الافتقار إلى الحياة السياسية والتنظيمات السياسية والمنظمات المجتمعية كتحدٍّ لقيام الدولة المنشودة

تمهيد

لقد كانت الدولة خاتمة المسار السياسي العربي، لكن السؤال الذي لا يزال محل بحث يثير الجدل هل كانت هذه الخاتمة خاتمة جيدة أخرجت العرب من أزماتهم أم كانت هي نفسها أزمتهم؟

إن المتأمل في منجز الفكر السياسي العربي الحديث والمعاصر المتعلق بموضوع الدولة يميل إلى عدّ الدولة عند العرب أزمة وليست حلًا، فالكتابات التي عرضت للدولة سلمت بأنها موضوع للنقد، بما يعني أنها مشكلة، ثم إن الحقل الدلالي للعناوين الرئيسة لهذا المنجز لا يخرج عن مفهوم الأزمة، فمن “المسألة العربيّة”[1] إلى “مشكلة الدولة”[2]، إلى “محنة”[3].

ولعل العنوان الفرعي لكتاب برهان غليون “الدولة ضد الأمة” ذو دلالة مهمة لهذه الإشكالية، وهي إشكالية ذات وجوه متعددة تناولها الباحثون بمناهج مختلفة ومن رؤى متباينة.

إننا ندفع بتعبير غليون إلى أقصاه مستعيرين من مالك بن نبي مصطلح “رجل القلة”[4] الذي يوصف به مسلم القرن العشرين لنسحبه على الدولة، فهي لم تتحرر من إرث الاجتماع المدني القديم المؤسس على تقاليد ما قبل الدولة، ولم تنجح في بناء الدولة المنشودة بتقاليدها المؤسساتية التي بني عليها مفهوم الدولة التأسيسي في الفكر الإنساني.

فما الذي نراه من معيقات تحول دون بناء الدولة المنشودة؟

يقتضي هذا السؤال تحديد واحدة من دوائر علاقات الدولة الأساسية، علاقتها بالشعب، علاقتها بالأمة، ثم علاقتها بالعالم.

ولأن علاقتها بالشعب هي موضوع السياسة، في حين تمثل الدائرتان الأخريتان تباعًا علاقتها بالهوية والسيادة، فقد اخترنا أن نبحث المعيق من دون بناء الدولة المنشودة؛ دولة الديمقراطية والمواطنة في مجال السياسة أي من خلال علاقتها بالشعب.

الإشكالية

وتخصيصا لهذا السؤال سنسعى للإجابة عن سؤال كيف يشكل غياب الحياة السياسية، والتنظيمات السياسية، والمنظمات المجتمعية من نظام الاجتماع المدني والسياسي، أحد أكبر تحديات بناء دولة المواطنة.

وهي إشكالية نحاول تفكيك مفاصلها مستعينين بالأسئلة الآتية:

ما الدور الذي تؤديه التنظيمات السياسية في نظام الاجتماع؟

كيف تبدو علاقة الدولة العربية المعاصرة بالسياسة، وما أثر ذلك في مستقبلها؟

هل من الممكن تجاوز مظاهر الأزمة وأسبابها بين الدولة والسياسة؟

دواعي البحث

أثارت الثورات العربية في ألفين وأحد عشر أسئلة كثيرة عن الانتظام السياسي العربي والإسلامي، أهليته لنظام ديمقراطي حر قوامه المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات وعماده الحرية، وهي أسئلة اختلفت مقارباتها كاختلاف صيغها، لارتباطها بزوايا نظر تكاد تكون متناقضة متضاربة، فقد شهد الموقف من هذه الثورات انقساما حادًا داخل المجتمعات العربية حول التوصيف والتشخيص والنتائج والمآلات والجدوى.

لكن ذلك لم يخف رغبة معلنة أو مضمرة في الحديث عن انتظام سياسي منشود، قوامه حياة سياسية غير خاضعة لآليات الضبط الاجتماعي والعنف الفكري ا لتي تمارسها القوى المسيطرة ذات الطابع الاستبدادي.

لأن هذا البحث عن المنشود لا يزال يحتاج إلى تعميق الدرس، وتجويد التشخيص، من أجل فهم الأسباب المانعة للخروج من دائرة الأزمة المفهومية والعملية، وحالة الفقر التي تسم الحياة السياسية، فإننا اخترنا أن نبحث في معيقين رئيسين هما، غياب التنظيم السياسي، وغياب المنظمات المجتمعية أي السلطة المقابلة لسلطة الدولة.

فرضيات البحث

نطرح جملة من الفرضيات التي تقودنا في هذا البحث:

الدور المركزي لهذه الفواعل السياسية في الانتظام السياسي بوصفها معدل الكفة من دون انحراف السلطة إلى الاستبداد.

التجسيد العملي لمستوى ثقافة الفرد /الفاعل داخل هذا الانتظام.

التجسيد الفعلي لحيوية المجتمع في مقابل مواته عند غياب هذه المؤسسات.

إن افتقار الحياة السياسية العربية لهذين المكونين وضع الحياة السياسية نفسها موضع سؤال، هل لدينا سياسة؟

إننا نحاول أن نساهم في رسم تصور لسبل الخروج من هذا المأزق التاريخي، للنظر في أفق مستقبلي لحياة سياسية حيوية.

المنهج

نعتقد أن أنسب طريقة منهجية لتناول هذه الإشكالية هي منهج الدراسات البينية، أي تعدد المناهج بما يسمح لنا بالاستفادة من ميزات المناهج المعتمدة كلها، ذلك أن المنهج البيني هو منهج يساهم في تبادل الخبرات البحثية، والاستفادة من الخلفيات الفكرية والمناهج البحثية المختلفة بين الباحثين، ودمجها في إطار مفاهيمي ومنهجي شامل. يساعد في توسيع إطار دراسة الظواهر والمشكلات، وتقديم فهم أفضل لها، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى الخروج بنتائج دقيقة، وتقديم حلول نافعة قابلة للتطبيق، بما أن هذا الاتجاه المعرفي الجديد يؤكد تشابك وجهات النظر العلمية، وضرورة ربط المعلومات في نظام تتصل فيه جميع التخصصات، فضلا عن ارتباط هذه المجالات كلها بالعلوم الإنسانية الأخرى: النفسية والاجتماعية والاقتصادية.

ذلك أن أحادية المنهج في البحوث صارت قاصرة عن الإلمام بموضوع معين، مهما كانت دقة المنهج المعتمد.

وبناء عليه سنعتمد المنهج التاريخي الذي سيساعدنا في تتبع تاريخ جملة الأفكار المحورية المحددة للموضوع، وتحديد الحقائق السابقة، من خلال مراجعة ما سبق من البحوث والدراسات، وسنحتاج أيضا إلى المنهج الوصفي التحليلي لتحديد خصائص المفاهيم المركزية للموضوع، ووصفها، وتحليل طبيعتها.

وبما أننا إزاء بحث يعرض إلى المؤسسات السياسية ودورها في الانتظام المدني، ستكون الأنثروبولوجيا السياسية أداة اكتشاف ودراسة المؤسسات والممارسات شتى التي تحقق حكم الناس، فضلا عن أنها أداة اكتشاف لتنظيم التفكير والرموز التي يستند إليها، ومن خلالها يمكن أن نفهم العلاقات السياسية، وما تبنيه من أنساق ونظم، وأخذ التناقضات والتوترات والحركة الملازمة لكل مجتمع في الحسبان.

وسيساعدنا منهج التحليل الإدراكي الذي يربط بين بنية الخطاب السياسي، وبنية السياق السياسي للخطاب[5]، على الربط بين النص السياسي وتوزيع السلطة في السياق المجتمعي. بما أن بعض اهتمامات البحث الرئيسة هو بحث توزيع السلطة داخل المجتمع، ودورها في ضبط معالم الدولة المنشودة.

الدراسات السابقة

هل فعلا تظل الدولة “عصية على الردع والتحليل في آن واحد”[6].

لم تخل الدراسات والبحوث في الفكر السياسي العربي، وهي تبحث موضوع الدولة والانتظام السياسي، من إشارة إلى أهمية التنظيمات السياسية والمجتمعية في الحياة السياسية وبناء السياسة، لكن هذه الدراسات لم تخصص مباحث مستقلة للإشكالية التي ندرسها.

في المقابل قدمت لنا هذه المباحث إضاءات مهمة أكان من جهة المفهوم، أم الإشكاليات المثارة في العلاقة بين التنظيمات السياسية والدولة، أم داخل الانتظام السياسي والمدني. عمومًا جاء ذلك في بحثهم لأزمة الدولة الوطنية التي كانت الموضوع الرئيس للغالب الأعم لهذه البحوث، ويبدو هذا التركيز على مبحث الدولة متفهمًا بالنظر إلى لتحدي الذي شكلته الدولة الوطنية عقب موجات التحرر من الاحتلال الأجنبي لجميع النخب الفكرية والاجتماعية.

وإذا سلمنا بأنه لا يمكن الإحاطة بديناميات الدولة وبنيتها، من دون الكشف عن مستوى العلاقات التي تنتظمها في الداخل والخارج، بوصفها “نقطة التقاء وتصادم معًا بين شبكات علائق متباينة ومعقدة، قوميّة ودولية، مدنية ورسمية، ثقافية ومادية”[7]. يكون لزامًا علينا كشف هذه العلاقات كخطوة أولى من أجل رسم مستقبل الدولة المنشودة.

ولأنه لا تخلو دراسة عن الدولة من إشارة مقتضبة أو موسعة لموضوع الديمقراطية، والمواطنة، والتنظيمات السياسية والمجتمعية، فإنه قد يبدو من نافلة القول الوقوف عند تفاصيل ما ورد فيها بما أننا سنكون أمام ضرورة الرجوع إلى بعض هذه الدراسات صراحة والاستفادة منها ضمنًا في قابل التحليل.

التحليل

1- الجهاز المفاهيمي

نحن إزاء مفاهيم محددة سلفًا تضبط مسار بحثنا، لذلك من المهم البدء بضبط حدودها حتى يسهل علينا تفكيك مفاصل البحث، فنحن نبحث عن الحياة السياسية، والتنظيمات السياسية، والتنظيمات المجتمعية، بوصفها محدد في بناء دولة منشودة، نبحث هذه المفاهيم في حال غيابها أو تغييبها، ما معنى أن يفتقر اجتماع سياسي إلى حياة سياسية بتنظيماتها السياسية والمجتمعية، هل يصح أن نطلق عليه وصف الاجتماع السياسي، ما دواعي هذا الافتقار؟ وما ممكنات التجاوز؟ ولماذا يكون مطلوبًا من أي اجتماع سياسي تأمين وجود هذه العناصر؟ ألا يمكن أن تكون هناك حياة سياسية من دون تنظيمات سياسية ولا مجتمعية؟ وما معنى الدولة المنشودة؟ من المعني بهذه الدولة وعلى أي أسس؟

هذه الأسئلة ستساعدنا بعد ضبط حدود هذه المفاهيم أن نحدد النسق الجامع بينها لتفكيك إشكالاتها التي تثيرها.

الافتقار

قال سِيبَوَيْهِ: وَقَالُوا افْتَقَر كَمَا قَالُوا اشتَدَّ، وَلَمْ يَقُولُوا فَقُر كَمَا لَمْ يَقُولُوا شَدُدَ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ بِغَيْرِ زِيَادَةٍ. وأَفْقَرَهُ اللَّهُ مِنَ الفَقْرِ فافْتَقَرَ.[8] ومن معاني الزيادة في هذا الفعل المطاوعة أي مطاوعة الذي فعله، وهو معنى يحيل إلى أن الافتقار للحياة السياسية والتنظيمات داخل الاجتماع السياسي إنما تتم بفعل فاعل عادة هو السلطة الحاكمة، وتكون المطاوعة هنا من التنظيمات السياسية والمجتمعية حالة من الترهل الفكري، أو التنظيمي، أو القيمي، أو انخرامًا في موازين القوى بين السلطتين.

وقد آثرنا هذا المدخل اللغوي للتدليل على تشابك العلاقة بين مكونات هذا الاجتماع، والإشارة إلى أن خلو اجتماع ما من الحياة السياسية أو من التنظيمات السياسية والاجتماعية لا يكون بفعل قانون طبيعي لا دخل للفاعلين فيه، بل هو عملية مركبة يؤسسها الفاعلون مشتركين في تساوق تام مع قوانين الطبيعة.

الحياة السياسية

لا نميل إلى التمييز بين المنعوت والنعت في المركب الوصفي “الحياة السياسية”، بل نذهب إلى أن المقصود به هو السياسة بوصفها ” النشاط الاجتماعي الفريد من نوعه، الذي ينظم الحياة العامة، ويضمن الأمن، ويقيم التوازن والوفاق من خلال القوة الشرعية والسيادة بين الأفراد والجماعات المتنافسة والمتصارعة في وحدة الحكم المستقلة على أساس علاقات القوة، والذي يحدد أوجه المشاركة في السلطة بنسبة الإسهام والأهمية في تحقيق الحفاظ على النظام الاجتماعي وسير المجتمع”[9] وفي هذا الحد يبرز سبب إلغائنا لهذا التمييز، بقي أن نشير إلى أن هذا التركيب يساعدنا منهجيًا في تبين آليات ممارسة هذه الحياة /السياسة في الواقع الاجتماعي، فهذه الممارسة تقتضي فاعلًا وفعلًا وآليات يعنينا منها في هذا البحث التنظيمات السياسية والاجتماعية.

ومن البديهي أن هذا الحد الذي نعرضه للحياة السياسية يفرض أسئلته التي سنتناولها لاحقًا، عن وجود الحياة السياسية في واقعنا، وما إذا كانت حياة سياسية فعلية آلياتها قائمة مستقلة وفاعلة، أم أن المجتمع مفتقر فعلًا لهذه الحياة، وما أسباب هذا الافتقار، ومن المسؤول عن ذلك، وما آثاره ونتائجه في العلاقة بنظام الاجتماع واقعًا ومستقبلًا؟

التنظيمات السياسية

التنظيم السياسي هو كل فاعل داخل الانتظام السياسي، ويقصد بالفاعل هنا الشخص أو المجموعة التي تتصرف وفقًا لأهداف سياسية، وتعمل على تحقيقها في الساحة السياسية، تأثيرًا في صناعة القرار السياسي وتوجيهًا، ويشمل الفاعل السياسي السلطة الحاكمة والأحزاب السياسية، ونحن نتناول التنظيم السياسي في وجهه الحزبي المقابل للسلطة الحاكمة، بما أن موضوع بحثنا هو أثر غياب هذه السلطة المقابلة داخل الانتظام السياسي في بناء الدولة المنشودة، أي كيف يبدو وجه الانتظام السياسي في ظل وجود فاعل واحد منفرد بالقرار والتوجيه والتأثير؟

المنظمات المجتمعية

المنظمات الاجتماعية يمكن حدها باختصار بأنها المؤسسات التي ينشئها المجتمع، من أجل تنمية مفاهيم وأسس المسؤولية الاجتماعية، وهي تعرف عادة بمنظمات المجتمع المدني في مقابل المجتمع السياسي، وعلى الرغم من هذا التقابل فإن دورها لا يخرج من المجال السياسي لما له من تأثير في توجيه الحياة السياسية، وفرض خيارات معينة في مجالات مختلفة تخص ممارسة السلطة مثل حقوق الإنسان والصحة والتعليم …الخ

وهي تضفي طابعًا نظاميًا على السلوك الإنساني في مستوى بناء العلاقات الاجتماعية المتبادلة بين مختلف الوحدات الاجتماعية، والضوابط الموجهة للسلوك.

هذه التحديدات تكشف علاقة مركبة بين عناصر الجهاز المفاهيمي الذي آلينا على أنفسنا البحث فيه، وهي علاقات موضوع مقاربتنا لاحقًا، تقتضي منا في مرحلة أولى تشخيص العلاقات الراهنة لنفهم درجة التعقيد، ومستوى التركيب في هذه العلاقة، من أجل إيضاح معالم رؤية مستقبلية تتجاوز مكامن الخلل الراهنة.

2- العلاقات الراهنة

المهم التذكير بأننا نبحث عن عوائق بناء الدولة المنشودة من خلال دراسة معوقين أساسيين هما، غياب التنظيم السياسي، والمنظمات المجتمعية من الحياة السياسية غيابًا اخترنا له صيغة الافتقار بما يوحي بوجود فاعل وقصد وراء هذا الغياب.

وهذا التذكير يجعلنا أمام بديهة تشير إلى أن واقع الدولة الراهن يتسم بانعدام التنظيم السياسي والمنظمات المجتمعية، انعدامًا يجعلنا نسأل عن وجود حياة سياسية، وما هي ملامحها في ظل غياب هذين العنصرين الرئيسين لوجود السياسة في مجتمع معين.

وسيكون من الأفضل صياغة أسئلة تمهيدية تساعدنا في تتبع تفاصيل هذا المبحث ومنها:

هل نبحث ضمن مجال محدد ومعين دولة أو اقليمًا ومجموعة من الدول، أم نحن إزاء عينة دالة؟ وهل وجود الاستثناء في العينات يؤكد القاعدة أم ينفيها، وما مقياس التفرقة بين شكلانية الحضور/الوجود لهذه العناصر في الواقع وجوهره؟

والسؤال الأخير نثيره من باب أن واقعنا العربي الإسلامي لا يخلو من تنظيمات سياسية، أو منظمات مجتمعية، لكن حضورها الشكلي أو انسحابها العملي أمام سلطة الحكم يدفعنا لمثل هذا التساؤل.

ونحن نتحرك ضمن مجال عربي إسلامي، وهو الخيار الذي نفضله لاشتراك مكوناته في الخطوط الكبرى لهذه الأزمة، ولاعتبارات منهجية بحت سنعتمد المثال بحسب تطور مسار البحث، وليس بالضرورة إيراد مختلف الأمثلة القائمة واقعيًا، وهذا الخيار منبعه قناعة بأننا إزاء عينة دالة وليس إزاء اختلاف جوهري يمنع اعتماد العينة الدالة.

إن أول معطى ننطلق منه تاريخي يعود إلى نشأة دولة الاستقلال التي أطلق عليها الدولة الوطنية، فمعها وبها اختُزلت الدولة في الحزب، واختُزل الحزب في الزعيم الأوحد، وهذا الاحتكار قد تجلى في “فرض مراقبة الدولة والحزب الدستوري الحاكم على المنظمات الاجتماعية المهنية، والنقابات، والصحافة، وإخضاعها كلها، وفي منع نشاطات المعارضة، وتسييج الساحة السياسية بالكامل”[10].

جاء ذلك بعد قرار إلغاء الأحزاب وهو الأمر الذي أدى إلى تراجع اهتمام المواطن بالشأن العام، بل إلى حرمانه ” المشاركة الفعليّة في صنع القرار، وممارسة حريته الفردية لمّا كان الأمر يتعلق بالشأن السياسي، بل حتى بالشأن العام”[11].

وهذه العينة التي نستصحبها من تونس بعيد الاستقلال لم تخل منها دولة عربية في تلك الفترة، على الرغم من تنوع الشعارات المؤطرة لهذه الإجراءات من قبيل لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، والجهاد الأكبر، ومعركة التنمية اللذين أطلقهما الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة؟

ونحن نستدعي المثال التونسي لاعتبارا ذاتي أولًا بحكم المعايشة، وموضوعي بوصفه تجسيدًا حيًا لتفقير الحياة السياسية من مكوناتها، فبعد عشرة أيام من تسلمه الحكم، أنشأ محكمة أمن الدولة وأطلق عليها “محكمة الشعب”. ولتبيان دور تلك المحكمة خطب في 24نيسان/ أبريل 1956 قائلًا “إن مهمتها تتمثل في حفظ الدولة الناشئة، وإزاحة الأشرار من طريقها، ومساعدتها في مسيرتها، وبخاصة في هذه الفترة الدقيقة التي نعمل فيها جميعًا لتركيز دعائم هذه الدولة الفتية، وحمايتها ممن في قلوبهم مرض، أولئك الذين يلجؤون إلى مغالطة الوطنيين، وتشكيكهم في أولي الأمر المتولين لشؤونهم، متهمين إياهم بالخروج عن الرابطة الإسلامية العربية والانضمام إلى فرنسا”[12].

وهنا نلاحظ المعجم المستعمل في الخطاب الذي راعى السياق المجتمعي حينها، سياق لا يزال الحضور الرمزي للدين فيه قويًا، فكان الحديث عن أولي الأمر والأشرار والذين في قلوبهم مرض، وهو في الواقع خطاب يحقق هدفين، احتكار الدولة والسلطة، وسحب البساط من تحت كلا الطرفين الرئيسيين للحياة السياسية؛ الأحزاب والمنظمات المجتمعية التي كان قوامها جمعيات الجامع الأعظم، فقد أرسل بورقيبة رسالة ضمنية مفادها أن الدولة وحدها من تتحدث باسم السياسة والدين معًا.

وبعد أقل من سبعة أسابيع من الاستقلال، نصبت المحاكمات السياسية للكثير من المعارضين. وجاءت أحكامها صادمة، لقد تراوحت بين الأشغال الشاقة والإعدام[13].

يمكن أن نجد المثال التونسي في ليبيا القذافي الذي استبدل الأحزاب باللجان الشعبية وصار شعار “من تحزب خان” شعارًا مركزيًا قادت معه اللجان عملية التفقير الممنهج للحياة السياسية، بما أن اللجان الشعبية لم تكن إلا واجهة لما عدّه القذافي استبدالًا للديمقراطية التمثيلية، وفي الواقع كانت تركز لإعدام الحياة السياسية القائمة على التنظيمات السياسية والمجتمعية، فالحزب عند القذافي “هو الدكتاتورية العصرية.. هو أداة الحكم الدكتاتورية الحديثة … إذ إن الحزب هو حكم جزء للكل”[14].

والشيء نفسه يقال عن حزب البعث في العراق وسورية، والضباط الأحرار في مصر، وهواري بومدين في الجزائر، ومحمد الخامس في المغرب، على الرغم من الاختلافات الطفيفة بين هذه الأنظمة إلا أنها تشترك في مرجعية الممارسة، وهي مرجعية لا تؤمن بالأحزاب إلا جزءًا من السلطة، خلافًا لما يفترض أن يكون دورها الأصلي بوصفها سلطة مقابلة تقيم التوازن داخل الانتظام السياسي.

وهذه التجارب جعلت المشهد بين حالة تفقير تام للحياة السياسية، وحالة عطالة حافظت على شكلانية الوجود، وعطلت الفعل في الواقع. لقد أعلنت الدولة الوطنية منذ انبثاقها الأول، استقلالها التام عن الهيئات والذوات، مثلما أعلنت القطيعة مع المجتمع، والقفز عليه وجعله تابعًا لها. ولم يكتمل طابعها الاستبدادي إلا بعد أن بوّأت نفسها موقع المرجع الشامل للعملية السياسية والمجتمعية، ونجحت في تجريد المجتمع من هيئات أركانه. إن الدولة العربية نفسها هي العائق الأبرز أمام تغيير حالة الاستبداد، ذلك أنها استنسخت في قيامها المفهوم الفيبري للدولة الحديثة، بكونها “جهاز يحتكر الاستخدام الشرعي للقوة المادية على السكان الخاضعين لسيادتها” من دون أن يصحب هذا الاستنساخ تحصين بالقوانين ولا بالمؤسسات، يحول دون تحول هذا الانفراد بالعنف إلى عنف يؤسس للانفراد وهو ما تم فعلًا في واقع الدولة العربية التي تغولت على المجتمع وسيطرت عليه، ولا سيما أنها المالكة للقوانين والأجهزة ولقمة العيش.

وهكذا فإنّ “الاستبداد واحتكار السلطة يعدّ هو نفسه السبب الرئيس في عرقلة وتعثر نمو الدولة في الواقع العربي، لأنه يحرمها حيوية التجدد، ويمنع عنها أسباب التطور والنمو والارتقاء”

فقد أرادت أن تحتل الموقع الذي كان يحتله الدين، أي أن تملك روح الناس وأفئدتهم وقلوبهم، لا أن تتعامل مع أجسادهم وعقولهم ومصالحهم. لقد أرادت أن تكون موضوع عبادة جديدة وتأليه، بل إنّها تحولت فعلًا إلى نوع من الصنم المعبود، أو الطالب للعبادة والخضوع”[15]. ومن ثم فقد ولدت الدولة الوطنيّة “رديفة للقيم القهريّة والاستعبادية، وعجزت عن أن تكون دولة المساواة الأخلاقيّة والقانونية”[16].

3 سبل التجاوز

يفضي التشخيص التاريخي لواقع الحياة السياسية في العالم العربي، بوصفه الخطوة الأولى في مقاربتنا التحليلية لموضوع بحثنا بالضرورة إلى سؤال جوهري عن سبل التجاوز، والإجابة عن هذا السؤال تقتضي بحث توافر شروط التجاوز لدى الفاعل السياسي، بمعنى إذا قلنا مثلا إن افتقار الحياة السياسية إلى الأحزاب السياسية كان نتيجة القبول الطوعي لهذه الأحزاب بمشروع السلطة القائمة بتحويلها إلى آلة من آلات السلطة، أو فشلت في التصدي لمشروع تدجين الأحزاب والمنظمات، فهل هذه الأحزاب حصلت على الشروط المطلوبة لتجاوز حالة الفشل /الاندماج التاريخي إزاء السلطة ومعها؟

ومن المهم الإشارة إلى أن هذا السؤال يوجه إلى الفاعل السياسي والمجتمعي، وإلى النخبة كل بحسب دوره وموقعه من الحياة السياسية.

“ما هي الأسباب التي تمنع وتعوق تغيير الحالة الاستبدادية العربية؟ إن الإجابة الأولى عن هذا السؤال هي سؤال آخر، هل هناك وعي بضرورة الخروج من هذه الحالة وتغييرها؟

ونحن نذهب في اتجاه غياب هذا الوعي، أكان لدى المواطن العربي أم النّخبة العالمة. فما زلنا لم نلمس قطيعة حقيقية عملية مع فكر ما قبل الحياة السياسية الديمقراطية، فنحن إزاء مفارقة يعيشها الإنسان في مجتمعاتنا بين ميراثه الفكري ومرجعيته وتصوره للدولة وللحياة السياسية عمومًا، والذي ينشده، وهو ما جعله يقف في المنتصف ويكون رجل قلة، كما أشرنا إلى ذلك في تمهيد هذا البحث على لسان مالك بن نبي، ففضلًا عن موقف السلطة الذي شخصناه والذي يصر على الإيغال في الانفراد بالقرار وقتل الحياة السياسية، لا تحتكم السرديات الكبرى المؤطرة للحياة السياسية والمجتمعية في عالمنا العربي إلى مثل هذا الوعي، ولا الرغبة في تجاوز حقيقي لمسلماتها الفكرية التي بنت عليها مواقفها وفعلها في الحياة السياسية، فما زالت الماركسية العربية ترى في الديمقراطية السياسية أداة للبورجوازية لممارسة الاستبداد والاستغلال. ولم تقدم مراجعات فكرية جوهرية في هذا الاتجاه، على الرغم من تغير الخطاب المعلن لمعظم التيارات الماركسية الفاعلة في الحياة السياسية.

وما زال الفرد داخل التيارات الإسلامية يعيش مفاصلة بين ما يراه “حكم الله وما يعيشه واقعا في ظل الدولة الحديثة، وهو الأمر الذي يجعله مترددًا في حسم كثير من القضايا وبخاصة التي تثير التباسًا في علاقتها بالنص المؤسس. ولا تزال بعض الأحزاب الإسلامية لا تؤمن أصلًا بهذه الأفكار، مثل الديمقراطية والمشاركة في الحياة السياسية بل تكفر القائل بها.

وما زالت الحياة السياسية تفتقر إلى تنافس حقيقي مرجعه الإيمان بالديمقراطية، ذلك أن هذه القيمة تغيب بين السلطة والمجتمع كما تغيب لدى التنظيمات السياسية والمنظمات المجتمعية التي لا تحتكم إلى الديمقراطية في تنظيمها الداخلي، وهي، أي هذه المنظمات، تجسيد بشكل آخر لواقع السلطة الحاكمة، فمكونات المنتظم السياسي العربي يقوم على قناعة أن ” الديمقراطية عنده تفقد معناها ووظيفتها إذا لم تكن تعني حكم النخبة العصرية الليبرالية حاملة لواء الحداثة والتحديث”[17]. لذلك “تبقى الدولة في أفريقيا كما في آسيا منتجًا خالصًا للاستيراد، ونسخة باهتة للأنظمة السياسية والاجتماعية الأوروبية الأشد تعارضًا، وكيانًاغريبًا، ومضافًا ثقيلًا غير فعّال. وهي [أيضًا] مصدر للعنف”. وفي الواقع نحن إزاء خطاب “لا يواجه الواقع السياسي القائم، ولا يدعو إلى تغييره أو إصلاحه انطلاقًا من تحليله، بل إنه يقفز عليه ليطرح كبديل عنه: إما الواقع-الماضي العربي الإسلامي الممجّد، وإما الواقع- الحاضر الأوروبي في ثوبه الليبرالي أو ما بعد الليبرالي”[18]. فـ”كانت السياسة سياسة المستقبل”[19] أي أن السياسة الآن، وهنا غابت أو غيبت، فهي “لا تستقر عند الواقع الموضوعي، وتعتبره في شروطه المشخصة السوسيو- تاريخية والوضعية، وإنّما ترنو إلى مسار تاريخي نهائي، وتتطلع إلى “وضع بشري” ينظر إليه بما هو بديل أحق أو خير أو أمثل، أي بما هو بديل مطلوب، أو مرغوب فيه، أي بما هو صيغة “مستبدة” يجب الأخذ بها لا بغيرها”[20].

وبناء على ما سبق يتضح لنا أن عملية التغيير المنشود في سياق عربي هي قضية شديدة التعقيد. يبرز ذلك من خلال عمق الأزمة العربية، ومداها التاريخي، وآثارها الواقعية، وتعدد وقائعها، كما عرضنا في تشخيصنا للمسألة السياسية،

كذلك كان الوقوف على التناقضات التي تشق موقف الفاعلين قراءة ومقاربة، مساعدًا لنا في فهم هذا التعقيد وتفكيكه، وقد خلصنا إلى نتيجة مهمة مفادها أن ” المعركة حول التغيير مستعرة، أوّلًا بين الساعين إليه من جهة، وبين معارضيه من قوى السيطرة العالمية أو من قوى حاكمة محلية من جهة أخرى”[21]. لكن هذه الاستمرارية لم تغادر بعد دائرة الغلط المنهجي الذي قاد كل المقاربات تقريبًا، ذلك أن رؤى التغيير هذه تتسم بكونها:

سكولاستيكية أي جامدة لا تراعي تغير الشروط الموضوعية فهمًا وفعلًا، وهي تصر على إجبار الواقع على القبول بما تقترحه من حلول بصرف النظر عن مدى ملاءمته لها، وهذا العسف أفرز مفاصلة بين الواقع بمكوناته المختلفة، والفاعلين أكانوا من أصحاب السلطة أم من النخب الفكرية، فنحن إزاء غربة فكرية وقمع سلطوي يدفعان الفرد في الاجتماع العربي إلى التطرف بوصفه حالة إنكار أو حالة دفع قصووية، الأمر الذي يضعنا أمام فاعل سلبي على الرغم من أنه عماد عملية التغيير كما يفترض أن يكون.

إن هذا الجمود يبرز من خلال غياب المراجعات الفكرية الجوهرية لمختلف التيارات الفاعلة في الاجتماع، غياب استعيض عنه بمحاولات براغماتية أشبه بالمناورة العسكرية لجيش مهزوم في شبه عملية ترقيعية من خلال الشعارات أو المواقف السياسية العامة.

متنافرة تكاد لا تشترك في أي فكرة عن التغيير، إذ هي تراوح “بين نظرية الإصلاح العقلي أو الديني أو الاجتماعي وبين نظرية الانقلاب والثورة والتبديل بالقوة والعنف”[22].

لا يوجد تأصيل نظري متين لعلاقة التنظيمات السياسية والمنظمات المجتمعية بالتغيير المنشود الذي قوامه الحرية والمواطنة ودولة العدل، ذلك أنّ التنظيم “تجسيد الأيديولوجيا والسياسة في الممارسة… فالبنية التنظيمية ليست ملحقة بالفكر والسياسة، ولا هي انعكاس عفوي للممارسة بل هي عنصر الوحدة بين النظرية والممارسة، بين الحاضر والمستقبل”[23]. في حين أن السرديات الكبرى المتحكمة في الفعل السياسي تحتكم إلى موقف نظري عن الأحزاب والمنظمات، هش ومتهافت وقديم، فاليسار مثلًا على الرغم من أنه يقر بأنّ “الوعي السياسي الطبقي لا يمكن حمله إلى العامل إلا من الخارج. أي من خارج النضال الاقتصادي، من خارج دائرة العلاقات بين العمال وأصحاب الأعمال”[24]. ما أنتج تأسيس حزب ماركسي ثوري لم يختلف في التجربة بين الاتحاد السوفياتي أو الصين الماوية، إلا أن التاريخ المعاصر أثبت “عدم صحة هذه النظرة من حيث ضمان تقدم الديمقراطية الاشتراكية”[25]. فهي تجارب قد تماهى فيها الحزب مع الدولة، واختزل الحزب في شخص الزعيم أو السكرتير العام للحزب.

أما الحركات الإسلامية فبنت تجربتها على مفهوم الجماعة التي تقوم على توحيد الأهداف وترتيب الأولويات، ثم وحدة المنهج والوسائل التي تتخذ لتحقيق تلك الأهداف. ومن ثم تأتي أهميتها الحركية، فهي من ناحية أولى تمثل الأساس الذي يُفرز بموجبه “العاملون” في الجماعة، وغيرهم من عامة الناس الذين هم موضوع دعوتها.

وقد أورد حسن البنا مؤسس التيار الإخواني تعريفًا للحزب السياسي /الجماعة يأته ما ” يجمع الكلمة ويبرأ من الغرض ويحدد الغاية ويحسن القيادة والتوجيه”[26]. وهو لا يميز هنا بين الجماعة والحزب إلا لفظيًا، فهذا التعريف هو من حيث الأصل للجماعة التي وضع لها مهمة محددة عدها من صميم العملية السياسية” من واجبنا الآن أن نقود هذه النفوس الحائرة ونرشد هذه المشاعر الثائرة ونخطو هذه الخطوة والله المستعان”[27].

لكن قضية التنظيم /الحزب من القضايا التي تثير إشكاليات فكرية ومنهجية داخل الإسلاميين أنفسهم. فبعد أن تحولت تلك التنظيمات إلى قوة بذاتها، فتضخمت وتعقدت حتى صارت أشبه ما تكون بدولة داخل الدولة أو ببديل من الدولة، وانتهت بعض التجارب التنظيمية إلى السرية والعنف وتطورت نظرية المفاصلة إلى تكفير وهجرة.

وبلا شك، كان لهذه التصورات النظرية التي أنتجت ممارسة معينة للسياسة طوال عقود أثرها السلبي في بناء حياة سياسية متطورة وحيوية ومتوازنة، وكان هذا الأثر السلبي هو جذر المعوقات المستقبلية لتجاوز أزمة تغييب التنظيمات السياسية والمنظمات المجتمعية التي كانت تمثل، بحسب ما هو مفترض، البدائل السياسية لنقد الدولة. ولم تكن تلك البدائل إلا ترجمة موضوعية لجملة المقدمات النظرية والفلسفية التي كانت منطلقًا للطرح الأيديولوجي. كانت فائضًا من جنس المفيض منه أي من طبيعة النقد الموجه للدولة ومنضبطًا لمنطق جدل المتناقضات، فمادامت الدولة الوطنية دولة البورجوازية الكمبرادورية التابعة، كما تراها الماركسية العربية، فقد كان البديل في المسوغ النظري الماركسي الدولة الاشتراكية التي ولدت من عمق التأويل الماركسي للماركسية، وعلى طريق محاكاة التطلعات الاشتراكية التي كرستها التجارب التاريخيّة مع لينين وماو، ثم امتدت لتشمل أوروبا الشرقية وجزءًا من آسيا وأمريكا اللاتينية، وهي تجارب لم تكن تعنى بمؤسسات الحياة السياسية الديمقراطية بقدر ما كانت تبحث عما تزعم أنه تحرر من التبعية للبرجوازية.

وما دامت الدولة متغرّبة، معادية للهوية، منتقصة السيادة، بحسب ما قرأت ذلك الحركة الإسلامية فلم يخرج البديل عن المسوغ “الشرعي” الإسلامي أي الدولة الإسلامية التي اتخذت اسمها من أساسها المرجعي: الإسلام نفسه. فجرى البحث في النص وفي التجربة التاريخية الإسلامية مرورًا بالفقه القديم، وانتهاء بإكراهات الواقع المتحول الذي فرض ضرورة تطعيم التصورات القديمة بما من شأنه أن يقوّم الرؤية السياسية الإسلامية و”يعصرنها”. فالدولة “الواجبة” ليست بالضرورة صورة باهتة لدولة الخلافة التاريخية.

إجمالا يفتقر الفاعل السياسي أكان نخبة، أم فردًا، أم تنظيمًا سياسيًا، أم منظمة مجتمعية إلى الشروط الضرورية لتجاوز حالة التغييب التي تعيشها الحياة السياسية في المجال العربي الإسلامي، وهو افتقار هيكلي مرتبط بالبنية التنظيمية للفاعل في مستواه المؤسسي تنظيمًا أو منظمة، وفي البنية الذهنية لدى الفاعل الفرد أو النخبة.

ونعتقد أن المدخل التاريخي الخاطئ الذي سلكه هذا الفاعل إلى السياسة هو الذي أورثه هذه العلة المستدامة التي تتطلب قطيعة جذرية تعاد معها صياغة الأسئلة الأساسية وضبط الإجابات، وبخاصة في ظل التطورات الراهنة التي يشهدها العالم على المستوى الإستراتيجي.

بعد تحليلنا لمسألة وعي التجاوز لدى الفاعل السياسي، من المهم البحث في إشكال آخر لا يقل أهمية عن الأول في علاقته بتجاوز الحالة الاستبدادية العربية التي قلنا إنها المعيق الرئيس للدولة المنشودة، وهو إشكال نجمله في سؤال هل من الضرورة الحتمية حصر الحياة السياسية مع الدولة بوصفها المسؤولة عن حفظ النظام وإقراره باعتماد القوة المادية؟ وهو سؤال ينفتح على فرضيتين؛ الأولى لا تبدو ممكنة على الأقل في المدى المنظور والمتوسط، وتخص إمكان إلغاء الدولة تمامًا لذا لا نرى داعيًا للخوض في ممكناتها النظرية ضمن هذا المبحث، وأخرى تتعلق بسحب احتكار السلطة المادية من الدولة، أي إعادة النظر في حق الالتجاء إلى القوة لإقرار النظام في المجتمع كجزء من تعريف السياسة والتنظيم السياسي.

ومضمون هذه الفكرة هو الانتقال من حصر السياسة في “الوظيفة البوليسية وتنفيذ العدالة ” للدولة، إلى السياسة بمفهومها الواسع بما هي إدارة العلاقة داخل الانتظام المدني ضمن توزيع متكافئ للسلطة بين مختلف الفاعلين السياسيين، وهم كل من يؤدي دورًا في الحياة المدنية بصرف النظر عن درجة سلطته.

الخاتمة

بحثنا عن الدولة المنشودة من خلال معوقات إنجازها، فقادنا البحث إلى أن الدولة نفسها كانت سبب أزمة الفكر العربي وأزمة الاجتماع السياسي العربي، بما أن المدخل إليها كان مدخلًا خاطئًا، ثم كانت ممارسة الدولة للسياسة أيضًا خاطئة، وكان الموقف إزاء هذه الممارسة من بقية الفاعلين السياسيين أعرجًا، لم ينجح إلا قليلًا في تعديل نسبي للكفة مع سلطة الدولة التي تغولت، وصارت حالة استبداد قتلت الحياة السياسية، وغيبت مظاهر الانتظام السياسي والمدني السليم ومؤسساته، بما يجعل خلاصة البحث ضرورة الانكباب على تفكيك هذه المعوقات من أجل التجاوز وبخاصة في ظل المتغيرات الإستراتيجية التي يشهدها المجال العربي الإسلامي.

ملاحظة أخرى نختم بها ورقتنا وقد أدركنا الطوفان ونحن نصوغها، ونقصد بالطوفان عملية طوفان الأقصى التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية في السابع من تشرين الأول/أكتوبر ضد قوات الاحتلال الصهيوني، وفي الواقع لا يمكن أن يتجاوز الباحث المنصف هذا الحدث الإستراتيجي الخطر الذي شهدته المنطقة ولا تزال بصرف النظر عن موقف الباحث من الفاعلين، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إنه كان علينا إعادة صياغة هذه الورقات في ظل هذا المعطى، لكن لاعتبارات موضوعية نكتفي بإثارة أسئلة لا محيص عنها آخذين في الحسبان الرأي القائل أن شروط الكتابة عن الطوفان لا تزال غير مكتملة أو غير ناضجة، وإن كنا نقدر أن سؤال الشروط نفسه لم يعد ذا معنى في ظل هذا الخلط الذي أحدثه الطوفان.

ذلك أن موضوع بحثنا وثيق الصلة بالهزات الارتدادية التي صاحبت الطوفان، ووضعت قيم العالم الأخلاقية التي هيمنت وصارت بوصلة كونية موجهة موضع التساؤل بداء بالنظام الديمقراطي ومؤسساته، قيم حقوق الإنسان، هل كان المجتمع المدني الغربي وهو يعارض التوجه الغربي الرسمي في مساندة المذابح ضد المدنيين، نوع من الخروج عن النظام شبيه بصعلكة الجاهليين العرب مثلًا بحثًا عن النموذج القيمي وتأكيدًا لجوهريته، أم أنه حالة شاذة لا يقاس عليها.

هل كان النظام الرسمي الغربي حالة انحراف ضد القيم المؤسسة له والتي هي مرجع كل فعل تغييري يستهدف حالة الخروج من انفراد السلطة، واستبداداها، وموت الحياة السياسية، أم أن ما عبر عنه من تبرير للجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب هو في الواقع طبع غلب التطبع يفرض هدم القديم وطرح إعادة البناء.

ارتأينا أن نختم ورقتنا بهذه الأسئلة لأننا نحاول أن نقارب واقعًا منشودًا وفق قيم سادت، ووجهت، وصارت مرجعية نراها الآن تنهار أو في حدها الأدنى توضع ضمن دائرة السؤال المشكك في جدواها المستقبلية، وحتى لا نكون خارج حركة التاريخ التي يبدو أن لا وجود لآلة /مقياس قادرة على متابعة نسقها المتسارع في قادم الأيام.

قائمة المراجع

ـ أومليل علي، الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، ط1 (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985).

أمين، سمير. أزمة المجتمع العربي، ط1 (القاهرة: دار المستقل العربي، 1985).

بشارة، عزمي. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، ط3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014).

بن نبي، مالك. شروط النهضة (د.م: دار الفكر المعاصر، 2019).

البورصالي، نورة. بورقيبة والمسألة الديمقراطية (1956-1963)، محمد عبد الكافي (مترجم) (تونس: دار نقوش عربية، 2016).

ـ جدعان، فهمي. في الخلاص النهائي، مقال في وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين، ط1 (الأردن: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2007).

كتاب سيبويه، ابن بشروا عمر بن عثمان بن قنبر، عبد السالم محمد هارون (محقق)، ج٤، ط١ (بيروت: دار الجيل، د.ت).

ـ شفيق، منير. في نظريات التغيير، ط1 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994)

ضيف الله محمد، “المحاكمات السياسية في تونس في عهد بورقيبة 1956-1987، في “القضاء والتشريع في تونس البورقيبية والبلاد العربية (د.م: مؤسسة التميمي، 2004).

مجموعة من الباحثين. “المحاكمات السياسية في تونس 1956-2011” (تونس: المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر، 2014).

ـ عبد الجابري، محمد. المشروع النهضوي العربي، ط2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الخطاب العربي المعاصر، ط5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)..

عبد الظاهر، مصطفى. اختراع الأمم الدولة القومية الحديثة في شرطها الاجتماعي: دراسات عربية وغربية، ط1 (بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2017).

ـ غليون، برهان. اغتيال العقل، محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، ط4 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2006).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نقد السياسة الدولة والدين، ط4 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، الطبعة الثالثة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،

القذافي، معمر، الكتاب الأخضر (د.م: مكتبتي لأحمد مادي، د.ت).

كيلة، سلامة. الحاجة إلى حزب جديد: نقد التجربة التنظيمية الراهنة (د.م: موقع كتب عربية، د. ت).

الكيالي، عبد الوهاب. موسوعة السياسة، ج 3 (د.م: المؤسسة العربية للنشر، د.ت).

المراجع الأجنبية

– Badie (Bernard) & Birnbaum (Pierre), Sociologie de l’Etat, Editions Bernard Grasset-Paris, « l’Etat reste en Afrique comme en Asie un pur produit d’importation, une pale copie des systèmes politiques et sociaux européens les plus opposés, un corps étranger, de surcroit lourd, inefficace et source de violence.

1- ـ عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي، ط3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2014).

2- ـ علي أومليل، الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، ط1 (بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر، 1985)، ص194.

3- ـ برهان غليون، المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، ط3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2003).

4- مالك بن نبي، شروط النهضة (دار الفكر المعاصر، 2019).

5- What is Political Discourse Analysis? Teun A. van Dijk, https://t.ly/dQc-e 

6- ـ مصطفى عبد الظاهر، (تحرير)، اختراع الأمم الدولة القومية الحديثة في شرطها الاجتماعي: دراسات عربية وغربية، ط1 (بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2017)، ص37.

7- المرجع نفسه، ص36.

8- كتاب سيبويه، ابن بشروا عمر بن عثمان بن قنبر، عبد السالم محمد هارون (محقق)، ج4، ط1 (بيروت: دارالجيل)، ص72، 413.

9- عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، ج3 (المؤسسة العربية للنشر)، ص 362-363.

10- ـ عبد الباقي الهرماسي، “مسار الفردانيّة في تونس: بين الديناميات المجتمعية ومشروع النخبة الحداثوية”، مسار الفردانيّة في تونس: بين الديناميات المجتمعية ومشروع النخبة الحداثوية”،.”، مجلة عمران، العدد 32/8 (ربيع 2020)، ص51.

11- ـ المرجع نفسه، ص51.

12- ـ نورة البورصالي، بورقيبة والمسألة الديمقراطية (1956-1963)، محمد عبد الكافي (مترجم) (تونس: دار نقوش عربية، 2016)، ص126.

13- ـ محمد ضيف الله، المحاكمات السياسية في تونس في عهد بورقيبة 1956-1987، في القضاء والتشريع في تونس البورقيبية والبلاد العربية (د.م، مؤسسة التميمي، 2004).مجموعة من الباحثين، المحاكمات السياسية في تونس 1956-2011 (تونس: المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر، 2014).

14- معمر القذافي، الكتاب الأخضر (د.م، مكتبتي لأحمد مادي، د.ت)، ص 19.

15- ـ برهان غليون، نقد السياسة الدولة والدين، ط4 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007ص172.

16- ـ المرجع نفسه.

17- ـ محمد عابد الجابري، المشروع النهضوي العربي، ط2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص144.

18- محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر، ط5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص65.

19- المرجع نفسه، ص74.

20- فهمي جدعان، في الخلاص النهائي، ط1 (الأردن: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2007)، ص24.

21- ـ منير شفيق، في نظريات التغيير، ط1 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1994)، ص7.

22- ـ برهان غليون، اغتيال العقل، محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، ط4 (الدار البيضاء: المركز الثقافي، العربي، 2006)، ص24.

23- ـ سلامة كيلة، الحاجة إلى حزب جديد: نقد التجربة التنظيمية الراهنة، (موقع كتب عربية، د. ت)، ص4.

24- ـ المرجع نفسه، ص84.

25- ـ سمير أمين، أزمة المجتمع العربي، ط1 (القاهرة: دار المستقل العربي، 1985)، ص145.

26- ـ المرجع نفسه، ص213.

27- ـ المرجع نفسه، ص216.

مشاركة: