في العنف السياسي ضد المرأة / هوامش

قبل الشروع في الحديث عن العنف السياسي كتجربة شخصية، يبدو لي أن الفهم الشخصي للتجربة هو أحد وجوه الأهمية في استعادة التجربة، ولربما كان أعظمها على الإطلاق، فعادة ما تكون قدرة المرء على التفكر والفهم العميق في خضم التجربة أمرًا بعيد المنال، حيث إن الاستعمالات الشخصية لما تمكن تسميته أدوات الفهم تختلف في خضم التجربة عما بعدها.
يبدو لي أن الظواهر الذاتية كالرغبة والإرادة والطموح والإنجاز، في حال التجربة، تتلاحم مع موضوعها، فلا يعود الذهن قادرًا على الوقوف على مسافة كافية للانفكاك عن كونه الإطار الذي تجري من خلاله هذه السيرة. لكن الخروج من التجربة يفسح المجال لإعادة اشتغال ذهني، يُتوسَّل من خلالها استعمال منظورات مختلفة، لتجديد عدة معرفية مختلفة وتجنيدها، وتجريب استخدام أدوات جديدة في الفهم ربما.
أنوي القول إنه من الواضح اختلاف الموقف النفسي والذهني أثناء التجربة عمّا بعدها.
هل لما سبق من أهمية في سياق مقاربة العنف السياسي ضد المرأة؟ نعم أزعم ذلك لأنني انتبهت حينما عدت إلى الماضي حيث كانت لي تجربة عمل على مدار سنوات في الاتحاد النسائي، لم أكن وقتها قد فكرت مليًا بالأمر، لكنني بت أرغب في فهم الروابط فيما بين العنف السياسي والحاضن البيئي لهذا العنف.
يبدو لي أن العنف ضد المرأة عامة والسياسي منه بوجه خاص هو الشكل الأكثر تعقيدًا باعتباره عنفًا أولاً، وهو موجه ضد المرأة لأنها امرأة، أي لأنها شخص متمايز جنسيًا. وفي هذه الحالة ثمة شعور لدى من يحتكر السلطة، على اختلاف مستوياتها وأشكالها ودرجاتها في الحقل الاجتماعي، السياسي والاقتصادي والثقافي، أن ثمة من يتهدد سلطة الذكور المستقرة تاريخيًا تقريبًا وهو من جنس مختلف، ما يعني أننا في صدد نوع من العنف المركب الذي ينطوي على التمييز فضلًا عن كونه عنفًا مع فهمنا بأن التمييز هو أيضًا شكل ناعم من العنف.
ربما كان عدم وجود وقائع مادية مباشرة أو غير مباشرة تشير بكل وضوح إلى العنف، في سياق تجربتي في العمل ضمن كوادر فرع القنيطرة للاتحاد النسائي، هو ما يفسر غياب الطرح العميق للأسئلة، أو أنني لم أكن وقتها أمتلك ترف التفكير والتحليل والقراءة والاستنتاج كي أفكر في موضوع كالذي أنا في صدده الآن.
إن عدم وجود وقائع مادية للعنف أو حوادث دالة عليه لم يكن ليمنع شعورنا أنا وبقية النسوة في هذا المكان، على اختلاف مستويات المسؤولية فيما بيننا، أننا لم نكن سوى أشخاص لا معنى لوجودهم، ولم نكن ندرك أن لنا وظائف أخرى ستفعلها جهات فاعلة، فهي لم تكن لتنشئ مثل هذا المكان من دون وظائف محتملة، لكننا كنّا مرحبات بوجودنا في هذا المكان بحكم الاضطرار للعمل، أي بحكم الاضطرار لدخل يساعد على تصريف شؤون الحياة.
كان ثمة شعور بخطأ ما، بل بخلل عظيم على مسرح الحياة هذه. يبدو أن نقصًا كبيرًا في القدرة على الفهم كان يتخللنا، فنحن ممثلون برتبة كومبارس، عاجزون عن فهم الرؤية الإخراجية على مسرح السلطة في دهاليز المجتمع وما يُفترض أنه شكله السياسي. فمَن هو المخرج؟ وأين هو النص؟ ولمَ كل هذا المجتمع هو جمهور من سديم؟ وأين تقع الغايات؟
أدرك الآن في فسحة التعبير هذه، وبالعودة في الزمن إلى سنوات مضت، أن للعنف أشكالًا وأشكال، منها ما يخرج ويظهر ويتبدى ومنها ما يستتر بصمت ويكمن، أدرك الآن أننا كنّا في جو عام من العنف الأخرس، في بيئة عنف شاسعة، فكل فعل، أو تصريح، أو حركة، أو كلمة هو لغم يخشى الشخص ملامسته فينفجر.
ما القاع الذي ينبع منه العنف وأين تتوضّع طبقاته؟
لم يكن واضحًا لدي أن العنف الصامت هذا قادم من بيئتي المجتمعية عشائرية الطابع وهي مهاد تكويني، إلا أنني لم أجد من يتعرض لي بما يمكن توصيفه على أنه حالة من حالات العنف المادي أو غير المادي، الظاهر أو المبطن، المباشر أو غير المباشر، هذا لا يعني أن البيئة العشائرية هي بيئة ودية أو صديقة للمرأة، أو أنها غير منتجة للعنف، وهي على أية حال بيئة يُلاحَظ فيها تراخي القبضة السلطوية عمّا كانت عليه قبل عدة عقود. هذا يختلف طبعًا من مكان إلى آخر بحسب اختلاف الظروف الاقتصادية والتعليمية التي تفرض مستوى أعلى من التأثّر بمتغيرات الحياة وإذًا قابلية انفتاح أكبر على العالم.
إذًا، لم أفكر في أن البنية العشائرية هي بنية مولِّدة للعنف السياسي وغير السياسي ضد المرأة، على الرغم من كونها كذلك بحكم بنيتها نفسها كشكل قديم في رسم محاور القوة التي يتفوق فيها الرجل، وهو إلى ذلك المالك الحصري للسلطة والعنف والقرار. توجد حالات كثيرة ربما تشير إلى كون البيئة العشائرية هي مصدر من مصادر العنف السياسي وغير ذلك، لكن في حالتي يأخذني التفكير نحو هذا الجو العام المشبَع بعقدة السلطة والمفخَّخ بالعنف، حيث يقع توزيع حصص العنف على الجميع من دون اعتبار لمسألة الجنس.
يبدو لي أن هذا الجو قد امتصَّ جميع أشكال ومستويات ودرجات السلطة ليعاود توزيعها بصورة عنف وفق مقتضيات الحفاظ على السلطة وضمان عدم المساس بها من طرف أي أحد، ذكرًا كان أم أنثى.
إذًا، نحن أمام نظام عام للعنف، مؤمّم لصالح فئة معينة، ما هو واضح فيها أنها تحوز هذه السلطة بأقصى درجات العنف، وترى أنها تمتلك الحق في سلب أي شيء، حتى حق الحياة المقدّس، الحق في سلبه من أي شخص، جماعة، أو حتى الشعب بأسره، في حال تعرضت هذه السلطة للتهديد.
يبدو لي أن نظامًا للسلطة كهذا قد تميَّز بمنهجين للسلوك السلطوي العنفي، فهو قد طوّع جميع أشكال السلطة التي يُفترض أن تنبث وتتوزع خلال مفاصل المساحة الاجتماعية مع الإبقاء على حريتها في ممارسة العنف الذي تُحدّد له الضوابط المانعة لاحتمالات التهديد الممكنة للسلطة المركزية. فهي قد صادرت ما للمؤسسة الدينية والقبلية وحتى ما للمؤسسات السياسية المرتبطة بها أصلًا من سلطات تقليدية تُصرَف بصورة قانون أو عرف.
هل ثمة فرق في أشكال السلطة ومستوياتها ومنابعها بالنسبة للمرأة؟ بمعنى آخر، هل يشكّل فرقًا ما أن المرأة تعاني اجتماعيًا من سلطة القبيلة أو سلطة الثقافة الدينية أو الأعراف والتقاليد أو أنها تعاني من سلطة نظام السلطة؟
في إطار مجتمعات الاستبداد المعقّد والمتشابك، فإن المرأة بلا شك تعاني من جميع أشكال ومستويات السلطة وما تنتجه من أشكال ومستويات العنف.
المشكلة التي لا تقل خطورة عن كون هذه السلطات معبّرة عن خلل فاضح في الميزان الوجودي بين المرأة والرجل هي في التشوه الذي أصاب نظرة المرأة لنفسها عندما تفكر في نفسها، وعندما يشركها رجال السلطة في ممارسة واهية للسلطة، فتستعير عقل الرجل وأدوات تفكيره وطريقته في التسلط وتقبل المشاركة بممارسة السلطة ليس باعتبارها الشخص صاحب الكيان، بل بوصفها زوجة فلان وأخت علان وابنة صاحب السلطان، وقد لا تستطيع بعض النسوة تمييز أن هذه السلطة هي سلطة رجال مستبدين وطغاة يُدخلون النساء ليس أكثر من ديكور يمكن أن يمنح صورة السلطة في الداخل والخارج بعضًا من البريق.
يبدو جليًا هذا العماء الشامل ومسخ العقول والأرواح الذي أصاب الجميع بفضل خبث السلطة التي تقتل الرجال والنساء معًا.
ما معنى اتحاد نسائي أصلًا وهل هناك في العالم الذي يتساوى فيه الرجال والنساء شيء اسمه الاتحاد النسائي؟ هل هذا إيحاء، وإن كان فاضحًا، بأن الرجال متحدون في السلطة على المرأة والرجل معًا، وهم في حاجة إلى مقابل شكلي من وحدة النساء لكن بشروط دوام سلطتهم وبمقاييس لا تتعدى تلميع الصورة؟ ما معنى وجود منظمة اتحاد نسائي تتبع شيئًا أكبر هو حزب البعث الذي تحوّل إلى فأر في قفص أصحاب السلطة، ما معنى كل هذه السلسلة من دجل السلطة ووسواسها الخنّاس؟
سلاسل ودوائر ماهي سوى جهاز معقّد لاحتكار السلطة، قادر على الانقضاض على المجتمع برجاله ونسائه عند الطلب. فحين يحتاج نظام السلطة إلى إثبات الجدارة في العنف والقمع، ترى الاتحادات العمالية والفلاحية والطلابية والمهنية والنسائية كلّها وحتى اتحاد العفاريت تخرج لحمًا يكسي عظم السلطة.
تقود هذه التأملات بصورة تلقائية إلى الارتباط بين السلطة والعنف بجميع أشكاله، هل هما شيئان مختلفان أم أنهما مسميان لمعنى واحد أم أن العنف هو أداة السلطة أم أنه جوهرها أم ماذا؟
الاتحاد النسائي الذي عملت فيه لسنوات هو أداة تأنيث باهتة ساكنة ولا محل لها من الفعل سوى كونها ترس في آلة سلطة يحوزها قلة من رجال يقتلون الرجال والنساء معًا حين الحاجة، أي نظام السلطة هذا وأي مسمى؟
المقابل العالمي للاتحاد النسائي السوري يذكّرني بيوم المرأة العالمي ويوم مكافحة العنف ضد المرأة وكيف تُختصر قضايا كبرى إلى أيام، مجرد أيام للشعائر والطقوس، تُقدَّم فيها إحصائيات ويسيل فيها حبر، تثور النقاشات ويحتفل الإعلام، ثم يمضي كل إلى بيته بخير وسلام.
يبدو لي أن السلطة، وإن لم تتغير في بلادنا وأخواتها، تتوحّش فحسب، لكنها كما أتصوّر قد تغيّرت على الصعيد العالمي. إذًا، فقد تغيّرت طبيعة العنف أيضًا، لأن الفصل بينهما غير ممكن، وهذا يعني أن خرائط العنف داخل ما يُعرف بالعالم المتقدّم مختلفة عمّا هو في عوالم بؤسنا.
يجب أن ينفتح السؤال عن طبيعة التحوّلات بصورة أكبر، على صعيد الإنتاج العالمي للعنف والبؤس في حق المرأة، على عظمة الفوارق بين عوالم البشر. يجب أن ينفتح السؤال العظيم الخاص بالعنف ضد المرأة على سؤال أعظم عن العنف في حق الإنسان على هذا الكوكب، لأن جميع من بني البشر باتوا موضوعًا لعنف السلطة المرئي وغير المرئي، المباشر أو غير المباشر، فقد بتنا سلعًا وأشياء، وتجاوزت القضية وصفها قضية عنف ضد المرأة أو الرجل، فقضية المرأة باتت قضية الرجل الحرّ، وقضية الرجل باتت قضية المرأة الحرّة في مستوى الإنسانية.
تعقدت أشكال السلطة ومستوياتها على الصعيد الكوكبي، ولم يعد من اليسير فهم إنْ كانت السلطة أداة للبشر أم كان البشر وقودًا في خزانات السلطة. قد يبدو الأمر جليًا أننا عبيد لما اخترعنا من أسواق وبضائع وتقنيات وبورصات مدجَّجة بأسهم المال، فأين تكمن إذًا المصادر العميقة للسلطة والعنف؟
ربما علينا أن نفتّش عن الإجابات في دواخلنا من جديد.

بشرى البشوات

شاعرة وكاتبة سورية، مواليد القنيطرة. درست الإعلام في جامعة دمشق. حاصلة على جائزة عبد الباسط الصوفي في القصة القصيرة 2005، حاصلة على جائزة عبد السلام العجيلي في القصة القصيرة 2008، مشاركة في المجموعة الشعرية “متحف الأنقاض”، وفي المجموعة الشعرية “نخال الخطا”، ولديها مجموعة شعريّة قيد الطبع. محرّرة في مجلة طلعنا على الحرية. تكتب وتنشر في العديد من الصحف والمجلات السورية والعربية.

مشاركة: