيث حسم الإنسان في الانتماء إلى زمنه ووجوده ليفتتحه بنمطٍ جديدٍ من المعارف، إنه زمن الحداثة. إن التفكير حداثيًا يعني الانخراط في الوجود والتاريخ، وهو ما باشره هيغل Hegel (1770-1831)، لكنّه صار أكثر جذريةً وتجذّرًا في ماديته التاريخية مع ماركس Marx (1818-1883). بحث هذا الأخير عن أسباب بؤس الطبقات الاجتماعية، فقاده براديغم الصراع، الذي تبنّاه كمحرّكٍ للتاريخ إلى السّلطة، وربط عنف السلطة بالصراع الطبقي المتولّد من علاقات الإنتاج اللامتساوية. ويمكن عدّ المقاربة الماركسية للسلطة منعرجًا انزاح عن الطروحات السابقة معرّيًا السلطة من أوراق الأيديولوجيا والمقدّس والدين، معمِلًا فيها معاول النقد حتّى صارت من أمّهات المواضيع والمركزيات المفاهيمية لدى المفكرين الماركسيين اللاحقين كمدرسة فرنكفورت مثلًا، وبخاصة بعد ابتلاع التوتاليتاريات (النازية والستالينية والفاشية) أو الكليانيات المستبدّة للممارسة السياسية واختزالها في الطغيان والحكم الأحادي المطلق في أوروبا. وإذا كان ماركس قد حصر بحثه عن أفاعيل السلطة في الاقتصاد، فإنّه سوف يفتتح قارّةً جديدةً واسعةً من الفكر الفلسفي السياسي الذي سيميط اللثام عن أوجه العنف السلطوي في جميع معاقله. دلّل ماركس على جهاز الدولة بوصفه واسطة تمظهر عنف السلطة: “نظر ماركس إلى الدولة على أنها أداة العنف التي تمتلك الطبقة الحاكمة قيادتها”. يتغذّى العنف في الماركسية بشكلٍ أساسٍ من المعطى الاقتصادي، ويأخذ شكل الاستغلال خصوصًا مع تغوّل منطق النظام الرأسمالي الذي آلت إليه السلطة بعد تغيّر نمط الإنتاج الاقتصادي وعلاقاته وانعكاساته على الصعيد الاجتماعي- الطبقي، “فالدور الذي يلعبه العنف في التاريخ تجاه التطور الاقتصادي واضحٌ، فكل سلطة سياسية إذًا تقوم أولًا ومبدئيًا على وظيفةٍ اقتصاديةٍ ذات صفةٍ اجتماعيةٍ”. المؤدّى الاجتماعي للاستغلال الذي هو عنف الدولة الرأسمالية يولّد عنفًا اجتماعيًا مقابلًا. العنف بالعنف، والسلطة هي البادئة. قصد ماركس إلى تثوير الوعي ضد العنف السلطوي ومواجهته بالعنف المقابل أو العنف المضاد الذي يبلغ ذروته من خلال ثورة البروليتاريا. وهذا ما عبّر عنه فرانز فانون Frantz Fanon (1925-1961) في كتابه “معذبو الأرض”1961 قائلًا: “العنف وحده يفيد” و”معذبو الأرض لا يمكنهم أن يصبحوا بشرًا إلا عبر الجنون القاتل”. فهؤلاء المسحوقون والمستغلّون يراكمون وعيًا بوضعهم الإنساني، وينظّمون عنفهم الذي يصير شرعيًا، مستمدًا مشروعيته من الكثرة الغالبة للجماهير الثائرة. هذا الشكل من جدلية الصراع وتبادل العنف من موقعيات طبقية اقتصادية واجتماعية متنافرة أو متضادة (Thèse-Antithèse)، يحثّ عجلة التاريخ للوصول الحتمي إلى انتصار البروليتاريا (Synthèse). فالعاملون الخارجون من حالة استلاب وعيهم، “يريدون أن يغيّروا العالم بالعنف، لذلك يأخذ العنف عندهم مجامع تفكيرهم ويحملهم على أن يفرضوا تصوراتهم على عمليات التاريخ”. يبدو أنه مع الماركسية استمدّ العنف الثوري مشروعيةً مدعّمةً ومتينة، وصار مسوّغًا ومبرّرًا اجتماعيًا، “فالعنف والقوّة يمكنهما أن يكونا تقنيات ناجحة للضغط والمطالب الاجتماعية” بحسب أرندت. لكن الدولة الحديثة تفوق كل التوقعات، وتتقن فنون المصادرة والالتفاف، فتسحب بساط الشرعية المحمية بدعمٍ شعبيٍ ومدٍّ جماهيريٍ عريضٍ، لتستردّ محتكرة “العنف المشروع للدولة” كما نظّر له ماكس فيبر Max Weber (1864-1920). فهو يعرّف العنف “بأنه وسيلة محدّدة للدولة، فالدولة هي المصدر الوحيد الذي له الحق في استخدام العنف”. وهو يرى إلى الرابطة السياسية كجماعةٍ إنسانيةٍ لها الحق في احتكار حق استخدام العنف المادي والشرعي في إقليمٍ جغرافيٍ محدّدٍ. يوطّد هذا الفهم الحديث العلاقة بين الشرعية والهيمنة، حيث يحق للكيان فائق الشرعية أي الدولة استخدام أدوات القسر والإكراه والإخضاع وذلك إمعانًا وإثباتًا لتحقيق إرادتها. تجعل الشرعية هذا الإخضاع مقبولًا من جانب المحكومين الذين يقابلون الهيمنة بالاعتراف. يثوي هذا الاعتراف في صلب الشرعية ويمتّنها، “فهذه الشرعية هي تعبيرٌ عن اعتقاد الأفراد وإيمانهم بحق الحاكم في ممارسة السلطة والإدارة والأجهزة العمومية، وهذا بدوره يتطلّب إجراءاتٍ وممارساتٍ عديدةً، لشرعنة عمل السلطات السياسية والقرارات المركزية”. وتشير أرندت إلى وظيفة الاعتراف في وضع العقبات أمام التسلّط قائلة: “إنّ هذا التسلّط يتميّز بكون الذين يُطلب إليهم الخضوع، يعترفون به من دون أن يضعوا دون ذلك أي شروطٍ، ومن دون أن يحتاج الأمر إلى أي إكراهٍ أو إقناعٍ”. ويمكننا أن نلخّص الحال التي آل إليها كل من العنف والسلطة مع التأويل الفيبري والذي يتضمّن تحوّلًا بنيويًا وعميقًا في النهج السلطوي وطرقه في الحكم، في كون الشرعية قد تغلّفت بالعقلانية التي ارتضت الدولة بأجهزتها وأنظمتها وقوانينها ومؤسساتها وبيروقراطيتها وعسكرها كحالةٍ عليا ومقبولةٍ ومبرّرةٍ، الأمر الذي حوّل عنف الدولة والسلطة من ورائها إلى اختيارٍ طائعٍ ومقبولٍ يحوز رضا الخاضعين. فالقضية المحورية في الفكر السياسي الفيبري تتمثّل في علاقة الهيمنة وارتباطها بالطاعة والأسباب المعيارية التي تدفع المحكومين إلى الانسياق والامتثال والإذعان للعنف المشروع. سيتسلّل هذا العنف المقنّع الذي بات مقبولًا ليجد طريقه إلى العقول والأنفس سالكًا مسالك مستحدثة حداثيًا، حيث سيبتكر العقل الحداثي دينامياتٍ جديدةً وأنيقةً وآلياتٍ جديدةً للقمع، تتيح للسلطة أن تمرّر عنفها الذي سيتجلّى في باتولوجيات مَرَضيّة اجتماعية وثقافية متفشية، كفرض نمطية التفكير والسلوك وردّات الفعل المتشابهة والمتطابقة إزاء الأحداث، ونمذجة المواقف وطرائق العيش، واختزال الوجود الإنساني في قوالب محضّرة ومصنوعة، ما أدّى إلى فُشُوّ الاستلاب والتشيؤ والاستهلاك، وذوبان الفردية والخصوصية في نهج التنميط والتبعية والإلحاق.
إنّ فهم التحوّل العميق والنوعي، الذي يعكس تغيّرًا بنيويًا في وضعية السلطة وإعادة تموضعها في الدولة الحديثة، ومن ثمّ تبدّل صيغة العنف وكيفية ممارسته، يتطلّب اطلاعًا واسعًا وإلمامًا بالتاريخ السياسي لأوروبا منذ معاهدة ويستفاليا، وما استتبعها من تراكماتٍ رسّخت مفهوم السيادة وأطلقت يد الحاكم فوق حدود أرضه. تقوّت هذه السيادة، واكتسبت منعةً وصلابةً بعد أن اصطبغت بصبغة القداسة التي تسلّلت فيما بعد إلى شعارات الأمة والمواطنة والقومية، حيث صارت هذه المفاهيم إلى روابط مقدّسة حلّت مكان الدين، أو لنقل نوع من ديانةٍ جديدةٍ أفرزتها خصوصية المرحلة. ساهمت هذه الأشكال الجديدة من الانتماءات والروابط في تحقيق التئامٍ طوعيٍ للجموع المنتمية حول الدولة-الأمة أو الدولة القومية أو الدولة-المواطنة. رافق ذلك عصفٌ من التحوّلات والأحداث والمعطيات التي عزّزت من قوّة الدولة وأمدّتها بأدواتٍ وأساليب جديدةٍ بسبب التطوّر التقني، “فقد تطوّرت وتيرة العنف وشكله مع تطور المجتمع الرأسمالي، وصار إلى درجةٍ عاليةٍ من التنظيم بسبب استغلاله للثورة التقنية وسيطرة المجتمع الرأسمالي”. منح التقدّم التكنولوجي الناتج عن العقل الحداثي الفكر السلطوي أدواتٍ وتقنياتٍ، فبات “العنف يتميّز بطابعه الأدواتي”، ولا سيّما حين استخدمته التوتاليتاريات في الحرب العالمية الثانية، حيث انتفت المعقولية السياسية وفُقد المعنى من السلطة نفسها بسبب فقدان التوازن والتساوق الذي أشرنا إليه سابقًا مع مكيافيللي بين العنف والسلطة. “والحال أن أدوات العنف قد تطوّرت تقنيًا إلى درجة لم يعد من الممكن القول معها إنه ثمّة غاية سياسية تتناسب مع قدرتها التدميرية […] حيث العنف ينفي السياسي ويغلّب المصلحة الخاصة والرؤية الشمولية المنغلقة على ذاتها”. في هذه الحال “يلتهم [العنف] الوجود السياسي للإنسان”. فالسياسة بمفهومها الحديث أفرزت صيغة دولة ذات سلطة لم يسبق لها مثيلٌ وهي التوتاليتارية، أي السلطة المطلقة التي تطلق تعسّفها وتفلته من عقال السياسة في ظل الإفراط من العنف الذي شكّل صدمةً لمفكري الحداثة الذين خابت آمالهم.
السلطة والعنف من المركزة الفوقية إلى الأروقة المسكوت عنها
حثّ انفلات العنف وعبثية السلطة المفكر الغربي على أن يعيد إمساك زمام الغفلة المفاهيمية للسلطة التي سهى عنها، جذلًا بمشروعٍ تنويريٍ انقلبت نهاياته على بداياته. فسعى الفكر الفلسفي الغربي لإعادة بناء نموذجٍ إدراكيٍ جديدٍ للسلطة يتجاوز ثنائية الدولة والشعب، وتقابلية الحاكم والمحكوم، “فصارت السلطة والتفكّر فيها أعمق من الدولة والمؤسسات، ما اقتضى إعادة بحثٍ في الأسس الفلسفية والمعرفية للسلطة”.اعتبر فوكو أنّ النقص في تحليل الظاهرة الفاشية يُعتبر من الحوادث أو الوقائع السياسية في الثلاثين سنة الأخيرة. كما كان يقول: “إذا كانت المسألة المطروحة في القرن التاسع عشر متعلّقة بالفقر، فإنّ المسألة المطروحة في القرن العشرين وبفعل الفاشية والستالينية هي السّلطة”. وينبّه فوكو إلى أنّ تفكيك خطاب السّلطة لا يستقيم بالكشف عن مقدار القمع الذي يطفح من ممارساتها القمعية الفجّة والمباشرة كما في التوتاليتاريات، بل إن تكوين فهمٍ محيطٍ وملمٍّ بهذه الظاهرة، يستوجب ملاحقتها في سكناها المتواري في المجتمعات الديمقراطية. لم ينهمّ فوكو بتثبيت ماهيّة السّلطة. فالبحث عن الماهيات بالتأكيد ليس من شأنه، وهو لا يكترث له البتّة. هو يباغتها من موقعياتٍ لم تألفها، بل خبت فيها وعشعشت في ثناياها، مغلّفة بالصمت والإهمال. إنها موقعيات الـ “تحت”، التي التهى عنها الفكر بتجريدياته، وانشغل في صبّ قوالبه الكليّانية، فاحتقرها وأقصاها من دائرة اهتماماته. أغار فوكو على معاقل السلطة حيث تعتقل الإنسان في مستشفيات الجنون، وفي السجون، وفي النصوص العقابية القانونية والأنظمة التأديبية، وشهّر بها ناشبة أظفارها في الجسد الإنساني تشهد عليها الخطوط العميقة المحفورة فيه، كبتًا وقمعًا، وتعذيبًا، وتطويعًا، صعد إليها حيث تكمن في الرغبة وفي الجنس وفي العقل وفي المفاهيم وفي مفاصل تآزرها المتآمر مع المعرفة. فالسّلطة هي من مركزيات الفكر الفوكوي الذي يُظهر إصرارًا وعنادًا على “إدراكها حالّةً في الأجساد والخطابات، عاملةً في الرغبات، قائمةً في المُتع، أي رآها جسدًا يعمل في الأجساد، وهي تتّخذ بذلك صيغةً حربيةً يتعيّن على الفلسفة أن تدركها في ميدان المعركة”. لكن النزول إلى أرض السلطة ومنازلتها في معاقلها، وتعرية عنفها الذي يعيث تشويهًا في جسد الإنسان ونفسه وعقله ويخترق كامل كيانيته، يستلزم تغيير موقع المقاربة، أو استبدال المناظير النقدية الفاحصة لموضوعة الدولة بوصفها التجسّد المادي للسلطة، والمؤمّن للقنوات الشرعية لعنفها. فكيف نظر كلّ من فوكو وبورديو إلى الدولة؟
الدولة؛ من الأسفل إلى الأعلى
تطّلبت النقلة المعرفية من الحداثة إلى ما بعدها تفكيك النماذج الجاهزة لسلطة تشكّل كلًّا متكاملًا متمظهرًا في شكله الأعلى الذي هو الدولة ومؤسساتها وأيديولوجيتها والتي تنفث عنفها وهيمنتها. تطلّبت هذه الاستراتيجية النقدية من فوكو قلب التموضعات. فصارت السّلطة جسدًا يبضّعه بمِشرَطه النقدي الحاد، بعد أن كانت الأجساد توضّب وتُساق إلى معتقلاتها الممتدّة في المجتمع، أي المؤسّسات المتضلّعة في تمتين سيطرتها. وفي سياق تكوينه لفلسفته حولها، يمرّ فوكو مطّلعًا على تفسيراتٍ سابقةٍ حول تشكّل السّلطة. فهو يستخلص ما يوجزه في قوله التالي: “لست ترى من أيّ جهةٍ، من اليمين أم من اليسار، كان يمكن طرح مسألة السلطة. في اليمين لم تكن مطروحةً إلا بقاموس الدستور والشرعية… إلخ، إذًا بقاموسٍ قضائيٍ. وطرحها من ناحية اليسار كان بمعاني جهاز الدولة. أمّا الطريقة التي كانت تمارس بها ماديًا، بالتفاصيل؛ بخصوصيّتها وتقنياتها وتكتيكاتها، فلم يكن أحدٌ يبحث عنها”. فالسّلطة قوربت عبر مفهوم التعاقد والقوانين أو كيانية الدولة وجهازها، أو من خلال المعطى الطبقي. وأٌدرِكت كتعاقدٍ أو كهيمنةٍ، وكضرورةٍ اقتضاها عنف الطبيعة البشرية. فهي “إذًا ليست شيئًا يُحصل عليه أو يُنتزع ويُقسم […] شيئًا نحتكره أو يفلت من أيدينا”. كما وأنّه لا يجب حصرها في مجموعة أجهزةٍ ومؤسساتٍ تُخضِع المواطنين سواء عن طريق العنف الفظ أو عبر القانون الذي يجسّد الشرعية، “إنني لا أعني بالسلطة كمجموع مؤسساتٍ وأجهزةٍ تؤمّن خضوع المواطنين في دولةٍ معطاة”. فلا يرتضي فوكو النظر إلى السّلطة كونها مجسّدة في جهاز الدولة الموجودة في الفوق، أو أنّها تتسامى إلى القصور الملكية، أو ترتع في البرلمانات وترفل في أثواب القانون داخل هياكل المحاكم، أو تتبختر في الوزارات. “بدل الهرمية التي ما انفكّت تطبع التصوّر الماركسي”، فلنتعقّب بصمات السلطة في الأسفل وفي القاع؛ الشارع، المستشفى، العيادة، السجن، الثكنة، والمدرسة. فالسّلطة واحدةٌ وإن تعدّدت رؤوسها، وتناسلت شياطينها.
في هذا السياق يتخطّى بورديو المقاربات التي تقيّم الدّولة من خلال التفسير الوظائفي؛ سواء كان الأفضل كناظمةٍ للمصلحة العامّة وضامنة لها (هوبز وجون لوك)، أو الأسوأ بما هي راعية لأيديولوجيا السّيطرة (غرامشي وألتوسير). يوغل بورديو متقصّيًا ما وراء التوصيف الوظائفي الذي حجب في رأيه المبحث الأهمّ في الأواليات والميكانيزمات التي أسّست لتحوّل الدّولة تاريخيًا إلى بنيةٍ تحتكم إلى مبدأ تنظيم شمولي، صراطي، احتكاري للسّلطة. هذا المبدأ الضابط المستور والمضمر يتجلّى في النظام الاجتماعي العمومي ويعزّز “الاندماج والتوحيد المنطقي والتّتام المعنوي أو القيمي في العالم الاجتماعي”. فالدّولة أسّ الإجماع والتوافق والالتئام، حيث تنتظم الإجماعات والمبادلات والتداولات وحتى النزاعات والاختلافات في الحقول جميعها. “الدولة إذًا هي تلك المؤسّسة التي تملك السّلطان الخارق والقوّة الخارقة، على إنتاج عالم اجتماعيّ منظّم ومنتظم، من دون أن تعطي أوامر بالضرورة، ولا أن تمارس قسرًا دائبًا دائمًا”. إنّ مؤسّسة الدّولة تستوجب خضوعًا وطاعةً دون أن تمارس تعسّفًا وإلزامًا مباشرين، والمؤسّسة هنا ليست ما تتمأسس به فقط، من مرافق عيانية ومقدّرات مادية وإدارات بيروقراطية، بل هي تثوي في العقول، وتقيم في الذاكرة الجماعية. هذا يعني أن للدّولة سيطرةٌ من نوعٍ آخر تستجرّ الاعتراف بها ككيانٍ مسلّمٍ به على أنه كامل الشّرعية، حيث تُستمَد هذه الشرعية من العنف الرمزي.
وبعد أن حدّدنا موضعيًا وعينيًا أمكنة انتشار السلطة وتمدّدها، المرئية واللامرئية، المعنوية الرمزية والمادية، وبعد أن قُبض عليها وكُشف عنها مندسّةً في موقعياتٍ خفيةٍ ومحجوبةٍ، سنميط اللثام عن عنفها الصامت والعميق الغور، في المستقر القصيّ المغمور، حيث العنف ينشب أظفاره في الجسد الأبكم الذي اغتالته عقلنة التاريخ بحجة تأديبه وترويضه، فأشبعته تشويهًا وإقصاءً وازدراءً، فأُثخن بالندبات جرّاء التعذيب والاحتجاز في السجون، والترويض الطقوسي في المدرسة والثكنة والمستشفى والأديرة، والتقنين الجنسي الموجّه، أو الترشيد الجنسي المجتمعي. وفي اكتساب هذه الممارسات الصامتة شرعيّتها من قوانين ومواد دستورية متصلّدة بوصفها سلطة تعلو المجتمع وتُطبَّق ممسكةً على مفاصله كافّةً. وإن كان فوكو يباغت السلطة من مواقعها التحتية وفي بؤرها المرذولة والمنبوذة، فإنّ بورديو يغزوها في كل معاقلها، المادية منها والرمزية، ويغير عليها في حقولها ليشرّح دقائقها وتفاصيلها. وفي حين يلقي فوكو القبض عليها متلبّسة بتهمة ارتكاب تهشيم الجسد وانتهاكه، فإن بورديو يفضحها ناشبةً أظفارها في سجايا الأفراد، لتطبّع وفق آلياتها الممنهجة طبائعهم، ليُمسوا هابيتوس habitus معنّفًا مدجّنًا، مروّضًا، على مرّ التاريخ. فالهيمنة وعنفها يحتلانّ مركز ثقلٍ في مسار اشتغال بورديو النظري.
فوكو: عنف السلطة المفترسة للجسد
كان من المفترض أن تطلق الحداثةُ الجسدَ من تاريخٍ مديدٍ من الاعتقال والإقصاء، لكنّ السّلطة أدخلته في مشروعها الاستثماري المتمادي في عقلانية التقنين والضبط، لابتزاز قدراته، والاستنفاع منها، دامجةً إيّاه في نظم مراقبةٍ توجّه رغباته وحركاته وتفيد منها خدمةً للمجتمع والعمل وسير الحضارة بشكلٍ عام. تختلف سلطة القرن الثامن عشر عن سابقاتها من العصور، التي كانت تتفنّن في صنوف التعذيب كما يعرض فوكو في كتابه المراقبة والمعاقبة. يقوم فوكو بعملية تشريحٍ سياسيٍ للجسد، ليكشف تاريخًا سحيقًا لانغراسه في علاقات سلطوية. يُسفر هذا التفصيل والتدقيق والإغراق والاسترسال في حكاية الجسد المنسية عن تعيين فوكو ومعاينته لأجسادٍ متنوّعة؛ مريضة، صحيحة، أجسادٍ برجوازية، كما أنه وقع على جسد الطبقة العاملة، وهناك الجسد المفرد، وجسد الجماعة. جميع هذه الأنماط من الأجساد المدجّنة والسّاكنة والمُطبَّعة والمُروّضة هي ذات وضعيةٍ علائقيةٍ مع السلطة ومؤسساتها، وهي منغرسةٌ في مجالاتها السياسية.
تخبرنا حفريات فوكو في تاريخ الجسد حكايته الغائرة في النسيان والصمت، وتعرض مشهدياتٍ عن فصول مأساته. فهو جسد اقتنته السلطة كقنيةٍ بخسةٍ ويعطي مثالًا عن أجساد المجانين والمرضى والعاطلين والفقراء، التي كانت تُكدّس وتُلقى بعيدًا في معازل باسم مستشفيات في العصر الكلاسيكي، فقد كان يُتخلّص منها بمواراتها والقذف بها جانب المجتمع وعلى هامشه. لكن مقتضيات العصر البرجوازي وضرورات نظامه الذي كان يريد الحفاظ على نفسه ليحتوي الأزمات الاقتصادية، دوّرت هذه الأجساد وفرضت عليها العمل الإجباري. فالمهمّشون “أٌخضعوا للعمل الجبري”، وسُخِّروا كقوىً إنتاجيةٍ في خدمة الاقتصاد البرجوازي. “نشغّلهم بالعمل أطول مدّة ممكنة وفي الأعمال الأكثر شقاءً، وذلك بما تسمح به قوّتهم ويسمح به مكان عملهم”. تتجاور الدلالة الأخلاقية لتسخير الجسد مع التوظيف الاقتصادي له، فهؤلاء المنبوذون يذعنون لتقويمٍ أخلاقيٍ عقابيٍ من خلال التزام النظام، ترك التكاسل والاتكال، ومن خلال مظاهر العقاب، “تقليل كمية الأكل، الزيادة في ساعات العمل، السجن وأحكام أخرى”. إلى جانب العقاب، يسرد فوكو مشهديةً أخرى عن تعذيب الجسد، حيث كانت هذه المشهدية عبارة عن احتفالية تُعرض في الساحات العامة على الملأ. فجسد المحكوم عليه بالإعدام يصير لوحةً تُستعرض فيها قوّة السلطة وبطشها وسطوتها، “إنّ حكم الإعدام القاضي بإقصاء المتهم عن الحياة الدنيا بإماتته، يقتضي أن يموت مرحليًا بالتقسيط، أن يموت كل جزءٍ فيه بالتقسيط، أن يموت كل جزءٍ من جسده بالتدريج، إلى أن يتم موته النهائي […] إنه عقابٌ جسديٌ مؤلمٌ يتفاقم إلى حد الفظاعة”. إنها السّلطة التأديبية التي تُفصح عن نفسها من خلال جسد المعذّب. وعلنية التعذيب أمام العامة هي إيغال (إمعان) في استعراض السلطة وتثبيت لشخص الملك والحاكم الذي يبثّ الرّعب لدى المتفرّجين الشاهدين على هذا السخاء في التنكيل، حتى لا يغيب عن ذهنهم وذاكرتهم التسليم بسيادة الحاكم الذي يتّخذ من الجسد المعذّب مسرحًا لسلطته، “إنه مرتكز تمظهر السلطة”. إن القصد من فائض الترويع هو تدعيم شرعية الملك المتسلّط، إلا أن ذلك قد عجّل في نزع شرعيته، وحرّض على الانتفاضة على العقاب وبخاصة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر” عند الفلاسفة والمنظّرين الحقوقيين، عند فقهاء القانون ورجاله، عند البرلمانيين ضمن دفاتر الظلامات ولدى المشرّعين”.
مع الانتقال إلى مرحلة الحداثة، كشف التشريح السياسي للجسد الإنساني الذي استمرّ فيه فوكو، عن ابتكار العقل الحداثي لسلسلة من المراقبات الدقيقة والمدروسة المستحدثة لضبط الجسد تتعلّق بالصحّة والنسل والعمر. “حدث تعزيزٌ للجسد وطرحٌ لمسألة الصحّة وشروط عملها […] يدور الاهتمام حول الجسد والعافية وطول العمر ونسل الطبقات المهيمنة”. تتّخذ المراقبة هيئةً أخرى وهذه المرّة بعيدًا جدًّا عن الموت والتعذيب، وإنما ممتزجة بمعارف جديدةٍ أطلقتها عجلة ازدهار العلوم ابتداءً من القرن الثامن عشر، وتنتقل إلى مناخٍ مختلفٍ يتماهى مع مقتضيات المرحلة ومتطلّباتها الجامعة إدامة السيطرة إلى الإنتاج، وهكذا تدخل الأجساد دائرة الاستثمار، فتصير أداةً منتجةً وفي الآن نفسه تبقى تحت مرمى المراقبة. إنّها إرادة السّلطة المتخفية وراء ستار المعارف التي ترعاها وتوجهها، لتدير عبرها حياة الأفراد. تضفي المعارف نوعًا من المشروعية على السلطة، وتصير أحد لبوساتها التي تتيح لها أن تتموّه من خلالها، طاويةً صفحة ماضٍ مغمّسٍ بالدم وبالأشلاء البشرية. فبوساطة المعرفة صارت السلطة، سلطة للحياة لا للموت “ومذ أعطت السّلطة لذاتها مهمّة إرادة الحياة، لم تكن ولادة المشاعر الإنسانية، بل مشروعية وجود السلطة ومنطق ممارستها هو الذي جعل تطبيق عقوبة الموت أمرًا أكثر عسرًا […] لأنّه لا يجوز لسلطةٍ تستثمر الحياة وتنمّيها وتراقبها وتديرها وتنظّمها وتتوزّع فيها، أن تنتزعها أو تقمعها أو تحبطها، فذلك ما يمثّل في الآن نفسه نهايتها وفضيحتها وتناقضها”.
في رأي فوكو، إذًا، كان لا بدّ من تقنياتٍ معاصرة متلائمة مع وظيفتها الإنتاجية، لذلك صار الجسد إحدى مواضع الاستثمار السياسي قبل أن يكون إنتاجيًا “فهو غارقٌ مباشرةً في ميدانٍ سياسيٍ، فعلاقات السّلطة تمارس عليه تأثيرًا مباشرًا، إنّها تستثمره، توسمه، تروّضه وتعذّبه، تفرض عليه أعمالًا […] هذا الاستثمار السياسي للجسد مرتبطٌ باستعماله الاقتصادي […] فالجسد لا يصبح قوّةً نافعةً إلا إذا كان في الآن نفسه جسدًا منتجًا وجسدًا خاضعًا”.
بورديو: فتنة العنف الرمزي
إذًا وبخلاف العنف الفظّ والمباشر الذي يمارَس على الأجساد ضربًا وسجنًا واغتصابًا، أو يجري على الألسنة إهاناتٍ وإذلالًا وتحقيرًا، يستتر العنف الرمزي كمحرّكٍ خلفيٍ، خفيٍ للمشهد الاجتماعي، بحيث ينجح في تحديد أدوار ضحاياه الذين لا يلحظون وجوده ولا يشعرون به، فهم ينقادون إليه ومن خلاله، لأنهم بقدر ما يعترفون به، يستبطن هذا الاعتراف جهلًا بطبيعته كعنفٍ ممارَسٍ عليهم. هكذا تتوسّل السلطة ما هو أكثر قبولًا وتقبلًا واعترافًا بين الناس، لتمرّ عبره إلى كل مكانٍ وفي كل حقلٍ، متوسّطةً الرموز واللغة والألفاظ والأقوال والقوانين والطقوس والأيديولوجيا والأعراف لتحفظ تواجدها الخفي وغير الملحوظ، ولتعاود إنتاج نفسها ولتؤمّن استمرارها.
يوضّح بورديو ما يعنيه بالعنف ذي السّمة الرمزية. فالعنف الرمزي لا يقلّل من أهمية العنف الجسدي. وهو يرفض التفسير الساذج الذي يرى إلى مفردة الرّمزي كتعارضٍ مع الواقع العيني، ما يؤدي إلى تكوين افتراض “أنّ العنف الرمزيّ يمكن أن يصبح عنفًا روحيًا خالصًا، من دون آثارٍ واقعيةٍ في نهاية الأمر”. العنف الرمزيّ ليس مفارقًا للواقع، بل لصيقًا به وبشخوصه، يتمظهر في سكناتهم وفي أدائهم، وفي صور نشاطهم وفاعليتهم كافةً. فكيف تستوطن السلطة الرمزية هذا النشاط، وتلك الصور؟
يقارب بورديو “المنظومات الرمزية”؛ كالفن والدين والّلغة والعلم والأيديولوجيا، متّبعًا التحليل البنيوي، هادفًا إلى إبراز البنية التي تتحكّم في كل نتاجٍ رمزيٍ. لذا فهو لا يرى إلى هذه المنظومات في تنويعاتها وتعدّديتها، منفردةً أو معزولةً، بل يدمجها في بنيةٍ أو في نظامٍ بنيويٍ- وظيفيٍ متدرّج الأبعاد في مهامه. فهو مظهرٌ فعّالٌ للمعرفة من حيث كونه يرتدّ إلى الواقع ليعيد بناءه وتشكيله وفق تصوّراتٍ وتصنيفاتٍ وترسيماتٍ تتكرّس، بعد إجماع الذوات عليها وتوافقهم وتعارفهم حول دلالاتها، في سلطةٍ رمزيةٍ تعيّن “المعنى المباشر للعالم” (والعالم الاجتماعي على وجه الخصوص). هذه الأشكال وإن كانت معرفيةً، فهي لا تتأتّى من فاعليةٍ خلّاقةٍ للوعي، بل تتحوّل إلى مسلّماتٍ وبديهياتٍ غير قابلةٍ للنقد والمساءلة والمراجعة، فتثبت كمنمّطاتٍ تُسبغ عليها خصائص وصفات ثابتة ومتصلّبة. هذا النمط من الاعتقاد (doxa) الذي يطغى كثقافة سائدة اعتباطية، أي معتقد الأمر الواقع الذي يفتقد إلى التأسيس النقدي وإلى النظرة العلمية، يستمر في السّيادة والطغيان، بقدر ما يُعترَف به من طرف الفاعلين. إن رسوخ الاعتراف بالمعتقد يستبطن جهلًا في كونه سلطة رمزية تقتحم الاستعدادات الإدراكية والجسدية للمتلقّين غير المكرهين على استدماجه، كهابيتوسات معدّة اجتماعيًا ونفسيًا لاستدخال إملاءات وإيحاءات السلطة الرمزية. في هذا السّياق، يقول بورديو: “هكذا، لا نستطيع التفكير في هذا الشكل الخصوصي للهيمنة، إلّا بشرط تجاوز تناوب الإكراه، والقبول بالقهر الآلي، والخضوع الإرادي الحرّ والمتعمّد، لا بل المحسوب. إنّ أثر الهيمنة الرمزية (سواء أكانت إثنيةً، أو نوعًا، أو ثقافةً، أو لسانًا… إلخ)، لا يمارس في المنطق الخاص للضمائر العارفة consciences connaissantes، بل يمارس من خلال ترسيمات الإدراك الحسّي والتقييم والفعل المشكّلة للهابيتوس والتي تؤسّس، إلى جانب قرارات الوعي ورقابات الإرادة، علاقةً غامضةً جدًا من المعرفة مع نفسها”.
الرمز: نموذج العنف الرمزي
يحتلّ الرمز في الفكر البورديوي مركز ثقل، ويُعدّ بمنزلة مفهومٍ مفتاحيٍ للإحاطة المفهومية بعمق موضوعة السّلطة. فهو الذي يفكّك شيفراتها الملغزّة ويفضح كيفية توغّلها في المؤسسات وفي اللغة (الكلمات والتعابير اللفظية)، في الطقوس والمراسيم والاحتفالات والشعائر، وفي الثقافة وفي الأيديولوجيا والمقدّس. هذه كلّها مقرّات لامرئية، لكنها آمنة، وتهوّن تقنّع عنف السلطة. فالسلطة مثوى العنف، وهو نهجها ودأبها الذي تنوّع في ابتكار تلويناته وتشعيب مسالكه. إنه الذي يساند على الدوام استتباب هيمنة الدولة التي تحوّل مؤسساتها إلى مناخاتٍ ملائمةٍ له. فالعنف كان قائمًا منذ البداية، “إنّ للعنف في حدّ ذاته ضرورته أيضًا، مثله مثل جميع المؤسّسات الوسيطة التي يتشكّل من خلالها؛ مثل الأسرة والمدرسة والكنيسة. والحق، إنّ المرء يكاد لا يشدّد بالقدر الكافي عند تفسير الحياة الاجتماعية على مرّ أطوار التاريخ وإلى يومنا هذا على دور العنف الذي لا يحدّد البداية فحسب، بل يحدّد كذلك تطوّر جميع تكوينات الدولة وأشكالها”. لقد تدرّجت أنواع العنف وأشكاله وأوجهه عبر التاريخ، فاستطاع “البشر التقليص من وحشيته” وتمريره عبر خطاباتٍ وشعاراتٍ تضمن هيمنةً غير مدرَكَةٍ من قبل المهيمَن عليهم، يقول بورديو: “الدولة هي شيءٌ […] يطالب بنجاحٍ باحتكار الاستخدام الشرعي للعنف الطبيعي والرمزي على أرضٍ محدّدةٍ وعلى مجمل الساكنين فيها […] فالدولة لم تستطع تدريجًا أن تضمن لنفسها احتكار العنف إلا […] بأدوات العنف الجسدي والحق في ممارسته، مساهمةً بذلك في تحديد الأبعاد الجوهرية لمسار الحضارة”. إن الدولة تتماهى مع حقل السلطة أو السلطان الذي يمتلك “الاحتكار المشروع/ الشرعي للعنف المادي والرمزي”. فمع تبدّل الأشكال الحديثة للحكم، كان لا بدّ من ابتداع أساليب من الحذاقة بمكان بحيث تنجح في إخفاء الهيمنة، وتحويل سلوكياتها وأفعالها بعيدًا عن القوّة المباشرة، “فالهيمنة لا يمكن أن تمارس إلا من وراء حجب […] إنها لا تتحقّق جهرًا، لذا يتعيّن عليها التخفّي وراء حجاب علاقات الافتتان”. وسر الافتتان بالعنف إلى درجة استساغته والقبول به، هو تلبّسه لبوساتٍ رمزية تحاصر الفرد في فضائه الاجتماعي الذي يعجّ بها. من هنا تنجح السلطة في تحصيل سمات رمزية، و”السلطة الرمزية أرقى التعبيرات السلطوية” هي “قوةٌ سحريةٌ” أو ليست سوى “صورة أخرى لما أسماه فيبر الكاريزما”. إنّه تحوّلٌ هانئٌ وهادئٌ للعنف الشرس إلى عنفٍ ذي وسامةٍ ودِعةٍ. يشعّب بورديو من مدلولات الرمزي، لتنضوي تحته أنواع من الرساميل -العلمية والثقافية والدينية والأيديولوجية والقانونية والفنية، وحتى أنه يشمل البيروقراطية أو كل ما يُصنّف في خانة البنية الفوقية- بحسب التعبير الماركسي والرمزي حيث يقول: “رأس المال الرمزي هو مثل أي ملكية […] مدرَكة من طرف فاعلين اجتماعيين، تسمح لهم مقولات إدراكهم بمعرفتها (إدراكها) والإقرار بها، وبمنحها قيمةً (مثال الشرف)”. وينوّع بورديو في أشكال العنف المتلبّسة لبوس الرموز فيقول: “يتمّ الشعور بسلطان الدولة بشكلٍ خاصٍ في مجال الإنتاج الرمزي […] تساهم الدولة في توحيد السوق الثقافي، في توحيدها جميع الرموز القانونية واللغوية […] وفي قيامها بمجانسة صور الاتصال البيروقراطي تحديدًا. (على سبيل المثال: الاستمارات والمطبوعات… إلخ) وعن طريق نظام التصنيف (بحسب الجنس والسن تحديدًا) المسجّل في القانون والإجراءات البيروقراطية، والبنى التعليمية والطقوس الاجتماعية […] تشكّل الدولة البنى العقلية وتفرض المبادئ العامّة للتفرقة”. وبالطبع لا يفوت بورديو أن يدلّل على سعي الدولة إلى تثقيل رمزية هيبتها في المدرسة، “إنّه عبر المدرسة خصّيصًا […] يمارِس الفعل الموحّد للدولة دوره في مجال الثقافة التي هي عنصرٌ أساسيٌ في بناء الدولة الوطنية”.
خلاصة
عرضنا نماذج غربية حديثة ومعاصرة لمقارباتٍ تحليليةٍ حول علاقة السلطة بالعنف، التي تبدو تاريخيةً بمعنى أنها مستمرّةٌ منذ الأشكال الفظّة الأولى للحكم ما قبل تأسيس الدولة، وهي التي سمّاها هوبز بالحالة الطبيعية أو مرحلة الفوضى حيث “حرب الكل ضد الكل” أو حيث كان “العنف استمرارًا للسياسة بوسائل أخرى”، وصولًا إلى اتخاذ الحكم منحىً دولتيّ وإن بصوغٍ مختلفٍ، حتى ذلك الصوغ الأكثر تطوّرًا وتحضّرًا في المرحلة الحديثة حتى الآن. بقي العنف صنو السلطة الذي لا تبدّله تبديلًا. كان الهدف من تناول كلِّ من بورديو وفوكو ليس إثبات التوأمة المتلازمة والمتلاحمة بين العنف والسلطة فحسب، وإنما السعي إلى إظهار اختلاف كيفية تناول الفكر النقدي المعاصر لهذه المسألة الحيوية والحاضرة والمؤثرة على الدوام. حاصرت مقاربة فوكو وبورديو إشكالية السلطة وكشفت استتار عنفها استنادًا إلى تطوّر المناهج الفكرية والأدوات التحليلية والعدّة المفاهيمية في مختلف العلوم الإنسانية. مكثت هذه السّلطة لفتراتٍ طويلةٍ مطمئنةٍ مستأنسةٍ وراء زيوفها التي تظلّلها وتموّهها. لكن يبدو أنّ المكان الذي يتطلّب بالضرورة دراسةً ملحّةً ومستعجلةً هو كمون العنف واستيطانه في الأنفس والعقول، ما يجعله دائمًا في حالة تأهّبٍ وحضورٍ. فهو يفيض ظاهرًا بالعنصرية والانغلاق وشيوع ثقافة رفض الهويات الأخرى وينضح بفعل التخندق الهوياتي والثقافي والخطابات العولمية للكراهية والنفور والإقصاء، حتى صار عالمنا منهكًا بالعنف الممتد والمنتشر، ويبقى أنّ قراءةً نقديةً في هذه الظاهرة العالمية، لا بدّ أن تبحث وتتحرى عن جذرها الأوّل وهو السلطة.

المصادر والمراجع
أبو خاص. جودة محمد إبراهيم، المنظور الفلسفي للسلطة عند ميشيل فوكو: دراسة في الفلسفة السياسية والاجتماعية، ط1 (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017).
أرندت. حنة، في العنف، إبراهيم العريس (مترجم)، ط2 (بيروت: دار الساقي، 2015).
الأسود. شعبان الطاهر، علم الاجتماع السياسي، (بيروت: الدار المصرية اللبنانية للطباعة والنشر والتوزيع، 2001).
بوبوفيتش. راتكوفيتش، الاشتراكية والدولة: أدوار العنف في التاريخ، جورج طرابيشي (مترجم)، ط1، (بيروت: منشورات دار الطليعة، 1965).
بورديو. بيير، أسباب عملية، أنور مغيث (مترجم)، ط1، (بيروت: دار الأزمنة الحديثة، 1998).
بورديو. بيير، الهيمنة الذكورية، سلمان قعفراني (مترجم)، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009).
بورديو. بيير، عن الدّولة، دروس في الكوليج دو فرانس، نصير مروّة (مترجم)، ط1 (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016).
بورديو. بيير، وباسرون. جان كلود، إعادة الإنتاج، في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم، ماهر تريمش، (مترجم)، ط1، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية، 2007).
توفلر. ألفين، تحوّل السلطة، لبنى الريدي (مترجمة)، ج1، (د. م: الهيئة المصرية العامّة للكتاب، 1995).
جيجيك. سلافوي، العنف، تأملات في وجوهه الستة، فاضل جتكر (مترجم)، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، 2017).
دولوز. جيل، السلطة والمعرفة؛ مدخل لقراءة فوكو، ط1 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1987)، ص33.
العيادي. عبد العزيز، فوكو: المعرفة والسلطة، ط1، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1994).
فوكو. ميشيل، تاريخ الجنسانية- إرادة المعرفة، مطاع صفدي وجورج أبي صالح (مترجمان)، (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990).
فوكو. ميشيل، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، سعيد بنكراد (مترجم)، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006).
فوكو. ميشيل، جينالوجيا المعرفة، أحمد السطاتي وعبد السلام بن عبد العالي (مترجمان)، ط1، (د. م: دار توبقال للنشر، 1988).
فوكو. ميشيل، يجب الدفاع عن المجتمع، الزواوي بغّورة (مترجم)، ط1 (بيروت: دار الطليعة، 1997).
ماكيفر. روبرت، تكوين الدولة، حسن صعب (مترجم)، ط1 (بيروت: دار العلم للملايين، 1966).
هوبز. توماس، اللفيتان، الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ديانا حرب وبشرى صعب (مترجمتان)، رضوان السيد (مقدم ومراجع)، ط1 (بيروت: دار الفارابي، بيروت، 2011).

الزهراء سهيل الطشم

باحثة لبنانية، حائزة على شهادة الدكتوراه في الفلسفة المتخصّصة بالفكر الغربي الحديث والمعاصر من المعهد العالي للدكتوراه – الجامعة اللبنانية، دبلوم متخصِّص بالعلوم الاجتماعية من الجامعة اللبنانية- معهد العلوم الاجتماعية، حائزة على شهادة تخصّص بالتربية من الجامعة اللبنانية- كلية التربية، أستاذة مادة الفلسفة العربية والفلسفة الغربية في التعليم الثانوي الرسمي، نشرت العديد من المقالات والبحوث في دوريات ومجلات ومواقع لبنانية وعربية.

مشاركة: