عرض كتاب “العنف السياسي”

اسم الكتاب: العنف السياسي
إعداد: نشوى محمد
الناشر: المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية
مكان النشر: مصر– القاهرة الجديدة
تاريخ النشر: 2012

محتويات الكتاب
مقدمة
الجذور التاريخية للعنف السياسي
تعريف العنف السياسي، والفرق بينه وبين المفاهيم الأخرى المشابهة
صور وأشكال العنف السياسي
أسباب ودوافع العنف السياسي
تداعيات العنف السياسي
خاتمة

يبحث الكتاب في مسألة العنف السياسي، بوصفه ظاهرة قديمة قدم الإنسان، وقد تطور مفهوم العنف السياسي حتى شمل صور العنف التي توجَّه إما من النظام السياسي القائم ضد شعبه، أو من أفرادٍ وجماعاتٍ تعمل على إسقاط هذه الأنظمة، حتى وصل إلى ضم أشكال العنف جميعها، سواء على مستوى الدولة الواحدة أو على مستوى العالم. وهو ما يعرف الآن باسم الإرهاب الدولي، مشتملًا على صور الحرب الأربع المعروفة: الحرب الشاملة، الحرب العامة أو العالمية، الحرب المحدودة، والاقتتال الأقل حدةً كالانقلاب والاضطراب العام والثورة والحرب الأهلية.
تقدّم الكاتبة كتابها بقول: أصبح العنف السياسي جزءًا من الحياة اليومية في عالمنا المعاصر، فلا يكاد يمر يومٌ من دون أن تقع عمليةٌ من عمليات العنف السياسي في مكانٍ ما من العالم. وبحسب الكاتبة، يتصدر العنف السياسي قائمة العنف في القرن الحادي والعشرين. إذ لم تعد مشكلة العنف السياسي مقتصرةً على منطقةٍ معينةٍ من العالم، وإنما هي مشكلةٌ دوليةٌ، ولا تكمن خطورة العنف السياسي في الدماء التي تُراق بسببه فحسب، بل في نوعية الضحايا التي يكون المدنيون الأبرياء في مقدمهم.
في الجذور التاريخية للعنف السياسي
تقول الكاتبة: عرف الإنسان العديد من أنواع وصور العنف السياسي، فقد كان الصراع في أثينا القديمة يتجاوز حدود المحاورات إلى العنف والمواجهة في أحيان كثيرة. وتتحدث البرديات المصرية عن العديد من حالات الصراع الدموي بين أحزاب الكهنة وأنصار الأفكار المختلفة؛ وكذلك في اليونان القديمة حيث تشير الآثار القديمة إلى جرائم تعود إلى 410 ق. م والتي تحاول قلب نظام الحكم ومن ثمّ الحكم بالإعدام على القائمين بتلك المحاولات الفاشلة ومصادرة أموالهم. وفي عصر الرومان كانت الجرائم السياسية والإرهاب، تعدّ صفةً واحدةً لمرتكبي تلك الأعمال بوصفهم أعداء الأمة.
وتضيف الكاتبة: حدث في التاريخ الإسلامي العديد من أوجه الصراع والعنف السياسيَين، ابتداءً من مقتل عثمان بن عفان مرورًا بالصراعات بين الأمويين والعباسيين. ومن أبرز صور العنف السياسي في عالمنا العربي المعاصر، هو العنف الديني الذي تقوده جماعاتٌ وتنظيماتٌ تنسب نفسها إلى الإسلام، وترفعه شعارًا ومشروعًا لأجندتها وأهدافها. ولا ينبغي علينا فهم أن العنف يجد جذوره في العقيدة الإسلامية، بل يعني أن نسق القيم المتشبع بالدين، يجد نفسه أحيانًا في صراعٍ مع منظوماتٍ جديدةٍ من القيم، ويجد عسرًا في التكيف معها، ما يضطره إلى الذهاب إلى “الجهاد” ضد الدولة وضد المجتمع.
تعريف العنف السياسي، والفرق بينه وبين المفاهيم الأخرى المشابهة
تقدم الباحثة هنا عدة تعريفاتٍ لمفهوم العنف السياسي، ولعل التعريف الأوضح له ما أوردته على لسان هارولد نيبرج: أفعال التدمير والتخريب وإلحاق الضرر والخسائر التي توجَّه ضد أهدافٍ، أو ضحايا مختارةٍ، أو حالات بيئيةٍ، أو وسائل أو أدواتٍ والتي تكون آثارها ذات صفةٍ سياسيةٍ من شأنها تعديل أو تقييد أو تحرير سلوك الآخرين في موقف المساومة والتي لها نتائج على النظام الاجتماعي. كما تورد الباحثة تعاريف لكلٍ من المصطلحات التالية: الحرب، الاضطرابات العامة، الانقلاب، الثورة، الحرب الأهلية، الإرهاب.
وحول العنف السياسي داخل الدولة الواحدة، تقول: يمكن تمييز نمطين من العنف السياسي، الأول هو العنف الذي تمارسه الدولة في أحوال خاصةٍ، والثاني هو العنف المضاد الذي تمارسه فئاتٌ في المجتمع تتمرد على نظام الدولة، أو فئاتٌ تنادي بمطالب خاصةٍ.
في ما يخص النمط الأول تقول الباحثة: النظام السياسي هو النظام المنوط به تحقيق الاستقرار والأمن والمحافظة على السيادة وعلى الأرض وعلى السكان، والحفاظ على الملكية العامة والتوازن بين طبقات المجتمع وبين أداء المواطنين واجباتهم ورعاية حقوقهم. وهو إذ يحقق هذه الوظائف فإنه يخوَّل من المجتمع لاستخدام القوة على النحو الذي تنظمه شرائع المجتمع وقوانينه، وإذا ما استطاع النظام السياسي أن يحقق هذه الوظائف في ضوء منظومةٍ من الاتفاق العام والتعاقد الاجتماعي، فإنه يقترب بهذا من الصورة المثلى من النظام السياسي. ولكن قد يحدث أن تنحرف النظم السياسية عن أداء وظائفها، وتتجه نحو السيطرة واستخدام أساليب القمع والكبح. ويظهر ذلك خصوصًا في النظم الدكتاتورية التي تحتكر القوةَ فيها نخبةٌ سياسيةٌ صغيرة العدد، أو حزبٌ سياسيٌ واحدٌ أو فردٌ واحدٌ، وفي هذه الحالة تختفي الحدود بين المشروعية وعدم المشروعية في علاقات القوة، ويغيب القانون وتصبح إرادة الدولة وسلطتها وأساليبها التي تقوم على التخويف والإرهاب والقمع فوق كل اعتبارٍ. وقد ظهر في الخطاب السياسي المعاصر مفهومٌ يشير إلى هذه الظاهرة، وهو مفهوم عنف الدولة أو إرهاب الدولة.
وعن العنف المضاد تقول الباحثة: يظهر هذا العنف للاعتراض على قرارات الدولة وأجهزتها التنفيذية، أو للمطالبة ببعض الحقوق التي ترى فئاتٌ معينةٌ من السكان أنها محرومةٌ منها، أو بمحاولة نزع الشرعية من النظام السياسي.

صور العنف السياسي
تستفرد الكاتبة هنا بشرح مفهوم الإرهاب لأهميته الكبيرة في الساحة المحلية والإقليمية والدولية، ولما له من تداعياتٍ خطيرةٍ على الأنظمة والمجتمعات. يمتاز الإرهاب بسعيه لتحقيق أهدافٍ سياسيةٍ من وراء عملياته. فهدف العمليات الإرهابية هو القرار السياسي؛ أي إرغام دولةٍ أو جماعةٍ سياسيةٍ على اتخاذ قرارٍ معين، أو الامتناع عن اتخاذ قرارٍ تراه في مصلحتها، وما كانت لتتخذه أو تمتنع عن اتخاذه لولا الإرهاب. وينقسم الإرهاب، بحسب الباحثة، إلى قسمين: إرهابٌ محليٌ وإرهابٌ دوليٌ.
الإرهاب المحلي: ذو أهدافٍ محدودةٍ داخل الدولة، ليس له أي ارتباطٍ خارجيٍ.
الإرهاب الدولي: في حال كان أحد أطراف الواقعة دوليًا، فالعملية الإرهابية التي تقع داخل الدولة على شخصيةٍ أجنبيةٍ أو دبلوماسيةٍ أو سياسيةٍ تحمل طابع الدولية، مثل العمليات التي تقوم بها المنظمات اليسارية في أميركا اللاتينية.
أسباب ودوافع العنف السياسي
ترى دراساتٌ عدّة وجود علاقةٍ مطّردةٍ بين عدم المساواة في توزيع الدخل والقهر الاجتماعي، وبين العنف السياسي، وتُرجع بعض الدراسات أسباب العنف السياسي إلى انحراف سلوك السياسيين ورغبتهم في الوصول، أو الحفاظ على السلطة. فالعنف السياسي في حقيقته ليس عنفًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا، بل هو سلوكٌ منحرفٌ وعنفٌ يدور حول السلطة ويتميز بالرمزية والجماعية والإيثارية والإعلانية، ولكنه يأخذ طابعًا ظاهريًا يتستر به، كأن يكون العنف السياسي قوميًا، أو اقتصاديًا، أو اجتماعيًا، أو دينيًا أو مذهبيًا. وثمة دراساتٌ ترى أن العنف السياسي سواء أكان لأسباب اجتماعيةٍ أو اقتصاديةٍ أو لسببٍ نفسيٍ ورغبةٍ في السيطرة والتحكم، فإنه ظاهرةٌ تكاد تكون طبيعيةً في سلم الصراع من أجل الديمقراطية؛ على سبيل المثال: العنف السياسي في العراق، والذي يمثل الصراع بين إراداتٍ تريد أن تحدث تغييرًا في أساليب إدارة الحكم في العراق، وبين إراداتٍ تريد أن تحافظ على سطوتها ونفوذها، لأن الديمقراطية والسلم الأهلي لا يمكن أن يقوما بوجود هاتين الإرادتين المتناقضتين، لذا يجب أن تُلغى إحداهما وتظل الأخرى، فإن أذعنت إرادة التغيير لإرادة السطوة اختفت الديمقراطية والحكم الصالح، وإن تغلبت إرادة التغيير على إرادة السطوة، عاش الناس في أمانٍ وحريةٍ واستقرارٍ.
وفي دراساتٍ أكاديميةٍ عديدةٍ، أُرجِعَ العنف السياسي إلى عدة عوامل حُدِّدَت في أربعة اتجاهاتٍ: عوامل سيكولوجية– عوامل سوسيولوجية– عوامل الصراع السياسي– عوامل الصراع الطبقي.
عربيًا؛ ترى الباحثة عدة قواسم مشتركة لأسباب العنف السياسي في المجتمعات العربية:
بسبب المشكلات البنيوية والهيكلية التي يعيشها العالم العربي، تلجأ الكثير من الأنظمة إلى ممارسة العنف لتجاوزها، بدلًا من البحث عن حلولٍ واقعيةٍ لها، فيفاقم هذا العنف المطبّق المشكلة، لتنتهي إجراءات تلك الأنظمة عند إغلاق مجال العمل السياسي وإعمال القمع وتقييد الحريات، ما يدفع المجتمع إلى سلوكياتٍ أخرى للتعبير عن مصالحه وحقوقه، وإلى ممارسة الاحتجاج على تسلط الدولة، أي الرد على العنف بعنفٍ مضادٍ.
انعدام المشاركة السياسية، وخاصةً بالنسبة إلى الشبّان من مختلف الطبقات، ما ينتج بيئةً مناسبةً للعنف والإرهاب.
الفقر وفقدان العدالة الاجتماعية، وانتشار البطالة.
الكبت الذي يؤدي إلى العنف.
تداعيات العنف السياسي
في حالات المشكلات البنيوية والهيكلية، وفي ظل انعدام المشاركة السياسية مع انتشار الفقر والبطالة وفقدان العدالة الاجتماعية، إضافةً إلى شيوع الكبت المولّد للعنف، تصبح ثقافة العنف السياسي أكثر شيوعًا، فهي لا تنشأ من فراغٍ. كما ينصرف مفهوم العنف السياسي إلى توظيف آلية العنف بشكلٍ منظمٍ لتحقيق أهدافٍ سياسيةٍ، قد تتمثل في الوصول إلى السلطة السياسية، أو التأثير فيها، وهنا نكون إزاء عنفٍ منظمٍ من جانب المعارضة. كما قد تكون تلك الأهداف ضمان السيطرة على السلطة السياسية والتشبث بها، وهنا نتحدث عن عنفٍ من جانب النظام نفسه.

  1. تداعيات العنف السياسي من الناحية السياسية
    هدم جسور الثقة بين القوى السياسية، وإلغاء فرص الالتقاء بين القوى المتصارعة، ما يوفر روافد جديدةً للصراع والعنف السياسي.
    إمكان استقواء بعض التيارات السياسية بقوى خارجية لمساندتها، كما فعلت بعض فصائل المعارضة العراقية قبل غزو العراق، ما مهّد الطريق أمام الولايات المتحدة لاحتلاله بحجج واهية.
    انعدام ثقة الشعب بالنظام الحاكم لعدم قدرته على الحفاظ على وحدة تماسك المجتمع، ما يضعف الولاء للوطن لحساب الولاء للأسرة أو القبيلة، وخلق مناخٍ يتسم بالاحتقان بين قوى المجتمع كلها.
    تداعيات العنف السياسي من الناحية الاقتصادية: عدم الاستقرار السياسي كفيلٌ بعدم الاستقرار الاقتصادي، وتضعف قدرة الدولة على التنمية، كما يؤدي العنف السياسي إلى هروب رؤوس الأموال وضعف حركة الاستثمارات.
  2. تداعيات العنف السياسي من الناحية الاجتماعية
    زعزعة الأمن والنظام العام، نتيجة ما يتركه العنف من حالات الفوضى والتفكك في المجتمع “كما حدث في لبنان خلال الحرب الأهلية”.
    التباطؤ في إنجاز الأعمال وزيادة معدلات البطالة وتعطل المصانع.
    إمكان خلق فتنٍ طائفيةٍ أو عرقيةٍ.
    انقسام لحمة المجتمع نتيجة الفوضى والفتن التي قد تتحول إلى حروبٍ أهليةٍ.
    نمو ثقافة التدمير والعنف عند بعض الفئات في المجتمع، ولا سيما تلك التي لا تجد سوى العنف كطريقةٍ للتغير، وذلك على حساب الحوار السلمي.
    تمترس ثقافة المونولوج، فالفرد العنيف لا يعرف سوى السلوك الفردي المملوء بالعُقد والشعور بالنقص، والإحساس بالكره تجاه المجتمع، إذ لا يرى فيه سوى الظلم والقهر، وكلها تشكل دوافع للعنف والعنف المضاد، ويأتي العنف السياسي في مقدمتها.
    خاتمة
    إن ظاهرة العنف السياسي ظاهرةٌ مركبةٌ ومتعددة التغييرات، ولا يمكن تفسيرها بمتغيرٍ أو عاملٍ واحدٍ فقط، فالمؤكد أن هناك مجموعةٌ من العوامل تتفاعل، بل تتداخل وتترابط وتؤثر بعضها في بعض سلبًا أو إيجابًا لتفجر أعمال العنف السياسي. وتشدِّد الباحثة على وجوب التمييز بين الأسباب المباشرة التي تفجر أعمال العنف، وتلك العوامل غير المباشرة أو الكامنة التي تقف خلفها، فتعد الأولى بمنزلة المناسبات والشرارات، ولكنها ليست الأسباب والعوامل البنائية الكامنة التي تولد الظاهرة، وعلى الرغم من تعدد وتداخل العوامل التي تؤدي إلى حدوث ظاهرة العنف، إلا أن التأثير النسبي لهذه العوامل ليس واحدًا، بل يختلف من دولةٍ إلى دولةٍ أخرى، بحسب الاختلافات والتمايزات المرتبطة بالتركيب الاجتماعي والثقافي والبناء السياسي والظروف الاقتصادية، وفي بعض الحالات يمكن القول بوجود عاملٍ أو عوامل جوهريةٍ أو مركزيةٍ تؤدي إلى أعمال العنف، بينما يأتي تأثير العوامل الأخرى في مرتبةٍ تاليةٍ. وتضيف الباحثة: وإن كان يجب ألا يوجد العنف السياسي أصلًا، لأن العنف السياسي سواء أكان بخلفيةٍ اقتصاديةٍ أو اجتماعيةٍ، نفسانيةٍ أو طبيعيةٍ في سلم الصراع بين الخير والشر، فهو يناقض العمل السياسي، لأن العمل السياسي بطبعه يتطلب ممارساتٍ دبلوماسيةً وعلاقاتٍ وثيقةً، ولقاءاتٍ وديةً دائمةً، واحترام وجهات النظر، والتفاوض والقبول بالحد الأدنى من المطالب السياسية، والرضا بالتوافقات، والإيمان بالشراكة الاجتماعية والسياسية، وربما تنازلاتٍ للصالح العام، بينما العنف السياسي سلوكٌ منحرفٌ يريد أن يؤثر في نتائج العملية السياسية، عن طريق استخدام أدوات ضغطٍ إكراهيةٍ تجعل الطرف الآخر يذعن إلى مطالب فرقائه، فهو استخدامٌ فعليٌ للقوة أو تهديدٌ باستخدامها، لإلحاق الأذى والضرر بالأشخاص والإتلاف بالممتلكات، وذلك لتحقيق أهداف سياسيةٍ مباشرة أو أهداف اقتصاديةٍ أو اجتماعيةٍ أو ثقافيةٍ لها دلالاتٌ وأبعادٌ سياسيةٌ.
    مراجعة نقدية للكتاب
    ركزت الباحثة على بعض العوامل المادية للعنف السياسي، كالعامل الاقتصادي والاجتماعي، لكنها لم تتناول العوامل المادية الأخرى المولّدة للعنف السياسي كالجغرافيا والتاريخ، رغم شيوع هذه العوامل تاريخيًا، إذ تعد السيطرة على الأراضي والأقاليم من أكثر العناصر أهميةً في إشعال الحروب، ويعود ذلك إلى أسبابٍ أو سماتٍ ماديةٍ تمتاز بها، مثل الثروات الباطنية والمياه والأراضي الخصبة، أو أراضٍ توفر الوصول إلى البحر، وقد تعود أهمية الأقاليم بسبب احتوائها على مجموعةٍ عرقيةٍ أو دينيةٍ تحت سيادة دولةٍ أخرى مجاورةٍ، أو إسهامها في تعزيز الأمن والدفاع.
    وقد ابتعدت الباحثة كثيرًا عن تناول العامل الأيديولوجي ودوره في العنف السياسي، رغم إمكان عده -عبر العصور وحتى إلى عصرنا هذا- عاملًا مركزيًا في مسألة العنف السياسي، فكيفية استغلال النخب السياسية للمثل الإنسانية، مثل الأديان وحقوق الإنسان والقومية، بهدف زج المجتمع أو الدولة برمتها في العنف السياسي، هي العنوان الأبرز لمعظم ما نشهده من عنفٍ سياسيٍ. كما لم تركز الدراسة على الأسباب السيكولوجية التي تحضّ على العنف السياسي وتؤججه، حيث لم تتناول الباحثة أهم المدارس التي تناولت هذا الموضوع؛ كالغريزة ونظريات التعلم والنظرية الإنسانية وتأثير النواحي السيكولوجية في العقلانية.
    تطرقت الباحثة إلى العنف في العالم العربي، ولم تُشر إلى أن أغلب الأنظمة السياسية فيها قائمةٌ نتيجة عنفٍ سياسيٍ، فقد استولت على السلطة بالعنف، لا عن طريق صناديق الاقتراع، ومارست هذه الأنظمة طوال عقود استيلائها على الحكم جميع صور العنف وأكثرها بشاعةً استئثارًا بالسلطة، فلا يكاد يوجد نظامٌ من بين هذه الأنظمة إلا ويتحّمل مسؤولية هدر دماء كثيرين من أبناء شعبه، فالعنف المتمثل بكم الأفواه والاعتقالات السياسية، وبتحريم العمل السياسي، والممارسات الإرهابية اليومية بحق أبناء مجتمعاتها وما ولده ذلك من حقدٍ وعدم مساواةٍ وغيابٍ للعدل، هو ما أنتجته تلك الأنظمة العنيفة بطبيعتها. وكيف دأبت على تنمية التيارات الإسلاموية العنفية، لاستخدامها كفزاعة أمام مجتمعاتها وأمام الغرب، لترسيخ قناعةٍ ثابتةٍ لديهما؛ إما الاستبداد أو الفوضى التي ستنتج منها سيطرة الإسلامويين العنفيِّين.

خولة سعيد

كاتبة وصحافية سورية، متعاونة مع مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر

مشاركة: