حوار مع الدكتور سمير ساسي

السؤال الأول: في البحث في مفهوم العنف ودلالاته المختلفة، تُحتَّم علينا العودة إلى الفلسفات السياسية الأولى التي تنأولت العنف وكيفية تولّده في تاريخ البشرية وأسّست للنظريات السياسية اللاحقة، والتي يمكن تقسميها إلى قسمين رئيسين: تلك التي نظرت إلى العنف بوصفه طبيعة بشرية جوهرية مؤدية إلى حالة الفوضى والتي وضعها بصورة أساسية توماس هوبز، وتلك التي رأت إلى العنف بوصفه ناتجًا عن الواقع الاجتماعي ووسيلةً استخدمتها الطبقات التي برزت إلى الوجود للحفاظ على وجودها، والتي وضعها بصورة أساسية إنغلز وماركس. وعليه، كيف يمكن النظر إلى العنف الذي مارسته/تمارسه الأنظمة العربية القمعية في حق الشعوب، كنظام حسين أو نظام الأسد، هل هو عنف طبيعي جوهري يكمن في طبيعة النظام وشخوصه أو طبيعة المذهب أو الطائفة التي ينتمي إليها، أم هو عنف ذو طابع سياسي واجتماعي واقتصادي غايته الحفاظ على المصالح والسلطة السياسية، أم غير ذلك؟

من المهم في البداية الإشارة إلى أن هذين الاتجاهين الكبيرين لتحديد العنف ليسا قدرًا محتومًا وجب التسليم له، والخضوع إليه والانجذاب إلى مفاهيمه ومرجعيته، ذلك أن نقدًا عميقًا وجوهريًا تناول هذين الاتجاهين وتجاوزهما، نكتفي هنا بما قدمته حنا أرندت التي رفضت ربط العنف بالأصل البيولوجي، والقول “إن الطبيعة البشرية تتطلب ثماني عشرة ساعةً يوميًا من الإيذاء والقتل بتعبير السوسيولوجي الأميركي هربرت شيلر في كتابه المتلاعبون بالعقول، كما وصفت قول ماركس: “إن الدولة أداةٌ للهيمنة تستعملها الطبقة المهيمنة” صهرًا لمفهومي العنف والسلطة، وصهرًا تتحلل معه السلطة لمصلحة العنف بداعي شرعنة هذا الأخير.

تُحرّرُنا هذه المقدمة بدورنا من الارتهان لهذين الاتجاهين في تفسير العنف، ونحن نتناول ظاهرةً معقدةً هي عنف الأنظمة السياسية القمعية في المجال العربي أساسًا، ذلك أن القول إن العنف من طبيعة الإنسان يفتح بابًا لأنظمة العنف في عالمنا العربي لتبرير عنفهم، فمن السهل عليهم في هذا المجال نفي المسؤولية الأخلاقية عن تصرفٍ طبيعيٍ يصدر بحكم الطبع، والطبع يغلب التطبع دومًا كما تقول العرب، وإن الطبيعة العدوانية للآخر المختلف تفرض حتمًا ردّة فعلٍ طبيعية في إطار تنازع العدوانية الإنسانية مع فارق موازين القوى، وليس ذنبها أنها أكثر قوةً من خصمها. إن الركون إلى الاتجاه الطبيعي في تفسير العنف يحول النقاش عن جوهر المشكلة، ويحرر أنظمة القمع العربية من الضغط الأخلاقي، بما أننا إزاء معركةٍ بين “ذئبين” استصحابًا لمفهوم ذئبية الإنسان لأخيه الإنسان التي يتحدث عنها هوبز، وهي حالةٌ تكرس لدى الفاعل والملاحظ على حدٍ سواء وضع اللامبالاة أو حالة الانتظار المطبعة مع العنف، بما أنه يواجه حالةً طبيعيةً لا فكاك منها، أو بلغة أكثر ضبطًا إزاء مفهومٍ جبريٍ للعنف.

أما تفسير القمع عند هذه الأنظمة في محاولة الطبقة المهيمنة الحفاظ على وجودها، فيقدم ذريعةً أكبر لإدانة الضحية التي تهدد الجلاد في وجوده، ولا يملك ردًا لهذا التهديد سوى استعمال العنف الذي يصير عندها عنفًا شرعيًا.

حصيلة القول إن الارتهان إلى هذين الاتجاهين في تفسير العنف لدى أنظمة القمع العربية لا يسعفنا لفهم الظاهرة بدقةٍ، لأنه يفترض وجود حالةٍ سياسيةٍ اضطرت بحكم الطبع، أو بفعل الدفاع عن الوجود إلى ممارسة العنف الشرعي؛ والحال أن السياسة بما هي قدرة الإنسان على الفعل المتسق معدومةٌ عند هذه الأنظمة التي هي حالة ميتا- سياسية Metapolitics، ربما يكون من الأفضل الاستعانة بعلم النفس لتفسيرها وفهمها.

لا تمتلك هذه الأنظمة رؤيةً على الفعل المتّسق، ولا قدرة لها عليها، حتى قبل ظهور المعارضات، أي عند استلامها للسلطة، فالمعارضة إنما ظهرت نتيجة تجلي غياب القدرة على ذلك الفعل، أي غياب السياسة عند هؤلاء الحكام الذين لجؤوا إلى المفاهيم التقليدية للسلطة التي تجعل من الطاعة جوهرًا لها، ومن العنف ملكًا حصريًا لها، بما يعني أن أي اختلافٍ عما يراه القائمون عليها يواجه آليًا وبالضرورة، كأنه حتميةٌ طبيعيةٌ، بالعنف، والحال أنه عملية تصعيدٍ لعقد مَرَضيةٍ مستحكمةٍ في أنفس المستولين على السلطة.

إن المعجم المتداول لدى هذه الأنظمة يسند لجوءنا إلى علم النفس في فهم العنف الصادر عنها، وعدّها أقرب إلى الحالة المرضية الخارجة على معجم السياسة وحقلها الدلالي، فالمعجم ضمن هذه الأنظمة -سواء ما تستعمله أجهزة الدعاية المؤسساتية للدولة أو رأس السلطة- إنما يدور حول الفرد/ الزعيم الملهم الذي يحتكر الرؤية ولا يرينا إلا ما يرى.

إننا نميل إلى عدّ العنف الصادر عن أنظمة القمع العربية انحرافًا خطرًا/ مرضيًا عن الفطرة الإنسانية السوية، يفتقد تشخيصًا وعلاجًا نفسيَين ملائمين في الوقت والوسيلة للقضاء على هذا الانحراف. وقد ساهمت الفلسفات السياسية الكلاسيكية في التطبيع معه بوعيٍ أو من دون وعيٍ من خلال عدم الفصل بين العنف والسلطة، ومن خلال خلق حالة وعيٍ عامةٍ تتسم بالسلبية تجاه هذه الظواهر والانتظارية التي تفتح مجالًا آخر لعنفٍ مختلفٍ يبدأ بعنوان العنف الثوري وينتهي بعقدة سلطةٍ جديدةٍ عند الاستبدال، ومجيء الثوريين الجدد.

إن أقرب تفسيرٍ للعنف الذي تمارسه أنظمة القمع العربية هو أن هذا العنف يستغل المؤسسة أو يوجِدها للشرعنة لنفسه خلافًا للقوة الساندة لتنفيذ القانون.

السؤال الثاني: مُيّزت الدولة الحديثة عن الأنماط الأخرى التقليدية للوحدات السياسية، وعُدَّت تجسيدًا للشكل العقلاني القانوني من السلطة السياسية، فالقانون المنبثق عن إرادة الشعب يمكن أن يعمل على ضبط المجتمع وتجنيبه العنف. إلا أننا نجد من ناحية أخرى، أن التحوّل نحو الدولة الحديثة قد أفضى إلى صناعة روابط من نوع مغاير للرابطة العقلانية الوطنية، هي روابط مُستمدّة من هويات وانتماءات تقليدية، عشائرية أو قبلية أو حتى دينية مثلًا، كانت قد أعادت تشكيل نفسها وتكيّفت مع شروط الدولة الحديثة وأنتجت نوعًا جديدًا من الهويات والروابط، كالروابط القومية والطائفية، وأفضت بدورها من جديد إلى العنف. كيف تنظر إلى العلاقة بين الدولة الحديثة والعنف الحديث المُمارَس باسم الهوية؟ هل يمكن النظر إلى هذا النوع من العنف بوصفه تقدُّمًا لنوع العنف القديم يمكن ضبطه وإنهاؤه بحلول دولة القانون، أم أنه مجرد شكل جديد لعنف مرتبط بصورة بنيوية بالعنف الضروري الذي تقوم عليه الدولة؟ 

هذا السؤال إشكاليٌ، ومثيرٌ لأسئلةٍ أكبر وأكثر: هل تعد الدولة الحديثة تجسيدًا عقلانيًا قانونيًا للسلطة السياسية حقًا؟ وما معنى العقلانية هنا؟ وهل نحن إزاء ضبطٍ للعنف أم تأجيلٍ له؟ وما دلالات نجاح الهويات المختلفة في تجاوز عوائق الدولة الحديثة والاحتفاظ بروابطها أو إنتاج روابط جديدةٍ؟ هل العنف الممارس باسم الهوية هو عنفٌ جديدٌ مستحدثٌ لا علاقة له بالدولة الحديثة، أم هو نتاجها بوصفها دولة هووية في أصلها وسيرورتها وآليات اشتغالها؟ أليست الدولة الحديثة بنظامها القانوني/ الدستوري أحرص على تثبيت الهوية الخاصة المنتجة للفعل السياسي البعيد من كل الروابط الأخرى التي تنشأ في تفاعلٍ/ صراعٍ مع هذا التحديد الدولوي للهوية؟

لقد سعت الدولة الحديثة إلى صهر هذه الهويات المختلفة في هويةٍ جامعةٍ بداعي تجنب آثار الصراع الهووي بين المختلفين، واختلفت أوصاف هذه الهوية الجامعة، فهي ديمقراطيةٌ أو اشتراكيةٌ أو قوميةٌ أو إسلاميةٌ أو يهوديةٌ، لكنها لم تتخلّ -طوعًا أو كرهًا- عن مفهوم الهيمنة الذي نظر له أساطين الفلسفة السياسية والفكر السياسي في تعريف السلطة والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، لذلك لم تنجح في تقديرنا هذه الهوية الجامعة المعلَنة في تجاوز الهويات المختلفة بل اكتفت بتأجيل الصدام بينها، لهذا تثبت وقائع التاريخ أن العنف ليس إلا إثباتًا لفشل جهد الدولة الحديثة في صهر الهويات المختلفة أو تجاوزها، وهو فشلٌ نابعٌ من غياب السياسة واعتماد العنف القهري في دمج ما لا يُدمج إلا بالتفكيك العقلاني والأخلاقي لعوائق الالتقاء والالتزام بالاعتراف تجاه المختلف.

اكتفت الدولة الحديثة بالمسعى العقلاني، أو هكذا تتوهم، في تفكيك هذه العوائق من خلال القانون، وهي فكرةٌ مثاليةٌ صالحةٌ تلقى رواجها في واقع الفرد/ المواطن غالبًا، لأنها جعلت المصلحة العامة فكرةً مغريةً لدى الفرد، لكنها غير مقنعةٍ للهوية الجماعية المختلفة عن هوية الدولة الجامعة إذا اصطدمت بها، لذلك ينفجر العنف بأقسى حالاته لأنه يكون عنفًا من أجل الوجود عندما يصدر من الدولة من أجل اجتثاث تلك الهوية المتمردة، وحين يصدر من الهوية المتمردة فهو محاولةٌ لاسترجاع دورها والتحرر من أسر/ وهم الهوية الجامعة التي فشلت في تحقيق مطالبها.

إن نهاية العنف في نظرنا هي انتقالٌ من حالة التطويع القسري للمحكوم إلى تفجير قدرته على الفعل المتسق في الاجتماع المدني والسياسي بعيدًا عن علاقات الهيمنة، وقد يبدو هذا الأمر موغلًا في الطوباوية، لكنه ضروريٌ لفهم تفجر العنف بين الفينة والأخرى، حتى في أرقى مجتمعات دولة القانون وأكثرها تطورًا، فما لم تنجح الدولة الحديثة في تكريس هذا الانتقال لن يتم إنهاء العنف بحلول دولة القانون وإنما يكون ذلك تأجيلًا موقَّتًا له.

إن الدولة الحديثة دولة هووية بامتياز، تتوسل بالعنف لتثبيت هويتها والهيمنة على الفضاء العام، وتسوق لذلك بمبدأ العنف الضروري الذي لا بد منه لاستمرار الانتظام المدني.

السؤال الثالث: لقد ميَّز ماكس فيبر بين ثلاثة أنواع من السلطات، اعتمادًا على الشرعية التي تتمتع بها: السلطة الكاريزمية؛ السلطة التي تستمد شرعيتها من اعتقاد مؤيدي “الزعيم” أنه يمتلك صفات خارقة. السلطة التقليدية؛ السلطة التي تستمد شرعيتها من العادات والتقاليد المتوارثة. السلطة العقلانية–القانونية؛ السلطة التي تستمد شرعيتها من القانون، استنادًا إلى قواعد محدّدة. هناك “سلطات” لم يذكرها فيبر، وتستمد “شرعيتها” من العنف، وهي المهيمنة أو السائدة على مدار التاريخ. بعيدًا عن رغباتنا، وفي ضوء قراءة التاريخ، هل يمكن لسلطة أن توجد من دون ممارسة العنف؟ هل يمكن لها أن تستمرّ من دون امتلاكها القدرة على استخدام العنف؟ بهذه المعاني هل تكون السلطة والعنف شيئًا واحدًا؟

هكذا نظر فلاسفة السياسة ومفكروها إلى علاقة السلطة بالعنف، وقد عابت عليهم حنا أرندت هذا الصهر بين المفهومين، وعَدَّتهُ سببَ الفهم الخاطئ للعنف، وفي الواقع حتى ماكس فيبر لم يسلم من هذا، فالسلطة عنده تقوم على مبدأ فرضٍ إرادتها على الرغم من مقاومة الآخرين لها، وما تنويعه في الحديث عن الشرعيات الثلاث إلا تكريسًا لهذا الفهم.

وإذا كانت وقائع التاريخ لا تسعفنا بخلوّ محطاته من ممارسة السلطة للعنف، إلا أن ذلك لا يعدّ مبررًا نظريًا كافيًا لعدّ السلطة والعنف شيئًا واحدًا. لأن التاريخ نفسه بوقائعه التي تمدنا بحلقات العنف هذه، تمدنا بحلقاتٍ أخرى من فعلٍ خالٍ من العنف، تبرز فيه السياسة والوجه الآخر للسلطة المتحرر من العنف.

وقول إن السلطة والعنف شيءٌ واحدٌ يعني أن التاريخ البشري تاريخ عنفٍ ودمٍ، وهو قولٌ مبالغٌ فيه. ليست أطوار التاريخ السياسي للإنسان كلها متلبسةً بالعنف، فالتاريخ الإسلامي مثلًا -وهو الذييهمنا، كانت فيه سلطة التغلب والاستيلاء، وهي السلطة القائمة على القوة والعنف- استثناء رآه فقهاء السياسة في باب الضرورة وليس في أصل الحكم، على الرغم مما شاب السلطة الأصلية من ممارساتٍ عنيفةٍ.

لا أذهب مذهب القائلين بوجود شرعيةٍ قائمةٍ على العنف، فحتى الذين يجعلون من العنف والسلطة شيئًا واحدًا، أو السلطة التي تمارس العنف باستمرارٍ، كلاهما لا يجرؤان على تبني العنف كجوهرٍ للمشروعية بل يذهبان إلى شرعنة العنف بوصفه من ضرورات السلطة الشرعية، فنجد حديثًا عن العنف الشرعي ولا نجد حديثًا عن شرعيةٍ عنيفةٍ.

لسنا هنا في وارد تبرئة تاريخ العنف والدم الذي صاحب ممارسة السلطة في التاريخ البشري، بل في تمييزٍ مفاهيميٍ وتدقيقٍ تاريخيٍ يساعدنا في فهم الظواهر من أجل رؤيةٍ أوضح.

إن وجود دولة القانون على الرغم من أننا نراه في بعض وجوهه تأجيلًا لعنفٍ كامنٍ بين هوياتٍ تحتاج إلى أكثر من القانون لتأنيسها، فإنه يقدم لنا مثالًا على إمكان دولةٍ بلا عنفٍ، شرط أن يعضد ذلك بناء أخلاقي قيمي وفكري يوسّع من مجال التفاعل داخل الانتظام البشري بين الحاكم والمحكوم.

لقد انتبه فقهاء السياسة الشرعية المسلمون مثلًا إلى مبدأ قيام الملك/ السلطة على القوة، لكنهم اشترطوا لاستمرار هذا الملك توفر الأمانة والعدل إلى جانب القوة، وهذا نجده في التمييز الذي أقامه أبو الحسن الماوردي مثلًا بين التأسيس والسياسة، أي بين شرعية قيام السلطة ومشروعية فعلها، ذلك أن العنف إذا استمر وكان لازمةً لا تنفك للسلطة من دون وجود فعلٍ سياسيٍ أنتج عنفًا مضادًا وأدى إلى تأكّل السلطة وفنائها.

إن السلطة السياسية ظاهرةٌ اجتماعيةٌ تجمع إلى الجانب المادي المتمثل بالاحتكار الفعلي لأدوات العنف في المجتمع جانبًا قيميًا يعرّفه محمد طه البدوي بأنه “تمثلٌ ضميريٌ لهذا الاحتكار على أنه أداة لتحقيق الانسجام الاجتماعي والمجتمع الهادئ” بما يضمن عدم “خروج سلطة الدولة بقراراتها أو بنظامها القانوني في جملته على تلك القيم الأساسية والأهداف العليا للمجتمع”، فالقوة/العنف إذا أريد بها أداةً قامت على أساسها دول كأمرٍ واقعٍ فهذا ليس محلَّ خلافٍ تاريخيًا، وإنما محلُّ الخلاف في ما إذا أريد بها أداةً شرعيةً لقيام الدول، ذلك أن الانسان إذا كان مجبرًا بالقوة على الطاعة، ليست به حاجةٌ إلى الطاعة كواجبٍ، وإذا لم يكن مجبرًا على الطاعة بالقوة فلا يعود عليه أي التزامٍ بالطاعة، ثم إن النظام السياسي مشروعٌ بقدر ما يتمتع به من قبولٍ طبيعيٍ، ومن دون مجادلةٍ بين الجمهور المنتمي إليه. وقد أوجز جورج بيردو هذه العلاقة حين ذهب إلى أن السلطة شرطٌ أساسٌ للنظام، وهي مولدةٌ للحرية الفردية والعامة، بحكم أن هذه الحرية ليست ممكنةً إلا في النظام الاجتماعي نفسه، أي في الخيارات الإنسانية التي يلتزمها الأفراد بملء إرادتهم، والتي تدفعهم للتمسك بالشرائع الأخلاقية النابعة من القيم المترسخة في وجدانهم. وعلى هذا الأساس تصبح السلطة تلك “القوة الناجمة عن الوعي الإنساني، والموجهة إلى قيادة جماعةٍ في بحثها عن الخيرٍ العام، والقادرة، والحالة هذه على أن تفرض على أعضاء الجماعة الموقف الذي تريده، أي أنها قوةٌ وفكرةٌ في آنٍ واحدٍ”.

من المهم ونحن نتناول هذه القضايا المعقدة والمصيرية في مستقبل البشرية أن نتحرر من أسر التاريخ المشرع على فهمنا لمختلف الإشكالات، فعلى الرغم من أهمية الوقائع التاريخية في التحليل والفهم، إلا أنها ليست العامل المحدد في صوغ نظرتنا ورؤيتنا إلى مختلف القضايا، ذلك أن رواية التاريخ تحتاج دومًا إلى تمحيصٍ أولًا، وثانيًا نحن هنا نصنع مستقبلًا ونصلح واقعًا ولسنا رواة حوادث مضت أو تجمعات يؤثثها الحكواتي، وإن صوغ مفهومٍ ما أو تفكيكَ آخر، أو فهم قضيةٍ، في حال لم يتضمن نظرةً استشرافيةً تؤسس لوعيٍ مختلفٍ، سيكون مجرد سردٍ بلا معنى مهما تسربل بالمناهج والمصطلحات العلمية.

السؤال الرابع: إن أحد التحديات الأساسية اليوم في فهم العنف وتحديده هو وجود اختلاف جذري في فهم ماهيته وترسيم حدوده. ففي حين يجد بعض المفكرين أن العنف السياسي يقتصر على العنف الجسدي الذي يمكن أن تمارسه الأنظمة من خلال أجهزتها الرسمية كالجيش والشرطة والمخابرات والذي يتخذ شكل التصفيات الجسدية والاعتقالات أو الصدامات المسلحة لتقليص دور القوى والأصوات المعارضة للنظام، يجد آخرون أن العنف السياسي قد يتخذ شكلًا رمزيًا (بيير بورديو) أو بنيويًا (جوهان غالتونج) غير مباشر، حيث تنتجه الأنظمة ويكون متأصلًا في بنى الدولة الاقتصادية والسياسية ومؤسساتها التعليمية والإعلامية كافةً، ويُمارس ويؤثر في المجتمع من خلال إخضاع الناس إلى مجموعة من الأيديولوجيات والحتميات، ثم حرمانهم من الموارد والحقوق المادية وغير المادية، وتهميش جزء منهم لمصلحة جزء آخر. كيف تنظر إلى العنف السياسي البنيوي؟ هل يُكتفى بالتصدي للعنف السياسي المباشر من دون تناول العنف السياسي غير المباشر في الحسبان؟

إن العنف السياسي البنيوي في اعتقادنا أشد خطورةً وضررًا على الاجتماع البشري المدني والسياسي من العنف المباشر، ذلك أن العنف المباشر في أغلب حالاته ناتجٌ عن العنف المنتشر في المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وإن غياب الفاعل المباشر أو عدم تحديد هويته في العنف البنيوي يكون في حالته السياسية أشد خطرًا، إذ يساهم في نشر ثقافة الإفلات من العقاب واستمرار العنف وانهيار الانتظام الاجتماعي والاتجاه نحو الحكم الفردي والاستبداد، على الرغم من تعدد الفاعلين، ذلك أن هذا العنف في أحد وجوهه وسيلة السلطة القمعية في منهجة العنف من دون تبعاتٍ أخلاقيةٍ مباشرةٍ أو سياسيةٍ، ومن خطورته أنه يعدم الثقة في كل مؤسسات الدولة، إذ ينظر إليها بوصفها ممارسة للعنف، وفي نهاية المطاف هو مشكّل لوعي العنف لدى المجتمع بتبريره والتطبيع معه أو بممارسته، ما يعقِّد من عملية التصدي للعنف السياسي المباشر الذي سيصطدم ببنيةٍ ذهنيةٍ ونفسيةٍ مجتمعيةٍ قابلةٍ باستهداف خصوم السلطة أو مهيأةٍ للقبول بكل ممارساتها أو السكوت عنها في أحسن الحالات.

لا خلاص لأي انتظامٍ سياسيٍ من حالة العنف ما لم يقع تفكيك العنف البنيوي الثاوي في البنية الذهنية وفي عقيدة المؤسسات الاجتماعية والسياسية، لأن هذا النوع من العنف في نهاية التحليل هو بمنزلة المرجعية المحركة والمؤطّرة للعنف السياسي المباشر.

السؤال الخامس: تكاد تكون ثنائية العنف والعنف المضاد ثنائية مميزة للمنطقة العربية، فمن جهة لدينا سلطات استولت على الحكم بالعنف، وما زالت تمارس العنف تجاه مجتمعاتها، ومن جهة ثانية لدينا قوى إسلامية عديدة لم تتردّد في ممارسة العنف المضاد، هل ستبقى المنطقة العربية محكومة بهاتين الجهتين؟ 

مرةً أخرى أجدني مضطرًا إلى التنسيب من باب توسيع الفهم وحسن الإحاطة بالإشكالية المثارة، فحديث الثنائيات يشكل دومًا عائقًا من دون تفكيك المعضلة/ المعيق، وهذه الثنائية المطروحة في السؤال مثلًا تجعلنا في مواجهة تاريخٍ منفصلٍ لواقعٍ معقدٍ، كأن المنطقة العربية لم تشهد قبل هاتين الجبهتين عنفًا وعنفًا مضادًا، وفي الواقع هذه قراءةٌ تقول بالانقطاعات في التاريخ، وأنا أختلف معها، ذلك أن عنف الدولة لم يكن وليد ظهور الجماعات الإسلامية العنيفة، وعنف هذه الجماعات ليس بدعًا في تاريخ العلاقة مع السلطة في مجتمعاتنا العربية، بمعنى أن الأمر أوسع وأعقد من النظر إلى الموضوع من خلال هاتين الجبهتين، لكنه توسعٌ يجعلنا نفهم هذه العلاقة موضوع السؤال، وأعتقد أن هذه هي القراءة الموضوعية المطلوبة في هذه الحالة.

ستبقى المنطقة العربية محكومةً بهذه الثنائية حتمًا، ما دامت محكومةً بهذه النظرة التجزيئية وهذا المنهج الانتقائي في الإلمام بإشكالياتها، هذا من حيث المنهج؛ وعمليًا يفرض هذا المنهج رؤيةً قاصرةً عن إدراك النظام المتشابك المنتج للعنف لأنه يبحث في الجهة الخطأ وإن كانت العينة صحيحةً وقد رأينا أن العنف السياسي البنيوي أخطر من العنف المباشر، وأظن أن مقولات العنف الثوري مثل “لا حرية لأعداء الحرية” و”الموت للخونة” و”أعداء الأمة” و”لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” والتي أنتجت أنظمةً قمعيةً وحركات معارضةٍ أعنف، كانت أسبق من مقولات الولاء والبراء والتكفير وغيرها من مقولات الحركات الإسلامية العنيفة.

ما يعني أننا إزاء بنيةٍ عميقةٍ لإنتاج العنف، يتعدد فيها الفاعلون وتختلف توجهاتهم، وينبغي لنا للتحرر من هذه الثنائية القاتلة لكل فعلٍ سياسيٍ متسقٍ مع الإنسان، أن نعمل على بناء رؤيةٍ متكاملةٍ تحيط بكل تعقيدات الإشكالية وإلّا فإنا سنراوح مكاننا، وأظن أن الأمل ضعيفٌ في المدى المنظور فلا مؤشرات، إلا أن مؤشرات الفعل المؤسس للمستقبل -على قلتها- مطمئنةٌ.

السؤال السادس: يعتقد كثيرون أن أنظمتهم السياسية لن تستجيب لمطالبهم أبدًا، ويعتقدون تاليًا أن العنف ليس مبرَّرًا فحسب، بل هو ضروري لتحصيل الأهداف السياسية وإحداث تغيير سياسي، إلا أن اللجوء إلى العنف من ناحية أخرى قد أدى إلى مستويات جديدة من المعاناة والمشقة وجاء بعواقب كارثية. هل من سبيل إلى تغيير أنظمة مثل نظام حسين أو نظام الأسد من دون استخدام العنف؟

ممكن بلا شك، لكنه الآن في مرتبة المستحيل بالنظر إلى هيمنة اليأس من التغيير غير العنيف بسبب استفحال العنف المباشر وغير المباشر، ليس هينًا أن تتجاوز حالة يأسٍ مستحكمةٍ في بنيةٍ ذهنيةٍ عامةٍ، إذ يتعلق الأمر بثقافةٍ مجتمعيةٍ وليس بسلوكٍ فرديٍ.

كيف يمكنك إقناع مجتمعٍ أو جزءٍ منه بأنّ اللاعنف الغاندي مثلًا يصلح لتغير نظامٍ يقتل شعبه بالبراميل المتفجرة، أو يعدم الناس من دون محاكماتٍ عادلةٍ، أو يتبع سياسة العقوبات الجماعية ضد خصومه، وأن الفعل المدني والحقوقي كفيلٌ بخلق سلطةٍ مضادةٍ لسلطة القمع القائمة، ويمكنه خلخلة بنية هذه السلطة بممارسة نشاطٍ مدنيٍ خالصٍ خالٍ من العنف.

يبدو هذا من باب الخيال السياسي، نعم هو كذلك، وهذا مهمٌ، لأن الخيال بابٌ رئيسٌ لإبداع الحلول، وأعتقد أن نقص الخيال لدى نخب الفعل السياسي في مجتمعاتنا هو ما أفقر المنطقة، وحرمها من حلولٍ خارج حلول العنف.

أعتقد أننا نحتاج إلى عملٍ ثقافيٍ وإعلامي كبيرٍ، بهدف تخليص قادة المجتمع المدني والفاعلين عمومًا من رواسب العنف في أنفسنا، على أن يكون ذلك ضمن أفقٍ وطنيٍ استراتيجيٍ بعيد المدى غير عجولٍ، علينا أيضًا التحرر من الارتهان للخارج من دون قطع العلاقات معه، ببناء قوى ضغطٍ داخلية في المستويات المختلفة الاقتصادية والاجتماعية، وغيرها.

سيكون هناك اعتراض بأننا جربنا ذلك، وأن سلطة القمع لن توفر لنا المناخ الملائم لفعلٍ رصينٍ غير مستعجلٍ ولا متوترٍ ولا عنيفٍ، وهذا واقعٌ، لكنه يتجاهل أن عالمنا ليس كعالم الستينيات مثلًا، وأنه يمكن توظيف الجغرافيا الدولية لصالحنا شرط أن ننجح في بناء كتلةٍ تاريخيةٍ تهدف أولًا وحصريًا إلى تحرير الذهنية من العنف تجاه شريك الوطن وشريك النضال، وتؤسس لثقافة الحرية وتصبر على الأذى صبرًا جميلًا، أي منتجًا لأدوات مقاومةٍ وبناءٍ، وليس صبرًا سلبيًا يرى عنف السلطة قدرًا لا محيص عنه يكتفي معه بإنتاج أدوات المقاومة فحسب.