دراسة الهويّة السوريّة؛ من خلال نماذج شعرية مختارة من الشعر السوري المعاصر

مقدّمة

يبدو أن الحديث في الأدب والنقد لا يعدو أن يكون ضربًا من ضروب اللامعقولية في واقع يلهث وراء كسرة الخبز، ولكن أيصل بنا الحال إلى أن ننكر أنه فعلٌ إنساني؟ بل الأدب فعل إنسانيّ في أسمى صوره، وهذا ما يجعله من كماليات عصر الجنون الذي نعيش في دوّامته.

في هذه الأوراق نقترب كثيرًا من أيامنا بكل ما فيها من صراعات الوجود والهوية، ولكن بأسمى صيغها، وهي الصيغة الشعرية، لنغوص في قصيدتين من قصائد الربيع العربي، فنتلمس فيهما أزمات وجودية مضافة إلى أزمات عيشنا اليومي، وهي أزمات الشعور بالاغتراب عن الهويّة، وهي السّمة الأساسية التي طبع بها أدب الربيع العربي، في جانبه الإنساني البعيد عن الشعارات والأيديولوجيات. فأدب الربيع العربي ليس هو الأدب المفخّخ بالأيديولوجيا فحسب، وإنما هو كل ما أنتج في فترة التحوّلات التي تشهدها البلدان العربية.

ولمعرفة سمات هذا الأدب نحاول أن نلمسه عن قرب بنظرة نقدية، تقدّم ملامحه بشكل جليّ، وقد وقع الخيار على قصيدتين من قصائد الشاعر المعاصر حسين الضاهر، وذلك لما يمتلكه من أدوات تعبيرية شعريّة جماليّة بعيدة عن التثوير والتحزّب والتطرف، فكان مذهبه التيار الإنساني بتمثيله الهوية السورية وما تعانيها من صراع الوجود في ظل هذه الأزمة.

الشاعر حسين الضاهر

شاعر سوري من مواليد مدينة منبج بريف حلب 1988، مقيم حاليًا في تركيا، صدر له ديوانا شعر الأول بعنوان (مياه صالحة للقتل) عام 2020، والثاني بعنوان (مشاهد يتلوها البدوي) 2021. وهو حاصل على جائزة أبي العلاء المعري للفنون الأدبية عام 2018.

التحليل

وقع الاختيار على قصيدتين من قصائد الديوان الأول (مياه صالحة للقتل)، لما فيهما من تشعّبات دلاليّة للعلامات اللغوية الشعريّة، التي تقودنا شيفرتها إلى تكوين ملامح الهوية السورية عامة.

  • القصيدة الأولى، بعنوان (تشابه أحزان)، يقول فيها:

حملتُ اسمي ثلاثينَ خيبةً ونصف

كإبريقٍ أثريٍّ

وعبرتُ بهِ القبائلَ

والحواجزَ

والوجوهَ الصفراءَ بعد نوباتِ الموتِ

عبرتُ به قوائمَ المطلوبين والشهداءِ

ومئاتِ الحواسيبِ

وعندَ الحدودِ الفاصلةِ بين السّلْمِ والحربِ قالوا:

ثمّةَ حزنٌ يشبهك

ولا يشبهك

فكّرتُ: لعلّه تشابهُ أحزان

فكّرتُ: ومنْ في هذهِ البلادِ لا يشبهني حزنًا؟

فعبرت

وكما العابرينَ مازلتُ أحتفظُ باسمي

أدسّهُ في جيبي معظمَ الأوقاتِ

أحشرُه منتصرًا في مؤخّرةِ القصائد

ويحشرني في قوائمِ الّلجوء

متى أراد.[1]

قد تبدو هذه القصيدة قصة شعريّة عاديّة لشخص راوده شعور الحزن عند حدود الهجرة إلى خارج البلاد، ولكن الحقيقة أن علاماتها أكثر خداعًا مما نظنّ، فالعنوان تشابه أحزان، والبداية مع اسمه، ومن هنا تبدأ المراوغة الشعرية. فعلى الرغم من أنّ اسم الفرد يحمل صفة التفرّد، فهو الشيء الذي لا يشترك فيه شخصان أو مجموعة أشخاص، إلا أنه كثيرًا ما نسمع عن تشابه الأسماء بين بعض الناس، ولكن الشاعر يطالعنا بعنوان مفاجئ، فلا يقول تشابه أسماء كما عهدنا، وإنما تشابه أحزان، وليضعنا في مأزق القصيدة، بدأ بالحديث عن اسمه (حملت اسمي ثلاثين خيبة ونصف)، مشكّلًا بذلك جدليّة القصيدة المبنيّة على العلامات الثلاث (تشابه، اسم، أحزان)، فالعنوان عن الأحزان والبداية عن الاسم فما هو المتشابه؟ ويبني المقطع الأول كاملًا على علامة الاسم، فيقول: (عبرت به القبائل.. والحواجز.. والوجوه الصفراء..) هنا يصف بعضًا من الممارسات ضدّ المواطن السوري الذي لا يمكن أن يسير بأمان حتى في أرضه، أرض سوريّة، بل خاصة في أرضه أرض سوريّة، فهناك كثير من الحواجز التي تفتّش البطاقات الشخصية (الهوية) لتتأكّد إن كان اسم الشخص في قوائم المطلوبين أم لا. والجدير بالذكر أنّ كثيرًا من غير المطلوبين تمّ القبض عليهم بسبب تشابه الأسماء، وهنا أحد جوانب قلق العلامة، تشابه الأسماء أم تشابه الأحزان؟ غير أنّ الشاعر تجاوز كلّ المصاعب من دون تشابه أسماء قد يودي به إلى معاناة ما، وإنما دخل إلى العلامة التالية والتي هي تشابه الأحزان، فعند الحدّ الفاصل بين السّلْم والحرب، أيّ الحدود بين سورية وخارجها، (قالوا ثمة حزن يشبهك.. فكّرت: لعلّه تشابه أحزان). نلاحظ أنّ الشاعر يتنقّل بين العلامات الثلاث، ويراوغ بلغته الشعريّة ليخدعنا فنصدّق ادّعاءاته الشعريّة، وهذه هي اللعبة الحقيقية للغة الشعر. بنظرة فاحصة نجد أنّ التشابه الذي يمكن ملاحظته هو تشابه الأسماء، غير أن الشاعر كما رأينا لم يُعانِ من هذه التهمة، وإنما عبر الحواجز واللائحات المعنيّة بأسماء المطلوبين، ولا يمكن أن يتمّ توقيفه على الحدود لأجل تشابه أحزان، فكلّ من عبر هو مهجّر من بلده، فكلّهم لديهم المعاناة ذاتها، ولكن لن يُسأل أحد عن تشابه معاناة، إذًا ما الذي تشابه؟ سؤال تطرحه جدلية العلامات المختلقة من الواقع والمتشابكة عبر المجاز، لتعبّر في النهاية عن دلالة الهويّة.

التشابه الذي قصده الشاعر في منظومته العلاماتيّة هو تشابه الهويّة، ولكن ليست الهوية الشخصية التي يتفرّد بها كل مواطن، وإنما هويّته بوصفه مواطنًا سوريًا، فهو يعاني من الحواجز والتفتيش كما يعاني من وجع الحرب وأحزانها، لهذا تتشابه أحزان السّوريّين في بلاد المهجر واللجوء.

(وكما العابرين مازلت أحتفظ باسمي) أي بهويّته السورية، وبجنسيّته السورية المثقلة بالأحزان، يحشره منتصرًا آخر القصيدة، فبات تفرّده وتعبيره عن وجوده الإنساني بقصيدة أكبر انتصاراته. ثم يُنهي بقوله (ويحشرني في قوائم اللجوء)، أي مهما حاول التفرّد بنفسه إلا أنه يفقد كينونته المتفرّدة بسبب هويّته السّوريّة التي باتت عنوانًا عريضًا في بلاد اللجوء يندرج تحته أعداد من اللاجئين.

فهذه القصيدة هي أكبر تعبير عن مفهوم هويّة الإنسان السوري المعاصر في الداخل أو في الخارج، ففي الداخل هويّته هي اسم بعيد عن قوائم المطلوبين، لا أكثر ولا أقل، وفي الخارج هويّته هي اسم في قوائم اللجوء، فهي هوية بإطار عام لا تفرّد فيها. الكل يذوق المعاناة ذاتها، والكل عبارة عن أسماء في قوائم. ومن هنا كانت لعبة الشاعر بين العلامات الثلاث، لعبة على وتر دلالة التشابه بين الحقيقة والمجاز.

  • القصيدة الثانية بعنوان (أنفي يلتقط الزكام بمهارة)، يقول فيها:

أعيدُ تجميعَ قطعَ وجهيَ كلَّ صباح

بعد أن أبحثَ عنه في أنحاءِ الغرفة

أجدُ عينيّ في منفضةِ السجائرِ تبكي البلاد

بصمت

أُخرجها

أزيلُ عنها الرمادَ وأضعُها في محجرِها

أذني هناكَ كعادتها

أمام التلفازِ تنتظرُ مفردةَ سلامٍ مارقةٍ لتحضنها

أمسكها من طرفهَا بلؤمٍ

وأعيدُها إلى مكانها ملتصقةً برأسي

فمي بجوارِ النافذةِ

يشتمُ المارّة

ويرطنُ بمفرداتٍ لا أفهمُها

أسدُّه بيدي

وأعيدُه إلى أرضِ الصّمت

أنفي محشورٌ بالشعر

يرتّبُ حروفًا، ويلتقطُ الزكامَ بمهارة

أنظّفهُ بمنديل

أركّبهُ في مكانه

فأشمُّ رائحةَ خوفيَ الرهيب[2] 

تعبّر هذه القصيدة عن الضياع والتمزّق والاغتراب الذي يعيشه المواطن السوري، عن طريق صورة مجازيّة سريالية، بأنّ قطع وجهه مبعثرة، هذه الفكرة العامة التي بنى عليها الشاعر مصفوفته الشعريّة. ومن البداية أعطى الفكرة العامة بقوله (أعيد تجميع قطع وجهي كلّ صباح بعد أن أبحث عنها في أنحاء الغرفة)، غير أن مثل هكذا مطلع يضع القارئ في مواجهة خداع العلامات النصيّة من البداية، إذ يخلق كثيرًا من الأسئلة مثل: كيف يجمع قطع وجهه؟ هل ضاعت منه؟ أم تركها عمدًا؟ كيف لقطع الوجه أن تتبعثر في الغرفة؟ والسؤال الذي يصل إليه القارئ أخيرًا هو هل يقصد الوجه حقًّا؟ ما دلالة الوجه؟ البحث عن دلالة الكلمة المفتاحية من البداية من شأنه أن يجعل القصيدة أكثر مقاومة لتفكيكها، وفي الوقت ذاته تعلن عن تفكّكها منذ البداية. أي هي تنبئ أنها لغز يحتاج منك أن تتعقبه وتتلمّس علاماته الدلالية لتتشكل لديك الدلالة الشاملة لهذه المنظومة كاملة، وفي الوقت ذاته تعلن عن أنها مفكّكة، فهي ذات علامات مخادعة. وللحقيقة فإن العلامة ليست بعلامة إن لم تكن مُخادعة، وهذا التناقض هو السرّ الكامن وراء كينونة القصيدة. وبما أنّ الوجه هو العلامة المفتاحية، فإن قطع الوجه هي أيقونات دلاليّة تكشف عن عملية تفكّك العلامة الكبرى للنصّ. يبدأ بالعينين فيجدهما في منفضة السجائر تبكيان البلاد بصمت على حدّ تعبيره. بالاتفاق على أنّ العلامة ليست هي ذاتها اللغوي، وبالإيمان أنها دائمة التحوّل، يمكن القول إنّ الشاعر اختار فعلًا من أفعال العين التي تدلّ على حال المواطن السوري وهو البكاء على البلاد، وهذا ليس بالأمر المجازيّ، فلا يملك المواطن في هذه الأيام من عينه إلا الدموع على بلاده، وإنما جعل المجاز في منفضة السّجائر، لماذا منفضة السجائر تحديدًا؟ هو يعلم أننا ننتظر من قطع الوجه أن تشكّل علامات مفصلية نستند إليها في التحليل، ونبني عليها تفكيكنا، غير أنه كعادة الشعراء قدّم لنا خدعة لغويّة اعتمد فيها الترميز المكاني، فجعل من منفضة السّجائر رمزًا دلاليًّا لرماد ما بعد الحرق، وهذا ما تبكيه العين، تبكي الوطن الذي بات رمادًا للحرب، وبهذا جعل من المنفضة رمزًا مكانيًّا ضمن لعبة أعضاء الوجه التي يزجّنا بها الشاعر.

ينتقل إلى العضو التالي وهو الأذن الموجودة أمام التلفاز كعادتها، كما يقول، لتسمع كلمة (سلام) فتحتضنها. فأذن المواطن تريد أن تسمع كلمة (سلام)، ولكن أيّ سلام؟ هل هو سلام بانتصار لمصلحة النظام؟ أم هو سلام بانتصار لمصلحة المعارضة؟ لم يحدّد، إذ أراد للكلمة أن تكون مطلقة، خاصّة أنه ذكرها بصيغة التنكير، غير مقيّدة حتى بال التعريف، أيّ سلام كان، فالمواطن السوري بعد كلّ ما عاناه وما زال يعانيه بات بأمسّ الحاجة لهذه الكلمة، حتى وإن كان سلامًا داخليًا مع نفسه. ثم تأتي ردّة فعل الشاعر على هذه الصورة، فيقول (أمسكها من طرفها بلؤم)، لماذا بلؤم؟ ألأنها تبعثرت منه؟ ولكن لم يفعل ذلك مع العين أو بقية الأعضاء، أم لأنها تبحث عن كلمة (سلام) غير محدّد المعالم؟ وهنا يتجسّد فكر المواطن السوري الازدواجي، الذي يؤمن بشيء، ويتمنى شيئًا آخر، وتمزّقه بين الواقع وأمنياته، فواقعه لا يختلف عن أمنياته فحسب، بل يناقضها. هو يؤمن بالتغيير في حين يتمنى السلام غير المشروط حتى من دون أدنى تغيير، لتنتهي حياة الحرب التي أنهكته، ولذلك كان بارعًا في استخدام كلمة واحدة (بلؤم) ليعبّر عن الصراعات الداخلية التي يعيشها المواطن السّوري.

كل ذلك وهو إلى الآن لم يوضح ما إن كان يتحدّث عن المواطن داخل سورية أو خارجها، فكلّ معالم الهوية التي تبدّت في القصيدة إلى الآن تندرج في العنوان العريض وهو هوية المواطن السوري بشكل عام أينما كان، ولكن في دلالته الآتية يكشف لنا عن معاناته بوصفه مغتربًا من خلال (الفم). فمه (يشتم المارة ويرطن بمفردات لا يفهمها)، على حدّ تعبيره، والرّطن هو التحدّث بلغة غير مفهومة للآخر. فأيّ آخر هذا الذي تمثّل في هذه الصورة، والشاعر يتحدّث عن نفسه؟ يخلق الشاعر لنا حالة من الانفصام عند مواطن انسلخ لا عن وطنه فحسب، وإنما عن وجوده اللغوي أيضًا، علمًا أن الإنسان ليس إلا وجودًا لغويًا بطريقة أو بأخرى، فانسلاخه عن لغته يعني انسلاخه عن نفسه وعن ذاته. هذا لا يعني أنّ كل من تعلّم لغات أخرى منسلخٌ عن هويّته اللغوية، التعلّم شيء وإحلال لغة مكان لغتك الأصلية شيء آخر، أبسط أفعاله السّخيفة (يشتم المارّة)، يعبّر عنها بلغة غير لغته الأم، وأكثر الأفعال التي تدلّ على ذواتنا، تلك الأفعال السّخيفة التي نفعلها من دون غاية، فهو بهذا الفعل الذي لا غاية منه (شتم المارّة)، لا يعبر عن تعلّم لغة جديدة في بلاد المغترب، وإنما عن الانسلاخ الوجودي، وغربته اللغوية، يعبر عن الشرخ في الهوية اللغوية الذي يعانيه كلّ مغترب وكل لاجئ. ثم يقول: (أسدّه بيدي وأعيده إلى أرض الصمت)، فبعد أن جعل من فمه آخر يعبّر عن اغترابه اللغوي، يؤثِر الشاعر أن يعود إلى الوحدة التي عبّر عنها بعبارة (أرض الصمت)، فهو يخلق حالة أكثر انعزالية، كون الوجود الاجتماعي للإنسان ينتج عن التواصل اللغوي، ولأن التواصل اللغوي يشكّل له كثيرًا من الاغتراب، فيفضّل الاغتراب وحيدًا. فاغتراب اللغة يشكّل انسلاخًا وجوديًا، ومن ثَمّ غرقًا في الشعور بالوحدة، فهو يوغل بدلالاته في أعمق نقطة من نقاط الاغتراب.

ثم يأتي إلى العنصر الأخير في قصيدته وهو الأنف، ولكن لماذا أنفه تحديدًا محشور بالشِّعر، يرتّب الحروف على حدّ تعبيره؟ لماذا ليس الفم؟ فالفم هو الذي يتحدّث بالشعر عادة, ذلك لسببين, السبب الأول هو أنه أراد للفم دلالة الانسلاخ اللغوي، والإغراق في التغريب كما رأينا، وثانيًا ليجعل من الأنف خاتمة تليق بالشعور العام للقصيدة، والإنسان المغترب، فالشعر هو دلالة الحالة الوجودية التي يعيشها المواطن، أيّ على الرغم من اغترابه الذي أوغل فيه في الدلالة السابقة، إلا أنه لم يصل إلى حدّ اللّا وجود أو المحو التام، بل هو موجود بدلالته الشعرية، ولكنه وجود مريض (يلتقط الزكام بمهارة)، ليس وجودًا إنسانيًا طبيعيًا، وإنما وجود مريض يعاني الزكام، وقد جعل من هذا التفصيل عنوانًا للنص، ذلك لأن النصّ بشكل كامل يعبّر عن حالة غير طبيعية تتناول الحالة الوجودية، ببعثرة أجزاء الوجه. ولأن الأنف هو المعبّر عن الدلالة الشمولية للنص.

وعندما يركّب أنفه في مكانه يشمّ الخوف، علمًا أنّ المصاب بالزكام لا يكون قادرًا على الشمّ، غير أنه على الرغم من الزكام الذي التقطه بمهارة، استطاع أن يشمّ رائحة الخوف، وكأنّ الخوف باختراقه أنفه المريض بالزكام قد اخترق ذات الشاعر، أو المواطن. نلاحظ أنّ الشاعر في هذه الدلالة لم يلجأ إلى علامات مخادعة وإنما تقصّد في نهاية القصيدة أن يعطي الدلالة بشكلها المباشر الواضح، وذلك لكي يربط بين النهاية والبداية، فيعطي الدلالة العامة للنص، إذ كانت البداية في (أعيد تجميع قطع وجهي)، وطرحنا السؤال هل يقصد الوجه على الحقيقة الفنّية أم كانت لعبة دلاليّة؟ وقلنا إنها الكلمة المفتاحية التي لن تتكشف إلّا بتفكّك شيفرة القصيدة، ورأينا أنّ مع كلّ قطعة من قطع وجهه كان هناك دلالات على مكوّن من مكوّنات هويّة المواطن السوري المغترب، فقد عبّر عن شعوره بالضياع والتلاشي والانسلاخ، وكان آخرها الخوف الذي يجمع بين كلّ تلك المكوّنات، بل الذي يشكّل محور حياة المواطن السوري، فكلّ عضو من أعضاء وجهه هو مكوّن من مكوّنات الهوية، فكان المتلقّي على حقّ حين سأل عن دلالة الوجه من البداية، فيجيبه الشاعر بأنّ الوجه هويّة الإنسان السّوري التي يخترقها الخوف وينهشها من كلّ جهة.

خاتمة

ليست القصيدة ترفًا ينتجها نخبة من سادة المجتمع، ولا هي تكسّبٌ على أبواب الولاة والسّلاطين، ولا حالة من الفراغ الثري، وإنما هي الْتصاق بالواقع، تحمل سماته ومعاناته، بدلالاتها وعلاماتها ومخاتلاتها اللغوية.

ليست القصيدة إلا ثورة على لهاث خبزنا اليومي، فلا تبتعد كثيرًا عن طوابير حياتنا، وإنما تسلّط عليها الضوء مجازًا ثوريًا.

هذا النوع من القصائد ليس إلا جزءًا بعيدًا عن أنماط أخرى من أدب الربيع العربي المليء بالتناقضات التابعة لأيديولوجيّات مختلفة، كلّ منها يرى الوطن والهوية من منظور أحقّيته التي يُبنى عليها ضرورة إقصاء الآخر.

لذلك آثرنا في هذه الأوراق تقديم البعد الإنساني في تمثيله للهوية السورية، تلك الهوية المثقلة بالتشتّت والتمزّق والاغتراب والخوف.

حسين الضاهر، مياه صالحة للقتل، موزاييك للدراسات والنشر، تركيا – اسطنبول، الطبعة الأولى، 2020، ص: (17- 18).[1]

 حسين الضاهر، مياه صالحة للقتل، مصدر سابق، ص: (35 – 36) [2]

علا الجبر

كاتبة وناقدة سورية، من مواليد دمشق ١٩٨٧، من الجولان المحتل، ماجستير في اللغة العربية – تخصص النقد الحديث، صدر لها مجموعة قصصية بعنوان “بث مباشر من أورشليم” عن المكتبة العربية للنشر والتوزيع، وهي قصص تبتعد كثيرًا عن السياسة، تعرض فيها لوحات من الواقع السوري بشكل أساسي، والعربي بشكل عام، بكل مفرزات هذا الواقع النفسية والاجتماعية والعاطفية وغيرها. وصدر لها أيضًا مجموعة قصصية بعنوان “حواجز” تُراوح ما بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا، وتشكل الأزمة السورية بكل أبعادها، الاجتماعية والسياسية والشخصية والعاطفية، مادة أساسية للحدث القصصي.

مشاركة: