الدولة الوطنية السورية؛ إشكاليات التأسيس والقبول

من نحن؟ هل سورية المعاصرة دولة وطنية ناجزة أم جزء من كُلٍّ أكبر، أم تجميع لهويات وجماعات مختلفة؟ لماذا بقيت مسألة الانتماء الوطني موضوعًا للانقسام والتناحر منذ الاستقلال وحتى اليوم؟ هل يتوافق السوريون اليوم على شعار جامع لتأسيس دولتهم الوطنية الديمقراطية؟ ولماذا يحملون إجابات مختلفة لهذه الأسئلة؟

سورية: دولة مرفوضة وهويات متصارعة

تاريخيًا، لم يكن لسورية كيان مستقل بذاته. فمنذ القرن الثالث عشر كانت تابعة للمماليك ثم للإمبراطورية العثمانية. حين دخلت القوات العربية دمشق بقيادة الأمير فيصل بن الحسين في إثر انهيار الدولة العثمانية معلنة تأليف حكومة عربية دستورية مستقلة تشمل البلاد السورية، كانت “البلاد السورية” تعني سورية الطبيعية أو ما يسمى ببلاد الشام التي تشمل سورية الحالية، والأردن، ولبنان، وفلسطين. لكن بعد دخول القوات الفرنسية عام 1920 وطرد فيصل، أخذ إطار الدولة السورية المعاصرة شكله النهائي تقريبًا. إذ نشأت “سوريا الصغرى” من التقسيم الفرنسي-الإنجليزي لدول “سوريا الكبرى”.

كان هذا الكيان الجديد إشكاليًا ومرفوضًا من جانب الأغلبية. إذ لم يكن ممكنًا النظر إلى سورية الجديدة في تلك المرحلة بوصفها دولة نهائية، بل بوصفها جزءًا من أمة أو وطن أكبر. بقيت سورية في نظر زعماء الحركة الوطنية جزءًا من “سوريا الطبيعية”، ولا سيما في سنوات العشرينيات حيث كانت هذه الكيانات الجديدة لا تزال هشة وقابلة للتغيير. ظهر ذلك في برنامج حزب الشعب الذي أسَّسه عبد الرحمن الشهبندر، وكذلك في مشروع الدستور الذي وضعته الجمعية التأسيسية السورية عام 1928، وفي مؤتمر الكتلة الوطنية في حمص عام 1932.

في سنوات الثلاثينيات، أدركت الكتلة الوطنية واقع التفوق العسكري الفرنسي وعقم الكفاح المسلح. بالتالي، فإن الطريق إلى الاستقلال وإنهاء الانتداب تتطلب القبول بالحدود الراهنة لسورية، والتخلي عن المطالبة ب “أمة سورية” تتطابق مع الكيان التاريخي لبلاد الشام، ما يعني مشاركة الفرنسيين الحكم حتى رحيلهم. ساهمت هذه السياسة للكتلة الوطنية والقائمة على “التعاون المُشرف” مع الفرنسيين، في تبلور تيار قومي عربي مثّلته عصبة العمل القومي، ولاحقًا حزب البعث العربي والأحزاب القومية العربية، رأى أن سورية عبارة عن قطر في أمة أكبر هي الأمة العربية. مع هذه الأحزاب بدأ التنظير للقومية العربية كردة فعل على عجز النخبة السياسية الحاكمة عن الحفاظ على وحدة سورية الطبيعية والقبول بالتجزئة، وللدفاع عن هوية وكرامة مجروحة بفعل الممارسات الاستعمارية أيضًا.

طرح هذا الواقع بداية الأربعينيات على الفاعلين في الحقل السياسي السؤال الإشكالي التالي: هل سورية المعاصرة بحدودها الجغرافية المعلنة بعد اتفاقيتي سايكس-بيكو وسان ريمو ومعاهدة لوزان هي تجميع لما تبقى من “سورية الطبيعية”؟ أم “دولة-موقَّتة” لإعادة توحيد سورية الطبيعية أو توحيد الهلال الخصيب أو توحيد الأمة العربية؟ هل هي جزء من أمة إسلامية أو حتى أممية عالمية؟

بعد الاستقلال عام 1946، تحولت سورية إلى ساحة صراع وتنافس إقليمي ودولي، ما جعل الحفاظ على استقلال سورية هو الأولوية الوطنية. كما انقسم المجتمع السياسي بين تيارات متعددة منها ما تمسك بوحدة سورية الحالية وتبنى الليبرالية السياسية والاقتصادية في إدارة البلاد، ومنها ما تبنى الأيديولوجية القومية العربية، مثل حزب البعث الذي رسم الحدود “الطبيعية” للأمة العربية في المادة السابعة من دستوره. وهناك من تبنى القومية السورية كما فعل الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي وضع حدود الأمة السورية في المبدأ الخامس من تعاليمه. وبينما وجد الحزب الشيوعي سورية جزءًا من أممية عالمية، وجدت التيارات الاسلامية سورية جزءًا من أمة إسلامية. عكس السجال الخطابي القائم بين هذه التيارات السياسية خلافها الأيديولوجي حول هوية الدولة وحدودها الجغرافية، ونظام الحكم، والسياسيات الداخلية، والخارجية. هذا التباين حول الجغرافية السياسية لـ “الدولة-الأمة” المنشودة، ساهم في التأسيس لوضع هش على مستوى الهوية، بسبب عدم التطابق بين الجغرافيا التي يفرضها الواقع (سورية التي رسمت القوى الخارجية حدودها الراهنة) والولاء السياسي للأمة المأمولة أيديولوجيًا.

كما سمحت أجواء الحريات السياسية والفكرية وطبيعة النظام “شبه الديمقراطي” القائم منذ بداية الأربعينيات وحتى أواخر الخمسينيات بأن يبلور كلُّ تيار سياسي نظريته حول هوية الأمة ومكوناتها الأساسية، وبأن تدخل هذه التيارات في سجال سياسي وعقائدي في ما بينها حول المفهومات المتعلقة بالهوية. لكن على الرغم من تنوع هذه الأطاريح والمنظورات الفكرية، التزمت معظم التيارات بتعريف الدولة بالجمهورية السورية. لاحقًا، وخلال فترة الوحدة مع مصر (22 شباط/ فبراير 1958-28 أيلول/ سبتمبر 1961) أصبحت الجمهورية السورية جزءًا من الجمهورية العربية المتحدة. حيث تحولت هوية العروبة إلى واقع عملي بعد أن كانت شعارًا ونظريةً. بعد إعلان حلّ الوحدة لم تتخلَّ حكومة فترة الانفصال عن “الهوية العربية”، وحُوِّل اسم الجمهورية السورية إلى الجمهورية العربية السورية، في محاولة لنفي تهمة الانفصالية عنها وإثبات التمسك بالهوية “القومية العربية” وبهدف الوحدة “الصحيحة”. منذ السبعينيات، وخلال فترة حكم الأسد الأب ثم الابن، رُسِّخت الهوية العربية لسورية على مستوى الخطاب الرسمي وضمن الدستور الدائم للجمهورية العربية السورية الصادر في 13 آذار/ مارس 1973. إذ نجد أنه منذ بداية الستينيات، وإلى الآن، تبنت الدساتير السورية الهوية العربية السورية بحيث تتقدم فيها صفة العروبة على صفة السورية. في هذه المرحلة لم تسمح بنية النظام الديكتاتوري والأمني بأي سجال سياسي أو فكري حول هوية سورية، بل على العكس كان على جميع الهويات الأخرى سياسية كانت أم ثقافية أم دينية أن تنطوي داخل الهوية المُعتمدة من أيديولوجية السلطة. بعد عام 2011 عاد سؤال الهوية إلى الواجهة، وليشكّل أرضية للجدل السياسي والاجتماعي حول سورية المستقبل ونظامها السياسي والقانوني. من جهة ثانية، ساهم تفكك الدولة السورية والمجتمع السوري، بعد سنوات من الحرب، ومن التدخلات الإقليمية والدولية وما حملته من مشاريع تقسيم وتحالفات، وإضافة إلى عامل الرفض الشعبي لكلِّ ما يمثله ويتبناه النظام الحاكم، في صعود هويات مناطقية وطائفية وإثنية وسياسية أيضًا، مزقت قميص الهوية العربية السورية الذي قبعت فيه سورية عقودًا.

بين حلم “الأمة” وواقع “الدولة”

تشكل هوية الدولة السورية منذ إعلان أول استقلال لها في المؤتمر السوري العام في 8 آذار/ مارس 1920 وإلى اليوم إحدى القضايا المركزية في السجال السياسي والاجتماعي والفكري. فبعد قيام الكيان السوري الحالي برزت على الساحة السياسية السورية هويات أيديولوجية متعددة ارتبطت من جهة بظروف الصراع الدولي والإقليمي على مناطق النفوذ في المنطقة. ومن جهة ثانية كانت هذه الهويات امتدادًا لتيارات سياسية-فكرية عالمية شكلت آنذاك نماذج ملهمة للحراك السياسي في سورية وعديدٍ من دول العالم، كان النموذج القومي الاشتراكي أبرزها.

تعود الإشكاليات المتعلقة بهوية الدولة السورية إلى مجموعة عوامل متداخلة ومترابطة أبرزها الواقع المعقد والمركب الذي نشأت فيه هذه الدولة، ولا سيما الصراع الإقليمي والسياسي حولها وعليها. فقد ساهم التجاذب السياسي الخارجي حول مستقبل سورية، وما يتضمنه من مشاريع إقليمية (المشروع الهاشمي مقابل السعودي-المصري) ومشاريع دولية (الأميركي مقابل السوفياتي)، إضافة إلى التهديد الدائم على الحدود السورية من جيرانها، تركيا والأردن والعراق وإسرائيل، في التأسيس لوضع هش على مستوى الهوية الذي بقي عُرضة للتأثير الخارجي وتحدياته، وساهم بدوره في استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي.

من جهة ثانية، واجهت هذه الدولة الناشئة تحديات داخلية تمثلت بانقسام نخبها السياسية واختلافها حول المسألة الاجتماعية وقضايا الإصلاح وتوزيع الثروة الوطنية، إضافةً إلى ضعف المؤسسات السياسية ومحدودية تمثيل الحاكمين للطبقات الشعبية المختلفة وتطلعاتها. هذا الوضع أنتج تصورات متباينة لشكل الدولة-الأمة المأمولة بين التيارات السياسية، وأنتج أيضًا ولاءات متشابكة ومتناحرة أحيانًا، بعضها كان فوق – وطني يتبنى نموذجًا قوميًا أو أيديولوجيًا توحيديًا وشموليًا يتجاوز واقع الدولة القائمة، بحيث كان مشروع بناء “الأمة” سابقًا وأولوية على مشروع بناء “الدولة”. وبعضها الآخر تحت – وطني يكرِّس سلطة الزعامات، وتتحكم فيه العصبيات المحلية ونظام القرابة. كلا الولاءين كانا يتقدمان أحيانًا ويعوقان أحيانًا أخرى الالتزام بالدولة “الوطنية” السورية كوطن نهائي.

منذ الاستقلال وحتى بداية الستينيات، قبلت الأحزاب المدينية الحاكمة الحدود الحالية لسورية، كأمر واقع، وتقاسم أفرادها السلطة بالأسلوب التقليدي. في المقابل، اعترضت الأحزاب الأيديولوجية الصاعدة على الضعف الذي واجه به أفراد الجيل ‏القديم تجزئة ‏المنطقة وتقطيعها على أيدي الأجانب، وكانت في الوقت نفسه متباينة في أهدافها ووسائلها. فمنها ما كان يعمل من أجل وطن سوري وآخر لوطن عربي وثالث لعالم إسلامي ورابع كان امتدادًا لحركة أممية عالمية. ‏اتفق جميعهم على عدم الاعتراف بالحدود الحالية، ‏ولكنهم اختلفوا على شكل الحدود المأمولة.

هذه التوجهات الأيديولوجية على تنوع مصادرها النظرية تم تبنيها لأنها بدت حلًا للواقع السياسي-الاقتصادي-الاجتماعي. فسورية والمنطقة بالعموم كانت تعاني التجزئة والانقسام وخارجة من الاحتلال الأجنبي ومهددة بالوجود الإسرائيلي، لذلك بدت الأيديولوجيات القومية التوحيدية، على سبيل المثال، وسيلة لتوحيد البلاد وتحقيق السيادة الوطنية. فالأيديولوجيات المتنافسة لم تنشغل بمشروع بناء “الدولة الوطنية” بقدر ما عالجت في تصوراتها وجدالاتها النظرية مشاريع لأمم أكبر تأمل بتحقيقها لإنقاذ البلاد من خيباتها ومنحها القوة لمواجهة العدو. لذلك كان حلم الأمة أولوية على بناء الدولة.

أنتج تعدُّد المرجعيات النظرية للأحزاب السياسية السورية تصورات متباينة لشكل الأمة وعوامل تكوينها. ففي الوقت الذي جعل بعضها من عامل اللغة أساس هوية الأمة، كان بعضها الآخر يُعرّف الأمة على أساس عامل التاريخ أو الاقتصاد أو الدين. وكانت جغرافية الأمة وحدودها وطموحاتها وهويتها تتبدل من تصور لآخر.

لكن إذا نظرنا إلى علاقة “الدولة” بـ “الأمة” في تصورات هذه الأحزاب نجد أن الدولة ظهرت إما كعنصر منفصل عن الأمة، أو كعنصر ثانوي يخدم ويحمي شؤون الأمة، وفي أحسن الأحوال اُعترف بمركزيته لكن على أن تُعرّف الدولة بكونها الدولة القومية أو الدولة العقائدية. بينما لم تظهر “الدولة الوطنية” السورية إلاّ بوصفها “قطرًا” ومثالًا للتجزئة التي صنعها الاستعمار، أو مرحلة موقَّتة في طريق تحقيق الأمة. بالتالي، لم تتطابق “الدولة” السورية مع التصورات المطروحة للأمة، ولم تُقدَّم في أي تصور نظري على أنها هي التي تخلق الأمة. فالكيان السوري لم يتمتع بعامل وحدة الدولة-الأمة، كما الحالة المصرية على سبيل المثال، وهو ما أنتج تباينًا في المواقف من قضية الدولة السورية القائمة، ومن العلاقة بين الدولة والأمة والقومية، واللغة، والدين، والجغرافية. حيث تأسس الوعي الوطني في المجتمع السياسي السوري، كما باقي دول العالم الثالث، في سياق حركات الاستقلال والتحرر الوطني، أكثر مما تأسس على رؤية اجتماعية-تاريخية وسياسية توافقية تقود إلى إنجاز شكلٍ من الاجماع العام حول مشروع الدولة وهويتها الذي بقي محور سجال.

بالتالي، لم تكن هذه المرحلة شبه الديمقراطية القصيرة من تاريخ سورية كافية للتأسيس لهوية وطنية ولدولة وطنية سورية متماسكة. ففي ظل مجتمع لا يزال فيه مفهوما “الأمة” و”الدولة” في مرحلة التكوين، وفي ظل تنوع الروابط والولاءات العقائدية والمحلية التقليدية التي تحكم انتماءات أفراده، وتنعكس في الصراع السياسي الداخلي على مؤسسات السلطة، وفي ظل التدخلات الخارجية المستمرة في سياسات هذا البلد وصراع المحاور الإقليمية والعالمية حوله، اعتبر الجيش نفسه المؤسسة الوطنية الوحيدة التي تمثل جميع فئات المجتمع، وقدّم نفسه ممثلًا لوحدة الأمة وأهدافها. بالتالي وجد العسكر أن من حقهم لعب دور سياسي في البلاد بوصفهم حماة الأمن القومي والاستقلال. وبسبب إخفاق السلطة السياسية المدنية في احتواء دور المؤسسة العسكرية وتحييدها عن التدخل بالعمل السياسي، وإخفاقها في التعامل معها كإحدى مؤسسات الدولة التي تتبع للنظام السياسي القائم، وأيضًا بحجة الدفاع عن النظام الجمهوري، لجأ العسكر إلى الانقلابات أكثر من مرة كوسيلة للوصول للسلطة وقلب النظام. إذ استفادوا من حالة عدم الاستقرار السياسي في البلاد بفعل عوامل خارجية إقليمية وعوامل داخلية أهمها الانقسام السياسي، حيث أصبح العسكر في السلطة أكثر من مرة بديلًا عن حكومة من الأحزاب المتصارعة.

كانت النخبة المدينية تمسك بوسائل الدولة الحديثة من برلمان وشرطة وجيش وموازنة لتمتين وجودها في السلطة، والتي كانت نخبة مغلقة على باقي فئات الشعب من فلاحين وصغار كسبة وعمال في الضواحي والأريافـ لكن بنية النخبة الحاكمة شهدت تغيرًا في تركيبتها منذ الستينيات، إذ ستكون أمام الفئات المهمشة فرصة للخروج على النظام شبه الديمقراطي القائم. فقد كان التوسع العمراني والخدمات التعليمية والصحية بعد الاستقلال قد أتاحت كلها لأبناء هذه الفئات دخول المدارس ومؤسسة الجيش والانتساب إلى الأحزاب الراديكالية، وهو ما سمح لهم بالمشاركة في اللعبة السياسية، وتحصيل مكانة اجتماعية لم يستطيعوا حيازتها اعتمادًا على منشئهم العائلي والمناطقي والعشائري.

ضمن هذه الأجواء صعدت أحزاب سياسية للسلطة تتبنى النموذج القومي الاشتراكي، مثل حزب البعث، وهو ما حصل أيضًا في دول عربية أخرى في المنطقة، مثل الناصرية في مصر وجبهة التحرير في الجزائر والحزب الاشتراكي في اليمن. هذه الأحزاب عملت على بناء الاشتراكية بالاعتماد على الدولة وعلى حزب قائد يسيطر عليها، يجري إصلاحات وتأميمات. حيث تكونت، منذ تجربة الجمهورية العربية المتحدة، نظرية “قومية” جديدة تقطع مع أنساق النظرية القومية العربية التقليدية، وتؤسِّس لنسق جديد يربط ما بين القومية والاشتراكية ويؤكد على المحتوى الطبقي للقومية.

لكن عمليًا، لم يحقق وصول البعث للسلطة المساواة والديمقراطية، وكانت سيطرته على المجتمع المدني هشة مقابل سطوته على مؤسسة الحكم. كما أن تمثيل جميع فئات الشعب في البرلمان لم يتح لهؤلاء النواب أن يكونوا قنوات اتصال بين الشعب والسلطة بحكم أن وصولهم إلى البرلمان يرتبط أولًا، وقبل كل شيء، بدرجة ولائهم للسلطة. كما أن نظام البعث الذي رفع شعار القومية العربية لم يهتم ببناء “الأمة” على مستوى الشعب والمؤسسات والحقوق، ما حوّله إلى نظام استبدادي منعزل عن الإرادة الشعبية.

استفاد النظام الحاكم منذ السبعينيات ولليوم من إشكاليات الحياة السياسية السورية السابقة، بل ووظّفها في خطابه السياسي المعلن ليعطي وجوده الشعبية والشرعية. فقد ركّز منذ وصوله إلى السلطة بانقلاب عسكري على إدارة العصبيات والزعامات المحلية والطائفية والمناطقية، وتبنى شعارات جاذبة وتوافقية كالوحدة والاشتراكية والاستقلال ومعاداة الاستعمار ومواجهة إسرائيل وتحرير فلسطين، وركّز على تعزيز دور سورية الجيو-بوليتيكي في المنطقة وتحويلها إلى لاعب أساسي يبني التحالفات الإقليمية وليس مجرد طرف فيها. لقد تبنى هذا النظام الخطاب القومي العربي ذا النهج التقدمي الاشتراكي والتحرري، مسايرًا الخطاب الديني في الوقت نفسه. وبالنتيجة، قام بتوظيف جميع هذه العناصر في خطابه وفي البروباغندا الخاصة به ليشكل إطارًا لشرعيته الأيديولوجية أولًا، وللتغطية على غياب الممارسة الديمقراطية والحريات وممارسة القمع والفساد ثانيًا. لكنه في المقابل، لم ينجح في عملية بناء الدولة الوطنية، إذ إن الأيديولوجية القومية “العلمانية” التي تبناها لم تغير في بنية وعي وثقافة المجتمع بسبب الأساليب التي استخدمها لفرض هذه الأيديولوجية. حيث بقيت “القومية” و”العلمانية” شعارات، بينما استخدم في ممارساته الانتماءات الجهوية والطائفية والمناطقية لكسب الولاءات وتوزيع المناصب. بالتالي لم يتعامل النظام مع السوريين بوصفهم مواطنين متساوي الحقوق، بل بوصفهم أفرادًا ينتمون إلى جماعات مذهبية وإثنية تُقرَّب من دائرة السلطة أو تُبعد عنها على أساس درجة الولاء. وهو ما ساهم لاحقًا في تحويل الصراع معه بعد الثورة، لدى قطاع واسع من الشعب السوري، من صراع ضد الاستبداد، ومن أجل الديمقراطية والحرية والمساواة، إلى صراع طائفي.

واقع الدولة الوطنية الديمقراطية ومستقبلها

لاحظنا في عرضنا الموجز لتاريخ الكيان السوري المعاصر أن هذا الكيان بعد الاستقلال لم يكن مقبولًا من معظم الأطراف السياسية، بل إن أغلب الأحزاب لم تنشغل ببناء “الدولة السورية” بقدر انشغالها بمشاريع لأمم أكبر. إذ أُسِّست أدبياتها ومناهجها على مبدأ رفض حدود هذا الكيان-الدولة واصفةً إياه بـ “الجزء” من أمة أكبر. وعلى الرغم من التجربة القصيرة للحكم المدني “شبه الديمقراطي” في فترة الأربعينيات ثم الخمسينيات، إلا أنها لم تكن كافية للتأسيس لدولة وطنية سورية مقبولة لجميع الأطراف السياسية آنذاك، ولا سيما في المرحلة التي سيطرت فيها الحركات القومية العالمية. إضافة إلى أن تلك الفترة الوجيزة للتجربة شبه الديمقراطية من برلمان وصحافة ونقابات وانتخابات وأحزاب لم تأخذ وقتها الكافي، كأي تجربة تاريخية أخرى، بحيث تسمح للشعب السوري بترسيخ قواعد الديمقراطية، وبتشكيل هويته السياسية-الاجتماعية، ليكون قادرًا على التوافق حول شعار مؤسِّس لـ “دولته الوطنية” بغض النظر عن التيار السياسي في السلطة.

في مرحلة حكم الأسد تم تبني شعارات القومية العربية والاشتراكية والوحدة والشعب والجماهير والتحرير والمقاومة في الخطاب الرسمي. بينما قامت الممارسات في الواقع على التلاعب بالأوراق الطائفية والمناطقية والإثنية، وعلى التضاد من القومية. كما استخدمت أنظمة قديمة، كنظام القرابة والعصبية، لتدعيم البقاء في السلطة، مقابل تدمير وإفشال أنظمة حديثة لمؤسسات الدولة الوطنية كالنقابات والبرلمان والأحزاب والإعلام. في هذه المرحلة صُنع قالب واحد متجانس لـ “الشعب السوري” هو “الشعب العربي السوري”. لم يتم التعريف بسورية كـ “دولة وطنية” بل كـ “قطر” في “الأمة القومية العربية”. كل ما يتعلق بالشعارات والهوية والأيديولوجيا كان يأتي من الأعلى جاهزًا، لا مشاركة للشعب أو لتيارات سياسية خارج السلطة في رسم هوية الدولة أو توجهها.

يعود هذا الإخفاق في إنجاز مشروع الدولة الوطنية في سورية المعاصرة منذ الاستقلال وحتى اليوم، إلى عدم تحقق شرطها الأساس وهو اقتران مفهوم “الدولة الوطنية” بمفهومات الحداثة؛ الديمقراطية والمواطنة وسيادة القانون وسيادة الشعب وحقوق المواطن والمجتمع المدني… إلخ. لذلك لم يكن ممكنًا أن يتبلور مفهوم الدولة الوطنية بوضوح في دساتير وأدبيات وخطابات الأحزاب والمنظرين السياسيين آنذاك، خلال تلك المرحلة القصيرة شبه الديمقراطية بعد الاستقلال، بحكم ظهور الأيديولوجيات الاشتراكية والقومية التي ترى في مشاريع وحدة الأمم أو مبدأ الاشتراكية أولوية على ديمقراطية الدولة وحرية مواطنيها. كذلك الأمر في مرحلة حكم الأسد، لم يكن لهذا المفهوم أن يتبلور في ظل دولة شمولية قمعية يُغيّب فيها المواطن لأجل تقديس الوطن، وتتقدم الشعارات على حقوق المواطنين وأصواتهم.

اليوم، وبعد انتفاضة عام 2011، يبدو أن السوريين لم يُظهروا تقدمًا ملموسًا على مستوى مؤسساتهم السياسية (المعارضة والموالية) في ما يتعلق بالمسألة الديمقراطية ودولة المواطنة والحريات. ويبدو أن السوريين ليسوا كما يردِّدون في شعاراتهم من حين إلى آخر “الشعب السوري واحد”، ولا يتشاركون الحلم ذاته حول مستقبل بلدهم، ولا سيما في ظلِّ انقسامهم على تعريف حدود أرضه ولغته وشعبه وهويته.

تخضع أرض الدولة السورية اليوم لأربع احتلالات، وتتعرض لانتهاكات حدودية وجوية من دول عدة. أي لا سيادة للدولة على أرضها ولا استقلال. فما مستقبل “الدولة الوطنية” في بلد مجزأ وتُنتهك سيادته مرارًا وتكرارًا؟ وفي المقابل، تهيمن قوى مسلحة متنوعة على المجتمع السوري كقوى أمر واقع تدير شؤون المناطق السورية؛ يُلاحظ أنه على الرغم من تبايناتها وصراعاتها وأهدافها وطموحاتها المستقبلية، فإنَّ العنصر المشترك في ما بينها هو: لا ديمقراطيتها.

من جهة ثانية، إن أغلبية هذه القوى المسلحة لا تخضع للقرار السياسي الحاكم في منطقتها، بل إنها تعمل بالتعارض معه أحيانًا. كما أن بعضها يتحالف مع، أو يرتبط بـ، ميليشيات أو جماعات تحمل أيديولوجيات مذهبية أو إثنية لا تؤمن بالدولة الوطنية الديمقراطية، بل تحارب لأجل أمم قومية أو دينية تتجاوز الدولة السورية ولا تعترف بها أصلًا. لقد كانت الدولة العسكرية سابقًا عائقًا أمام تحقيق الدولة الوطنية الديمقراطية، أما اليوم فنحن أمام حالة أخطر هي حالة “تطييف السلاح” التي تتمثل بوجود جماعات تحمل السلاح وأيديولوجيات مذهبية أو إثنية متطرفة في آنٍ معًا.

يُضاف إلى ذلك، أن الانقسام الأيديولوجي بين “المكونات” السورية تجاوز حالة التنوع والغنى المطلوبة في أي مجتمع، وأصبح عائقًا سياسيًا أمام إنجاز أي تقدم سياسي أو توافق أو إجماع حول هوية الدولة ونظام حكمها ودستورها. هذا التشظي جعل من الشعب/شعوبًا، ومن سورية/سوريات، ومن الدولة/دويلات… إلخ. إذا تنقلنا اليوم بين عدة مناطق في سورية، سنجد أن كل منطقة تخضع لنظام حكم مختلف، ولكل منطقة ثقافة اجتماعية مختلفة عن ثقافة المنطقة الأخرى. في الحصيلة، سنشعر أننا نتنقل بين دول وشعوب مختلفة وليس بين أبناء دولة واحدة وشعب واحد. قد يقول بعضهم إن السبب هو سلطات الأمر الواقع وحسب، وإنه بمجرد ذهابها سوف يعود الشعب السوري ليكون شعبًا “واحدً”. لكن هذا الرأي يغفل عن أن هذه السلطات قد جاءت من أبناء المناطق التي تحكمها، وهي تتشدد وتظلم فعلًا، لكنها في الحقيقة تحاول، في الوقت نفسه، مراعاة ثقافة المنطقة بشيء من المرونة، ما يعني أن رحيلها لن يجعل “الشعب السوري” يجمع بين ليلة وضحاها على شكل الدولة ودستورها ونظام الحكم ولون العلم… إلخ.

لقد كان الصراع سابقًا بين التيارات السياسية على ضم سورية إلى تكتلات إقليمية أكبر (قومي عربي، قومي سوري، إسلامي، أممي …الخ)، أما اليوم فقد بات الحفاظ على حدودها الحالية مسألة صعبة، إذ ظهرت انقسامات جديدة على أساس إثني أو ديني أو مناطقي. ويبدو أن التمسك بهذه الهويات ما تحت الوطنية يعود من جهة إلى الإخفاق في تحقيق دولة المواطنة والمساواة والقانون، ومن جهة أخرى إلى الخوف وعدم الثقة بإمكانية إنجاز الدولة العادلة والحامية للجميع بعد سنوات من الحرب الأهلية والانقسامات.

هذا الخوف مشروع، فالدولة الوطنية السورية المستقبلية لن تتبلور ملامحها قبل أن تُجمع النخب السياسية والثقافية السوري على مشروع وطني ديمقراطي سوري تلتف حوله كتلة واسعة من السوريين، مشروع يرتكز على العدالة والقانون والمساواة بين السوريين على أساس المواطنة، بغض النظر عن هوياتهم الجنسية والإثنية والدينية والعرقية، ورفض المشاريع التي تذهب في اتجاه إعادة إنتاج الدولة التسلطية أو التمييزية أو بناء دولة جديدة على أساس قومي أو ديني أو طائفي.

مشاركة: