الآباء أو سؤال مرجعية الآباء عند جودت سعيد

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى والآمرين بالقسط من الناس:

من المداخل المنهجية التي تسهل الولوج إلى عالم جودت سعيد الفكري، بحث مرجعية الآباء أو “سؤال التراث”، وهذا البحث كان عقدة العقد في مواجهة الأنبياء لمجتمعاتهم، كانت مشكلة مرجعية الآباء إحدى الإشكالات الكبرى بين الأنبياء وأقوامهم، وبين محمد (ص) وقومه، ويبدو أنها إحدى الحجج الأساسية لدى منتقدي جودت سعيد.

لقد كان الأنبياء عمومًا بحسب ما يرى جودت يدعون مجتمعاتهم إلى مرجعية جديدة غير مرجعية الآباء التي يرجع إليها الأقوام، كانوا يدعونهم إلى “ما أنزل الله”، وهي مرجعية متجددة فريدة لاتصالها بآيات الآفاق والأنفس أو الوحي المتصل، وبدروس التاريخ مخبر القيم الإنسانية، كما يشرحها جودت في مواضع مختلفة، وثالثًا؛ لأنها تدعو إلى القيام بالقسط غاية القيم الإنسانية واستقامة الوجود، بينما كان الأقوام يحتجون ويتمسكون بمرجعية “ما وجدنا عليه آباءنا“.

ومشكلة الآباء كما كان يسميها جودت كانت العقبة الرئيسة أمام النبوات، ولذلك فإنها من أكثر المشكلات التي سعى النص القرآني لتفكيكها وزحزحتها من مكان المرجعية الراسخة والنهائية، إلى مكانة قابلة للتساؤل وممكنة التجاوز، إذ إنه من المستحيل أن تتقدم الأمم عندما تدفن رؤوسها في رمال الآباء.

وكمدخل للبحث نتساءل ما هو مفهوم الآباء بحسب ما يفهمه جودت من القرآن:

لا شك أننا هنا لا نتحدث عن أبوة بيولوجية، بل الآباء هنا هم الأسلاف الفكريون، الذين تركوا لنا تراثًا عظيمًا متألقًا ثقيلًا راسخًا، الآباء الذين صنعوا التاريخ المجيد والحضارة العظيمة!

لكن هل يشفع لهم إنجازهم العظيم، ويمنح تراثهم الخلود كما هو الحال السائد في عالمنا الثقافي؟ أعتقد أن هذا الفرض لا يمكننا أن نسلم به لأسباب كثيرة منها:

1- إن تراث الآباء ثابت متناهٍ والتاريخ مفتوح متحرك، وهو في زيادة مستمرة، ومن طبيعة الأفكار- كما يقول أركون – إنها في الغالب مشروطة بلحظتها التاريخية (كل فكر متموضع ومستهلك في محله) أي أن كل فكر هو صدى اللحظة الحاضرة التي أنتج فيها.

2- إن الآباء قالوا كلمتهم في مواجهة ملابسات تاريخية عايشوها، ولا يمكنهم قول أي شيء في ملابسات لم يشهدوها ولم يعايشوها، فنحن نستحضرهم في حياتنا كشهود زور، ونستفتيهم في قضايا لا يعلمون عنها شيئًا، نستفتيهم بينما الواجب يقتضي أن نقول نحن كلمتنا في مواجهة الملابسات التاريخية التي تواجهنا.

3- إن اختلاف الشرط التاريخي يفرض تغير المقاربة التاريخية، لأنه يغير الممكنات التاريخية للأفراد وللأمم، أي أن الممكنات التي عاشوا في ظلها لا تتناسب مع الممكنات المتاحة في أيامنا، وفي كل مرة نحاول أن نستعمل ممكناتهم في مواجهة مشكلاتنا، سنكون مثل من يستخدم ممكنات الجراحة في القرن الثالث الهجري لإجراء عمل جراحي في عصرنا على سبيل المثال، وهذا وضع مستحيل كما يعرف من له أدنى إلمام بعلم الطب، ولذلك تستعصي وتتحجر أوضاعنا الثقافية، ومن خلالها أوضاعنا السياسية والاجتماعية.

4- إن التقدم المعرفي الذي حصل بعد عصر الآباء يفرض نفسه على المقاربات الممكنة للتحدي التاريخي، فقد زود الفرد بأدوات وآليات لم تكن موجودة، وهذه الأدوات والآليات لها دورها في فاعلية القراءة والمقاربة، وتجاهلها يجعلنا نراوح في المكان من ناحية القراءة والتحليل، ومن ثمّ من ناحية العمل والفعالية.

5- إن سعة عالم الممكنات الذي خلقه التقدم التقني يزيد عدد الاحتمالات في الحلول المفترضة لمواجهة مشكلة ما، فالأدوات التي خلقها التقدم التقني زادت الإمكان الإنساني، وإذا كان توينبي قد قال عن تدجين الحصان إنه زاد السرعة الإنسانية، وعن اختراع السيف إنه جعل اليد الإنسانية أطول وأكسبها القدرة على القطع، فماذا فعل اكتشاف الكتابة والورق والطباعة والانترنيت في الإمكان الإنساني؟ وأي إضافة أحدثها للدماغ والذاكرة الإنسانيتين؟

6- إن فرض خلود تراث الآباء يتجاهل الهوة الكبيرة بين الأحداث الموجودة، والمقاربات التقنية الممكنة التي خلقها تطور عالم الأشياء، وسبق وتحدثنا كيف يؤثر تطور عالم الأشياء في الإمكان الإنساني.

7- إن فرض خلود تراث الآباء الذي تسلم به الأمة من غير إعلان، عند التفكير فيه جديًا، له معان خطيرة من الناحية العقائدية، إن تخليد البشر بتخليد كلامهم، هو نوع من الوثنية الدينية، لأنه يجعل “لله أندادا” بحسب التعبير القرآني، فبحسب الخطاب القرآني الله نزل كتابًا جعل له الخلد، بينما الأمة خلدت كتبًا وكتّابًا كثيرين، وجعلت لكتبهم الخلد مثلما خلّد الحق كتابه، بل وجعلت اليد العليا لهذه الكتب حتى على كتاب الله.

8- لا يمكن أن نقوم بدورنا في التاريخ، إلا إذا كنا نعتقد أن الآباء درجة في سلم التواصل مع الحقيقة، وليسوا سلم الوصول إلى الحقيقة، إن عدد الطرق إلى الحقيقة بقدر عدد البشر، ومثلما تغيرت جغرافيا الكرة الأرضية خلال القرون، فإن جغرافيا الفكر الإنساني قد تغيرت أيضًا، ولا يمكن إعادة إنتاج التجارب السابقة بحرفيتها في أي مجتمع إنساني، وإن كانت التجارب السابقة الناجحة دليل على صحة النموذج وإمكانه، ويمكننا أن نعمل على إعادة إنتاجه بما يتناسب مع ممكنات العصر، وروح العصر، لا أن نعيد إنتاج الحالة التي أُنتجت وفقا لممكنات قرون خلت.

9- إن الآباء هم لحظة في تاريخ الأمم، وليسوا هم الأمة، ففي الأمة إمكانات وطاقات يجب أن توظف في بناء اللحظة الحاضرة، بدل التعويل على جهد الأولين المشروط بالتاريخ وممكناته في لحظتهم، والتعطيل لجهد الحاضرين المفتوح على التاريخ.

أين نضع تراث الآباء؟

1- إن الآباء قد قاموا بدورهم في لحظة من التاريخ، وقدموا إجاباتهم على التحدي الحضاري، وسجلوا بصماتهم في التاريخ، وهذا يجب أن يكون محل امتنان وتقدير، لكن من الخطورة بمكان أن يكون موضع تصنيم ومحل تقديس، لأن هذا سيعطل الجهد، ويُقعد عن العمل، ومن ثمّ سيكون الحال كما هو في عالمنا الثقافي اليوم، حيث تسود في الثقافة مقولة “ما ترك الأول للآخر شيئًا”، لكن العلماء الذين يدركون حركة التاريخ أدركوا أن الصواب أن يقال: “ما ترك الأول للآخر شيئًا أضر من قولهم” “ما ترك الأول للآخر شيئًا”

2- إن الآباء وهم يصوغون ردهم على تحدي التاريخ، لم يخطر في بالهم أنهم يصنعون قيودًا، أو ينحتون أصنامًا، إنما كانوا يسجلون جوابهم على تحدي التاريخ لهم بما يناسب حاضرهم، وكانوا يواجهون ضرورات حاضرهم بممكناتهم[1]، التي لم تكن أبدًا ممكنات نهائية أو خارجة عن شرط الزمان والمكان.

3- إن الأجوبة الهادية المحررة في لحظة من التاريخ، قد تتحول إلى آصارٍ وأغلال في عصرٍ تالٍ، حدث هذا في كل مجال وفي العلوم كلها، في الفلك والطب[2] وغيرها من العلوم، ولذلك كان من وظائف الأنبياء جميعهم بحسب القرآن التنوير والتحرير : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (سورة الأعراف، الآية 157)

وعندما نحوِّل تراث الآباء إلى قيد على حركة التاريخ فنحن نهجر طريق الأنبياء، ونخون رسالتهم.

4- إن تراث الآباء يمكن أن يخدم كنقطة ارتكاز ننطلق منها، وسيكون مدمرًا إن استُخدم كسقف نتطلع إليه، لأنه سيحول بيننا وبين النمو والتقدم، ( وهذا ما يحدث الآن مثلًا في التوليفة “السلفية” حيث يوضع تراث الآباء كسقف يمثل أقصى الممكن في ما نتطلع إليه، بينما هو في الحقيقة أقصى الممكن بحسب زمانه ومكانه، وليس أقصى الممكن مطلقًا) وهذه الرؤية ستجعلنا كالأطفال الذين يصابون ببعض الأمراض الولادية التي تؤخر نموهم العقلي والجسدي وتشل تطورهم الروحي والحركي، وعندها ستكون استجاباتنا للتحديات التاريخية، غير متناسبة وغير فعالة، كما يحدث اليوم. (في الحركة الإسلامية، والحركة السياسية عمومًا)، هذا الكساح العام في الاتجاهات السياسية كلها سببه البلاسما الثقافية المشتركة التي يسبح فيها الجميع، وعلى سبيل المثال فإن الإيمان بالعنف الذي هو القاسم المشترك الأعظم بين مختلف الفرقاء في عالمنا الثقافي يلغي السياسة في المجتمع لصالح القوة التي يؤمن بها الجميع كفلسفة عمل.

هل آباء المسلمين كآباء الآخرين يخضعون لسنن الله في الخلق؟ أم لهم وضع خاص؟

لاشك أن جميع الأمم ترتبط بتراثها بروابط نفسية وفكرية يصعب التحرر منها وإقامة علاقة صحيحة متوازنة معها، ويستحيل التخلص منها بالكلية فهي كالجذور للنبات ( فعلى سبيل المثال على الرغم من الذي يقال عن الغرب المتقدم، والذي لا شك في تقدمه بجميع المقاييس، تظهر الأحداث الاتجاهات العميقة في الثقافة الغربية التي بدأت تعبر عن نفسها من خلال اليمين بل من خلال الطيف السياسي كله كما بينته أحداث غزة الأخيرة)، فنحن نتحدث هنا عن سنة أنفسية، تنطبق على جميع الأفراد و المجتمعات، وآباء المسلمين كغيرهم من الآباء، والمسلمون كغيرهم من البشر، يرتبطون بتراثهم مثلما يرتبط الآخرون بتراثهم، لأنهم (بشر ممن خلق) تحكم سلوكهم السنن التي تحكم سلوك غيرهم من البشر كأفراد ومجتمعات، وهم عرضة للإصابة بالأمراض التي يصاب بها غيرهم من البشر في النفس والمجتمع، تمامًا كما يحدث في البيولوجيا، ونستطيع من خلال الوقوف على بعض التطبيقات النبوية والنصوص القرآنية أن نحدد الملامح العامة لهذا المفهوم ” مفهوم السنة أو القانون”:

1- إنها سنة عامة، ومعنى أنها سنة عامة هو أنها تنطبق على الجميع ولا تستثني أحدًا، والذين اعتقدوا أنفسهم استثناءً على السنة، فقالوا : ” نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ” رد الله عليهم دعواهم، و أبطل ادعاءهم بكونهم استثناء على القانون، وقدم الدليل الذي يبطل دعواهم من واقعهم المعذب البائس، “قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ” ثم أكد من جديد “أن السنة تسري وتنتظم الخلق جميعا من غير استثناء” ” بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (سورة المائدة، الآية 18).

2- لقد كان النبي يدرك هذا المعنى السنني في نظرته إلى لمجتمع، ففي حادثة المرأة المخزومية التي سرقت، واستكبر بعض الناس أن يقام عليها حد السرقة، لمنزلتها أو منزلة قومها! أوضح النبي للمسلمين هذا المعنى، وأخبرهم أن انتظام الحياة الاجتماعية وازدهار العمران مرتبطان بدوام الانضباط بالسنة، وأنه لا يمكنهم أن يستثنوا أحدًا في تطبيق العدالة، وإن الانزلاق في طريق الانتقائية وازدواجية المعايير في تطبيق العدالة، أمر يهدد المجتمع بالزوال، وقال لهم بما يعني : لقد بين تاريخ المجتمعات، وهو مرجعية كاملة كما يدل عليه الحدث والحديث، أننا لا يمكن أن نلعب بميزان العدالة من دون أن ندفع الأثمان، هذه سنة الله في الذين خلوا من قبل، وأن الانتقائية في تطبيق العدالة والمعايير المزدوجة في محاكمة الأحداث، هي طريق الهلاك والزوال للأمم والمجتمعات، والذي يرى مقدار الازدواجية والانتقائية في الحكم على الأحداث، ومقاربة القضايا في النظام العالمي اليوم يعرف أن معاناة البشر، والأزمات التي يعانيها هذا النظام لم تأت من فراغ، فقانون الله بحسب التعبير النبوي: “إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد”، والأمم والمجتمعات تتفاوت فرصها في البقاء والازدهار عكسيًا مع مقدار ما فيها من هذه الانتقائية والازدواجية.

3- وفي موقف آخر أيضًا أوضح النبي لأصحابه معنى السنة، و”أنه لا يوجد لله أبناء” بل الجميع بشر تسري عليهم سنة الله في البشر، فقد كان النبي يستشرف مستقبل أمته، وأنه سيأتي عليها داء الأمم من قبل، فهي ليست استثناء على سنة الله، وأن موقفهم المعرفي وعلاقتهم بالمعرفة، لن تبقى في الأفق الذي هي عليه اليوم ” فذكر شيئًا وقال ذلك حين ذهاب العلم، وفاجأ هذا بعض الحضور من الصحابة، فتساءلوا وكيف يذهب العلم “وكانوا يقصدون القرآن” وقد حفظناه ووعيناه وعلمناه أبناءنا وأبناؤنا يعلمونه أبناءهم، وأمام هذا الفهم نقل النبي الحوار من مستوى النبوءة التي يمكن الاحتجاج عليها والمجادلة فيها، إلى مستوى آخر لا يمكن الاحتجاج عليه والمجادلة فيه، مستوى آيات الآفاق والأنفس كمرجعية حيادية مستقلة، فقال لصاحبه ثكلتك أمك يا ابن لبيد ! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة! أولا ترى اليهود والنصارى وبين أيديهم التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء؟؟؟

فالنبي أشار في قوله إلى واقع مرئي معاش ينطق بهذه السنة الأنفسية، بما ليس في وسعهم تكذيبه أو إنكاره، وأشار إلى أن الحياة الاجتماعية تحكمها سببية ما، وعندما تتحقق هذه السببية في أي مجتمع فإن النتائج لا يمكن أن تتخلف لأي اعتبار، وإن كنا ندرك أن السببية في الأحداث الاجتماعية سببية معقدة لكثرة العوامل والمجاهيل في المعادلة الاجتماعية.

4- إن القرآن الكريم عندما تحدث عن الآباء الأولين الصالحين والطالحين، قطع العلاقة بينهم وبين الأبناء، بما يحرر الأبناء من أثقال الآباء فبين أن صلاح الآباء لا ينفع الأبناء، وأن ضلال الآباء لا يضر الأبناء، والعلاقة بهم تكون في مستوى العبرة والعظة، والبناء على ما قدموا من جهد، أما الاستغناء بما قدموا عن الجهد الحي الفعال، فهو وصفة البوار في الدنيا والهلاك في الآخرة، والقرآن يوضح أن الناس (الآباء والأبناء) في الآخرة هم رهن ما يكسبون في الدنيا، “كل نفس بما كسبت رهينة” وكسب الآباء يعود عليهم وحدهم، سالبًا أكان هذا الكسب أم موجبًا” {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سورة البقرة، الآية 141)”

التحجر عند “مرجعية الآباء” هو التحدي الأكبر الذي واجه الأنبياء بحسب القرآن:

فالمعركة الكبرى كانت مع الآباء من خلال مواجهة تراثهم الفكري، لأن التراث الفكري لأي أمة، يختلط بوجودها بحيث يصبح جزءًا من هذا الوجود[3]، ويصبح التخلي عنه نوعًا من التخلي عن أخص خصائص الذات، وبخاصة في الأمة التي كفت عن النمو والتطور من وقت بعيد، فالأمة النامية تواصل الحذف والإضافة بصورة مستمرة للتكيف مع الزمن المتحرك، بفاعلية وكفاءة وهذا ضروري حتى للحفاظ على وظيفتها ورسالتها، أما الأمة التي كفت عن النمو، فكل محاولة للحذف تبدو لها في صورة تبديد للذات وتخلٍ عن بعض مكوناتها، ولذلك تحاربها لأنها ترى فيها تهديدا لوجودها! وهو العجز والكسل بعينه الذي استعاذ وحذر منه النبي[4].

ولذلك فإن أصعب اللحظات هي لحظة انتزاع الفرد من تراثه وتاريخه وماضيه ليبدأ حياة جديدة من أفق جديد! ينطلق فيها من تراثه ولا يتحنط فيه، يسير من الماضي باتجاه المستقبل من دون أن يغرق فيه، بينما تنظر المجتمعات الراكدة لكل جديد نظرة تهديد وجودي، ويمكننا أن نستطلع جوانب هذه “المعركة” بكل معنى الكلمة، في ما دار بين النبي محمد وقومه، و تظهر حدود هذه المواجهة وملابساتها بوضوح في ثنايا الادعاء الذي تقدم به سادة قريش ضد النبي محمد لدى عمه أبي طالب:

“يَا أَبَا طَالِبٍ إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا، فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ فَنَكْفِيكَهُ. فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا رَفِيقًا، وَرَدَّهُمْ رَدًّا جَمِيلًا”

فقد احتوى الادعاء[5] على جريمة عقائدية (سب آلهتنا)، وجريمة اجتماعية (عاب ديننا)، وجريمة شخصية (سفه أحلامنا)، وجريمة أخلاقية (ضلل آباءنا).

فالادعاء يحوي مجموعة جرائم لا يمكن التعايش معها، ولا العفو عنها، ولا تجاهلها، لأنها تهديد للمجتمع في المستويات الأربعة الشخصية والاجتماعية والدينية والأخلاقية، ولذلك كانت معركتهم مع محمد معركة وجودية، لا تكون لها نهاية إلا بزوال أحد الفريقين، وهذا ديدن ملة الأقوام بحسب التعبير القرآني، فهي لا تعترف بالآخر على الإطلاق، وهذا يبين حدود اختلاط المعركة السياسية بالمعركة العقائدية.

موقف القرآن من الآباء الذي يشكل الأرضية العميقة لموقف جودت:

يمكننا أن نقول إن الموقف القرآني من تراث الآباء يضعه في ثلاثة مستويات:

1- عندما يكون فساد التراث غير ظاهر، ولا يزال للتراث بعض الوظائفية، إذ لا يبدو مستنفذًا، بل ما زال لديه ما يقدمه لخدمة الواقع، ولديه القدرة على العطاء: (تأمين الشرعية، الحفاظ على وحدة المجتمع، تأمين الاستقرار الاجتماعي)، (ويمكن أن نمثل تاريخيًا لهذه الحالة من العصر العباسي الثاني حتى مرحلة الاستعمار)، كما يمكن توظيفه في قضايا المواجهة مع الخارج، وقد خدم بهذه الوظيفة خلال التاريخ كله، و في حروب الاستقلال ،وحتى اليوم ،وهذا يعظّم قيمته، وفي هذه الحال يكون الموقف القرآني: إن الفكرة الجديدة لها حق الحياة، ويجب أن تعطى فرصة الاختبار، فما جاء به الآباء ليس نهاية التاريخ ولا آخر القول: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24).

فما عند الآباء لم يستنفذ تمامًا بعد، كما يدل النص والسياق، لكنه أيضًا لا يملك حق احتكار ساحة الحقيقة، ومنع أي تعبيرات أخرى ممكنة عنها، ولذلك فالعلاقة مع التراث تكون علاقة منفتحة على الجديد، وإن ما جاء به يحقق الغاية وهي القيام بالقسط، وهذا شرط في ما هو سابق، كما هو شرط في ما هو لاحق، ومن خلاله يصدر الحكم، فلا قدم التراث يكسبه معصومية، ولا جدة الجديد تعطيه مشروعية، إنه من الفعالية والنفع ما يعطي للأشياء والأفكار قيمتها، فما أوصل للغاية بأقصر زمن وأدنى جهد وأقل كلفة فهو أولى بالاتباع، وهذه العلاقة مع الجديد تشرعنه وتقيم معه مستوى من الحوار، وهي علاقة بناءة وفعالة، ومفيدة للجديد والقديم، وهذا هو المستوى الأول، أما المستوى الثاني فهو:

2- عندما تبدو أحوال الأمة بالتعثر، لكن صلة هذا التعثر بتراث الآباء غير واضحة، وهنا التوصية هي تفحص ما عند الآباء من معقولات ومعلومات وليس أخذها مأخذ القبول والتسليم، لأن التعثر والانسداد إنما ينشأ عن غياب العقل وطبيعة المعرفة السائدة، فالضياع ثمرة الانقطاع عن المعرفة العلمية، وسيادة الأساليب غير العقلية في التعاطي مع الوجود، وفي مثل هذه الأوضاع فإن أوامر القرآن أن يوضع تراث الآباء موضع المساءلة والاتهام: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (سورة البقرة، الآية 170). وكذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} (سورة المائدة، الآية 104).

ففي النص الأول ألمح إلى وجود مشكلة عقلية (منهجية)، أي خلل في أسلوب التعاطي مع المعقولات المتاحة، وإلى غياب المنهج المعرفي في التعاطي مع الوقائع، وفي الثانية ألمح إلى قصور المحتوى المعرفي الذي يستندون إليه في التعامل مع الوقائع، أما المستوى الثالث للتعامل مع تراث الآباء بحسب القرآن فهو:

3- عندما تصبح الكارثة واضحة وعلاقتها السببية بالتراث مفضوحة: وهنا الموقف هو الإدانة المطلقة لتراث الآباء، الذي ينتج الحالة الكارثية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} (سورة لقمان، الآية 21)، وعدّه أو عدّ علاقتنا به المسؤول الأول عن الكارثة، وأكبر الأمثلة على هذه الحالة، الانسداد الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي منذ طرح سؤال النهضة قبل نحو مئة عام، حيث تنعدم القدرة على النقد والمراجعة وتغيب فرص التقدم، وجميع الحلول المطروحة في الحقل الثقافي العربي هي اتهام الآخرين وتبرئة الذات بين مختلف الاتجاهات والتيارات من غير استثناء، وقد ظهر هذا العجز فاضحًا في الربيع العربي، حتى في النماذج التي حققت النجاح في مرحلة التخلص من الفرعون، كما في تونس ومصر، ووصلت إلى السلطة، لكن الوصول إلى السلطة أظهر العيوب القاتلة العميقة، فقد ظهر تشقق النخب وغياب المشتركات الوطنية التي يمكن أن يجتمع حولها الناس، كما حدث في تونس ومصر وسورية واليمن، وظهر جليًا أن الذي يجمع الناس الآن في هذه الأوطان هو عباءة المستبد، وعندما تتمزق تنعدم كل وشيجة جامعة و يتفرق المجتمع بددًا.

ملامح “مرجعية الآباء” بحسب القرآن:

1- غياب التفكير المستقل في القضايا، وبقاء العلاقة مع الأشياء والأفكار والأشخاص في حدود تركة الآباء، من دون أي سعي لإقامة علاقة جدية مستقلة، بل يشيع الاكتفاء بالترداد الوجل لما فعله الآباء أو قالوه، حتى لو صدمنا الجدار مئات المرات، وهذا النموذج استنكرته النبوة على لسان إبراهيم:

“ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، هل ينفعونكم أو يضرون، بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون”.

إن امتحان المسلمات المعرفية للآباء علامة صحة عقلية، كما أنه ضرورة وجودية، إنه يشبه تمامًا ما يقوم به المهندسون في تهيئة الأرض للبناء، من معرفة خصائص التربة وطبيعتها، وملاءمتها للبناء والتأسيس، وأي محاولة لتجاوز هذه المرحلة تجعل العمل عابثًا وغير مأمون، وربما تكون لها نهايات كارثية، كما يشيع في مجتمعاتنا.

2- الخضوع للأسماء والألقاب: فالتاريخ المنتصر العظيم الذي يمتلئ بالفتوحات، يحول دون النقد والمراجعة، وأسماء الآباء الكبار التي تملأ التاريخ، ووضعت المصنفات الكبيرة تتمتع بالحصانة المعرفية التي تصل لدرجة العصمة أحيانًا، فهي فوق النقد، وما قالوه فيها فوق المراجعة، ويبقى غلًا وقيدًا يعيق الحركة ويمنع الانطلاق.

{مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (سورة يوسف، الآية 40).

{إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} (سورة النجم، الآية 23).

ونلاحظ بحسب السياق القرآني أن المشكلة هنا على مستويين، مستوى العبودية الخالصة والتقديس التام التي لا تستبطن أي نوع من الجهد المعرفي (مستوى العبادة)، والمستوى الثاني مستوى فيه بعض الجهد غير الكافي للتحرر، إنه جهد قائم على التصنيف والتبويب والتحقيق[6] كما درجت عليه العلاقة مع إنتاج الآباء في عالمنا الثقافي، (مستوى التسمية).

3- الدخول في مواجهة المصلحين والمنورين مستندين إلى الموروث الراسخ، معلنين تمسكهم به، متهمين الداعي بضعف الحجة وغياب الدليل، مع الإعراض الكامل عن مساءلة الواقع ومقاربة الكارثة.

{قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} (سورة هود، الآية 53).

وهذا الموقف قد يكون مبررًا مقبولًا، لو اقتصر الاتهام على نقص الدليل، لكن ما تلاه من التعبير بين درجة من التصلب العقائدي الذي لا يقبل المراجعة (ما نحن بتاريك آلهتنا) ونية الرفض الكلي لما جاء به النبي بغض النظر عن الدليل (وما نحن لك بمؤمنين) وهذا يبين أن الاتهام بنقص الدليل ليس إلا حجة للتعبير عن موقف رافض متصلب.

4- اتهام الداعي في ولائه وإخلاصه: ويبلغ منهم القحة والجرأة أن يتهموا المصلح في ولائه لمجتمعه ودينه وفي نصحه لأمته، وكم أسكتت هذه الحجة أقلامًا وأعدمت فكريًا أشخاصًا، فوسمت نتاجهم بهذه الوسوم، وكانت وسيلة لاستمرار سدنة الظلام في السيادة والقيادة، وهذا ما يعبر عنه قوم صالح في مواجهة ناصحهم ومنقذهم! {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} (سورة هود، الآية 62)، لقد كان هذا الرجل بحسب الادعاء أملًا ومحلًا للرجاء، لكن ما تحدث به “فضحه” “وبين حقيقة دعواه التي لا يراد منها نصح الأمة وخدمتها!

5- الاحتجاج على الإلحاح والرد بالتحدي: بما يعبر عن درجة من التصلب العقائدي، والصرامة الفكرية التي تلغي أي فرصة للحوار وأي احتمال للمراجعة: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (سورة هود، الآية 32)، فهم يتهمون النبي بأنه يقوم بعمل بلا معنى، فهو جدل بلا قيمة ولا غاية، وأنه لن يغير موقفهم، ولن يزحزح مسلماتهم، مهما كانت طبيعة الحوار ومخرجاته، وهم يتحدونه بما يتوعدهم به.

6- الإصرار والتعنت: وغالبًا ما تكون وسيلة هؤلاء في مواجهة البينات التي يقدمها الآمرون بالقسط، مزيدًا من الجحود والتصلب، والتعنت، والمجاهرة بموقف خشبي غير قابل للتعديل أو التبديل، كما يجسده قوم نوح الذين لبث فيهم عمرًا مديدًا يدعوهم من غير طائل:

{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} (سورة إبراهيم، الآية 9).

{وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} (سورة البقرة، الآية 92).

فمجيء الرسل بالبينات لم يغير طبيعة المعركة ولا مخرجاتها، ولم يؤثر في مواقف الأقوام، فقد بلغت مواقفهم درجة من التكلس لا تسمح بأي مستوى من الزحزحة والنقد والمراجعة، وكل ما قيل عن طلب البينات كما هو شائع في مواجهة الأنبياء مع أقوامهم، كان نوعًا من الإستراتيجية التي تغالط حقيقة المواجهة، وتسعى لكسب الوقت، وتحاول التشويش على دعوة النبي أو الآمر بالقسط، وهي تقنية تبرع بها أنظمة الاستبداد اليوم.

7- التهديد بالقتل: وعندما تصل التعبيرات عن مواقفهم المتصلبة إلى مداها، وعندما يبلغ عجزهم الفكري في المواجهة أقصى تجلياته، فإن سلاحهم في مواجهة الآمرين بالقسط تكون في التلويح بالإعدام الجسدي للآمرين بالقسط، بعد أن تبين لهم أن الإعدام الفكري أو الأخلاقي قد تعثر، هذا ما هدد به قوم نوح، وما لوح به قوم إبراهيم وما حاوله في مكة قوم محمد.

{قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء: 116]

{قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 46]

واليوم ما هو موقف الآمرين بالقسط أمام “مرجعية الآباء”؟

نستطيع مقاربة الموقف من الآباء اليوم من خلال نقاط عدة، يمكنها أن تخلخل الموقف العقائدي المتصلب، الذي يصنّم الآباء ويسبغ عليهم القداسة، ولا يميز بين النجاحات التي حققوها، بوصفهم بشر قاموا بوظائفهم بصورة مكافئة في زمانهم ومكانهم، والإطلاقية الزمانية المكانية التي يحاول أن يسبغها عليهم البعض أقوالًا وأفعالًا بما يخالف طبيعتهم البشرية، ومنطق التاريخ، وطبيعة الهدي القرآني، ويحولهم إلى قيود وأغلال في أعناق الناس، بدل أن يكونوا أرضية للانطلاق، وإقامة علاقة صحية صحيحة مع الحاضر:

1- النقطة الأولى: إن “السلف الصالح” لم يكن لهم مثل هذا السلف الصالح الذي ندعيه، فإذا أردت أن تقلد السلف الصالح حقيقة، فالخطوة الأولى أن تتحرر من هذا المفهوم، وأن تلتفت إلى نفسك وتبدأ منها، فرأس السلف الصالح أي النبي وأصحابه لم يكن لهم سلف صالح بالمعنى الذي نتداوله، وهذه واحدة.

2- والنقطة الثانية: إن المرجع بحسب القرآن الكريم هو “ما أنزل الله” ونستطيع القول إن ما أنزل الله على نوعين: نوع أُنزل في الكتاب، ونوع أشار إليه الكتاب، وهو ما ينزل في الكون، فالقرآن الكريم وهو الوحي غير المباشر أو الوحي المنفصل يأخذ بيدنا إلى الوحي المباشر أو الوحي المتصل الدائم في الكون والتاريخ، (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين أنه الحق) والكون والتاريخ شاهدا العدل للقرآن.

3- التجربة التاريخية الإسلامية بدءًا من سيرة النبي والراشدين محل للاعتبار والمراجعة، فهي أول تنزيل بشري للنص القرآني، ولكنها مشروطة بتاريخها وبشريتها.

4- القرآن والكون والتاريخ والعقل: هي المكونات التي أنشؤوا منها عالمهم الثقافي. وفي بحث جودت عن العمل قال: “إن ولادة العمل تأتي من تلاقح زوجي القدرة والإرادة، وأن القدرة تأتي من تلاقح زوجي العقل والكون، وأن الإرادة تأتي من تلاقح زوجي العقل والمثل الأعلى (القرآن).

5- فلما نضع العقل الإنساني أمام القرآن والكون والتاريخ نعيده للحظة التأسيس، ونمده بأدوات التأسيس، التي أنشأت حضارة الأمة لأول مرة، ونحن بهذا نحرر العقل المسلم من زينة القوم التي تثقل ظهورنا وتعيق حركتنا في التاريخ، وهذا ما اجتهد جودت سعيد وجهد من أجله بكل ما أوتي من الوسع والطاقة[7].

 

1- وللمثال نذكر ما جاء في مقدمة كتاب الأم في الفقه للشافعي عن تلميذه إسماعيل بن كثير قوله: “نقلت هذا من معنى كلام الشافعي مع إعلامي نهيه ونهي غيره عن تقليده أو تقليد غيره”، لكن هذا لم يمنع أتباع المذهب أن يحولوه إلى ما يشبه الدين في لحظة من التاريخ.

2- الذين شرحوا الجسم الإنساني لأول مرة في العصور الحديثة، لم يجرؤوا على تخطئة أرسطو، بل صرحوا أن الجسم الإنساني ربما اعتراه بعض التغيير عبر التاريخ لأنهم وجدوا في التشريح للجسم الإنساني ما يخالف مقولات المعلم الأول.

3- . وهي ذريعة أعجبت طغاة عالمنا، فصاروا يتحدثون عن الخصوصية الثقافية، في مواجهة انتقادات المنظمات العالمية للامتيازات الإمبراطورية التي يتمتعون بها في مزارعهم (بلدانهم).

4- كان من دعاء النبي الدائم “اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل”.

5- وهذه “الكليشة” في الاتهام تذكر كثيرًا بطبيعة التهم الجاهزة المعلبة التي كانت توجه للناشطين في سياق الثورة السورية.

6- ولذلك طبعت موسوعات فقهية ضخمة لا تجد فيها جهدًا للفقيه المعاصر إلا الغوص في ما كتبه الأولون، وجمعه ووضعه في مكان واحد، مع غياب تام للفقيه المعاصر وعصره وعقله.

7- . طلبت من أحد الإخوة الكرام مراجعة ما كتبت فتكرم علي بعدة ملاحظات رأيت أن أسجل هنا إحداها: إن الطرح المتوازن والموضوعي المهتم بتقديم ما ينفع الناس وتغيير واقعهم شرطه الأساس أن لا يلتفت إلى ما قدمة السلف إلا بقدر الاستفادة منه، لا بقدر إثبات خطئه فالخطأ خطؤنا وليس خطأهم، وهنا تصبح معركته في واقعه المشكل ومستقبله لا في ماضيه وما ترك هذا الماضي من أثر، وللأسف ما أكثر من يشتبك مع الماضي ويضيع جهده، والأستاذ جودت برأيي المتواضع أيضًا هو أفضل من استطاع أن يقارب هذه النقطة، لذلك كان مقبولًا بشكل لا بأس به عند الجميع تقريبًا واستطاع أن يقدم خيارًا ملائمًا للعمل الهادئ.

مشاركة: